رواية بيت الظار الفصل الثالث والعشرون 23 والأخير بقلم زارا


رواية بيت الظار الفصل الثالث والعشرون 23 والأخير بقلم زارا


 بقيت أعاين للسرير ، كأني منتظراها تفتح عيونها فجأة و تقول لي .. يا نسمة مالك واقفة كدا؟!..
لكنها ما فتحتها.. في اللحظة دي عرفت إنو حبوبة فاتت من غير رجعة.
ما عرفت الإجراءات تمت كيف ، ولا  تاني الحصل علينا شنو في المستشفى .. غير أن الناس بتتحرك حوالينا ، والدكاترة بدخلوا و يطلعوا ، و أمي بتبكي في صمت.. 
بعد مسافة قالوا لينا استلموا الجثمان ، لما شوفها  وقفت مكاني.
لأول مرة أشوفها بالشكل دا.. كانت مكفنة.. ساكتة تماماً ما في عكاز جنبها، و لا صوتها القوي البخلي البيت كله يسكت لما تتكلم.
حسيت دموعي نزلت فجأة.. قلت بصوت واطي..
 ربنا يغفر ليك يا حبوبة..
أبوي كان واقف بعيد شوية ملامحه جامدة ، قرب مني  و من غير ما أفكر مشيت عليه حضنته.
بعدها الزمن جرى بسرعة.. الرجال اخدوا الجثمان في عربية و أنا وأمي رجعنا بعربية جارنا.. 
طول الطريق أمي كانت بتبكي ، لما وصلنا بيت أبوي..
 و هناك اتلموا جيرانا في العمارة ، ودعنا حبوبة للمرة الأخيرة بعدها اخدوها ، امي انهارت شديد ما كنت عارفه اواسيها كيف؟.. غير إني قعدت جمبها وحضنتها 
وقتها بس.. بكت في حضني زي الطفلة.
ما قدرت أتماسك بكينا سوا.. على حبوبة و على البيت، وعلى سنين كاملة ما كنا عارفين نهايتها ح تكون بالشكل دا.
النسوان بقوا يصبروا فينا ، لما هدينا شوية.. و قعدوا معانا لغاية ما الرجال رجعوا من الدفن.. 
ابوي جاء داخل علينا ، و هو بقول لينا.. ما تبكوا ادعوا ليها بس..مسحت دموعي و قمت صليت ركعتين و بقيت ادعي ليها طول الليل.. 

لما جاء الصباح..الناس بدت تجي تعزي.. جيرانا في الحلة ، ومعارف حبوبه و امي.. الشقة اتملت بالنسوان من تاني.. ناس داخلة و ناس طالعة ، وكل ما اسمع واحدة تقول..البقاء لله يا إحسان.. ربنا يصبرك.. بحس ان غياب حبوبة بقى حقيقة أكتر.
واحدة من النسوان كانت بتتكلم عنها وهي متأثرة.. 
ربنا يغفر ليها.. فهيمة كانت بتساعد ناس كتار.
ردت عليها واحدة تانية..الزول لما يموت ما بنقول إلا ربنا يغفر ليه.
قالت بهمس فعلا والله..و غيروا الموضوع.
كنت سامعة كلامهم بس ساكته ، لغاية قاموا فاتوا. 

مع العصر.. شفت وئام داخلة مع النسوان ، ما كنت متوقعة انها تجي ، بسبب المشاكل البينا..
 بس جات ضمتني بحزن و قعدت جنبي واستني.. 
 رغم أن ما اتكلمنا كتير ، بس وجودها جنبي في الوقت دا كان كفاية.. لغاية ما طلعوا مشوا. 

مرت الأيام الأولى تقيلة.. البيت خفّ من الناس..  والجيران بقوا يمروا علينا من وقت للتاني ، لغاية ما البيت رجع هادي.
بس الهدوء المرة دي كان مختلف.. بيت أبوي ما كان زي بيتنا القديم ، ما فيه غرفة حبوبة و لا تفاصيلها.. كل الحاجات البتذكرنا بيها اتحرقت مع البيت.. وما فضل لينا منها غير الذكريات.
بعدها جات ميادة عزتنا.. أول ما شفتها داخلة، ما عرفتها.. كانت شاحبة شديد ، ملامحها مرهقة كأنها ما نامت كويس من أيام.. جات مسكتنا انا و أمي.. بكت بحرقة ، و بدت تسألنا من الحصل. 
بس طول الوقت كنت بعاين ليها و مستغربة في حالتها.. لكن ما قدرت أسألها مالا و الحاصل عليها شنو؟!.. و هي كمان ما قالت حاجة ، قعدت شوية..  
و قامت بهدوء،. سلمت علينا و طلعت.
خلت وراها إحساس غريب، كأنها كانت طالعة من أيام تقيلة.. ما قدرت تحكي عنها.

مرت الأيام بنفس الهدوء.. لغاية ما تمينا الأربعين..
 الحزن خفّ شوية.. أمي بقت متماسكة.. و بطلت تبكي كل ما تتذكر حبوبة ، و بقت بعد كل صلاة تدعي ليها ، و تقعد ساكتة مسافة كأنها بتتكلم معاها في سرها.. 
و أبوي كمان وجوده حولنا فرق معانا كتير.
حاولت أرجع لحياتي بالتدريج.. رجعت للمدرسة و للحصص و الروتين اليومي..  
بس لسه كنت فاقداها.. و كل ما تجيني سيرتها دموعي تنزل لكن وسط الفقد و الحزن ده .. كنت حاسه ان حياتنا بدت تمشي لقدام.. 
  
في يوم.. بعد المغرب.. كنت قاعدة أقرا قرآن بعد ما صليت.. فجأة تلفوني رنّ.. عاينت للشاشة لقيته رقم سعودي غريب.. اترددت مسافة حتى رديت.. الو.. 
جاني صوت مألوف السلام عليكم.. نسمة؟..
حسيت قلبي اتقبض فجأة.. رديت بصوت واطي. وعليكم السلام.. أيوه.
 ردّ .. أنا أحمد.. سكت لحظة و قال.. سمعت بالحصل ليكم.. البقاء لله.. ربنا يصبركم و يغفر ليها.
قلت ليه.. ونعم بالله.. آمين. 
بعد صمت قصير سألني.. إنتِ كيف؟.. و أحوالك شنو؟.. قلت ليه.. الحمدلله.. 
قال لي.. مجرد ما سمعت حسيت إني لازم أعزيك بنفسي.
قلت ليه.. يدك العافية.. ما قصرت. 
اتنهد و قال.. عارف إن يمكن اتأخرت.. لكن في حاجات مهما حاولنا نبعد منها، بتفضل جوانا.. و ما بتتغير بسهولة.
سكتّ.. ما عرفت أقول ليه شنو. حسيت كلامه لمس شعور قديم جواي ، لكن حاولت أتجاهل. 
اتنهد وقال.. المهم خلي بالك من نفسك.. 
رديت بصوت واطي.. إن شاء الله.
قفلنا المكالمة،. لكن فضلت ماسكة التلفون مسافة.  بحاول ما اتأثر بيه تاني ، و أقنع نفسي إن هو فعلا بقى من الماضي.
___________
أحمد.. 
من بعد المكالمة مع وئام.. بقيت أفكر في نسمة أكتر مما اتوقعت..صورتها بقت ما بتزح من بالي. 
يمكن أكتر حاجة كانت مخوفاني.. إني كنت السبب في المسافة الكانت بينا.. اخترت ابعد من غير ما أديها فرصة حقيقية.. 
و في كل مرة امسك تلفوني أكون عايز اتصل بيها.. كنت بتراجع و أقول لنفسي.. ح أقول ليها شنو؟.. ح أرجع بعد كل الزمن دا وأتصرف كأن ما حصل شيء؟.. ما يمكن تكون اتخطتني فعلا!. 
لغاية ما دخلت على وئام و سألتها عنها.. عرفت إن بيتهم اتحرق ، و إن حبوبتها ماتت.
حزنت ليها شديد و من غير تفكير.. اتصلت أعزيها ، رنيت عليها و انا بحاول اسيطر على توتري.. 
بس أول ما سمعت صوتها.. حسيت بكل الأحاسيس الكنت بحاول أتجنبها رجعت مرة واحدة.
بس نبرة صوتها ما كانت زي زمان.. كانت بترد علي بإختصار و تحفظ شديد.. كأنها ما عايزة تدي المكالمة معنى أكبر من إنها مجرد تعزية.
ما قدرت ألومها لأني لو مكانها.. يمكن كنت ح اتصرف زيها.. 
بعد ما قفلت.. فضلت ماسك التلفون و أنا بفكر في كل كلمة قالتها ، وكل وقفة كانت بين كلامنا.. 
كنت متمني أسمع منها حاجة تخليني أحس إن لسه في مكان لي.. لكن ما حصل.
وبرغم كدا.. بدل ما أحس إني لازم أبعد أكتر، لقيت نفسي بصِر على حاجة واحدة..إني لسه عايزها. 
بس المرة دي ما عايز أرجع ليها عشان أريح نفسي من الإحساس بالذنب ، و لا عشان أثبت لنفسي إنو لسه ممكن تكون معاي.
عايز أرجع ليها بطريقة تستاهلها هي.. أديها الزمن.. وأخليها تشوف مني الحاجة الكانت ناقصة من البداية.. إني أسمعها، وأصدقها، وما أحكم عليها من كلام زول تاني.
يمكن هي ما تكون مستعدة لي هسي.. ويمكن أصلاً ما تكون عايزاني تاني.. لكن  ما كنت عايز أهرب تاني..
عايز أستناها.. و أشوف لو لسه في فرصة أرجع أكون جزء من حياتها.
___________
ميادة.. 
من يوم ما أكرم طلقني..حياتي اتغيرت تماماً.. 
الخبر انتشر و بقت لي فضيحة كبيرة.. الناس كلها عرفت إني كنت بعمل سحر لراجلي.. لدرجة خليت الطلعة و اتحبست في البيت.. 
حتى أمي و وعد اتغيروا علي.. كل مرة تحصل مشكلة في البيت القاهم يذكروني بالحصل.. 
لكن أكتر حاجة بقت تخوفني.. إني بقيت عيانة و مصدعة طول الوقت..أصحى الصباح و انا تعبانة.. 
و راسي دايخ كأني ما نمت.. 
مرات اقعد بالساعات ساكتة و ما عندي طاقة اقوم من سريري ، و مرات أحس بخفقان شديد في قلبي.. وكأنه ح تحصل لي حاجة.
وكل يوم يمر علي كنت بفقد شيهتي في الأكل ، و افقد وزني.. بقيت امشي من دكتور لدكتور ، وكل مرة أرجع  بأدوية جديدة ، لكن التعب ما كان بمشي مني. 
ما كنت عارفة.. أنا مالي.. و ليه بقيت كدا؟!.. 
بس كل ما أتذكر الأيام الكنت بجري فيها ورا أكرم ، و كل حاجة كنت مستعدة أعملها عشان ما أخسره، كنت بحس إنو جسمي ذاته بقى شايل معاه أثر الحاجات دي.
يمكن ما كانت عارفة إنو دا تمن واضح لقراراتي.. 
لكن اتأكدت انها السبب في إني اخسر نفسي.. كأنها بتذكرني.. إن الحكاية ما انتهت عند الطلاق بس. 
__________
إحسان..
من بعد وفاة أمي.. حسيت بحاجة جواي اتكسرت.
ما كان موتها بس هو الوجع.. يمكن الوجع الأكبر.. إني لأول مرة وقفت مع نفسي و شفت حياتي كلها قدامي.
سنين قضيتها وأنا ماشة ورا الودع ، ورا الحاجات البفتكر إنها ح تحميني.. كل مرة كنت بقول لنفسي إنو أنا بس بحاول احمي بيتي ، و اساعد الناس.. لكن في النهاية.. الحاجات دي أخدت مني أكتر مما أدتني..
كنت عارفة إن أمي كانت غلطانة في حاجات كتيرة، لكن ما كنت مختلفة عنها زي ما كنت فاكرة.. أنا كمان مشيت في نفس الطريق ، بس بطريقة مختلفة.

بعد وفاتها.. ما قدرت ألمس الودع تاني.
حتى لما واحدة من النسوان طلبت مني اشوف ليها..
قلت ليها من غير تردد.. إني بطلت.
ما كان قرار ساهل ، لكن كان القرار الوحيد الباقي لي.
رجعت لطريق ربنا.. بقيت أصلي و أدعي لي أمي ، أن  ربنا يغفر لي و ليها..
أحيانا كنت بقعد براي اتذكر السنين الفاتت.. و اسأل نفسي.. ليه ما وقفت بدري؟ ليه خليت حاجات ما كان مفروض تدخل حياتي تكبر لغاية ما بقت جزء مننا؟.. 
ما كنت بلقى إجابة.. لكن كنت عارفة حاجة واحدة.. إني ما عايزة نسمة تعيش نفس الحياة دي.
ما عايزاها تخاف من بيتها، ولا تخبي حاجة عن الناس، ولا تحس إنو لازم تمشي في طريق.. هي ما اختارته عشان ترضي زول.
كنت عايزاها تعيش حياة عادية.. حتى لو أنا ذاتي ما عرفت أعيشها.

أما أبو نسمة.. رجوعه لحياتنا ما كان شيء قدرت أتقبله من أول يوم.
السنين البعدتنا من بعض كانت طويلة ، و كنت عارفة إنو الطلاق ما حاجة بسيطة عشان نتعامل معاه كأنه ما حصل..
يمكن في البداية كنت متحفظة تجاهه ، و ما كنت متعودة أشوفه بالطريقة دي من جديد.. راجل كنت فاكرة إن علاقتي بيه انتهت ، و فجأة بقى قدامي كل يوم.. 
 و هو كمان كان حريص على الحدود البينا.. لكن اهتمامه كان واضح.. يسألني لو محتاجة شيء ، يجيب لينا حاجات البيت.. و مع الأيام الحواجز البينا بدت تخف. 

لغاية في يوم.. بعد ما نسمة مشت المدرسة ، جاء قعد في الصالون و ناداني كان باين انه متردد.. 
 قال لي.. إحسان! أنا عارف إنو السنين الفاتت ما بسيطة ، و عارف إن الطلاق عمل بينا مسافة كبيرة. لكن.. أنا لسه بتذكر ايامنا زمان و لسه ما نسيتك. 
كنت عارفه انو بفكر نرجع ، بس كنت عايزه أسمعها منه
اتنهد و قال.. لو إنتِ موافقة، أنا عايز نبدا حياتتا من جديد.
يمكن الزمن غطى على قلوبنا ، و يمكن الوجع و الحاجات الحصلت بينا خلتني أنسى إنو في يوم من الأيام كان هو الزول العايزه اقضي معاه عمري كله. 
عاينت ليه و قلت..أنا ما عايزة نرجع عشان نرجع بس.. أنا عايزة لو رجعنا نعيش حياة مختلفة و هادية.. بعيد عن كل العشناه. 
هز راسه و قال.. و دا الأنا عايزه يا إحسان. 
سكتنا مسافة.. قلت ليه بهدوء.. أنا موافقة.
ابتسم بخفة وطلع ع طول.. 

يمكن أكتر حاجة خلتني أوافق.. إني كنت عايزة نسمة تعيش الحياة الاتحرمت منها سنين.. عايزة أعوضها عن كل الخوف و الحزن الكبر معاها.
يمكن ما بنقدر نمسح الماضي.. لكن بنقدر نخلي باقي عمرنا مختلف.. ولأول مرة من زمن طويل.. حسيت إنو الحياة ممكن تكون بسيطة.. و اني مستعدة أبدلها من جديد.
________
نسمه..
كنت قاعدة في الصالة.. بحضر في التلفزيون.. 
جاء ابوي سلم علي و قعد جمبي.. كان واضح ان عايز يقول حاجة.. قلت ليه.. مالك يا أبوي؟
سكت مسافة و بعدها قال.. عايز اتكلم معاك يا نسمة 
عاينت ليه باهتمام.. أحكي.. 
ابتسم و قال.. 
زي ما عارفة أنا وامك منفصلين ، ما ممكن نعيش الاتنين في بيت واحد.. و نتعامل كأن ماف شيء.. 
ما عرفت أقول شنو..بس فضلت اسمعه.. 
قال لي.. نحن اتكلمنا في الموضوع دا.. و هي موافقة. 
ابتسمت من غير ما أحس ، و همست ليه..أنا مبسوطة يا أبوي.
ضحك و قال.. كنت خايف ما تتقبلي الموضوع.
هزيت راسي بسرعة.. و قلت.. أنا عايزاكم ترجعوا.. يمكن أكتر من أي حاجة تانية.
مد يده وربت على كتفي قال لي.. ان شاء الله ماف شيء ح يبعدكم مني تاني. 
مشيت لأمي في الغرفة.. قعدت جنبها وابتسمت.
قالت لي.. أبوك كلمك؟ ، رديت ليها بفرحة.. أيوة.. 
كنت عارفة إن القرار دا ما كان ساهل عليها، وعارفة إن الرجوع بعد السنين دي ما معناه إنو كل الوجع اختفى.
لكن يمكن هم الاتنين.. أخيراً بقوا مستعدين يختاروا بعض من جديد.

تاني يوم كان الجمعة.. 
تم العقد.. بكرامة صغيرة من غير زحمة.. بس أهل ابوي القريبين، و جيرانا في العمارة.. 
باركت ليهم و اتمنيت ليهم حياة سعيدة مع بعض. 
حسيت كأن أخيراً ربنا فتح لينا باب تاني.. نعيش فيه حياتنا بصورة طبيعية زي اي أسرة عادية.

من بعد روجعهم حياتنا اتغيرت بشكل واضح.. 
أمي رجعت تضحك من قلبها ، وأبوي بقى موجود في تفاصيل يومنا الصغيرة.. 
بديت أعيش حياتي يوم بيوم من غير ما أحس إني منتظرة حاجة تحصل.
لكن وسط دا كله يمكن أحمد..ما كان غايب من بالي تماما.. مرات كنت بتذكر كلامه ، و مكالمته يوم اتصل يعزيني.. كنت لسه شايلة جواي حاجات كتيرة ما اتقالت.. وحاجات اتقالت و ما قدرت أنساها.
لكن ما كنت قادرة أقرر إذا كان ح يرجع لي ولا لأ ، أو إذا كنت قادرة اسامحه. 
لغاية ما يوم فتحت تلفوني.. لقيت رسالة من رقم ما مسجل عندي.. بس عرفته دا هو.. 
اتوترت مجرد ما شفتها.. "السلام عليكم.. نسمة كيف اخبارك.. طمنيني عليك؟!".
فضلت أعاين للرسالة مسافة وكتبت.. عليكم السلام.. الحمدلله. 
ردّ لي مباشرة.. لسه شايله في قلبك تجاهي؟!.
لحظات و اتذكرت كل الحصل بينا.. الخصام، البعد، حتى نهايتنا الكانت ما واضحة.. 
حسيت بنغزة في قلبي.. قريت الرسالة من غير ارد ، 
و قفلت التلفون..

بعد يومين، وصلتني رسالة تانية منه.. 
"عارف انك ما مستعدة تتكلمي معاي.. بس أنا لسه ما نسيتك".. 
قريت رسالته بتردد.. جزء مني كان بقول ان لسه هو بعني لي حاجة.. و جزء تاني كان بذكرني باليوم الكسر ثقتي فيه. 
رديت ليه.. أنا ما نسيت الحصل.. و ما ح أقدر أكون نسمة البتعرفها زمان. 
رد بسرعة.. و أنا ما عايز منك غير تديني فرصة اصلح الاتخرب.  
ما قدرت أقفل الباب في وشه.. كتبت ليه..حتى لو أخدت فرصة ما بعني.. إن كل شيء ح يرجع زي زمان.
رد لي.. عارف و عشان كدا انا ما مستعجل..

من بعدها.. رجعنا نتكلم تاني.. بس ما كان في كلام حب  ولا وعود.. مجرد رسائل بسيطة..و مرات تمر أيام من غير ما نتكلم..والغريبة إنو الطريقة دي خلتني أرتاح أكتر.. ما كان في إحساس إنو رجع فجأة عشان ياخد مكانه الزمان في حياتي.. 

لغاية ما في يوم، أبوي ناداني.. 
قال لي.. نسمة تعالي أقعدي.. عايز أكلمك في حاجة.
قعدت جنبه و أنا مستغربة.. سكت لحظة و قال.. 
أحمد كلمني.. قال إن لسه عايزك و باقي عليك.. لو انتِ موفقة. 
رديت بصوت واطي.. انت شايف شنو؟!.. 
أبوي قال لي.. أنا ما ح أقول ليك وافقي و لا ارفضي.. 
دي حياتك.. وإنتِ البتحددي. لكن لو لسه عندك حاجة ليه ، فكري كويس قبل ما تاخدي قرارك.
نزلت عيوني للأرض.. كنت عارفة الإجابة من جواي، لكن الاعتراف بيها كان أصعب من إني اقولها.
بلعت ريقي و قلت ليه.. أنا عايزاه يا أبوي.. بس خايفة.
سألني بهدوء.. خايفة من شنو؟!. 
قلت ليه.. خايفة أرجع أثق فيه.. وألقى نفسي اتكسرت تاني.
حاول يطمني.. من حقك تخافي.. لكن لو فكرتي ترجعي ليه، لازم تعرفي إنو الثقة الاتكسرت ما بترجع بكلمة.. أحمد لازم يثبت ليك بأفعاله إنو اتغير.. 
هزيت راسي.. و مشيت ما كنت محتاجة زمن طويل عشان أعرف إني لسه بحبه.. بس كنت عايزه اعرف ان المره دي أنا البختار. 

بعدها أبوي اتصل ليه.. ما عرفت تفاصيل كلامهم ، لكن بعد ما قفل قال لي..
أحمد قال ح ينزل السودان و يجيب أهله.

و فعلا مجرد ما نزل السودان .. جاء البيت مع ابوه و قعدوا مع ابوي. 
اعتذر عن كل الحصل ، و قال إنو كان غلطان لما حكم علي من غير ما يسمعني.
ابوي قال ليه.. أنا ما عايز الحصل بينكم يتكرر تاني..
و لو في يوم حصل نقاش بينكم.. اتكلموا مع بعض من غير ما تدخلوا طرف بينكم. 
احمد وعد ابوي.. و بعدها حددوا موعد العقد بعد أسبوع.. لأن إجازته كانت قصيرة. 

بدينا نجهز للعقد.. جيرانا و صحباتي الجداد كانوا معانا بساعدونا ، رغم أن الدعوة كانت غداء في الصالة من غير جوطة كتيرة.. 
لغاية يوم العقد.. مشيت الكوفير مع واحدة من بنات الجيران.. بعد ما جهزت أحمد اتصل و بارك لي بصوت مبحوح.. و بعدها جاء أخدني من الكوفير.. بس شكله كان مختلف.. ملامحه بقت حادة و أكتر رسمية ، ما حسيته أحمد الزمان الكنت متعودة عليه.
ركبت جنبه قلبي بضرب.. و حاسه بغرابة تجاهه ما عرفت سببها.. 
بعدها قطع الصمت و قال.. 
نسمة.. إنتِ مالك كاشة مني؟ حاسيك ما مرتاحة لي.
بلعت ريقي و قلت ليه.. ما عارفة كأنك بقيت غريب مني.
ابتسم.. و مسك يدي بخفه قال لي.. يمكن عشان طولتي مني.. بس لسه انا أحمد حبيبك ما اتغيرت.. 
ما رديت.. بس ابتسمت ابتسامة صغيرة و عاينت بالشباك.
لما وصلنا الصالة، الناس استقبلونا بالزغاريد والغنا، وبقوا يباركوا لينا ويهنئونا.. وسط كل دا.. كنت شايفة أمي و أبوي مع بعض و مبسوطين ، يمكن دي كانت أكتر حاجة فرحتني في اليوم كله.
بس فجأة اتذكرت حبوبة.. اتخيلتها لو كانت شايفاني الليلة.. يمكن كانت ح تقول لي بصوتها القوي..ما شاء الله يا بتِ.. أخيرا لقيتي طريقك ، أو كانت ح تقيف بعيد، تراقب الناس بصمت.. حسيت بغصة صغيرة ، 
بس ثواني رجعت على صوت أحمد وهو بهمس لي.. 
جات وئام و معاها مُنير.. باركوا لينا و اختفوا وسط الناس.. لكن الغريبة ما شفت ميادة رغم اني عزمتها.. 
و اخيرا اليوم انتهى مع التصوير والناس.. 

بعد أسبوع أحمد سافر عشان يرجع شغله..
مكالماتنا رجعت تاني.. و بقت جزء اساسي من يومي.. شوية شوية، بديت أتعود عليه من جديد، ورجعت أحس إنو وجوده في حياتي بقى حاجة طبيعية.
من جهة تانية، خليت المدرسة وبديت أجهز أوراقي ونفسي للسفر.. أمي كانت معاي في كل خطوة، كنا بنمشي السوق سوا ، نقضي اليوم مع بعض ، و نجهز للحاجات الفضلت
لغاية ما أخيرا.. تأشيرتي طلعت.. وقتها حسيت إن السفر بقى قريب شديد.

و قبل ما أسافر بأيام.. حسيت إني عايزة أعمل حاجة واحدة.. إني أمشي بيتنا القديم.. كنت محتاجة أشوفه للمرة الأخيرة.
و فعلا مشيت مع العصر.. وقفت بعيد شوية حسيت بنغزة في قلبي ، و أنا بشوف البيت العشت فيه حياتي كلها، بقى عبارة عن بقايا حطام في الأرض.
لا فيه ريحة بخور، ولا ناس داخلة و طالعة، ولا حتى صوت.. كأنه المكان ذاته مات معاها.
عاينت ناحية العريشة.. المكان الكانت حبوبة بتقعد فيه بالساعات.. صوتها، ضحكتها، عكازها و كل تفاصيلها.
اتذكرت أمي و هي قاعدة بكل جمود، بترمي الودع للناس..اتذكرت نفسي.. طفولتي، الليالي الكنت بنوم فيها و أنا خايفة من حاجة ما كنت فاهمة حقيقتها.
كل الذكريات دي مرت قدامي مرة واحدة زي الفيلم.. 
لكن الغريب.. إني المرة دي ما خفت.. بس حسيت بحزن خفيف.. 
ما كنت زعلانة من حبوبة، و ما قادرة اقول اني نسيت كل شيء.. لكن لأول مرة قدرت أشوفها كإنسانة.. إنسانة خافت من نهايتها، و مسكت الشيء الوحيد الاداها إحساس بالقوة، لغاية ما بقت هي ذاتها أسيرة ليه.. 
قربت خطوة من الحطام.. و همست بصوت واطي..
حبوبة.. أنا قلت ليك "خربتي حياتي".. كنت قاصدة اقول ليك.. إنتِ بس ما قدرتي توريني طريق تاني غير الطريق العشتي فيه.. و أنا سامحتك من كل قلبي.

عاينت للمكان مسافة طويلة "بيت الظار".. الاسم الكان بنادوا بيه بيتنا.. من كتر ما كان معروف بالحاجات البتحصل فيه.
كنت دايما بخاف منه.. و أحيانا بخجل منه ، رغم إني حاربته طول عمري.
بس هسي عرفت إن ما كان مجرد بيت من حجار وطين كان طريق مظلم.. لناس دخلوه و هم بايعين نفسهم ، و طلعوا منه و هم خسروا نص حياتهم.  
طريق بدايته مغرية.. لكن نهايته دايما رماد و سواد. 

مسحت دمعة نزلت من غير ما أحس ، و همست للمره الاخيرة.. 
ربنا يغفر ليك يا حبوبة.. و يرحمك برحمته.
أنا خلاص ح أمشي ، بس ح اتذكرك دايما وادعي ليكِ.
 مشيت.. من غير ما ألتفت وراي.. و من غير ما أحس بزول بشدني عشان ارجع.. 

رجعت البيت، لقيت أمي جهزت الغداء ، و أبوي قاعد على الكرسي بتونس معاها.. سلمت عليهم و قعدت.
أمي سألتني.. مشيتِ وين؟!.. 
قلت ليها.. مشوار قريب.. و سكتّ.
ما سألتني تاني.. بس عاينت لي مسافة ، كأنها عرفت من غير ما أقول.
اتغدينا سوا.. و فضلنا نتونس لما خليتهم و انفردت بمكالمة أحمد...

مروا باقي اليومين بسرعة.. 
لغاية ما جاء يوم السفر ، صحيت بدري ، صليت الصبح و دعيت طويل..ان ربنا يحفظ اهلي من وراي.. و يبارك لي في حياتي الجاية.. 
بعدها ودعت جيرانا و مشينا المطار.. كنت حاسة  بإحساس تقيل واقف في صدري.. حضنت أمي بقوة.. 
و همست لي.. توصلي بالسلامة يابتِ.. سامحيني على كل يوم خليتك خايفة.
مسحت دموعها بإيدي، و قلت ليها.. سامحتك من زمان يا أمي..
ابوي قبلني في راسي ، و قال بصوت مبحوح.. خلي بالك من نفسك.
مشيت ناحية البوابة ، و التفت ليهم آخر مرة.. واقفين مع بعض، كأن الزمن أخيراً رجعهم لبعض.

ابتسمت و مشيت.. 
خلصت الإجراءات و اتوجهت ناحية الطيارة .. 
قعدت و أنا حاسة برهبة خفيفة.. خصوصاً لما اتحركت و بدت تقلع حسيت قلبي انقبض.. بعد دقائق، كنا في الجو.
بقيت أعاين من الشباك للمدينة وهي بتصغر تحتنا.. 
كل حاجة عشتها، كل وجع، وكل درس.. بقى بعيد، زي نقطة  
بعد ساعتين تقريبا.. نزلنا في المطار.. 
استلمت الشنط حقتي ، و اتوجهت لصالة الاستقبال.. لقيته واقف بعيد و متأنق.. ماسك بوكيه ورد ، مجرد ما عينه وقعت علي جاني بلهفه.. ضماني عليه بخفة.. 
همس لي بابتسامة هادية.. أهلاً بيكِ يا نسمة.. نورتيني الليلة!. 
ابتسمت بخجل نزلت رااسي.. و أنا ماسكة بوكيه الورد. 
مسك يدي بحنية ، و قال لي بصوت واطي..
قبل ما نبدا حياتنا هنا .. عايز البداية تكون من بيت الله.. و أول عمرة ليك تكون معاي..

و فعلا بعد يوم.. مشينا مكة.. و أول ما شفت الكعبه من بعيد.. دموعي بدت تنزل من غير ما أقدر أوقفها.. قلت يا رب.. ما كنت متخيلة يوم إني أوصل لمكان زي دا، بعد كل الطريق الجيت منه.
كل حاجة عشتها.. البخور، الودع، الخوف، الدجل، الأسرار الكبرت وسطها.. كل دا في اللحظة دي بقى صغير وتافه ، قدام عظمة المكان الواقفة قدامه.
 همست بصوت مكسور..
يا رب.. أنا جيتك بعد رحلة طويلة.. جيتك تايهة و خايفة بس رجعت ليك في الآخر.
اغفر لي، و اغفر لأمي، و ارحم حبوبتي، واحفظ أبوي 
و اجعل بيتي الجديد بيت طاعة وتقوى ليك يارب.. 
طوفنا حوالين الكعبة.. و كل شوط كنت بحس بثقل بتشال من صدري.. ثقل سنين من الخوف والوجع والحيرة.
بعد ما خلصنا العمرة.. أحمد قال لي بصوت واطي..
يا نسمة، الحمدلله هدانا للحظة دي.
هزيت راسي و أنا بعاين تجاه الكعبة للمرة الأخيرة قبل ما نمشي..
و من وقتها.. بدينا حياتنا من سجدة شكر جمعتنا سوا قدام بيت الله ، و كل يوم كان بمر، كنت بحس إني بعيدة عن نسمة القديمة.. 
و قريبة أكتر من نسمة الجديدة.. الزولة العرفت إن السكينة الحقيقية ما بتتجاب بودع ولا بخور، لكن بقلب مطمئن لربه، و بيت مبني على الإيمان و الصدق. 

يمكن الحياة ما بترجع صفحاتها القديمة.. لكن بتديك فرصة تكتب صفحة جديدة، بقلمك إنت.
و أنا.. أخيراً.. بديت أكتب صفحتي.

                     تمت بحمد الله



وأيضا زرونا على صفحة الفيس بوك 


وايضا زورو صفحتنا سما للروايات 

 من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك

 كل جديد من لينك التلجرام الظاهر امامك


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة