رواية اولاد الباشا الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم شيماء منير


رواية اولاد الباشا الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم شيماء منير



في إحدى الغرف الفخمة بالهوتيل، كان فارس ممدد جسمه على السرير بتعب وضيق داخلي ينهكه، بعد ما خرج من الفيلا بضيق واستقل عربيته وساق بأقصى سرعة.

رفع إيده وبيخرج دخان السيجارة ببطء وهو بيبص لسقوف الأوضة، ثم بص ساعته اليدوية التي كانت بتشير للساعة 12 منتصف الليل.

في اللحظة دي رن موبايله باسم نجوى. فكّر في الأول إنه ما يردش، لكنه عارف طبع أمه وقلقها الزايد عليه، فحرّك شاشته ورَد بصوت خافت: أيوه..

نجوى بنبرة تساؤلية: إيه يا حبيبي.. أنت سهران ولا إيه؟

فارس باختصار: لا.

نجوى: طيب ما جتش ليه يا حبيبي؟ الوقت بدأ يبتأخر، وبعدين أنت خارج لوحدك وسايب مرتك لوحدها كل ده!
ابتسم فارس بسخرية ومرارة وهو بيرمي باقي السيجارة: أنا في الفندق وهبات هنا.

شهقت نجوى بقلة حيلة: ليه؟ في مشكلة ولا إيه في الشغل؟ طمني!
فارس بجمود: لا مفيش مشاكل ولا حاجة، بس أنا هبات هنا النهاردة.
نجوى بشك وحس أمومة: ليه يا حبيبي؟ هو أنتم متـ...

قاطعها فارس بضيق ونفاد صبر: ماما لو سمحتي أنا محتاج أرتاح، معنديش طاقة للكلام. أنا رديت عليكي عشان ما تقلقيش.. تصبحي على خير.

قفل الخط قبل ما يسمع ردها، ورمى الموبايل جنبه على السرير بغضب.
اتنفس بضيق وخنقة، وجواه غليان مكتوم إن بنان حتى ما فكرتش ترن عليه ولا تسأل عنه بعد ما خرج بالمنظر ده.

مسك موبيله وقفله نهائي

وقام من السرير وبدأ يخلع هدومه، ودخل التواليت ووقف تحت المية الباردة لوقت طويل، يسيبها تنزل على جسمه ودماغه بتصارع أفكار سوداوية ومش قادر ينطقها بلسانه.

ــــــــــ_ــــــــ

في اليوم التالي، أفاق على صوت طرقات خفيفة ومتتالية على الباب.

فتح فارس عينيه بصعوبة، ونظر حوله بتشتت وكأنه يحاول استيعاب مكان وجوده. قام بتأرجح بسيط إثر الإرهاق، خاصة أنه لم يذق طعم النوم إلا مع تباشير الصباح.

توجه نحو الباب وفتحه وهو يمرر يده على شعره بقلة حيلة.

عماد: "صباح الخير يا باشا."

فارس بصوت بحه النوم: "صباح النور.. في إيه؟"

عماد: "صلاح باشا على التليفون وعايز يكلم حضرتك."

ألقى فارس نظرة سريعة على ساعة يده، وكانت الساعه عشرة صباحاً. أخذ الهاتف من عماد ورفعه إلى أذنه.

فارس: "صباح الخير يا باشا."

صلاح بحدة جادة: "صباح النور.. إيه يا بني أنت فين؟ وموبايلك مقفول ليه؟"

تنهد فارس بتعب مكتوم: "أنا تمام.. ربع ساعة وهأكون في الشركة."

صلاح: "تمام، حاول متتأخرش.. عايز أتكلم معاك في شوية حاجات قبل الاجتماع."

فارس: "تمام."

صلاح قبل أن يغلق: "آه، وابقى افتح موبايلك وكلم أمك.. قلقانة عليك جداً."

فارس وهو يمسح وجهه بكفه: "حاضر.. ماشي."

أنهى المكالمة وأعاد الهاتف لعماد.

عماد: "أي أوامر تانية يا باشا؟"

فارس: "عايز قهوة.. خلي أي حد يطلعها لي حالاً."

عماد: "أخليهم يجهزوا فطار لحضرتك؟"

فارس بقلة صبر: "لا لا.. قهوة بس."

عماد: "حاضر يا باشا."

خرج عماد وأغلق الباب خلفه بهدوء

. قام فارس واتجه نحو  الحمام واخد شاور
خرج وفتح دولاب صغير مثبت في زاوية الغرفه كان فيه قميص وبنطال لان دي الغرفه الخاصه بيه في الفندق
 سحب قميصاً باللون الموف وبنطال جينز أسود، وارتداهما قبل أن يصفف شعره سريعاً.

طرقات على الباب كان حد من الهوم سيرفزس  جايب القهوة، 

فارس اخدها وشربها بسرعه

أخذ حاجته وخرج من الغرفة، وقبل أن يتحرك بعربيته قَام بتشغيل هاتفه.

انهالت الإشعارات بمكالمات مفقودة كثيرة: من صلاح، ونجوى، وبنان، ومالك.

قام بالاتصال بـ "نجوى"، ووضع السماعة في أذنه بينما بدأ بمغادرة المكان. جاءه الرد السريع والملهوف:

نجوى: "إيه يا حبيبي؟ ليه كنت قافل موبايلك؟"

فارس: "صباح الخير يا أمي."

نجوى: "صباح الفل.. إحنا قلقانين عليك أوي."

فارس بتهدئة: "متقلقيش، كنت محتاج أفصل شوية بس فقفلت الموبايل."

نجوى: "طيب يا حبيبي.. بابا كان عايزك في الشركة."

فارس: "أيوه كلمني وأنا في الطريق أهو."

نجوى: "ماشي يا حبيبي، سوق على مهلك."

فارس: "حاضر.. سلام."

نجوى: "مع السلامة."

بمجرد أن أغلق المكالمة، أضاءت الشاشة برقم "بنان". نظر إلى الاسم بضيق، ثم كنسل المكالمة وألقى الهاتف على "التابلوه" أمامه بجفاء.

وصل إلى الشركة، نزل من السيارة، وصعد فوراً إلى مكتبه ليُنهي بعض الأمور السريعة، قبل أن يتجه الى مكتب "صلاح".

ــــــــــــــــ

كانت "يمنى" تذرع الغرفة جيئة وذهاباً، والهاتف مثقوب في يدها، قبل أن ترفعه إلى أذنها وتسير بخطوات حادة وهي تشتعل غضباً

يمنى بحدة وذهول: "أنتي مجنونة يا بنان؟! حد عاقل في الدنيا يقول الكلام ده؟!

على الطرف الآخر، كانت "بنان" تجلس على طرف الفراش، تضغط بقبضتها على الوسادة، ودموعها تتساقط بقلة حيلة.

ردت بنان بصوت خنقته العبرات والضيق: "بالله عليكِ يا يمنى أنا مش ناقصة! أنا قلت أحكيلك أنتي عشان عارفة إن ماما لو عرفت مش هخلص من كلامها ولا لومها اللي مابينتهيش!"

توقفت يمنى في منتصف الغرفة، وتنهدت بصوت عالٍ يعكس قلة صبرها، ثم قالت بجفاف: "بصراحة يا بنان.. أنتي زفّتي الدنيا! بوظتي كل حاجة!"

سحبت بنان شهقة بكاء مكتومة ودافعت عن نفسها بنبرة طفولية نادمة: "ماكنتش أعرف إنه هيزعل كده! افتكرت الموضوع أبسط من كده.."

سخرت يمنى بصوت متأثر بالذهول: "والله؟!! ماكنتيش تعرفي؟! يعني لو هو اللي كان قالك الكلام ده، ماكنتيش هتزعلي؟! ده أنتي كنتي هتقومي الدنيا وما تقعديهاش! بجد حطي نفسك مكانه كدة.. لما حد ييجي بمنتهى الصراحة والبرود ويقولك: أنا مش عايزك.. تفتكري إحساسك هيكون إيه?!"

أغمضت بنان عينيها بأسى، وقد زاد بكاؤها بعد أن وضعتها يمنى أمام حجم خطئها، فهتفت بنبرة متوسلة ومختنقة: "أنا متصلة بيكِ عشان تقوليلي أعمل إيه أو ألاقي حل.. مش عشان تأنبيني وتزيديها عليا كده!"

صمتت يمنى لثوانٍ، وزفرت بحرارة وهي تمسح جبهتها، ثم قالت بنبرة هادئة لكنها تحمل صرامة لا تخلو من القلق: "بصراحة.. أنا مش عارفة أقولك إيه، الموضوع مش سهل.. استني لما يرجع، واعتذريله فوراً على كل كلمة قولتيها، ويا رب يقبل منك."

أغلقت بنان المكالمة، وسقطت يدها بالهاتف على فراشها، بينما استمرت في البكاء وهي تفكر بوجل في اللحظة التي ستواجه فيها فارس

ــــــــــــــــــ

في مكتب "صلاح"، كان الهدوء يسود المكان إلا من صوت طقطقة أوراق خفيفة. رفعت عينَيْ "صلاح" لتترقبا "فارس" عن قرب؛ كان هناك شيءٌ غير طبيعي، نظرة جهمة أو شرود مبهم يبتعد كل البعد عن هيئته المعتادة.

قال صلاح بنبرة عملية أردفها بنظرة فاحصة:

— أهم حاجة كل حاجة تخلص في ميعادها.

رد فارس بهدوء يفتقر إلى الحماس:

— تمام، كله هيكون في ميعاده.

اتكأ صلاح على مكتبه، وميل رأسه قليلاً وهو يتابع:

— عايزك تظبط وتخلص أي شغل معاك قبل ما تسافروا انت ومراتك.

ابتلع فارس غصته، وجاهد بقوة لكي تبدو ملامحه طبيعية وثابتة وهو يجيب:

— إحنا مش هنسافر...

ارتفع حجب صلاح بتعجب واضح:

— ليه؟!

حاول فارس إضفاء نبرة عادية على صوته، وقال ببرود متكلف:

— عادي يا بابا... بنان لسه تعبانة شويه، فقولت نأجل السفر شويه.

ساد الصمت للحظات، ونظر إليه صلاح بنظرات ملؤها عدم الإقتناع، يعلم تماماً أن وراء الأكمة ما وراءها. هز رأسه ثم قال بنبرة هادئة تحمل النصح:

— السفر كان هيبقا كويس ليكم... تغيروا جو وتبعدوا شويه عن الزحمة اللي في الفيلا.

زفر فارس بنفاذ صبر مكتوم، وأجاب بلامبالاة:

— مش فارقة...

ضيق صلاح عينيه وتفرّس في وجه ابنه جيداً، ثم تساءل بمباشرة:

— إيه يا ابني... انت متخانق انت ومراتك؟ حتى لو متخانقين، سافروا وانتوا متخانقين وهتتصالحوا هناك.

نفي فارس بسرعة وهو يتحاشى التقاء أعينهما:

— لا عادي، إحنا مش متخانقين.

ثم تحرك واقفاً لينهي هذا الحوار قبل أن ينكشف أمره أكثر، وأضاف 

— عن اذن حضرتك... هروح اخلص شوية شغل على ما الاجتماع يبدأ.

أومأ صلاح برأسه بالإيجاب دون أن يضيف كلمة، لكن نظراته ظلت تلاحق ابنه الشارد حتى خرج من الباب متجهاً إلى مكتبه، مخفياً خلف خطواته المبتعدة الكثير مما لا يريد الإفصاح عنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
مع أواخر النهار وبعد يوم طويل أكل من طاقته، دخل فارس الفيلا. كان الجو في "الريسبشن" دافي والكل متجمع، بس هو ألقى سلام سريع ونظرة شاردة، وطلع درجات السلم بخطوات ثقيلة ومجهدة.
فتح باب الجناح..
كانت بنان واقفة، أول ما شافته ارتسمت على وشها ابتسامة متوترة بتحاول تجمل بيها الموقف. فارس دخل من غير ما ينطق حرف، وتجاهل وجودها تمامًا. اتجه للدولاب، فتحه، وبدأ يخرج هدومه بحركات سريعة ومحسوبة كأنه بيفرغ شحنة الغضب في الحركة.

قربت منه بنان بخطوات هادية، وعيونها بتتفحص ملامحه المجهدة:
بنان (بنبرة رقيقة محملة بالقلق): "حمد الله على السلامة.."

فارس كمل سحب هدومه وماردش، ولا حتى بص ناحيتها، وكأن هدوءه ده هو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

قربت أكتر، ومدت إيديها وكانت هتترمي في حضنه من الضهر تدور على أمانها القديم.. بس قبل ما إيدها تلمس قماشه، 

اتلفت ليها فجأة، وعيونه بتلمع بشرار غضب مجروح، وصوت مكتوم 
فارس: متقربيش! مفيش داعي تكلفي نفسك وتيجي على أعصابك وتقربي مني.

بلعت بنان غصتها بالعافية، وحست ببرودة مشت في جسمها. اتكلمت بنبرة متلجلجة وعيونها بترف بقلة حيلة:
بنان: "فارس.. افهمني بس.."

رفع فارس إيده وقاطعها بصوت حاد ومختنق:
فارس: "هووشش! مش عايز أسمع ولا كلمة.. احنا نفضل سوا الكام يوم دول بس حفاظًا على شكلك وشكل عمتي قدام الناس.. وبعدها، كل واحد فينا يروح لحاله وكل واحد يشوف طريقه."

اتسعت عيون بنان بالصدمة، والدموع بدأت تتجمع في جفونها وتحرقها. بصتله وهي مش مصدقة إن الكلام ده طالع منه هو بالذات:
بنان (بصوت مخنوق ومكسور): "انت بتقول إيه يا فارس؟!"

قرب منها خطوة، ونظرته كانت مزيج يوجع بين الحب القديم والكرامة المتهشمة:
فارس: "زي ما سمعتي.. كفاية لحد كده. لا انتِ مجبرة تتحملي وجودي، ولا أنا بقى عندي طاقة ولا قوة أدلع وأستحمل وأنسى وأوزع حب على الفاضي! خلاص.. كل حاجة انتهت، والحمد لله إنك انتِ اللي قفلتيها بنفسك عشان ميبقاش اسمي ظلمتك.. مع إنك انتِ اكتر واحدة في الدنيا دي كلها ظلمتني!"

قبل ما تحاول تدافع عن نفسها، اتكلمت بشفايف بترتعش:
فارس أنا..

سابها واتحرك بسرعة ناحية التواليت، وقفل الباب وراه بصوت قاسي قطَع الباقي من كلامها.
جوه التواليت..
سند فارس ضهره على الباب غمض عيونه بقوة وطلّع تنهيدة طويلة ومختنقة، حاسس بوجع في صدره كأنه جبل. بس مع كل الوجع ده، كان عارف إن أي حاجة تهون.. أي وجع يتداس عليه، إلا كرامته
. ابتسم بسخرية ومرارة على نفسه، افتكر الأيام اللي كان بيعدي فيها كل حاجة وبيقول لنفسه: "كل حاجة تهون عشان خاطر بنان وضحكة بنان".. بس النهاردة، كرامته كسبت الرهان.
وفي الخارج..
انكفت بنان على السرير، ورمت نفسها وسط المخدات وهي بتنفجر في بكاء هستيري. صدمتها مكنتش بس من الكلام، الصدمة كانت إنها اكتشفت متأخر جدًا إن الحبل اللي كانت بتشده وتسيبه اتعدى حد القطع.. هي اتعودت إن فارس بيستحمل، بيغفر، وبيمسح أي حاجة بكلمة رقيقه. ونظره حلوه. بس المرة دي، نبرة عيونه وقسوة كلامه كانوا بيقولوا حاجة واحدة بس: الرصيد خلص.

ـــــــــــــــــــــــــ
في  ساعات متأخرة من الليل...

كان فارس يجلس في حديقة الفيلا، يلملم شتات أفكاره، حين اقتربت منه "نجوى" بخطوات هادئة وقالت بنبرة حنونة:
— إيه يا حبيبي؟ الساعة دخلت على واحدة.. إيه اللي مقعدك كده؟
رد فارس دون أن يرفع عينيه:
— مفيش يا ماما.. مش جيلي نوم.

جلست نجوى بجانبه وقالت بفضول أمومي حنون:
— إيه يا حبيبي، في إيه؟
نظر إليها فارس بصمتٍ طويل ثم شرد بعيدًا.

نجوى:
— أنا عارفة يا حبيبي إن كل واحد عنده خصوصيات ومش بيحب حد يعرفها، خصوصًا لو بين الراجل ومراته.. بس أنا كنت عايزة أفهم، يمكن تكون واخد الامور أكبر من حجمها ولكل حاجة حل؟ وأنا مستعدة أتكلم مع "بنان" لو أنت مش عايز تدخل عمتك بينكم.

ابتسم فارس بسخرية مكسورة وقال:
— خلاص يا ماما.. كل حاجة انتهت، متتعبيش نفسك.

نظرت له نجوى بقلق وعدم فهم:
— تقصد إيه بكل حاجة انتهت؟!
حرك فارس عينيه في اتجاهات مختلفة وكأنه يهرب من الحقيقة وهو يقول بوجع:
— يعني كل حاجة خلاص.. كل لحظة عملت فيها المستحيل عشان تكون في حضني انتهت.. كل يوم وقفت فيه قدام أبويا وقلتله كل حاجة بينا في كفة وهي في كفة لوحدها انتهى.. كل ثانية وأنا بحاول أحافظ عليها من الهوا انتهت
.
شعرت نجوى بالوجع الذي يمتلئ به قلب ابنها ويكتمه داخله، فاندفعت وتحتضنه بقوة:
— ليه كده يا حبيبي؟ إيه اللي وصل الأمور لكده؟

رد فارس بنبرة خافتة:
— عشان مش عايزاني يا أمي.. قالتها بكذا طريقة.

حاولت نجوى التخفيف عنه:
— يا حبيبي الحياة مش بتتاخد كده، أنا وباباك حصل بيننا مواقف كتير أوي لو تعرفها، كنت تقول هنطلق بعدها ونرجع عادي.. أنا أصلاً بعتب عليك، ليه تروح تبات في الفندق؟ قولي ليه؟ ما تبات في أوضتك وسريرك وجنب مراتك.. أنت معملتهاش قبل ما تتجوز تروح تعملها دلوقتي؟ وبعدين ربنا بيقول في القرآن: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾، يبقى تبعد عنها كده؟ أكيد ده ضايقها طبعًا، وأنا لو هشهد بالحق هقول عندها حق.

ابتسم فارس بوجع أعمق وقال:
— يا بابا.. أنا وبنان مقربناش لبعض أساسًا لسه!

اتسعت عينا نجوى بصدمة وهتفَت:
— ليه؟!
فارس بحزن وكسرة:
— عشان أنا دايما اللي بحب، وبدي، وبدافع، وبخاف على اللي حواليا.. لكن أنا مش مهم!

اقتربت منه نجوى واحتضنته مرة أخرى والصدمة تتملكها، ثم قالت بضيق من بين ذهولها:
— طيب إيه المشكلة؟ إيه اللي يخليها ترفض كده يا 
حبيبي؟ البنات في الأول بيبقوا خايفين..

مقاطعًا إياها بقاطع إنساني:
— يا ماما الموضوع مش حوار خوف.. الموضوع "رفض".

نجوى بضيق ورفض لتصرف بنان:
— يعني إيه رفض؟! هو لعب عيال؟ هي أول مرة تتعرف عليك مثلاً؟ ده حتى لو مكنتش بتحبك، اللي عملته عشانها يخليها تموت فيك بجد! حرام.. ده أنت مرتب حياتك كلها ليها.. لا، لازم نكلم عمتك في الموضوع ده وأبوك يتدخل 
ونفهم في إيه!

امسك فارس يدها وقال بهدوء ورجاء:
— ماما لو سمحتي اهدِي.. أنت عارفة إني مش بحب حياتي تبقى حوار على لسان حد.. خلاص، أنا هنهي الموضوع بهدوء، بس بعد ما يعدي فرح "مالك" عشان شكلنا وشكل عمتي.. ودي هتبقى آخر حاجة بعملها أو بضحي عشانها اوي عشان اي حد

ضمت نجوى ابنها بأسى، وفي قلبها زعل وغضب مكتوم من "بنان" وتصرفاتها الغريبة.

ــــــــــــــ
بعد ساعة كاملة من ثقل الوقت...

صعد فارس إلى الجناح، دفع الباب ودخل. كان الضوء مشتعلًا يملأ الأرجاء ببرود.

على أطراف السرير، كانت بنان تجلس منكمشة على نفسها، تضع رأسها بين ركبتيها، بينما يخترق البكاء صمت الغرفة. عيونا المحمرتان والمتورمتان من كثرة الدموع كانت تختصر كل شيء. لم يمنحها فارس حتى نظرة عابرة، مرّ بجانبها وكأنها طيف لا وجود له، فتح الدولاب وانتقى ملابسه، ثم اتجه إلى الحمام وأغلق الباب خلفه في حزم.

في تلك اللحظة، تعالت شهقات بنان، وانكسر صوتها ببكاء أكثر لوعة.

على الجانب الآخر من الباب، وصله صوت انكسارها جليًا... لكنه لم يتوقف. جمد مشاعره وواصل ما يفعله ببرود تام.

خرج من الحمام جاف الملامح، وكانت هي لا تزال على وضعها، ترتجف من كثرة العويل. دون أن ينطق بكلمة، اتجه مباشرة نحو الكنبة المستقرة في جانب الغرفة، واستلقى عليها موليًا ظهره للغرفة كلها.

رفعت بنان عينيها المغروقتين بالدموع، تطلعت إلى ظهره المتيبس بقلب يعتصره الألم، وظلت تبتلع غصصها وصوت بكائها يخفت تدريجيًا حتى غلبها النوم من شدة الإرهاق.

في الصباح

استيقظ فارس مع شروق الشمس. كانت الغرفة خالية، وبنان قد غادرت بالفعل.

ارتدى ملابسه يستعد للذهاب إلى العمل؛ اختار بليزر أسود أنيق، تحته تيشيرت أبيض وبنطال من نفس لون البليزر. صفف شعره بعناية، ونثر عطره الدافئ الذي ملأ الأرجاء، ثم جمع أغراضه وهبط الدرج بثقة وخطوات موزونة.

كان الجميع ملتفين حول مائدة الإفطار.

رفعت بنان عينيها نحوه؛ نظرة واحدة كانت كافية ليتسلل الإعجاب إلى قلبها رغماً عنها، يرافقه طعنة وجع مريرة... كان إحساس الفقد يخنقها، شعور أنه يبتعد، بل إنه خسرته بالفعل. وما إن اقترب أكثر، حتى شاحت بجهها سريعًا وتظاهرت بالانشغال بالطعام كي لا تفضحها عيناها.

تقدم فارس بوقار:

ـ صباح الخير.

رد الجميع بنبرات متفرقة:

ـ صباح النور.

اقترب من والده صلاح وقبل رأسه احترامًا، ثم انحنى يطبع قبله على رأس نجوى ثم سمية، متجاهلًا بنان تمامًا وكأنها حجر على المائدة.

ـ أنا هسبقك على الشركة يا باشا.

رشف صلاح الرشفة الأخيرة من فنجان قهوته وقال:

ـ أنا كمان جاي وراك على طول.

تدخلت نجوى بنبرة أمومية حنونة وهي تنظر لـ فارس:

ـ إيه يا حبيبي؟ مش هتفطر؟ ولا حتى تشرب قهوتك؟

ابتسم لها باقتضاب:

ـ لا يا حبيبتي، هشرب القهوة في الشركة وأفطر أي حاجة هناك.

ـ بس متهملش في نفسك يا فارس.

ـ متقلقيش يا أمي.. عن أذنكم.

تحرك فارس وصلاح مغادرَين المنزل، ليخيم صمت ثقيل على المائدة.

كانت سمية تتابع الموقف بذكاء، ولم يخَفَ عليها أن فارس لم يوجه كلمة واحدة لـ بنان، ولا حتى نظرة. علامات الاستفهام بدأت تتجمع في رأسها، فنطقت بتعجب:

ـ هو في إيه؟ غريبة.. فارس مستعجل قوي كده ليه النهارده؟

ردت نجوى بنبرة حادة ومطبوعة بالضيق، وهي ترمق بنان بنظرات ذات معنى:

ـ اسألي بنتك.. يمكن تعرف تجاوبك كويس!

ثم قامت من مكانها بنزق وهي تضيف: عن أذنكم.

تطلعت سمية إلى ابنتها بالحيرة والغضب:

ـ في إيه يا بت؟ مرات خالك تقصد إيه بكلامها ده؟

في تلك اللحظة، نظرت بنان باتجاه غادة التي كانت تأكل في صمت مريب، لترفع غادة رأسها وترسم ابتسامة خفيفة وهي تقول:

ـ الحمد لله.. بالهنا على قلبكم.

قامت غادة هي الأخرى، فاقتربت سمية من بنان بنفاذ صبر ونبرة آمرة:

ـ في إيه يا بت؟ قومي.. قومي نطلع فوق افهم في إيه!

فوق في الغرفه

 كان الجو ملئ بالتوتر وسميه تروح وتيجي في الغرفة بخطوات سريعة. بنان قاعدة على طرف السرير، منكمشة على نفسها ودموعها نازلة من غير توقف.
سمية: بنبرة كلها حسرة وذهول
في حد بعقله في الدنيا يقول الكلام ده؟! في حد يخرب بيته بإيده؟!

بنان: بصوت متهدج ومختنق بالدموع
أنا قولت كده وخلاص يا ماما... ما كنتش حاسة بنفسي!

سمية: تقف قبالتها وتصيح بغضب

عشان متسرعة وهبلة! وبضيعي مستقبلك بإيدك!

بنان: ترفع عينيها المليانة دموع
بصراحة يا ماما... أول ما اتقفل علينا المكان، اتخنقت.. و افتكرت اللي حصل في الأسانسير وأنا في إعدادي... الراجل اللي كان عايز يتهجم عليا... الرعب كله رد في قلبي تاني!

سمية: تقاطعها بنبرة حادة 
ده موضوع وانتهى من سنين! وبعدين ما حصلش حاجة! الأسانسير فتح وأنا كنت واقفة وشوفتيني عملت فيه إيه قدامك! وبعدها أخدك للدكتورة وأطمنت عليكي بنفسي والحمد لله... ليه بقى تبوظي حياتك دلوقتي؟ ليه تنبشي في القديم وتخربي على نفسك؟!

بنان: تغطي وجهها بكفيها وتبكي بمرارة
بس سايب معايا ذكرى وحشة أوي يا ماما... الخوفة لسه جوايا ومش قادرة أتخطاها!

سمية: يرق صوتها قليلاً، وتتسلل ليه نبرة رجاء وحنان
يا بنتي الله يهديكي... سيبك من وساوس الشيطان دي. والله ما هتلاقي في الدنيا دي كلها حد أحن عليكي ولا بيحبك زي فارس!
بنان: تومئ برأسها وهي تشهق بالبكاء
عارفة... والله عارفة يا ماما...

سمية: ترجع تنفجر بغضب تاني
تقومي تروحي تقوليلو الكلام ده؟! تجرحيه في مقتل؟!

بنان: تصرخ بين دموعها بحسرة
ما عرفش! والله ما عرفش قولت كده إزاي... مخي وقف 

سمية: تهز رأسها بأسى وكسرة
لا... انتي قولتيها بقلب جامد! مفكرة هيعديهالك زي كل مرة؟ ولا أمك هتقوله كلمتين تحنن قلبه؟ المرة دي انتي دخلتي في طريق غلط خالص... جرحتي كرامته كراجل! وأنا عارفة فارس كويس... فارس مش هيتنازل قصاد كرامته بسهولة.
بنان:طب وأنا أعمل إيه دلوقتي يا ماما؟! ده... ده قاللي بعد فرح مالك ويمنى هننهي كل حاجة بهدوء... مش عايزني يا ماما!
سمية: تجلس بجوارها وتطرق رأسها بقلة حيلة
مش عارفة... والله ما عارفة أعمل إيه...
تلتفت سمية فجأة لبنان وتنظر في عينيها بنظرة حازمة وشديدة التحذير.

سمية:إياكي...  إياكي تجيبي سيرة حوار الأسانسير ده قدام فارس نهائي! متزفتيش الدنيا أكتر من كده... أنا هحاول أتكلم معاه وأشوف هتوصل لإيه.

بنان: تمسح دموعها بخوف وتومئ برأسها
حاضر... حاضر يا ماما....



                     الفصل الثلاثون من هنا 

        
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة