
رواية دليده الفصل الاول 1 بقلم سهر احمد
حين يتحدى الغرورُ رجلًا لا يعرف الانحناء
لم تكن دليدة فؤاد الشاذلي مجرد فتاة وُلدت في عائلة ثرية...
كانت ابنة الاسم الذي جعل للمال هيبة، وللنفوذ أبوابًا لا تُغلق في وجهه.
منذ طفولتها، لم تعرف معنى أن تُرفض لها رغبة.
إذا أرادت شيئًا، وجدته.
إذا غضبت، أسرع الجميع إلى إرضائها.
إذا أخطأت، وجد والدها ألف مبرر ليغفر لها.
حتى عندما كانت نادية تحاول الوقوف في وجه تدليل زوجها المبالغ فيه لابنتهما، كان فؤاد يكتفي بابتسامة ويقول:
— دي بنتي يا نادية، أحنّ عليها ولا أسيبها لمين؟
فتجيبه نادية دائمًا:
— أنا مش بقولك متحنش عليها يا فؤاد... أنا بقولك علّمها إن الدنيا مش هتفضل طول عمرها بتقول لها حاضر.
وكان فؤاد يضحك.
— الدنيا تقول لها حاضر طول ما أنا موجود.
لم تكن نادية تعرف أن جملة زوجها تلك ستصبح يومًا السبب الأول في أكبر صدام ستشهده حياة ابنته.
في صباح هادئ داخل قصر الشاذلي...
كانت مائدة الإفطار ممتدة أمام أفراد العائلة.
فؤاد يجلس في صدر المائدة، بجواره نادية.
زياد يراجع بعض الرسائل على هاتفه، بينما جنى تحاول إخفاء ابتسامتها وهي تراقب شقيقها.
— زياد، إنت من ساعة ما قعدت وإنت ماسك الموبايل.
رفع زياد عينيه عن الشاشة.
— شغل.
جنى ابتسمت.
— شغل الساعة تمانية الصبح؟
— آه.
— ولا بتكلم حد؟
نظر إليها زياد ببرود.
— جنى.
ضحكت.
— خلاص، خلاص.
نادية وضعت فنجان القهوة أمام زوجها.
— دليدة لسه نايمة؟
زياد رفع حاجبه.
— متوقعة تنزل قبل الضهر؟
فؤاد ابتسم.
— سيبوها براحتها.
نادية التفتت إليه.
— أهو ده اللي أنا بتكلم عنه.
— في إيه؟
— بنتك عندها اجتماع مهم النهارده.
— عارفة.
— ومفروض تكون في الشركة من تسعة.
— هتروح.
زياد ترك هاتفه على الطاولة.
— لو مزاجها سمح.
نظر إليه فؤاد.
— مالك على أختك؟
— ولا حاجة.
— حاسس إنك متضايق منها.
— أنا مش متضايق منها يا بابا، أنا بس مش عاجبني إنها بتتعامل مع كل حاجة كأنها ملكها.
سكت فؤاد.
نادية نظرت إلى ابنها بإعجاب خفي.
— أخيرًا حد قالها.
ضحك فؤاد.
— حتى إنتِ؟
— أنا من زمان بقولها.
جنى رفعت يدها.
— وأنا عندي اقتراح.
نظر الجميع إليها.
— قولي.
— نعمل تصويت.
زياد ضحك.
— على إيه؟
— مين في البيت أكتر واحد بيدلع دليدة؟
رفعت نادية يدها.
— فؤاد.
رفع زياد يده.
— فؤاد.
ضحكت جنى.
— أنا كمان فؤاد.
نظر فؤاد إليهم جميعًا.
— جميل جدًا.
دخل صوت دليدة من أعلى السلم.
— واضح إن الاجتماع عني.
التفتت كل الرؤوس إليها.
نزلت بخطوات واثقة، ترتدي ملابس أنيقة، تحمل حقيبتها بيد، وهاتفها باليد الأخرى.
نظرت إلى الجميع.
— صباح الخير.
ردت نادية:
— صباح النور.
أما فؤاد فابتسم.
— صباح الجمال على بنتي.
زياد تمتم:
— بدأنا.
جلست دليدة بجوار جنى.
— في إيه؟
جنى ابتسمت ببراءة.
— ولا حاجة.
— وشك بيقول إن في حاجة.
زياد تناول كوب القهوة.
— كنا بنتكلم عن تأخيرك.
رفعت دليدة عينيها إليه.
— اتأخرت؟
— الساعة تسعة إلا عشرين.
نظرت إلى ساعتها.
— ولسه بدري.
زياد ضحك بسخرية.
— بدري؟
— آه.
— عندك اجتماع الساعة تسعة.
— هروح.
— وإحنا هنصدق؟
نظرت إليه بثقة.
— المفروض.
تدخل فؤاد:
— زياد، سيب أختك.
التفت زياد إلى والده.
— أنا سايبها يا بابا، بس لما الشركة تبقى مسؤولية، الموضوع يختلف.
دليدة أخذت قطعة خبز.
— أنا عارفة شغلي.
— أنا عارف إنك عارفة، بس معرفتك مش معناها إنك دايمًا صح.
وضعت الطعام من يدها.
— هو النهارده يوم العائلة العالمي؟
جنى انفجرت ضاحكة.
— لا والله، بس شكلهم متفقين عليكي.
نظرت دليدة إلى أختها.
— وإنتِ بتضحكي ليه؟
— عشان بحبك.
— لا، عشان بتشوفي خناقة.
— دي حقيقة.
ابتسمت دليدة رغمًا عنها.
اقتربت نادية من ابنتها.
— دليدة، والدك عايزك تحضري الاجتماع النهارده بنفسك.
— حاضر.
— ومن غير مشاكل.
— ماما!
— أنا عارفة بنتي.
رفع فؤاد عينيه إليها.
— وفي مهندس جديد هيحضر الاجتماع.
دليدة توقفت.
— مهندس؟
— أيوه.
— اسمه إيه؟
— يونس عبدالرحمن.
زياد نظر إلى والده باهتمام.
— هو ده اللي حكيتلي عنه؟
— أيوه.
دليدة سألت بلا اهتمام:
— شاطر؟
فؤاد ابتسم.
— جدًا.
— خبرته؟
— ممتازة.
— ومن عيلة مين؟
ساد صمت قصير.
أجاب فؤاد بهدوء:
— مش مهم.
رفعت دليدة حاجبها.
— مش مهم؟
— المهم كفاءته.
ابتسمت ابتسامة جانبية.
— تمام.
زياد لاحظ النظرة.
— إيه؟
— ولا حاجة.
— لأ، أنا عارف النظرة دي.
— وأنا عارفة إنك بتحب تتدخل في كل حاجة.
تدخل فؤاد قبل أن تبدأ المواجهة.
— خلاص يا ولاد.
نادية تنهدت.
— كل صباح لازم يبدأ بخناقة.
جنى ضحكت.
— ده الطبيعي.
في الطرف الآخر من المدينة...
كان يونس يجلس على مائدة صغيرة داخل شقته المتواضعة.
عبدالرحمن أمامه.
أمينة تضع الطعام.
كريم يسرق قطعة من طبق يونس.
يونس أمسك يده.
— سيبها.
ضحك كريم.
— دي قطعة صغيرة.
— طبقك قدامك.
— طبقك أحلى.
مريم جلست تضحك.
— كل يوم نفس الحوار.
أمينة هزت رأسها.
— يا ابني سيب أخوك يا يونس.
يونس ترك يد كريم.
— خليه.
كريم ابتسم بانتصار.
— شفتِ يا أمي؟ أخويا بيحبني.
يونس تناول كوب الشاي.
— عشان لو فضلت أزعقلك هتقولوا عليا عصبي.
عبدالرحمن ضحك.
— وإنت فعلًا عصبي.
— أنا؟
— أيوه.
مريم تدخلت:
— بس مش قدام الناس.
نظر إليها يونس.
— مريم.
— إيه؟ دي الحقيقة.
كريم ضحك.
— عندنا ملاك في البيت.
مريم ضربته بخفة.
— ابعد.
أمينة جلست بجوار زوجها.
— عندك اجتماع النهارده؟
— أيوه.
— مع رجل الأعمال الكبير؟
— أيوه.
— فؤاد الشاذلي؟
— هو.
عبدالرحمن نظر إلى ابنه.
— خليك فاكر يا يونس... الناس دي عندها عالم مختلف.
— عارف.
— والمال ساعات بيخلي بعض الناس يشوفوا نفسهم أعلى من غيرهم.
يونس ابتسم بهدوء.
— وأنا مش داخل أتنافس معاهم.
— عارف.
— داخل أشتغل.
عبدالرحمن هز رأسه.
— ده اللي عايزه منك.
أمينة وضعت يدها على كتف ابنها.
— أهم حاجة متخليش حد يقلل منك عشان إمكانياتك أقل منهم.
نظر إليها يونس.
— محدش يقدر يقلل من حد إلا لو الشخص نفسه سمح له.
مريم ابتسمت بفخر.
— أهو الكلام.
كريم مال ناحية أخيه.
— بس عندي سؤال مهم.
— اسأل.
— بنت فؤاد الشاذلي حلوة؟
سكت يونس.
أمينة ضحكت.
عبدالرحمن رفع حاجبه.
مريم ضربت كريم على كتفه.
— إنت مفيش حاجة في دماغك غير البنات؟
— ده سؤال بحثي.
يونس ابتسم.
— ملهاش علاقة بالشغل.
كريم ضحك.
— يعني حلوة.
— ما قلتش.
— سكوتك قال.
يونس هز رأسه.
— أنت مستفز.
— اتعلمت منك.
ضحكت الأسرة.
كان بيتهم بسيطًا...
لكن الضحكة التي ملأت المكان جعلت بساطته أكثر دفئًا من أفخم القصور.
في التاسعة تمامًا...
كانت شركة الشاذلي تستعد لاجتماع مهم.
دليدة دخلت المبنى بخطوات واثقة.
موظفو الاستقبال وقفوا لتحيتها.
— صباح الخير يا مدام دليدة.
— صباح النور.
تحركت باتجاه المصعد.
وجدت ملك ونور وريم في انتظارها.
ملك احتضنتها.
— أخيرًا!
دليدة أبعدتها.
— صباح الخير يا مجنونة.
ريم اقتربت.
— إحنا جايين نشوف المهندس الجديد.
نور عقدت ذراعيها.
— إحنا جايين عشان الاجتماع.
ريم نظرت إليها.
— وإحنا الاتنين مين هيصدق؟
ملك ضحكت.
— أنا مهتمة أعرف مين الراجل اللي بابا دليدة معتمد عليه بالشكل ده.
دليدة دخلت المصعد.
— ولا أنا مهتمة.
نور دخلت خلفها.
— كدابة.
— نور.
— إيه؟
— متبدأيش.
ريم ضغطت زر الطابق.
— أنا عندي إحساس إن النهارده هيبقى ممتع.
ملك ابتسمت.
— جدًا.
دليدة نظرت إليهما.
— أنا مش فاهمة أنتم جايين ليه أصلًا.
ملك أجابت:
— عشان لو حصلت خناقة، نكون موجودين.
— خناقة؟
نور ضحكت.
— إحنا عارفينك.
وصل المصعد.
خرجت الفتيات.
وفي اللحظة نفسها...
كان رجل يقف أمام مكتب الاستقبال.
ظهره لهم.
يحمل ملفًا أسود.
لم يلتفت.
دليدة تجاوزته دون اهتمام.
استدارت ملك لتلقي نظرة سريعة.
رفعت حاجبها.
— هو ده؟
نور نظرت.
— غالبًا.
ريم همست:
— شكله هادي.
دليدة تابعت سيرها.
— ماله يعني؟
ملك اقتربت منها.
— شكله مختلف.
— كل الرجال مختلفين في الأول.
توقفت عند باب قاعة الاجتماعات.
وفي اللحظة التي مدت يدها للمقبض...
جاء صوت هادئ خلفها.
— لو سمحتِ.
استدارت.
كان هو.
يونس عبدالرحمن.
نظرات ثابتة.
ملامح هادئة.
لا ابتسامة مصطنعة.
لا محاولة للتقرب.
فقط احترام واضح.
مد يده نحو الباب.
— الاجتماع هنا؟
دليدة نظرت إلى يده، وبعدها إلى وجهه.
— أيوه.
— شكرًا.
فتح الباب بنفسه.
دخل.
دليدة ظلت واقفة للحظة.
ملك اقتربت من أذنها.
— هو ده؟
لم تجب.
ريم كتمت ضحكتها.
نور كانت تراقب وجه دليدة.
— دليدة؟
— نعم؟
— إنتِ سرحتي.
— أنا؟
— أيوه.
نظرت دليدة إلى الباب.
— مستفز.
ملك ابتسمت.
— عمل إيه؟
— ولا حاجة.
ريم ضحكت.
— ودي أول مرة "ولا حاجة" تبقى بالشكل ده.
دخلت دليدة القاعة.
جلس فؤاد في رأس الطاولة.
زياد بجواره.
يونس في الجهة الأخرى.
جلست دليدة.
بدأ فؤاد الحديث.
— خلينا ندخل في الموضوع على طول.
فتح يونس الملف.
— أنا راجعت كل الأرقام.
دليدة اتكلمت:
— والنتيجة؟
رفع عينيه إليها.
— الخطة محتاجة تعديل.
— تعديل بسيط؟
— لأ.
— كبير؟
— جدًا.
زياد نظر إلى يونس باهتمام.
— إيه اللي مش عاجبك؟
فتح يونس الأوراق.
— التوسع في المشروع في الوقت الحالي مخاطرة.
دليدة ردت فورًا:
— المخاطرة جزء من الاستثمار.
— مش كل مخاطرة استثمار ناجح.
— ولو فضلنا نخاف، مش هنتقدم.
— وأنا مش بخاف.
— أمال؟
نظر إليها مباشرة.
— بحسب.
سكتت.
فؤاد تدخل:
— كمل.
يونس أشار إلى الأرقام.
— هنا، وهنا، وهنا... التكاليف أعلى من المتوقع.
دليدة أخذت الورقة.
— الأرقام دي قابلة للتغيير.
— أكيد.
— يبقى المشكلة اتحلت.
— لأ.
— ليه؟
— لأنك بتتكلمي عن الأرقام كأنها أرقام على ورق.
— وهي إيه؟
— ناس.
نظرت إليه باستغراب.
أكمل:
— كل رقم هنا وراه موظفين، وراهم بيوت، وراهم مسؤوليات. القرار الغلط مش هيخسر فلوس وبس.
ساد الصمت.
زياد ابتسم ابتسامة صغيرة.
واضح أن يونس بدأ يلفت انتباهه.
دليدة وضعت الورقة.
— كلام جميل.
— شكرًا.
— بس أنا مش محتاجة حد يعلمني الإدارة.
— وأنا مش بعلمك.
— أمال بتعمل إيه؟
— بحاول أحمي المشروع.
— المشروع مش مشروعك.
— عشان كده أقدر أشوفه بموضوعية.
نظرت إليه طويلًا.
— أنت واثق من نفسك جدًا.
— بحاول أكون.
— وده ممكن يتحول لغرور.
— وممكن غروري يبقى أهون من خسارة الناس اللي هتتحمل نتيجة القرار.
زياد تدخل:
— أنا شايف إن كلامه منطقي.
دليدة التفتت إلى أخيها.
— طبعًا.
— مالك؟
— مفيش.
فؤاد كان يتابع المشهد بصمت.
— يونس، لو عدلنا الخطة، تقدر تدير التنفيذ؟
— أقدر.
— قدامك شهر.
— أقدر أخلص قبل كده.
دليدة ابتسمت بسخرية.
— قبل كده؟
نظر إليها.
— عندك اعتراض؟
— عندي.
— إيه؟
— إنك بتتكلم كأن كل حاجة سهلة.
— لا، أنا بتكلم كأني عارف هعمل إيه.
— ولو فشلت؟
— أتحمل النتيجة.
— ولو خسرت؟
— أتحمل.
— ولو خسرت الشركة؟
تغيرت نظراته.
— هكون أول واحد يعترف بغلطه.
سكتت دليدة.
فؤاد قال:
— اتفقنا.
رفعت دليدة عينيها لوالدها.
— بابا!
— إيه؟
— إنت وافقت؟
— أيوه.
— من غير ما تسألني؟
— سألتك.
— أنا رفضت.
— وأنا سمعت رأيك.
وقفت.
— بس القرار قراري.
فؤاد نظر إليها بحزم لم تعتده منه.
— لأ.
تجمدت.
زياد رفع عينيه.
نادية، التي كانت قد دخلت القاعة دون أن يشعر بها أحد، توقفت عند الباب.
فؤاد أكمل:
— القرار قرار الشركة.
دليدة شعرت بشيء ينكسر داخلها.
ليس بسبب يونس.
بسبب والدها.
— يعني إيه؟
— يعني إنك هتشتغلي مع يونس على المشروع.
ضحكت دليدة بذهول.
— أنا؟
— أيوه.
— معاه؟
— أيوه.
يونس بقي صامتًا.
دليدة التفتت إليه.
— مبسوط؟
رفع عينيه إليها.
— لأ.
— ليه؟
— لأني مش داخل الشغل عشان أكسبك أو أخسرك.
ابتسمت بسخرية.
— أنت فعلًا شخص غريب.
— ممكن.
اقتربت منه.
— بس اسمعني كويس.
وقف.
— سامعك.
— أنا مش هسمحلك تتحكم في حاجة تخصني.
— وأنا مش هسمحلك تتحكمي في حاجة تخص الشغل.
وقفا وجهًا لوجه.
فؤاد نظر إلى الاثنين.
زياد كاد يبتسم.
نادية وضعت يدها على جبينها.
ملك وريم ونور كنّ يراقبن المشهد من خارج الباب.
ريم همست:
— إحنا هنحتاج فشار.
نور ضحكت.
— واضح.
ملك لم ترفع عينيها عن دليدة.
— دي أول مرة أشوفها قدام حد مش قادر يخاف منها.
داخل القاعة...
كانت دليدة لا تزال تواجه يونس.
— إنت فاكر إنك هتفرض نفسك عليا؟
— لأ.
— أمال؟
— أنا مش محتاج أفرض نفسي.
— واثق؟
— جدًا.
— الأيام هتثبت مين فينا أقوى.
نظر إليها بثبات.
— أنا مش داخل أثبت إني أقوى منك.
— أمال داخل تعمل إيه؟
سكت لحظة.
— أخليكي تعرفي إن القوة مش إن الناس تخاف منك.
تغير وجهها.
اقترب أكثر قليلًا.
— القوة إنك تقدري تكوني قوية من غير ما تكسري حد.
لم تجد ردًا.
كانت الكلمات بسيطة...
لكنها أصابت مكانًا لا تسمح لأحد بالاقتراب منه.
خرج يونس من القاعة.
دليدة ظلت مكانها.
اقتربت نادية من ابنتها.
— دليدة...
— ماما، مش دلوقتي.
خرجت خلفه.
في الممر...
كان يونس يسير بهدوء.
سمع خطواتها.
توقف.
التفت.
كانت غاضبة.
— يونس!
— نعم؟
— إنت فاكر إنك هتغيرني؟
نظر إليها.
— لأ.
— أمال؟
— أنا مش جاي أغيرك.
اقتربت.
— أمال ليه كلامك كله عني؟
— لأنك بتدي لنفسك حق تحكمي على الناس.
— وإنت مالك؟
— ولا حاجة.
— أمال ابعد عني.
— حاضر.
استدار.
أمسكت ذراعه للحظة، وكأنها تفاجأت من نفسها.
توقفت.
نظر إلى يدها.
رفعتها سريعًا.
— استنى.
— نعم؟
ترددت.
كانت تريد أن تسأله لماذا لم ينظر إليها مثل الجميع.
لماذا لم يحاول أن يغازلها.
لماذا لم يخاف منها.
لكن الكلمات خرجت بشكل مختلف:
— إنت... بتكرهني؟
تغيرت ملامحه قليلًا.
— أنا معرفكيش عشان أكرهك.
— شايفني مغرورة؟
— أيوه.
شهقت بخفة.
— بكل سهولة؟
— سألتي.
— ومش ممكن تكون غلطان؟
— ممكن.
اقتربت خطوة.
— يعني ممكن أكون مش كده؟
— ممكن.
— وإيه اللي يخليك تغير رأيك؟
نظر في عينيها.
— أفعالك.
— ولو أفعالي أثبتتلك إني مش زي ما أنت فاكر؟
— هغير رأيي.
— ولو أثبتلك العكس؟
— هبعد.
— بالسهولة دي؟
— بالسهولة دي.
تأملته.
— أنت مش طبيعي.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— يمكن.
غادر.
دليدة ظلت واقفة.
لم تعرف لماذا شعرت أن جملة واحدة منه كانت أثقل من عشرات كلمات الإعجاب التي سمعتها طوال حياتها.
هتغير رأيي.
لأول مرة...
شعرت برغبة في أن تثبت نفسها لشخص لم يطلب منها شيئًا.
وفي الجهة الأخرى من الممر، كان زياد يقف يراقبها.
اقترب منها.
— دليدة.
التفتت.
— إيه؟
— خدي بالك.
— من إيه؟
— من الراجل ده.
رفعت حاجبها.
— ليه؟
— لأنه مش بيجري وراكي.
نظرت إلى المكان الذي اختفى فيه يونس.
— ومين قال إني مهتمة؟
زياد ابتسم.
— أنا ما قلتش إنك مهتمة.
صمتت.
اقترب منها أكثر.
— بس لأول مرة أشوفك بتبصي ورا حد بعد ما يمشي.
اتسعت عيناها.
— زياد!
ضحك وابتعد.
بقيت وحدها.
وخلف زجاج الشركة، كانت الشمس قد بدأت ترتفع فوق المدينة...
بينما كانت أول شرارة في حكاية دليدة ويونس قد اشتعلت بالفعل.
شرارة بدأت بخلاف...
وبكلمة...
وبنظرة لم يفهم أيٌّ منهما معناها.
لكن ما لم تعرفه دليدة...
أن يونس لم يدخل شركة الشاذلي مصادفة.
وما لم يعرفه يونس...
أن فؤاد الشاذلي يخفي سببًا حقيقيًا وراء إصراره على وجوده داخل الشركة.
أما الورقة التي كانت داخل الملف الذي حمله يونس...
فقد بقيت في مكانها.
مغلقة.
وفي أعلى الصفحة...
كان هناك اسم واحد فقط.
دليدة فؤاد الشاذلي.
وتحت الاسم...
تاريخ قديم.
وتوقيع شخص لم تكن دليدة تتوقع يومًا أن يكون له علاقة بماضي عائلتها.
أما يونس...
فكان يقف أمام المصعد، يحدق في الرقم المضيء أمامه، وملامحه للمرة الأولى لم تكن هادئة.
مد يده إلى هاتفه.
اتصل برامي.
— أيوه يا يونس؟
— محتاج أشوفك أنت وسيف ومازن الليلة.
— حصل إيه؟
صمت يونس لحظة.
— قابلت دليدة.
ضحك رامي من الطرف الآخر.
— وأخيرًا!
— الموضوع مش هزار.
تغير صوت رامي.
— في إيه؟
نظر يونس إلى باب الشركة.
— في حاجة غلط.
— إيه هي؟
خفض يونس صوته.
— مش قادر أحدد إذا كانت هي السبب...
أو إنها نفسها الضحية.
وفي الطابق الأعلى...
كانت دليدة تقف أمام النافذة، لا تزال تفكر في الرجل الذي دخل عالمها في صباح واحد...
دون أن يستأذن.
دون أن ينبهر.
دون أن يخضع.
ولأول مرة في حياتها...
كان هناك سؤال لا تستطيع أن تزيحه من رأسها:
لماذا حاسه أن يونس عبدالرحمن يعرف عني حاجة.. أنا معرفاش عن نفسي؟
ولم تكن تعرف...
أن الإجابة ستبدأ بالظهور في الليلة نفسها.
حين يصبح الهروب مستحيلًا
وانغلق باب المخزن الحديدي بقوة هزّت المكان كله...
ارتد صوت إغلاقه بين الجدران، كأن المبنى المهجور نفسه أعلن إن اللعبة بدأت، ومفيش حد هيخرج منه بسهولة.
دليدة كانت واقفة خلف يونس، أنفاسها متلاحقة، وإيدها لسه ماسكة طرف جاكته من غير ما تاخد بالها.
الظلام كان خانقًا.
ولا حاجة باينة غير خيط نور ضعيف داخل من شباك مكسور بعيد.
صوت خطوات الرجل اقترب ببطء.
خطوة...
وخطوة...
وخطوة.
يونس مد إيده للخلف، أمسك بإيد دليدة، وسحبها ناحية الحائط.
— متتحركيش.
همست بعصبية:
— أنا مش هتحرك.
— كويس.
— وإنت؟
— أنا هشوف مين جوه.
شدت إيده.
— لأ.
التفت لها.
— إيه؟
— متروحش.
لأول مرة، ظهر على ملامحه شيء قريب من الدهشة.
— خايفة؟
رفعت ذقنها بعناد، رغم إن صوتها كان مهزوزًا:
— أنا؟ أخاف؟
— أيوه.
— أنا مش بخاف.
— إيدك بتترعش.
بصت لإيدها، وسحبتها بسرعة.
— من البرد.
— الجو مش برد.
— أمال من إيه؟
— إنتِ قوليلي.
ضاقت عيناها.
— متستفزنيش دلوقتي.
ابتسم ابتسامة صغيرة رغم الموقف.
— دي أول مرة أشوفك صريحة.
— يونس!
— حاضر.
جاء صوت الرجل من قلب الظلام:
— جميل...
تجمد الاثنان.
— حتى وإنتوا خايفين... لسه قادرين تتخانقوا.
يونس وقف أمام دليدة بالكامل.
— اظهر.
ضحكة قصيرة خرجت من الظلام.
— لسه زي ما إنت يا ابن عبدالرحمن.
تغيرت ملامح يونس.
— إنت تعرف أبويا؟
— أعرفه أكتر مما تتخيل.
دليدة رفعت صوتها:
— وإنت تعرف بابا كمان؟
سكت الرجل.
— سألتك!
جاء صوته أكثر قربًا:
— أبوكي...
توقف لحظة.
— أبوكي هو اللي بدأ الحكاية.
يونس قبض إيده.
— إنت اللي بعت الرسالة لدليدة؟
— أيوه.
— وإنت اللي جبتها هنا؟
— هي اللي جت برجليها.
دليدة صاحت:
— إنت هتفضل مستخبي كتير؟
ظهر الرجل أخيرًا من بين الظلال.
كان في أواخر الخمسينات، ملامحه قاسية، وشعره اشتعل فيه الشيب، وفي عينه نظرة غريبة تجمع بين الغضب والانتصار.
اقترب خطوتين.
— كنت مستني اللحظة دي من سنين.
يونس وقف أمامه.
— إنت مين؟
— اسمي مش مهم.
— بالنسبة لي مهم.
— مش هيفرق.
— جرب.
الرجل ابتسم.
— عندك نفس عناد أبوك.
دليدة تقدمت خطوة.
— وإيه علاقتك بعيلتي؟
نظر إليها.
توقفت ابتسامته.
— إنتِ نسخة منها.
دليدة ارتبكت.
— من مين؟
— أمك.
تغير وجهها.
— إنت تعرف أمي؟
— أعرفها.
— منين؟
— من زمن قبل ما تتولدي.
— كانت بتعرفك؟
— أكتر مما تتخيلي.
يونس تدخل:
— كفاية ألغاز.
الرجل نظر إليه.
— مستعجل تعرف؟
— أيوه.
— الحقيقة مش لعبة يا يونس.
— وأنا مش جاي ألعب.
— لأ... إنت جاي تاخد حق أبوك.
يونس اتجمد.
— أبويا ملوش حق عند حد.
ضحك الرجل بسخرية.
— إنت لسه مصدق الكلام ده؟
— مصدق أبويا.
— وده أكبر غلط عملته في حياتك.
تقدم يونس نحوه.
— لو عندك حاجة قولهالي في وشي.
الرجل لم يتراجع.
— والدك كان شريك فؤاد الشاذلي.
دليدة شهقت.
— شريك في إيه؟
الرجل نظر إليها.
— في الشركة اللي اتبنت على حساب ناس كتير.
يونس قال:
— كدب.
— ليه؟
— أبويا عمره ما كان شريك فؤاد.
— هو قالك كده؟
سكت يونس.
الرجل ابتسم.
— شفت؟
دليدة تدخلت:
— إنت بتكدب.
— ليه؟
— لأن بابا عمره ما ظلم حد.
الرجل اقترب منها.
— متأكدة؟
— أيوه.
— حتى لو قلتلك إن الراجل اللي في الصورة...
رفع إصبعه ناحية الصورة التي كانت لا تزال في يدها.
— كان أخو أمك؟
تجمدت دليدة.
الصورة سقطت من يدها.
يونس التفت إليها.
— دليدة...
لم تسمعه.
كانت عيناها معلقتين بالصورة.
— أخو أمي؟
الرجل قال بهدوء:
— أيوه.
هزت رأسها.
— لأ.
— الحقيقة مش بتتغير عشان إحنا مش عايزين نصدقها.
— لأ.
— اسألي أمك.
— إنت بتكدب!
صرخت بها.
— ماما ملهاش علاقة.
— وإنتِ عرفتي منين؟
— لأنها أمي.
— ودي إجابة؟
اقتربت منه.
— إنت عايز إيه مني؟
— عايزك تعرفي إن حياتك كلها مبنية على كذبة.
يونس تدخل بعنف:
— متقربش منها.
الرجل نظر إليه.
— ليه؟ خايف عليها؟
— أيوه.
— من الحقيقة؟
— منك.
الرجل ضحك.
— عارف إيه المضحك؟
— إيه؟
— إنك بتحمي بنت الرجل اللي دمر عيلتك.
يونس لم يتحرك.
— متدخلش دليدة في حسابات بينك وبين أبوها.
— ليه؟
— لأنها ملهاش ذنب.
— يمكن.
— مش يمكن.
— وإنت متأكد؟
— أيوه.
— إنت متأكد إنها بريئة من كل حاجة؟
نظر يونس إلى دليدة.
كانت واقفة مصدومة.
عينان ممتلئتان بالخوف والغضب.
الرجل قال:
— هي نفسها مش عارفة أبوها عمل إيه.
دليدة همست:
— قول.
— مش هنا.
— لأ، هنا.
— لو قلتلك هنا...
نظر ناحية الباب.
— مش هتخرجي.
يونس فهم التهديد.
— إنت قافل علينا ليه؟
— عشان محدش يقاطعني.
— وإنت فاكر إنك هتخوفنا؟
الرجل أخرج مفتاحًا من جيبه.
لوّح به أمامهما.
— الباب ده بيتفتح لما أقرر أنا.
دليدة قالت بعناد:
— افتحه.
— مش دلوقتي.
— افتحه!
— دليدة.
التفتت ليونس.
— متقليش اسكتي.
— أنا مش هقولك.
— أمال؟
— هقولك خليكي جنبي.
سكتت.
الرجل راقبهما بنظرة طويلة.
— واضح إن الليلة دي فيها مفاجآت أكتر مما توقعت.
يونس سأله:
— إنت بعت الرسالة ليه؟
— عشان أجيبها هنا.
— وليه أنا جيت؟
— لأنك هتيجي.
— كنت متوقع؟
— أيوه.
— ليه؟
— عشان من أول ما شفتها...
نظر إلى دليدة.
— عرفت إنك مش هتسيبها تواجه الحقيقة لوحدها.
دليدة بصت ليونس.
— إنت كنت عارف إني هاجي؟
— لأ.
— أمال جيت ليه؟
يونس تردد.
— جالي اتصال.
— من مين؟
— رقم مجهول.
الرجل ابتسم.
— أنا.
يونس شد فكه.
— إنت؟
— أيوه.
— قلتلي إن في خطر.
— وكان في خطر.
— وإنت اللي حطيتنا فيه.
— كنت محتاجك هنا.
— ليه؟
— عشان عندي سؤال ليك.
— اسأل.
الرجل اقترب.
— أبوك قالك إيه عن اللي حصل من خمسة وعشرين سنة؟
يونس سكت.
— قالك إن فؤاد خانهم؟
لم يرد.
— قالك إن فؤاد هو السبب في موت أخو نادية؟
دليدة رفعت رأسها.
— إيه؟
الرجل أكمل:
— قالك إن والدك حاول يمنع الجريمة؟
يونس عينيه ضاقت.
— إنت عايز توصل لإيه؟
— إن أبوك ماكانش بريء بالكامل.
— يعني إيه؟
— كان موجود.
— موجود فين؟
— ليلة موت الراجل ده.
دليدة اقتربت من يونس.
— إنت كنت تعرف؟
— لأ.
— متأكد؟
— أيوه.
— ليه حاسه إن كل اللي حواليا عارفين حاجة إلا أنا؟
لم تجد إجابة.
الرجل نظر إليها.
— لأنهم شايفينك أضعف من الحقيقة.
غضبت.
— أنا مش ضعيفة.
— عارف.
— أمال؟
— إنتِ أخطر مما تتخيلي.
تجمدت.
— ليه؟
— لأنك بنت نادية.
— وماما مالها؟
الرجل أخرج ظرفًا آخر.
— شوفي بنفسك.
مده لها.
يونس أمسك الظرف قبله.
— لأ.
الرجل ابتسم.
— ليه؟
— أنا اللي هشوف.
فتح يونس الظرف.
خرجت منه أوراق قديمة.
قرأ أول سطر.
تغير وجهه.
دليدة حاولت أخذ الورقة.
— اديني.
— استني.
— يونس، اديني الورقة.
نظر إليها.
— دليدة...
— إيه؟
— الورقة فيها اسم والدتك.
سحبتها منه.
قرأت.
كان هناك عقد قديم.
وفي أسفل الصفحة توقيعان.
نادية فؤاد الشاذلي.
والتوقيع الآخر...
فؤاد الشاذلي.
دليدة رفعت عينيها.
— عقد إيه ده؟
الرجل قال:
— عقد شراكة.
— بين بابا وماما؟
— لأ.
— أمال؟
— بين عيلتكم وعيلة يونس.
سقطت الورقة من يدها.
يونس أخذها.
قرأ السطور مرة أخرى.
— ده مستحيل.
— ليه؟
— أبويا عمره ما قال حاجة.
— عشان الاتفاق اتدفن.
— ليه؟
— لأن واحد منهم خان التاني.
دليدة قالت:
— مين؟
الرجل أشار إلى الصورة.
— الراجل اللي مات.
يونس رفع عينيه.
— مين قتله؟
الرجل ابتسم.
— دي الإجابة اللي أبوك وأبوها قضوا عمرهم بيهربوا منها.
دليدة اقتربت.
— إنت تعرف؟
— أيوه.
— قول.
— مش هقول.
— ليه؟
— لأن لازم تسمعيها من الشخص اللي كان موجود.
— مين؟
الرجل ابتسم ابتسامة باردة.
— أمك.
دليدة اتراجعت.
— ماما؟
— أيوه.
يونس قال:
— هي كانت موجودة؟
— كانت أول واحدة شافت الجريمة.
في نفس اللحظة...
في قصر الشاذلي...
كانت نادية جالسة في غرفة المعيشة، والهاتف في يدها.
لم تكن تعرف لماذا شعرت فجأة بأن شيئًا سيئًا حدث.
اتصلت بدليدة.
الهاتف مغلق.
اتصلت مرة ثانية.
لا رد.
نظرت إلى فؤاد.
— دليدة مش بترد.
فؤاد كان شاردًا.
— يمكن في الطريق.
— الساعة قربت على نص الليل.
— هتكون رجعت.
دخل زياد بسرعة.
— بابا.
رفع فؤاد عينيه.
— إيه؟
— عربية دليدة مش موجودة.
وقفت نادية.
— يعني إيه؟
— السواق قال إنها خرجت لوحدها.
فؤاد تجمد.
— خرجت إمتى؟
— من ساعتين تقريبًا.
نادية نظرت إليه.
— فؤاد...
— هجيبها.
زياد اقترب.
— إنت عارف راحت فين؟
لم يرد.
— بابا!
فؤاد قال بصوت منخفض:
— المخزن القديم.
تغير وجه زياد.
— ليه؟
نادية وضعت يدها على فمها.
— مستحيل...
زياد نظر إليها.
— ماما؟
— لازم نروح.
فؤاد أمسك مفاتيحه.
— محدش ييجي.
زياد اعترض:
— أنا جاي.
— قولت محدش.
— دي أختي.
— وأنا أبوها.
— وإنت مخبي عننا إيه؟
فؤاد صرخ:
— زياد!
سكت الجميع.
نادية قالت بصوت متعب:
— كفاية.
اقتربت من فؤاد.
— المرة دي مفيش هروب.
نظر إليها.
— نادية...
— لو دليدة راحت هناك، يبقى لازم تعرف.
— الحقيقة هتدمرها.
— الكذبة دمرتنا كلنا.
لم يرد.
جنى ظهرت من أعلى السلم.
— في إيه؟
زياد التفت إليها.
— جنى، ادخلي أوضتك.
— دليدة فين؟
لم يجب أحد.
جنى بدأت تبكي.
— حصل لها حاجة؟
نادية احتضنتها.
— متخافيش.
كريم في بيت عبدالرحمن كان يقف أمام أخيه.
— يونس مش بيرد.
عبدالرحمن شحب وجهه.
— اتصلت بيه؟
— كتير.
رامي قال:
— وأنا كمان.
سيف أمسك هاتفه.
— العربية بتاعته خرجت من المنطقة دي.
مازن اقترب.
— المنطقة دي فين؟
سيف رفع عينيه.
— ناحية المخزن القديم.
عبدالرحمن وقف فجأة.
— لا.
رامي سأله:
— إنت تعرف المكان؟
عبدالرحمن لم يجب.
كريم لاحظ خوف والده.
— بابا؟
— لازم نروح.
داخل المخزن...
كان الصمت ثقيلًا.
الرجل وقف أمامهما.
— عندي عرض ليكم.
يونس قال:
— مش مهتم.
— حتى لو العرض هو الحقيقة؟
— قولها.
— هقول جزء.
دليدة قالت:
— ليه جزء؟
— لأن باقي الحقيقة هتختاروا إنتوا إذا كنتوا عايزين تعرفوها ولا لأ.
— قول.
نظر إليها.
— الراجل اللي مات...
توقف.
— كان عنده بنت.
يونس سأله:
— فينها؟
الرجل نظر إلى دليدة.
— قدامك.
تجمدت.
— إيه؟
— إنتِ.
دليدة هزت رأسها بعنف.
— لأ.
يونس تقدم.
— إنت بتقول إيه؟
— بقول الحقيقة.
— دليدة بنت فؤاد الشاذلي.
— أيوه.
— يبقى إزاي؟
الرجل ابتسم.
— لأن فؤاد مش أبوها الحقيقي.
ساد الصمت.
لم تعد دليدة تسمع شيئًا.
الكلمات دارت في رأسها.
فؤاد مش أبوها الحقيقي.
نظرت إلى يونس.
— قوله إنه بيكدب.
يونس لم يتكلم.
— يونس...
ظل صامتًا.
— قوله!
الرجل قال:
— عندي دليل.
أخرج صورة أخرى.
رفعها أمام دليدة.
— بصي كويس.
أخذت الصورة.
رجل شاب يحمل طفلة صغيرة.
وبجواره امرأة شابة.
المرأة...
كانت نادية.
دليدة قربت الصورة من وجهها.
— دي ماما.
الرجل أشار للرجل الموجود بالصورة.
— وده أبوكي الحقيقي.
شهقت.
— مين؟
قبل أن يجيب...
صدر صوت قوي عند باب المخزن.
ضربة واحدة.
ضربة ثانية.
الرجل التفت.
يونس أمسك دليدة.
— ورايا.
صوت زياد جاء من الخارج:
— دليدة!
فتحت عينيها.
— زياد!
الرجل ابتسم.
— وصلوا.
يونس صرخ:
— افتح الباب!
الرجل لم يتحرك.
— خلاص اللعبة قربت تخلص.
— افتح!
— بس قبل ما أفتح...
نظر إلى دليدة.
— لازم تعرفي حاجة أخيرة.
— إيه؟
اقترب منها.
— الراجل اللي في الصورة...
توقف لحظة.
— مات ليلة ولادتك.
تجمدت.
يونس قال:
— مستحيل.
الرجل أكمل:
— وأمك كانت آخر شخص شافه حي.
انفتح باب صغير خلف الرجل.
بدأ يختفي داخله.
يونس اندفع نحوه.
— استنى!
لكن الرجل أغلق الباب.
في اللحظة نفسها...
انفتح باب المخزن الرئيسي بعنف.
دخل زياد ومعه فؤاد ونادية.
دليدة رفعت عينيها ناحية أمها.
نادية وقفت مكانها.
تلاقت عيناها بالصورة الموجودة في يد ابنتها.
انكسرت ملامحها.
— دليدة...
اقتربت دليدة خطوة.
— مين ده يا ماما؟
لم تستطع نادية الرد.
— مين الراجل ده؟
فؤاد قال:
— دليدة، تعالي.
صرخت:
— متقربش!
توقف.
— إنتِ كنتِ عارفة؟
نادية بدأت تبكي.
— حبيبتي...
— متقوليش حبيبتي!
انفجرت دموعها.
— أنا مين؟
لم يجب أحد.
— أنا بنت مين؟
الصمت كان أقسى من أي إجابة.
يونس نظر إلى فؤاد.
فؤاد نظر إليه.
وفي تلك اللحظة...
جاء صوت من خلفهم.
هادئًا.
باردًا.
قريبًا جدًا.
— أخيرًا سألتِ السؤال الصح.
استدار الجميع.
كان الرجل واقفًا فوق السلم الحديدي في الطابق العلوي.
وفي يده مسدس.
ابتسم.
— بس للأسف...
رفع السلاح.
— الإجابة مش هتطلع من أمك.
وجه السلاح ناحية فؤاد.
— هتطلع منه.
صرخت نادية:
— لأ!
دويّ صوت الطلقة...
وانطفأت الأنوار.
واللي سقط في الظلام... لم يعرف أحد حتى اللحظة هل كانت رصاصة أصابت فؤاد، أم أن الهدف الحقيقي كان شخصًا آخر.
يتبع... ❤️🔥.
لقراءة جميع فصول الرواية من هنا