
رواية اولاد الباشا الفصل السابع والعشرون 27 بقلم شيماء منير
تأتي لحظات الفراق كعاصفة غير متوقعة، تهز أركان القلب وتترك خلفها حطامًا من الذكريات والأحلام المجهدة. ليس الوجع مجرد ألم عابر، بل هو أنين صامت يتردد في أعماق النفس، ودمعة تُحتجز بين العين والروح، وندبة تحفر مجراها في ثنايا القلب لتروي قصة حنين لا ينتهي وشوق لشخص أصبح بعيدًا كالنجم، ولكن أثره ما زال قريبًا كالنفس.
بعد مرور أسبوع كامل...
كان فارس يجلس في مكتبه بالشركة، يغرق في بحرٍ من الشرود والضياع. أسبوعٌ مرّ وكأنه دهر، ولم يظهر لـ بنان أي أثر، اختفت تمامًا وكأن الأرض ابتلعتها! حتى بعد أن طلب صلاح من سمية تقديم بلاغٍ للشرطة باختفاء ابنتها، ودعموا البلاغ بأقوال يمنى عما حدث، ورغم قيام الشرطة بالبحث والتفتيش في كل مكان، إلا أن النتائج كانت صفرًا.
صار يقضي معظم وقته في الشركة، يهرب من العودة إلى البيت؛ فلم يعد يطيق رؤية جدرانه وهي خالية منها، ولا يتحمل رؤية عمته وهي تبكي ليل نهار على فراق ابنتها الوحيدة، بينما يقف هو عاجزًا لا يملك إجابة واحدة يهدئ بها قلبها المكسور.
أفاق من ركود أفكاره على طرقات خفيفة متقطعة على الباب.
نطق فارس بصوتٍ مبحوح ومتشحرج من أثر الصمت الطويل:
— ادخل.
فتحت هند الباب ودخلت وهي تحمل بين يديها صندوقًا كرتونيًا متوسط الحجم.
قال فارس بنبرة حادة ومرهقة دون أن يرفع رأسه:
— أنا مش قايلك تسيبيني شوية يا هند؟ دماغي مش مستحملة كلام ولا شغل دلوقتي!
ردت هند بآسف وهي تقترب ببطء:
— أنا آسفة جدًا يا فندم، بس رئيس الحرس طلب مني أوصل لحضرتك البوكس ده.. قال إنه وصل من شوية.
وضعت هند الصندوق على حافة المكتب واستأذنت بالخروج.
اعتدل فارس في جلسته، واقترب من الصندوق بفضولٍ مشوب بالحذر. فتح الغطاء، ولحظتها... سكنت الحركة في جسده وتجمّدت الدماء في عروقه!
كانت المفاجأة التي أطارت صوابه: فستان زفاف بنان!
وقف فارس بصدمة ذهول، ومدّ يده ببطء يرتجف ليخرج الفستان من الصندوق. لكن، ما إن رفعه حتى عصفت بقلبه صدمة أشد ضراوة وألمًا.. كانت هناك نقاط جافة من الدم تنتشر على قماش الفستان الأبيض!
ولم يكن ذلك كل شيء.. بجانب الفستان، كان العقد الماسي الذي أهداه لها مكسورًا ومُلقى بإهمال في القاع.
شعر فارس بنغزة حادة في قلبه كأن خنجرًا غُرس فيه. وبحركة سريعة مسكونة بالقلق، أخرج هاتفه وطلب رقم رئيس الحرس الذي صعد إليه فورًا.
صنع فارس مجرى لنظراته الغاضبة وهتف فيه بحدة:
— مين اللي جاب الصندوق ده هنا؟!
رد رئيس الحرس بثبات:
— حد سلمه للأمن تحت يا فندم، وطلب منهم يوصلوه لحضرتك شخصيًا.
هتف فارس بغضبٍ جارف:
— يعني إيه؟! وأنتم ماشوفتوهوش وهو بيديهولكم؟!
أوضح رئيس الحرس بتوتر:
— لأ يا فندم محدش لمحه، إحنا فتشنا الصندوق بس قبل ما نطلعه لحضرتك كدواعي أمنية.
صاح فارس بصرامة:
— تفرغلي كاميرات المراقبة فورًا وتعرفلي مين اللي دخل ومشي!
أومأ رئيس الحرس بطاعة:
— حاضر يا فندم، تحت أمرك.
ما إن خرج رئيس الحرس حتى احتز صمت الغرفة صوت رنين هاتف فارس. نظرت الشاشة فإذا هو عماد.
أجاب فارس بلهفة واضطراب:
— أيوه يا عماد؟
جاءه صوت عماد متسارع الأنفاس من الطرف الآخر:
— فارس باشا! حضرتك لازم تيجي الفندق فورًا، في معلومات خطيرة ومهمة لازم تشوفها بنفسك!
عقد فارس حاجبيه وسأل بنبرة مشدودة:
— في إيه يا عماد؟ اخلص!
رد عماد بلهفة:
— يا باشا، واحدة من الكاميرات الجانبية جابت وش العامل وهو بيقلع الكمامة بتاعته وهو طالع!
لم ينتظر فارس سماع كلمة أخرى؛ وقف فورًا، التقط مفاتيح سيارته وهاتفه، وخرج من الشركة كالعاصفة متوجهًا إلى الفندق.
ــــــــــــــــ/ـــــــــــ
ترجل فارس من سيارته أمام الفندق بخطوات متسارعة، والدماء تغلي في عروقه.
كان عماد بانتظاره عند البوابة الرئيسية، وما إن رآه حتى أسرع نحوه واصطحبه فورًا إلى غرفة المراقبة والكاميرات.
وقف فارس أمام الشاشات الضخمة وعيناه تتفحصان التسجيل بتركيزٍ حاد
. شغل عماد الفيديو، وعند اللحظة التي ترجل فيها العامل وشمر كمامته بقلة صبر قبل أن يغادر، هتف فارس بصرامة:
— ثبت الصورة هنا.. واعمل زووم على الوش!
اقتربت الصورة واستجلت معالم الوجه بوضوح.. سكنت ملامح فارس لثوانٍ، قبل أن تتسع حدقتاه بغضبٍ جارف؛ لقد تحققت أسوأ شكوكه! الشكوك التي طالما راودته ولم يملك عليها دليلًا واحدًا باتت الآن حقيقة ساطعة كالشمس.. إنه عمرو عزام!
ضرب فارس قبضته على الطاولة بغلٍّ وهو يسبّ تحت أنفاسه بصوتٍ هادر:
— يا ابن الـك لب والله لأطلع القديم والجديد على جثتك!
دون أن يضيع ثانية واحدة، أخرج هاتفه وطلب رقم رئيس المباحث.
أجاب الطرف الآخر، فبادر فارس بنبرة حادة ومصممة:
— مصطفى بيه، عندي أخبار جديدة ومعلومات خطيرة لازم تشوفها فورًا!
رد مصطفى باهتمام:
— أنا مستنيك يا فارس، تعالى على المكتب حالًا.
أغلق فارس الخط، وأخذ نسخة رقمية من فيديو الكاميرات، ثم انطلق كالسهم ونحو مركز الشرطة. هناك، وضع كل أدلته الجديدة وما حدث اليوم أمام رئيس المباحث.
لم تتأخر المباحث؛ على الفور، جهّز مصطفى بيه قوة أمنية وانطلقوا نحو فيلا عبد الرحيم عزام. اقتحمت القوة المكان، لكن الفيلا كانت خاوية تمامًا، تسكنها البرودة والصمت.. فالأب عبد الرحيم يقبع خلف أسوار السجن، وعمرو أصلًا هاربٌ من وجه العدالة!
عادت القوة، وفي مكتب رئيس المباحث، جرى الحوار بينهما..
قال مصطفى وهو يسند ظهره إلى الكرسي بهدوءٍ حذر:
— طبيعي جدًا إنه مش هيكون موجود في الفيلا، بس كان لازم نعمل الخطوة دي رسميًا عشان نقفل عليه كل منافذه.
رد فارس بغيظٍ مكتوم وهو يمتلئ بالوعيد:
— بس أكيد متداري في جحر زي الفيران!.
ابتسم مصطفى بثقة وأردف بثبات:
— وأكيد هنوصله، هيروح مننا فين يعني؟ هو أصلًا بتصرفاته الغبية دي بيلعب في عداد عمره، والوقت بقا مسألة ساعات مش أكثر.
ــــــــــــــــــــــــفي بيت قديم
كانت تجلس على أطراف السرير، واضعةً رأسها بين ركبتيها في وضعية تقوقع وانكسار.
بدأ الذبول يتسلل بوضوح إلى ملامح وجهها البريء الرقيق، وارتسمت هالات سمراء شاحبة تحت عينيها الخضراوين اللتين أطفأهما الحزن والشوق.
اقتربت منها مايسة بهدوء، وحملت بين يديها طبقًا صغيراً، ثم قالت بنبرة حنونة ومشفقة:
— يلا يا بنتي كلي لك لقمة بقا.. ده انتي هتموتي كده من الجوع!
رفعت بنان رأسها ببطء، ونظرت إليها بضيقٍ وصمت، ثم أعادت رأسها كما كان دون أن تنطق بكلمة.
تأوهت مايسة بخوف وأردفت:
— انتي باين عليكي مش وش بهدلة ولا عذاب.. اسمعي كلامه وخلي اليوم يفيوت، ده شكله مخه جزمة ومش ناوي يتنازل عن اللي في دماغه واصل!
في تلك اللحظة، فُتح الباب بحدة ودخل عمرو بملامحه الصارمة الجافة. نظر إلى الطبق ثم وجه كلامه لـ مايسة:
— سيبي الوكل ده واطلعي بره يا مايسة!
نظرت مايسة إلى بنان بحيرة وحسرة، ثم انسحبت بهدوء وإغلاق الباب خلفها.
اقترب عمرو بخطوات ثقيلة، وقعد في المقابل لها على طرف السرير، قائلاً بنبرة حادة تحاول اصطناع الصبر:
— مش ناوية بجة تليني رأسك اليابسة دي معايا؟
ابتعدت بنان بجسدها عنه وهي تشمئز من قربه، وهتفت فيه بتحدٍ وعينان تشتعلان كبرياءً رغم الضعف:
— لو ده آخر يوم في عمري مش هتلين! أبعد عني.. بكرة تندم على كل اللي بتعمله ده.. فاهم؟! أنا مرات فارس الباشا.. وفارس وبس!
احتقن وجه عمرو بغيظٍ مكتوم، وتجلت الشرارات من عينيه وهو يصيح بحدة:
— إياكي تنطجي اسمه جُدامي تاني! إياكي!
ردت بنان بعنادٍ أشد، ونبرة تفيض تحديًا:
— هنطق براحتي! هو جوزي .. فارس وبس!
فقد عمرو صوابه في تلك اللحظة، ورفع يده وسبقها بصفعة قوية هوت على وجهها الرقيق!
صرخت بنان بوجعٍ أليم، واختل توازنها لتقع على الوسادة وهي تمسك وجنتها المكتوية بالألم.
دفعت مايسة الباب بقوة ودخلت بسرعة لتفصل بينهما، وأمسكت بذراع عمرو تحاول إبعاده وهي تهتف بهلع:
— سيبها بقا حرام عليك! كفاية.. البت هتموت في إيدك وتودينا كلنا في داهية!
سحب عمرو يده بغضب، وخرج مع مايسة تاركًا الباب يغلق خلفهما بقوة.
انخرطت بنان في بكاءٍ مرير، ودموعها تحرق وجنتيها المحمرتين من أثر الضربة، لتمسك بثوبها وتهمس بنشيجٍ يقطع القلوب:
— تعالى بقا يا فارس... تعالى خودني بقا
------------_----------
في سيارة اسر
تسود حالة من الصمت والوجوم داخل السيارة، يخيم عليها الحزن على ما حدث لفارس وبنان
رحمة (بنبرة حزينة وهي تنظر من شباك السيارة):
والله الأستاذ فارس صعبان عليا أوي.. ربنا يطمنهم عليها.
آسر (بتنهيدة ثقيلة وهو يركز في الطريق):
يا رب يا رحمة.. يا رب.
رحمة (تلتفت له، ونبرتها ينقبض لها القلب):
يعني معقولة ما يعرفوش هي فين لحد دلوقتي؟ الله يكون في عونهم.. حاجة تقطع القلب وتوقف العقل من التفكير.
آسر (يهز رأسه بإحباط):
أكيد طبعاً.. ربنا يعينهم على الإحساس والتفكير ده.
(يسود الصمت للحظات، يقرر آسر كسر حالة الحزن ومحاولة فتح صفحة جديدة)
آسر (يحاول تغيير مجرى الحديث، ويلقي بنظرة خاطفة نحوها):
بقولك إيه.. فكرتي في الموضوع اللي كلمتك فيه؟
رحمة (بتوتر مكسوب بجدية):
يا آسر مينفعش.. أنا مش موافقة على الكلام ده.
آسر (يبطئ سرعة السيارة قليلاً ويلتفت لها برفق):
ليه بس يا رحمة؟
رحمة:
حرام تشيل مسؤولية كل حاجة من دلوقتي.. أنت لسه في بداية طريقك.
آسر (بإصرار حنون):
ملكيش دعوة بالنقطة دي خالص.. أنا عايزك تقعدي من الشغل، وأنا كفيل بكل حاجة.. ومصاريف علاج والدتك مسؤوليتي من النهاردة.
رحمة (تهز رأسها بتردد):
بس أنا مش هبقى مرتاحة كده يا آسر.. بحس إني بتقل عليك.
آسر (يمسك يدها برفق، وينظر لها بحب):
لما أكون غريب ابقي قولي إني بتقّلي عليا! أنتِ بقيتي مراتي خلاص، وده واجبي ومسؤوليتي وأنا راضي ومبسوط بيك.. ويوم ما أشتكيلك أو أقولك تعبت، ابقي انزلي اشتغلي تاني.
رحمة (بتسمة هادئة فيها قلة حيلة):
ما أنا عارفة إنك عمرك ما هتشتكي..
آسر (يبتسم بدافئ):
خلاص يبقى اتفقنا؟ خلينا نقفل الموضوع ده بقا يا رحومة..
ـــــــــــــــــــــــــ
ليلا
امام حمام السباحه
في فيلا الباشا
يجلس فارس على الكرسي الاستلقائي، شاخصاً ببصره نحو الماء بملامح مجهدة وعينين غائبتين في عالم آخر من الحيرة والعجز.
تقترب نجوى بخطوات هادئة وحذرة، تحمل بين يديها كوباً من الحليب الدافئ، وتجلس على الكرسي المجاور له.
ينتبه فارس لوجودها، يلتفت إليها ببطء، ويشخص فيها ببصرٍ صامت دون أن يتكلم. وكأن الكلام أصبح عبئاً عليه.
نجوى (بنبرة أمومة دافئة ومليئة بالخوف عليه، وهي تمد له الكوب):
خُد يا حبيبي.. اشرب كوباية اللبن دي. أنت مبتأكلش خالص وهتقع من طولك كده!
فارس (يرد بصوت خافت ومتحشرج وهو يشيح بوجهه):
مليش نفس يا أمي.. مش قادر.
نجوى (تربت على يده برفق ونبرتها تتكسر بالحزن):
عارفة يا حبيبي.. معلش، اشربها بس تسندك. أنا حاسة إنك مبقيتش قادر تقف على رجلك.
فارس (ينظر إليها بنظرة انكسار، وتخرج كلماته بتوسل وعجز):
مش قادر والله يا أمي.. آكل إزاي وأنا مش عارف هي فين؟ ولا هي عاملة إيه ولا جرى لها إيه؟
نجوى (بقلب مفجوع):
ربنا يطمننا عليها يا ابني.. يارب.
فجأة، يمسك فارس رأسه بكلتا يديه بقوة، ويعصر عينيه كأنه يحاول طرد كابوس من عقله.
فارس (بصوت مخنوق ومكتوم من الألم):
أنا الأفكار اللي بتدور في دماغي هتموتني يا أمي.. مش قادر، حاسس إن دماغي هتنفجر من كتر التفكير!
تلمع الدموع في عيني نجوى وتنسكب على وجهها، وتسحبه فوراً إلى حضنها بقوة، تتشبث به كأنها تحميه من أفكاره.
نجوى (وهي تبكي بحرقة وتملس على رأسه):
بعد الشر عنك يا حبيبي.. بعد الشر عن قلبك. يارب احميه ورجعها بالسلامة يارب..
ــــــــــــــــــــ
بعد مرور يومين...
تجلس بنان على أطراف السرير، التعب والإرهاق باينين على ملامحها، لكن نظرات عينيها لسه فيها تحدي.
يدخل عمرو الغرفة بخطوات ثقيلة وحادة، يحمل في يده أوراقاً رسمية وقلم.
تنظر إليه بنان، وتتحول ملامحها فوراً إلى الضيق والكراهية الصريحة.
عمرو (يبتسم بابتسامة خبيثة ويقترب منها ويمد الأوراق):
يلا يا حلوة.. عشان تمضي على الأوراق دي. ده تنازل رسمي عن كل حاجة باسمك من ميراث عمي.
تدير بنان وجهها للناحية التانية باحتقار، وترفض حتى النظر للأوراق.
عمرو (يقترب خطوة تهديدية، ونبرة صوته تظلم):
امضي من غير كلام.. بدل ما أخليكي تمضي بطريقة هتزعلك واصل!
تلتفت له بنان ببطء، وترتسم على شفتيها ابتسامة سخرية مريرة، وتتطلع فيه بثبات.
بنان (بنبرة حادة وثابتة):
أنا لو همضي.. فده عشان الفلوس دي كلها ما تلزمنيش، ولا تلزمني القذارة دي.. بس الأكيد إن اللي يمد إيده على بنت.. ميبقاش راجل!
تضرب الكلمة عمرو في كبريائه، تجحظ عينيه بغضب عارم، ويرفع يده ليهجم عليها بقسوة، لكن تتسع عينا بنان دون أن تتراجع.
وفجأة.. تندفع مايسة من خلفه، وتمسك بيده بقوة وتشده للخلف قبل أن يلمس بنان.
مايسة (بحدة وهي تحجز بينه وبين بنان):
اوعى يا عمرو! سيبها! دي عيلة صغيرة ومش فاهمة حاجة.. ما تضيعش كل حاجة في لحظة غضب!
تكتفي بنان بالنظر إليهما بسخرية وصمت، بينما عمرو يتنفس بصعوبة من شدة الغضب وهو ينظر لبنان بتوعد.
ــــــــــــــــــــــــــ
في فيلا الباشا
يجلس الجميع في صمت ثقيل، يخيم على المكان جو من الكآبة والانتظار . كل شخص غارق في أفكاره وحيرته.
تقترب سمية بخطوات متثاقلة، وجهها شاحب ودموعها المحتبسة لا تتوقف عن الجريان على وجنتيها.
سمية (بصوت ينشج بالبكاء والتوسل وهي تتجه نحو صلاح):
قولي الحقيقة يا صلاح.. لو بنتي ماتت ومخبين عني عرفوني! ما تسيبونيش كده!
تسرع نجوى إليها، وتحتضن كتفها ببكاء هي الأخرى.
نجوى (بشفقة وحزن):
اهدي يا سمية يا أختي.. اهدي عشان خاطري، جسمك مش هيستحمل كده وهتموتي مننا!
سمية (تنفض يدها بلوعة وفقدان أمل):
يا ريت! يا ريت أموت وأرتاح من العذاب ده! بنتي بقالها أسبوعين غايبة عني، معرفش عنها حاجه، ولا هي عايشة ولا ميتة.. أنا بموت في كل ثانية ألف مرة!
(تلتفت لصلاح مرة أخرى وهي تعصر يديها وجعاً)
سمية:
قولي يا أخويا وحياة أغلى ما عندك ما تكدبش عليا.. لو ماتت قولها في وشي، هاتولي بس جثتها أدفنها وأبقى عرفت طريقها وأرتاح!
ينظر إليها صلاح بعينين ممتلئتين بالوجع والعجز، ويطبق شفتيه في صمت رهيب لا يملك أمامه أي إجابة.
تتقدم غادة مع نجوى لتحيطا بسمية وتحاولا تهدئتها بينما هي تنهار في البكاء.
وفجأة.. يُفتح الباب الخارجي ويدخل فارس بملامح مجهدة وعينين ذابلتين من كثرة البحث.
ما إن تلمحه سمية، حتى تفلت منهن وتجري نحوه كمن تتعلق بقشة.
سمية (تتوسل إليه ودموعها تغرق وجهها):
بنان فين يا فارس؟ قولي يا حبيبي.. مش أنت طول عمرك ما بتخبيش على عمتك حاجة؟ قولي وريح قلبي.. بنتي جرى لها إيه؟
يغمض فارس عينيه بألم، ويسحب عمته فوراً إلى حضنه بقوة، يضمها بقلب مجروح.
فارس (بصوت مخنوق يحاول إظهار الثبات):
اهدي يا عمتي.. اهدي عشان خاطري. بنان كويسة وهترجع لنا بإذن الله.
سمية (تستند على صدره وهي تبكي بحرقة):
عايزني أهدى إزاي وحتة من قلبي ضايعة ومش عارفة هي فين ولا في إيد مين؟!
يشد فارس من ضمتها، ويضع رأسه على رأسها بقلب يتقطع من الداخل.
فارس (بنبرة إصرار يغلبها الوجع):
إن شاء الله هنوصل لها يا عمتي.. والله هنوصل لها.
ـــــــــــــــــــــ
(في وقت متأخر من الليل – غرفة فارس)
يسود الظلام والغرفة هادئة. فجأة، يشق صوت رنين الهاتف الصمت.
يفزع فارس جافلاً من نومه، يتنفس بسرعة وهو ينظر حوله بذهول، وكأنه يتعجب كيف غلبه النوم وسط كل هذا العذاب.
يمسك بالهاتف بسرعة، يضيء الشاشة ليرى اسم "رئيس الحرس".
يجيب بلهفة ونبرة صوت مبحوحة من أثر النوم والقلق:
فارس: أيوة.. ألو!
رئيس الحرس (عبر الهاتف، بصوت خفيض وسريع):
يا باشا.. عمرو ظهر!
ينتفض فارس من مكانه واقفاُ في ثانية، ويصيح بلهفة حارقة:
فارس: فين؟! اتكلم بسرعة!
رئيس الحرس:
عند فيلتهم.. كان متنكر ومداري وشّه، بس رجالتنا لمحوه وعرفناه
فارس (بإصرار ونبرة حاسمة):
عينك ما تغيبش عنه لحظة واحدة! أي حركة.. أي جديد تتصل بيا فوراً.. فاهم؟ أنا مستنيك وصاحي مش هنام!
رئيس الحرس:
أوامرك يا باشا.. حاضر.
(بعد عدة ساعات – نهاراً – مكتب فارس في الشركة)
يجلس فارس خلف مكتبه، هيئته توحي بأنه لم يذق النوم طوال الليل. نظراته معلقة على شاشة الهاتف الموضوع أمامه، يفرك يديه بتوتر، يروح ويجيء بكرسيه في انتظار أي إشارة.
فجأة.. يهتز الهاتف ويرن.
يلتقطه فارس بلهفة قبل أن تكتمل الرنة الأولى:
فارس: أيوة!
رئيس الحرس (بصوت متقطع ومتحفز):
أيوة يا باشا.. خرج من الفيلا وراح على بيت قديم ومقطوع في منطقة شبه مهجورة.
يقف فارس فوراً، ويسحب مفاتيح سيارته بحركة سريعة:
فارس: المكان ده فين بالضبط؟!
يبدأ رئيس الحرس في وصف العنوان، بينما فارس يخرج مهرولاً من مكتبه، يستقل المصعد وصولاً للسيارة وينطلق بأقصى سرعة في الاتجاه المحدد.
رئيس الحرس (يتابع عبر الهاتف):
بس يا باشا المكان متأمن ورجالته كتير حوالين البيت.. مش هقدر أدخل وأهجم بالعدد الصغير اللي معايا ده.
فارس (وهو يضغط على دواسة البنزين بكل قوته ومسك المقود بصرامة):
لا! إياك تتحرك أو تدي إشارة.. وما تتصرفش لحد ما أوصلك.. أنا جاي ومعايا باقي الرجالة!
رئيس الحرس:
تمام يا باشا.. منتظرك.
ــــــــــــــــــ
في الداخل
الأجواء داخل الغرفة كئيبة وخانقة. ترقد بنان على الفراش التهالكي، وجهها شاحب كالأموات، وجسدها يرتجف بشدة بينما حرارتها مرتفعة وتصدر عنها أهات مبهمة وهي تخترف..
تدخل مايسة الغرفة وتضع يدها على جبهة بنان، فتسحبها بسرعة من شدة السخونية، وتخرج لعمرو وهي تلهث والخوف يأكل ملامحها.
مايسة (بنبرة مذعورة وصوت متوتر):
البنت سخنة نار يا عمرو! جسمها بيولع وبتخترف بال كلام.. مش حاسة باللي حواليها خالص!
عمرو (يزفر بضيق ويسحب علبة دواء من جيبه يلقيها إليها):
أنا جيبت العلاج ده وأنا جاي.. خدي اديهولها وخلصينا!
مايسة (تمسك العلاج بتردد وتفرك يديها برعب):
هترضى تاخده إزاي وهي في الحالة دي؟! البنت دي لو جرى لها حاجة أو ماتت في إيدنا هتجيب لنا مصيبة وتودينا في داهية!
عمرو (يقترب منها بغضب عارم وعيون تشع شراسة):
اجري اطفحيها الدوا ده ومسمعش صوتك خالص! مش ناقص هبل!
تتراجع مايسة بخوف وتحرك رأسها بالإيجاب بسرعة، ثم تهرول عائدة للغرفة وهي ترتجف.
(داخلي – سيارة فارس – الطريق)
ينطلق فارس بسيارته بأقصى سرعة، يداه تعتصران المقود بقوة حتى أبيضت مفاصِله، وعيناه معلقتان بجمود على الطريق المتدفق أمامه. قلبه يدق كأنفاس خائف، وصورة بنان لا تفارق خياله.
بيدٍ ترتجف من أثر القلق والاندفاع، يسحب هاتفه ويطلب رقماً بسرعة، ثم يضع الهاتف على أذنه.
فارس (بنبرة حادة يملؤها الخوف والجدية):
ألو.. مصطفى باشا؟
مصطفى (عبر الهاتف):
أيوة يا فارس.. في جديد؟
فارس (بصوت يخرج من بين أسنانه من شدة التوتر):
وصلت لعمرو ! محبوسين في بيت قديم في المنطقة المهجورة عند طريق [...]. أنا رايح هناك ورجالتي محاصرين المكان!
مصطفى (ينتفض من خلف مكتبه بصلابة حازمة):
إياك تتهور يا فارس أو تتصرف من دماغك! أقف مكانك وما تهجمش!
فارس (بأنفاس متلاحقة ووجع):
مش قادر أستنى أكثر من كده . بنان بقالها أسبوعين غايبة، ولو جرالها حاجة أنا هموت!
مصطفى (وهو يتحرك بسرعة وينادي على قوة من ضباطه):
فاهمك والله فاهمك.. بس استناني! قوة المكافحة طالعة معايا فوراً، مسافة السكة وهكون عندك بالدعم.. حافظ على نفسك ولحد ما نوصل ما تديش إشارة بالهجوم!
يغلق فارس الخط، يلقي الهاتف جانباً، ويضغط بقدمه على دواسة البنزين لأقصى حد، والدموع تحتبس في عينيه وهو يهمس لنفسه بوجع:
فارس: استحملي يا بنان.. أنا جاي، وحياة كل لحظة وجع عشتيها لأرجّعلك حقك..