رواية دليده الفصل الثالث 3 بقلم سهر احمد

رواية دليده الفصل الثالث 3 بقلم سهر احمد 


حين تكلمت الجدران... وبدأ الماضي يخرج من قبره


لم يكن صوت انغلاق الباب الحديدي مجرد صوت بابٍ يُغلق...


كان أشبه بحكمٍ صدر على المكان كله.


صدى الارتطام ظل يتردد بين الجدران القديمة، بينما وقفت دليدة خلف يونس، وأنفاسها متقطعة، والصورة القديمة لا تزال بين أصابعها.


لم تكن تخاف بسهولة.


بل ربما لم تعرف الخوف الحقيقي طوال حياتها.


لكن هذه المرة...


كان هناك شيء مختلف.


المكان مظلم.


الرجل مختفٍ.


والصوت الذي خرج من قلب العتمة يعرف اسمها واسم يونس، ويبدو أنه يعرف عن عائلتيهما أكثر مما يعرفه الاثنان مجتمعين.


يونس مد يده خلفه دون أن يلتفت.


— دليدة... خليكي ورايا.


دليدة همست بعصبية:


— أنا مش طفلة.


يونس قال برقه


— عارف.




دليده 


— أمال متعاملنيش كأني محتاجة حد يحميني.


يونس بكل هدوء 


— دلوقتي محتاجة حمايه.


دليده بعجرفه غير طبيعيه ضحكت ضحكه مستفره


— وإنت هتحميني من مين ان شاءلله بقا؟ إنت حتى مش عارف هو مين!


يونس بأستغراب من اسلوبها في الكلام 


— عشان كده خليكي ورايا.


جاء الصوت من الظلام مرة أخرى:


— لسه زي ما أنت يا يونس...


تجمد يونس.


دليدة رفعت عينيها إليه.


— هو يعرفك منين؟


لم يجب.


الصوت تابع:


— دايمًا بتحاول تحمي الناس... حتى لما الحقيقة نفسها تكون أخطر من الخطر.


يونس رفع صوته:


— اطلع قدامي.


ضحكة قصيرة خرجت من العتمة.


الشخص المجهول بتريقه


— مستعجل ليه؟


— اطلع.


— عايز تشوف وشي؟


— أيوه.


— متأكد إنك مستعد؟


يونس شد فكه.


— أنا مستعد لأي حاجة.


— حتى لو الحقيقة هتخليك تشك في أبوك؟


تغير وجه يونس.


دليدة حاست بقلبها يهبط.


— إنت تعرف أبويا؟


الصوت سكت.


يونس التفت إليها.


— متتكلميش.


— ليه؟


دليده 


— عشان واضح إنه عايزنا نتخانق مع بعض.


— وأنا مش هتخانق معاك.


— كويس.


— بس هتجاوبني.


بص ليها.


— لما نخرج من هنا.


— لو خرجنا.


بص ليها للحظة أطول.


كانت أول مرة يسمع منها الجملة دي بنبرة خالية من الغرور.


خوف صريح.


اقترب يونس منها قليلًا.


— هنخرج من.هنا انا.


— متأكد ثقي فيا هنخرج؟


دليده 


— لأ واضح اننا مش هنخرج اللي بدخل هنا مستحيل يخرج أبداً.


توقفت.


— إيه ليه سكت؟


يونس 


— مش متأكد... بس مش هسيبك هنا.


دون أن تشعر، هدأت ملامحها قليلًا.


لكن الصوت قاطع اللحظة:


— يا سلام...


ضحكة ساخرة.


— بدأتوا تثقوا في بعض بسرعة.


يونس صرخ:


— كفاية ألعاب!


فجأة أضاء مصباح صغير في نهاية المخزن.


ظهر رجل يقف بعيدًا.


وجهه لا يزال في الظل.


وفي يده مفتاح.


— عايزين تخرجوا؟


يونس تقدم خطوة.


— افتح الباب.


— بسهولة؟


— افتحه.


— عندي سؤال واحد.


— اسأل.


— مين فيكم مستعد يعرف الحقيقة كاملة؟


دليدة تقدمت هذه المرة، متجاهلة يد يونس التي حاولت إيقافها.


— أنا.


يونس التفت إليها.


— دليدة...


رفعت يدها تمنعه.


— أنا تعبت من الناس اللي بتخبي عني.


رفعت الصورة.


— عايزة أعرف مين الست دي.


الرجل ابتسم.


— كويس.


— وإيه علاقتها بأمي؟


— دي البداية بس.


دليدة ابتلعت ريقها.


— يعني إيه؟


الرجل أخرج ورقة أخرى من جيبه.


— لأن الست دي مش بس تعرف أمك.


مد الورقة أمامهما.


— الست دي... كانت أمك.


ساد الصمت.


حتى يونس بدا وكأنه لم يستوعب الجملة.


دليدة حدقت فيه.


— إنت بتقول إيه؟


— بقول الحقيقة.


ضحكت دليدة ضحكة مرتبكة.


— أمي اسمها نادية.


— أنا عارف.


— يبقى إنت مجنون.


— ممكن.


— نادية أمي.


— اللي ربتك... أيوه.


ارتجفت أصابعها.


— قصدك إيه باللي ربتني؟


الرجل لم يجب.


يونس تقدم نحوه.


— كفاية.


— إنت بالذات متدخلش.


— متتكلمش معاها بالطريقة دي.


— ليه؟ خايف عليها؟


— أيوه.


— ولا خايف من الحقيقة اللي هتعرفها بسببها؟


يونس وقف.


— قول اللي عندك.


الرجل رفع الورقة.


— مش هنا.


— أمال فين؟


— المكان اللي بدأت فيه الحكاية.


دليدة صاحت:


— أنا مش همشي وراك في أي مكان!


الرجل ألقى المفتاح على الأرض.


— الباب هيتفتح بعد خمس دقايق.


نظر إلى يونس.


— لو عايز تعرف الحقيقة... هتلاقي أول إجابة في بيت عبدالرحمن.


تجمد يونس.


— بيتنا؟


— تحت الأرض.


يونس اتسعت عيناه.


— مستحيل.


الرجل ضحك.


— أبوك عارف.


دليدة التفتت إلى يونس.


— أبوك مخبي حاجة تحت البيت؟


يونس لم يرد.


الرجل تراجع نحو الظلام.


— والليلة... هتعرفوا إن الماضي عمره ما مات.


اختفى.


يونس اندفع ناحية المكان الذي اختفى فيه.


— استنى!


لم يجد أحدًا.


فقط باب جانبي مفتوح.


ركض نحوه.


فتح الباب.


ممر ضيق مظلم.


لا أحد.


عاد إلى دليدة.


كانت واقفة مكانها، عينيها مثبتتان على الصورة.


— يونس...


— نعم؟


— لو اللي قاله صح...


سكتت.


— يبقى أنا مين؟


لم يجد إجابة.


اقترب منها.


— إنتِ دليدة.


— دي مش إجابة.


— دي الحقيقة اللي أعرفها.


— وإنت تعرف إيه؟


سكت.


— قول.


— أعرف إن أبويا خايف من أبوكي.


— وإنت عرفت ليه؟


— لأنهم كانوا مرتبطين بحاجة حصلت من زمان.


— حاجة إيه؟


— مش عارف.


— وبتقول إنك مش عارف؟


— أيوه.


— مع إن أبوك قالك إن أبويا قتل شخص؟


— أيوه.


— ومع إن عندك صورة ليهم؟


— أيوه.


— ومع إنك جيت ورايا هنا؟


— أيوه.


رفعت عينيها إليه.


— ليه جيت؟


صمت لحظة.


— لأن حد اتصل بيا.


— مين؟


— رقم مجهول.


— وقالك إيه؟


— إنك هنا.


— يعني حد كان عايزك تيجي؟


— واضح.


— ليه؟


نظر إليها.


— عشان نكون إحنا الاتنين هنا.


دليدة همست:


— حد بيرسم كل خطوة.


— أيوه.


— من البداية؟


— غالبًا.


تراجعت خطوة.


— أنا مش لعبة.


— وأنا عارف.


— بس واضح إن في حد بيحركنا.


يونس نظر إلى الباب المغلق.


— وده معناه إن اللي حصل لحد دلوقتي كان مجرد بداية.


في تلك اللحظة...


سمعا صوت مفتاح يدور في القفل.


فتح الباب الحديدي.


دخل هواء بارد إلى المكان.


يونس أمسك يد دليدة دون تفكير.


هذه المرة لم تعترض.


خرجا.


لكن قبل أن يبتعدا، التفتت دليدة للمخزن.


كان هناك شيء واحد لم تستطع تجاهله.


الرجل لم يكن يريد قتلهما.


كان يريد أن يجمعهما.


وكان السؤال الأخطر...


لماذا؟


في بيت عبدالرحمن...


كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل.


أمينة كانت تجلس في الصالة، وملامح القلق واضحة على وجهها.


كريم وقف أمام النافذة.


— ماما، يونس اتأخر.


أمينة نظرت للساعة.


— اتصلت بيه؟


— موبايله مقفول.


مريم خرجت من غرفتها.


— يمكن مع رامي.


كريم هز رأسه.


— رامي كمان مش بيرد.


أمينة قامت.


— أنا قلبي مش مطاوعني.


عبدالرحمن كان جالسًا بصمت.


مريم اقتربت منه.


— بابا؟


لم يرفع عينيه.


— نعم؟


— إنت عارف يونس فين؟


صمت.


كريم التفت إليه.


— بابا؟


رفع عبدالرحمن عينيه.


— لا.


كريم ضيق عينيه.


— إنت بتكدب.


— كريم.


— عشان لما بتكون مش عارف بتسأل، إنما دلوقتي شكلك عارف.


مريم اقتربت.


— بابا... حصل إيه؟


عبدالرحمن وقف فجأة.


— محدش يسألني.


أمينة أمسكت ذراعه.


— عبدالرحمن.


نظر إليها.


— مش دلوقتي يا أمينة.


— لأ... دلوقتي.


صمت.


— يونس خرج من البيت وهو بيسأل عن الماضي.


— عارف.


— وإنت قلت له إيه؟


— قلت له يبعد.


— وسمع كلامك؟


خفض عينيه.


— لا.


كريم اقترب.


— بابا، إيه اللي حاصل؟


عبدالرحمن جلس.


— في حاجات لو خرجت للنور... مش هترجع البيوت زي الأول.


مريم جلست بجواره.


— إنت خايف على يونس؟


— جدًا.


— من فؤاد؟


رفع عينيه إليها.


— مش من فؤاد وحده.


سكتت أمينة.


— أمال من مين؟


عبدالرحمن لم يجب.


وفي نفس اللحظة...


سمع الجميع صوتًا صادرًا من ناحية المطبخ.


ارتطام.


التفتوا جميعًا.


كريم همس:


— في حد في البيت؟


أمينة أمسكت بيد مريم.


— عبدالرحمن...


وقف.


اتجه ناحية المطبخ.


كريم خلفه.


فتح الباب.


لم يكن هناك أحد.


لكن على الطاولة...


كانت هناك صورة قديمة.


عبدالرحمن توقف.


مد يده إليها.


ارتجفت أصابعه.


كريم اقترب.


— دي إيه؟


عبدالرحمن أخفى الصورة بسرعة.


— مفيش.


كريم حاول أخذها.


— وريني.


— قلت مفيش!


لأول مرة يصرخ عبدالرحمن في وجه ابنه.


تراجع كريم.


أمينة اقتربت.


— الصورة رجعت؟


عبدالرحمن نظر إليها.


— إنتِ عارفة؟


— أيوه.


— مين حطها هنا؟


أمينة لم تجب.


مريم نظرت بينهما.


— ماما... إنتِ عارفة حاجة؟


أمينة أغمضت عينيها.


— من سنين وأنا بتمنى اليوم ده ما يجيش.


كريم صرخ:


— يوم إيه؟!


وقبل أن تجيب...


انفتح باب البيت.


دخل يونس.


الجميع التفت إليه.


أمينة أسرعت نحوه.


— يونس!


— أنا كويس يا أمي.


عبدالرحمن وقف.


نظر إلى ابنه.


— كنت فين؟


— في مكان لازم تعرف عنه.


تغير وجه عبدالرحمن.


— إنت رحت المخزن؟


سكت يونس.


كريم نظر إلى والده.


— إنت كنت عارف؟


يونس اقترب.


— أيوه يا بابا.


عبدالرحمن جلس ببطء.


— يا رب...


يونس وضع الصورة أمامه.


— لقيت دي.


عبدالرحمن نظر إليها.


— مين اداك إياها؟


— شخص مجهول.


— شفته؟


— لأ.


— قالك إيه؟


يونس اقترب.


— قال إن فيه سر تحت بيتنا.


ساد الصمت.


مريم نظرت إلى أبيها.


كريم قال:


— تحت البيت؟


عبدالرحمن لم يتحرك.


يونس وضع يده على كتف والده.


— فين المدخل؟


رفع عبدالرحمن عينيه إليه.


— مفيش مدخل.


يونس ابتسم بمرارة.


— يبقى إنت لسه هتكدب عليا.


أمينة تدخلت:


— يونس...


— أمي، أنا محتاج أعرف.


— لو عرفت...


— هعرف.


— حتى لو كل اللي هتعرفه يوجعك؟


— أيوه.


عبدالرحمن ظل صامتًا.


يونس نظر حوله.


— فين المفتاح؟


كريم قال:


— مفتاح إيه؟


يونس لم يرد.


نظر إلى أبيه.


— أنت عارف.


عبدالرحمن أغلق عينيه.


وبعد لحظات...


قال:


— ورا المكتبة.


تحرك يونس فورًا.


كريم ومريم خلفه.


أمينة بقيت مكانها.


عبدالرحمن نادى:


— أمينة.


— نعم؟


— لو فتح الباب ده...


— عارفة.


— ممكن كل حاجة تنتهي.


نظرت إليه بحزن.


— لا يا عبدالرحمن...


— ممكن كل حاجة تبدأ من جديد.


في قصر الشاذلي...


لم تنم دليدة.


كانت جالسة على طرف السرير، والصورة أمامها.


دخلت نادية بهدوء.


— لسه صاحية؟


لم ترد.


نادية اقتربت.


— دليدة.


رفعت عينيها.


— ماما...


توقفت نادية.


— نعم؟


— أنا عايزة أسألك سؤال.


— اسألي.


رفعت الصورة.


— الست دي مين؟


تغير وجه نادية تمامًا.


سقطت أنفاسها.


— الصورة دي جتلك منين؟


دليدة وقفت.


— يعني تعرفيها؟


نادية لم تجب.


— ماما!


— دليدة، اسمعيني...


— لأ.


— حبيبتي...


— أنا سألتك سؤال.


اقتربت نادية.


— مين قالك عنها؟


— جاوبيني الأول.


نادية نظرت للصورة.


— مين قالك إنها ليها علاقة بيا؟


— لأنها شبهِي.


سكتت نادية.


— شبهِي أوي.


عين نادية امتلأت بالدموع.


دليدة بدأت تفهم.


— ماما...


صوتها انخفض.


— أنا بنتك؟


نادية شهقت.


— إنتِ بنتي.


— البيولوجية؟


لم تجب.


دليدة تراجعت.


— يا ماما...


— دليدة، أنا بحبك.


— أنا ما سألتش عن الحب!


ارتفع صوتها.


— سألتك أنا بنت مين!


دخل فؤاد في تلك اللحظة.


— دليدة!


التفتت إليه.


— إنت كنت عارف؟


فؤاد تجمد.


— عارف إيه؟


— إن ماما تعرف الست دي؟


نظر إلى نادية.


— نادية...


نادية مسحت دموعها.


— خلاص يا فؤاد.


— مش وقت الكلام.


— لأ... جه وقته.


دليدة نظرت بينهما.


— إنتوا الاتنين مخبيين عني إيه؟


فؤاد اقترب.


— دليدة، مهما حصل...


— مفيش "مهما حصل".


— اسمعيني.


— لا.


تراجعت.


— طول عمري كل ما أسأل عن حاجة تقوليلي إنتِ بنتي وأنا أبوكي، وده كان كفاية.


ضحكت وسط دموعها.


— دلوقتي حتى الجملة دي مش عارفة أصدقها.


فؤاد اقترب منها.


— أنا أبوكي.


— ده سؤال مختلف.


سكت.


— مين الست دي؟


نادية بدأت تبكي.


— الست دي...


توقفت.


فؤاد قال بسرعة:


— نادية، لأ.


صرخت دليدة:


— قولوا!


نادية نظرت إلى ابنتها.


— الست دي كانت أختي.


دليدة تجمدت.


— أختك؟


— أيوه.


— اسمها إيه؟


نادية لم تستطع الرد.


فؤاد أجاب:


— ليلى.


دليدة حدقت فيه.


— ليلى مين؟


نادية جلست.


— ليلى نادية السيوفي.


دليدة رفعت الصورة.


— وإيه علاقتها بيا؟


الصمت كان أقسى من أي إجابة.


فؤاد أغلق عينيه.


نادية قالت بصوت مكسور:


— لأنها...


توقفت.


دليدة اقتربت.


— لأنها إيه؟


نادية رفعت عينيها.


— لأنها كانت السبب في إنك تيجي الدنيا.


تجمدت دليدة.


— يعني؟


فؤاد تدخل:


— دليدة، الليلة دي كفاية.


— لأ!


— إنتِ مش مستعدة.


— أنا مستعدة!


— مش للحقيقة دي.


— إنت مش من حقك تقرر أنا مستعدة ولا لأ!


خرج زياد من الممر.


— بابا؟


كان قد سمع آخر الكلمات.


— في إيه؟


دليدة التفتت إليه.


— زياد...


اقترب.


— مالك؟


— اسأل بابا مين ليلى.


نظر زياد إلى والده.


— بابا؟


فؤاد لم يرد.


جنى ظهرت خلف زياد.


— هو في إيه؟


نادية قالت:


— جنى، ارجعي أوضتك.


— ماما، إنتِ بتعيطي؟


زياد نظر إلى والده.


— إيه اللي حصل؟


فؤاد قال بحزم:


— محدش يخرج من البيت الليلة.


دليدة ضحكت بصدمة.


— هو إحنا في سجن؟


— دليدة.


— لأ، أنا عايزة أفهم!


رن هاتفها.


رقم مجهول.


نظرت إليه.


الجميع صمت.


أجابت.


— ألو؟


جاء الصوت نفسه.


— دلوقتي عرفتي اسمها.


دليدة تجمدت.


— إنت مين؟


— اسألي أمك عن ليلة الحادثة.


نادية شهقت.


— اقفلي!


دليدة نظرت إليها.


— إنتِ تعرفيه؟


الصوت قال:


— واسألي أبوكي عن الطفل اللي اختفى.


انقطعت المكالمة.


ساد الصمت.


جنى بدأت تبكي.


— طفل إيه؟


زياد نظر إلى والده.


— بابا... إيه اللي بيحصل؟


فؤاد لم يجب.


دليدة كانت تحدق في أمها.


— طفل؟


نادية وضعت يدها على فمها.


— يا رب...


في نفس الوقت... عند بيت عبدالرحمن


كان يونس يقف أمام المكتبة.


حركها.


تحرك جزء من الحائط خلفها.


كريم شهق.


— يا نهار أبيض!


مريم اقتربت.


— بابا كان مخبي ده هنا؟


عبدالرحمن وقف بعيدًا.


يونس وجد فتحة صغيرة.


— المفتاح.


عبدالرحمن أخرج مفتاحًا قديمًا من جيبه.


تقدم.


وضعه في القفل.


نظر إلى أبنائه.


— قبل ما أفتح...


يونس قاطعه:


— افتح.


— اسمعني.


— افتح يا بابا.


فتح الباب.


ظهر سلم ضيق ينزل إلى أسفل.


رائحة المكان كانت قديمة.


نزل يونس أولًا.


سيف ورامي ومازن كانوا قد وصلوا إلى البيت بعد أن اتصل بهم يونس.


رامي وقف عند المدخل.


— أنا حاسس إننا داخلين فيلم.


مازن قال:


— لو طلع لنا شبح أنا هسيبكم وأجري.


سيف نظر إليه.


— اسكت وانزل.


كريم قال:


— وأنا نازل.


أمينة صاحت:


— كريم!


— لازم أعرف يا أمي.


يونس نظر إليه.


— خليك ورايا.


— حاضر.


نزلوا.


في نهاية السلم...


وجدوا غرفة واسعة.


على الجدران صور قديمة.


فؤاد.


عبدالرحمن.


ليلى.


ورجل ثالث.


لكن في منتصف الغرفة...


كانت هناك صورة كبيرة لطفلة صغيرة.


اقترب يونس.


توقف.


دليدة.


لكنها كانت أصغر بكثير.


وبجوارها...


امرأة أخرى.


رامي اقترب.


— دي دليدة؟


يونس لم يرد.


سيف وجد ملفًا فوق الطاولة.


فتحه.


قرأ أول سطر.


تغير وجهه.


— يونس...


— إيه؟


— تعالى.


اقترب.


أعطاه الملف.


كان مكتوبًا في أعلاه:


"ملف الطفلة رقم 17 — تحت حماية فؤاد الشاذلي."


يونس رفع عينيه.


— طفلة رقم 17؟


رامي أخذ ورقة.


— فيه أسماء.


مازن أشار إلى أسفل الصفحة.


— استنى...


— إيه؟


— هنا اسم عبدالرحمن.


تغير وجه الأب.


يونس التفت إليه.


— بابا؟


عبدالرحمن لم يتحرك.


يونس رفع الملف.


— إنت كنت بتشتغل مع فؤاد في حاجة زي دي؟


عبدالرحمن قال بصوت ضعيف:


— مش زي ما فاكر.


— أمال إيه؟


— أنا كنت بحاول أحميها.


— مين؟


عبدالرحمن نظر إلى صورة الطفلة.


— دليدة.


تجمد الجميع.


يونس اقترب.


— من مين؟


عبدالرحمن لم يجب.


فجأة...


انطفأت أنوار الغرفة.


رامي قال:


— مش وقت هزار.


صوت جهاز قديم اشتغل وحده.


وبدأ تسجيل صوتي.


صوت رجل مسجل منذ سنوات:


— لو التسجيل ده اشتغل... يبقى فؤاد فشل يخفي الحقيقة.


يونس رفع رأسه.


الصوت تابع:


— دليدة مش البنت اللي اتقال لكم إنها ماتت.


تجمد عبدالرحمن.


أمينة، التي كانت تقف أعلى السلم، وضعت يدها على فمها.


صوت التسجيل استمر:


— والطفل التاني...


انقطع التسجيل.


يونس صرخ:


— الطفل التاني مين؟!


الجهاز صمت.


وفجأة...


وصلت رسالة إلى هاتف يونس.


فتحها.


كانت صورة حديثة.


دليدة واقفة أمام باب قصرها.


وتحت الصورة جملة:


"لو عايز تعرف الطفل التاني... خليك قريب من أختك."


رفع يونس عينيه ببطء.


— أختي؟


كريم نظر إليه.


— مريم؟


مريم تراجعت.


— أنا؟


يونس لم يجب.


وفي اللحظة نفسها...


وصلت رسالة أخرى.


لكنها لم تأتِ إلى يونس.


وصلت إلى هاتف دليدة.


كانت جالسة في غرفتها، والدها وأمها وزياد وجنى أمامها.


فتحت الرسالة.


صورة قديمة ظهرت على الشاشة.


صورة لطفلين.


طفلة صغيرة تشبه دليدة.


وبجوارها...


رضيع ملفوف بغطاء أبيض.


تحت الصورة:


"أخوكِ الحقيقي ما ماتش."


رفعت دليدة عينيها ببطء.


— ماما...


نادية بدأت تبكي.


— دليدة...


— مين الطفل؟


فؤاد لم يتحرك.


زياد نظر إليه.


— بابا... مين الطفل؟


جنى كانت تبكي.


دليدة صاحت:


— مين أخويا؟!


وفجأة...


صدر صوت ارتطام قوي من خارج القصر.


التفت الجميع نحو النافذة.


زياد اندفع إليها.


فتح الستارة.


لم يرَ أحدًا.


لكن على زجاج النافذة من الخارج...


كانت هناك ورقة مثبتة.


أخذها.


فتحها.


قرأها.


تغير وجهه.


— إيه؟ دليدة سألت.


زياد نظر إلى والده.


— مكتوب...


توقف.


— مكتوب إيه؟


رفع الورقة.


"الطفل اللي بتدوروا عليه... عايش."


وفي بيت عبدالرحمن، كان يونس لا يزال واقفًا أمام الملف المفتوح...


حين وقعت عيناه على اسمٍ في آخر الصفحة.


اسم لم يكن يتوقعه.


اسم امرأة يعرفها جيدًا.


رفع رأسه ببطء.


— مستحيل...


سيف اقترب.


— لقيت إيه؟


يونس لم يرد.


رامي أخذ الورقة من يده.


قرأ الاسم.


تجمد.


— يونس...


يونس رفع عينيه.


— أيوه؟


رامي ابتلع ريقه.


— الاسم ده...


صمت.


— هو اسم مين؟


يونس حدق في الورقة، وصوته خرج أخيرًا منخفضًا:


— اسم أم دليدة...


وفي اللحظة نفسها...


وصل تسجيل جديد إلى هاتفه.


ضغط تشغيل.


جاء صوت امرأة مرتجف:


— لو يونس سمع التسجيل ده... يبقى أنا فشلت أحميه.


توقفت لحظة.


— ويونس لازم يعرف إن أبوه...


انقطع التسجيل فجأة.


رفع يونس الهاتف.


وقبل أن يستوعب ما سمعه...


جاءته رسالة أخيرة:


"اسأل أمينة عبدالرحمن... مين كانت الست اللي أنقذت دليدة ليلة اختفاء الطفل."


التفت يونس ببطء إلى أمه.


كانت أمينة واقفة عند أعلى السلم...


والدموع في عينيها.


لكنها لم تنكر.


لم تهرب.


فقط قالت بصوت مكسور:


— كنت عارفة إن اليوم ده هييجي...


وتحت البيت، وفي قصر الشاذلي، وفي مكان مجهول لا يعرفه أحد...


كانت ثلاث حقائق تتحرك في الوقت نفسه نحو لحظة واحدة.


حقيقة دليدة...


حقيقة يونس...


وحقيقة طفل اختفى منذ سنوات، لكنه لم يمت.


والأخطر من كل ذلك...


أن الشخص الذي كان يراقب الجميع من البداية...


كان يبتسم أمام شاشة تُعرض عليها صور دليدة ويونس وعائلتيهما.


ضغط على زر الاتصال.


— بدأوا يسألوا.


جاءه صوت آخر:


— ويونس قرب يعرف.


ابتسم الرجل.


— خليه يعرف.


— ودليدة؟


نظر إلى صورتها طويلًا.


— دليدة لازم تعرف آخر واحدة.


— ليه؟


اقترب من الشاشة.


— لأنها لو عرفت الحقيقة قبل الوقت...


ممكن تفتكر إن يونس عدوها.


ضحكة خافتة خرجت منه.


— وأنا محتاجهم يثقوا في بعض...


سكت لحظة.


— قبل ما أخلي واحد فيهم يخون التاني.


وأغلق الهاتف.


أما دليدة...


فكانت لا تزال تمسك الورقة، تنظر إلى والدها، وقلبها يصرخ بسؤال واحد:


مين أخويا؟


وفي نفس اللحظة كان يونس ينظر إلى أمه، منتظرًا جوابًا قد يغيّر كل شيء:


مين كانت المرأة التي أنقذت دليدة؟


ولأول مرة...


لم يعد السؤال الحقيقي هو:


مين قتل؟


بل أصبح:


مين كان بيحاول يحمي مين؟... ومين كان بيخدعهم كل السنين دي؟


وهنا...


انفتح باب الغرفة السرية من تلقاء نفسه.


وظهر خلفه شخص لم يكن المفروض أن يكون موجودًا أصلًا...


فشهق يونس:


— إنت؟!


وتوقفت الحكاية عند تلك اللحظة... ❤️‍🔥


كان باب الغرفة السرية مفتوحًا على آخره، والظلام اللي وراه أعمق من ظلام الغرفة نفسها.


يونس وقف مكانه كأنه اتشل.


عيناه اتسعتا، ووشه اتغير تمامًا.


رامي بص له باستغراب.


— يونس؟


سيف قرب منه خطوة.


— إنت تعرفه؟


مازن كان واقف وراهم، ولأول مرة ملامحه خالية من الهزار.


— مين اللي هناك؟


لكن يونس ما ردش.


الشخص اللي واقف عند الباب كان لابس جاكت أسود، ووشه نصه في الضلمة.


خطوة واحدة بس للأمام...


وبان وشه.


يونس شهق:


— إنت؟!


الرجل ابتسم ابتسامة باردة.


— أيوه... أنا.


كريم بص ليونس.


— مين ده؟


يونس رجع خطوة.


— مستحيل...


الرجل دخل الغرفة بهدوء.


— كنت متأكد إنك هتقول كده.


عبدالرحمن، اللي كان واقف في الخلف، أول ما شاف الرجل، وشه شحب.


أمينة حطت إيدها على صدرها.


— يا نهار أسود...


يونس بص لأبوه.


— بابا... إنت تعرفه؟


عبدالرحمن ما ردش.


الرجل ضحك ضحكة قصيرة.


— مش بس يعرفني.


بص لعبدالرحمن.


— ده كان فاكر إني مت.


يونس اتجمد.


— مت؟


الرجل قرب أكتر.


— من عشرين سنة... كل الناس كانت فاكرة إني مت.


رامي بص لسيف.


— إحنا دخلنا في إيه بالظبط؟


سيف همس:


— اسكت واسمع.


يونس قرب من الرجل.


— اسمك...


الرجل قاطعه:


— متقولش اسمي.


— ليه؟


— لأن مجرد نطقه هنا... ممكن يجيب ناس مش عايزينهم يوصلوا لنا.


مازن بلع ريقه.


— يعني إحنا في فيلم رعب رسمي؟


رامي بص له.


— لو سمحت اسكت خمس دقايق من غير هزار.


— حاضر.


الرجل بص ليونس.


— إنت كبرت.


يونس عقد حاجبيه.


— إنت شفتني قبل كده؟


— أكتر مما تتخيل.


— فين؟


الرجل ابتسم.


— وإنت صغير.


يونس قرب أكتر.


— كنت بتعرفني؟


— كنت بعرف أبوك... وأعرف فؤاد... وأعرف ليلى.


عند سماع اسم ليلى، تغيرت ملامح الجميع.


عبدالرحمن قال بسرعة:


— كفاية.


الرجل التفت له.


— لسه بتخاف يا عبدالرحمن؟


— أنا مش خايف منك.


— لأ... إنت خايف من اللي هقوله.


أمينة تدخلت:


— بالله عليك... كفاية.


الرجل نظر لها طويلًا.


— وإنتِ كمان يا أمينة... لسه مخبية عليها؟


أمينة ارتعشت.


يونس التفت لأمه.


— مخبية إيه؟


— ماما؟


مريم قربت منها.


— إنتِ تعرفيه؟


أمينة لم تستطع الرد.


يونس رفع صوته:


— ماما!


الرجل قال:


— سيبها.


يونس بص له بعصبية.


— متدخلش.


— لو عايز تعرف الحقيقة، اسمع.


— أنا تعبت من كلمة الحقيقة!


صرخ يونس:


— كل واحد فيكم بيقول "الحقيقة" وكأنه ماسك مفتاح الجنة! وأنا كل ما أسأل ألاقي باب بيتقفل في وشي!


سكت الجميع.


يونس بص لأبوه.


— أنا ابنك يا بابا... ليه كل حاجة تخص حياتي بتعرفها قبلي؟


عبدالرحمن خفض عينيه.


— عشان كنت بحاول أحميك.


— من مين؟


— من الماضي.


— الماضي ده شخص ولا مصيبة؟


الرجل رد:


— الاتنين.


ساد الصمت.


في قصر الشاذلي...


كانت دليدة واقفة في وسط الصالة، والورقة في إيدها.


فؤاد قدامها.


نادية جالسة ودموعها على خدودها.


زياد واقف متوتر.


جنى تبكي بصمت.


ودخلت ملك ونور وريم بعد ما اتصلت بهم دليدة من غير ما تقول لهم التفاصيل.


ملك أول ما شافت وش دليدة جريت عليها.


— دليدة!


— ملك...


— إيه اللي حصل؟


دليدة رفعت الورقة.


— بيقولوا إن أخويا عايش.


ريم شهقت.


— أخوكي؟!


نور قربت منها.


— إنتِ متأكدة؟


دليدة ضحكت بمرارة.


— أنا مبقتش متأكدة من اسمي أصلًا.


ملك مسكت إيدها.


— اهدي.


دليدة بصت لنادية.


— ماما، أنا عايزة إجابة واحدة.


نادية رفعت عينيها.


— اسألي.


— أنا عندي أخ؟


نادية سكتت.


دليدة هزت رأسها.


— سكوتك إجابة.


فؤاد تدخل:


— دليدة، الموضوع أكبر من إنك تفهميه دلوقتي.


— لأ.


رفعت عينيها له.


— أنا فهمت حاجة واحدة بس.


— إيه؟


— إن كل حياتي متبنية على نص حقيقة.


زياد قال:


— دليدة...


— وإنت كمان كنت عارف؟


زياد اتصدم.


— عارف إيه؟


— أي حاجة!


— والله ما أعرف.


جنى قربت من دليدة.


— أنا كمان معرفش حاجة.


دليدة بصت لها، وملامحها هديت شوية.


— أنا عارفة يا جنى.


جنى حضنتها.


— أنا خايفة.


دليدة ضمتها.


— وأنا كمان.


ملك بصت لفؤاد.


— حضرتك لازم تتكلم.


فؤاد نظر لها.


— ده موضوع عائلي.


نور ردت بهدوء:


— لما الموضوع وصل لتهديدات ومخزن سري وصور قديمة... بقى مش عائلي بس.


ريم قالت:


— وبصراحة أنا مش عاجبني إن كل شوية حد يطلع لنا من الضلمة يقول معلومة ويروح.


فؤاد نظر إليها.


— إنتِ مين؟


ريم رفعت حاجبها.


— صاحبتها.


ملك قالت:


— وإحنا مش هنسيبها.


نور أضافت:


— حتى لو حضرتك رفضت.


فؤاد سكت.


دليدة فجأة سألت:


— بابا... مين قتل الرجل اللي في الصورة؟


تغير وجهه.


نادية أغمضت عينيها.


زياد بص لأبوه.


— بابا...


فؤاد قال:


— أنا ما قتلتش حد.


دليدة تجمدت.


— يبقى مين؟


— مش هينفع أقول.


— ليه؟


— لأن الشخص ده لسه عايش.


الجميع شهق.


ملك قالت:


— إيه؟!


دليدة قربت منه.


— مين؟


فؤاد لم يرد.


دليدة صرخت:


— مين؟!


نادية بدأت تبكي.


وفجأة...


صوت خادمة جاء من خلفهم.


— مدام نادية...


الجميع التفت.


كانت الخادمة واقفة عند الباب، وملامحها مرعوبة.


فؤاد قال:


— في إيه؟


— في عربية وقفت عند البوابة.


زياد قال:


— عربية مين؟


— مش عارفة.


— مين نزل منها؟


الخادمة ترددت.


— محدش.


فؤاد عقد حاجبيه.


— يعني إيه؟


— العربية فاضية.


ريم قالت:


— فاضية؟


الخادمة هزت رأسها.


— بس كان فيها ظرف.


دليدة قربت.


— فين؟


— قدام البوابة.


خرج زياد بسرعة.


ملك ونور وريم خلفه.


دليدة حاولت تخرج، لكن فؤاد أمسك ذراعها.


— إنتِ تفضلي هنا.


سحبت إيدها.


— لأ.


— دليدة!


— أنا مش هستخبى تاني.


خرجت.


أمام بوابة القصر


كان الظرف على مقدمة السيارة.


زياد أخذه.


— مفيش اسم.


نور قربت.


— افتحه.


زياد فتحه.


ورقة واحدة.


قرأها بصوت مرتفع:


"الوقت قرب... والولد اللي فاكرينه مات، بقى قريب جدًا منكم."


دليدة شهقت.


— الولد...


ريم قالت:


— حد يقصد أخوكي.


ملك بصت حولها.


— حد بيراقبنا.


نور رفعت رأسها.


— مش بس بيراقبنا.


أشارت إلى الكاميرا الموجودة فوق البوابة.


— هو عارف كل حركة.


زياد نظر للكاميرا.


— حد اخترق النظام؟


جاء صوت من خلفهم.


— مش محتاج يخترقه.


التفتوا.


كان أحد عمال الشركة واقفًا عند البوابة.


زياد عرفه.


— عم سيد؟


الرجل ارتبك.


— أيوه يا باشا.


— إنت جيت هنا ليه؟


— أنا... كنت جاي أوصل حاجة.


— إيه؟


— ظرف.


دليدة قربت منه.


— لمين؟


عم سيد نظر لها.


— ليكي.


— وإنت عرفتني منين؟


سكت.


زياد أمسكه من ذراعه.


— اتكلم.


— معرفش يا باشا.


نور لاحظت ارتباكه.


— إنت بتكدب.


عم سيد بدأ يتوتر.


— والله ما بكدب.


دليدة قالت:


— مين بعتك؟


— واحد قابلني في الشركة.


— اسمه؟


— معرفش.


— شكله؟


الرجل سكت.


ريم قالت:


— طيب هو قالك إيه؟


عم سيد بلع ريقه.


— قال لي...


— قال إيه؟


— قال لي: "قول لدليدة إن اللي تحت الشركة لسه مفتوح."


تجمد زياد.


— تحت الشركة؟


دليدة بصت له.


— إيه اللي تحت الشركة؟


زياد لم يرد.


عم سيد فجأة جرى.


زياد صرخ:


— امسكوه!


حارسان عند البوابة أمسكوا به.


دليدة بصت لزياد.


— إنت عارف حاجة.


— والله ما أعرف.


— زياد!


— أول مرة أسمع الكلام ده.


لكن نور قالت:


— لأ.


الجميع بص لها.


— إيه؟


نور أشارت إلى عم سيد.


— هو قال "لسه مفتوح".


دليدة قالت:


— يعني كان مفتوح قبل كده.


في شركة الشاذلي × شركة عبدالرحمن


في صباح اليوم التالي...


كانت أجواء الشركة غريبة.


الموظفون يتكلمون في همس.


العمال يتجمعون في مجموعات صغيرة.


الحرس واقف عند المداخل.


وسكرتيرة فؤاد كانت تتحدث مع موظف الحسابات.


— في حد دخل أرشيف الشركة امبارح؟


— محدش حسب علمي.


— طب الملفات القديمة ناقصة.


— مين قالك؟


— أنا اللي براجعها.


فجأة جاء صوت من الخلف:


— ناقصة إيه؟


التفتوا.


كان سيف.


سألهم:


— مين لمس الأرشيف؟


الموظف تردد.


— محدش.


رامي وصل.


— طب إيه اللي حاصل؟


السكرتيرة قالت:


— فيه ملفات اختفت.


مازن دخل وهو ماسك كوب قهوة.


— اختفت يعني اتبخرت؟


رامي بص له.


— يا رب صبرني.


— أنا بسأل.


سيف قال:


— ملفات سنة 2006 لحد 2009.


تغير وجه رامي.


— نفس السنين؟


— أيوه.


مازن لأول مرة لم يعلق.


في الطرف الآخر من الشركة...


كان كريم مع مريم ومجموعة من العمال.


عامل قديم قال:


— يا أستاذ كريم، فيه حاجة غريبة.


— إيه؟


— عامل المخزن القديم اختفى.


— مين؟


— عم رجب.


كريم عقد حاجبيه.


— من إمتى؟


— من امبارح.


مريم قالت:


— اتصلتوا بيه؟


— موبايله مقفول.


كريم بص لمريم.


— لازم نبلغ يونس.


مريم أخرجت هاتفها.


لكن قبل ما تتصل...


وصلتها رسالة.


فتحتها.


كانت صورة لعم رجب.


وتحتها:


"متدوروش عليه... هو اللي اختار يختفي."


مريم شهقت.


— كريم...


أخذ الهاتف.


قرأ الرسالة.


— مين بعت؟


— رقم مجهول.


كريم قال:


— متقوليليش ليونس دلوقتي.


مريم بصت له.


— ليه؟


— عشان لو الشخص ده بيراقبنا، لازم نعرف هو عايز إيه.


في البيت القديم...


رجعنا للغرفة السرية.


الرجل الغامض كان واقف أمام يونس.


— عايز تعرف مين أنا؟


يونس قال:


— أيوه.


— اسمي حسام.


عبدالرحمن انتفض.


— حسام!


يونس بص لأبوه.


— حسام مين؟


الرجل ابتسم.


— حسام النجار.


يونس حاول يتذكر.


وفجأة...


ملامحه تغيرت.


— أنت...


رامي قال:


— إنت عرفته؟


يونس قال ببطء:


— أبويا كان بيحكيلي عن راجل اختفى زمان.


عبدالرحمن قال:


— يونس...


— هو أنت!


حسام ابتسم.


— أخيرًا.


يونس اقترب.


— الناس قالت إنك مت.


— الناس اتقال لها إني مت.


— مين قال؟


حسام نظر لعبدالرحمن.


— هو.


يونس اتصدم.


— بابا؟


عبدالرحمن لم ينكر.


يونس رجع للخلف.


— ليه؟


حسام قال:


— لأن موتي كان الطريقة الوحيدة عشان أنقذ دليدة.


الاسم وقع كالصاعقة.


يونس رفع رأسه.


— دليدة؟


حسام أومأ.


— أيوه.


— إنت تعرف دليدة من إمتى؟


— من قبل ما تولد.


يونس قرب.


— إيه علاقتك بيها؟


حسام نظر إلى أمينة.


— خلي أمك تقولك.


الجميع التفت لأمينة.


أمينة كانت تبكي.


يونس قال:


— ماما؟


لم تتكلم.


حسام قال:


— هي كانت هناك ليلة اختفاء الطفل.


يونس اتجمد.


— إنتِ؟


أمينة أغمضت عينيها.


— أيوه.


مريم قربت منها.


— ماما... إنتِ عملتي إيه؟


أمينة قالت بصوت مكسور:


— أنا أنقذت طفل.


يونس قال:


— مين؟


أمينة رفعت عينيها.


— دليدة.


صمت.


كريم قال:


— بس إزاي؟


أمينة بدأت تحكي:


— الليلة دي... فؤاد اتصل بأبوك.


عبدالرحمن قاطعها:


— أمينة، كفاية.


— لأ.


نظرت له.


— كفاية سكوت.


ثم بصت ليونس.


— كانت دليدة طفلة صغيرة... وكان فيه ناس بيدوروا عليها.


— ليه؟


— لأنها كانت المفتاح.


— مفتاح لإيه؟


حسام رد:


— لسر أكبر من العيلتين.


سيف قال:


— أي سر؟


حسام نظر له.


— مشروع.


رامي قال:


— مشروع إيه؟


— مشروع كان بيتعمل تحت اسم الشركة.


مازن قال:


— مشروع إيه يعني؟


حسام قال:


— مشروع لتغيير هويات أطفال.


الجميع تجمد.


يونس قال:


— أطفال؟


— أيوه.


— ليه؟


— عشان ناس معينة كانت بتختفي... وناس تانية تاخد مكانها.


كريم قال:


— ومال دليدة؟


حسام نظر ليونس.


— دليدة كانت واحدة من الأطفال.


يونس لم يستوعب.


— مستحيل.


حسام قال:


— لكن المشكلة إنها لم تكن مجرد طفلة.


— أمال كانت إيه؟


حسام سكت.


ثم قال:


— كانت الطفلة رقم 17.


في قصر الشاذلي...


كانت دليدة جالسة مع أمها.


— ماما...


نادية نظرت إليها.


— نعم؟


— أنا محتاجة أعرف.


— عارفة.


— مين ليلى؟


نادية بدأت تبكي.


— أختي.


— وإيه علاقتها بيا؟


سكتت.


دليدة أمسكت يدها.


— قولي.


— ليلى كانت...


توقفت.


فجأة انقطع التيار.


صرخت جنى من الخارج.


— ماما!


زياد خرج يجري.


ملك ونور وريم وقفوا.


الخادمات تجمعن في الممر.


إحدى الخادمات قالت:


— يا فندم... الكهربا قطعت في الجناح كله.


فؤاد خرج من مكتبه.


— محدش يتحرك.


وفجأة...


اشتغل التلفزيون وحده.


شاشة سوداء.


ثم ظهرت صورة قديمة.


صورة ليلى.


وتحتها تاريخ.


1998.


ثم ظهرت صورة ثانية.


طفلة صغيرة.


دليدة.


ثم صورة ثالثة...


رضيع.


نادية صرخت:


— اقفل التلفزيون!


لكن الشاشة كتبت جملة:


"واحد من الاتنين اتسرق... والتاني اتخبى."


دليدة اقتربت من الشاشة.


— مين الاتنين؟


فؤاد قال:


— ابعدي.


— لأ!


ظهرت جملة جديدة:


"الطفل اللي بتدوري عليه مش أخوكي..."


دليدة شهقت.


— إيه؟


"...هو سبب وجودك."


انطفأت الشاشة.


دليدة التفتت لفؤاد.


— يعني إيه؟


فؤاد لم يرد.


زياد قال:


— بابا؟


فؤاد قال بصوت منخفض:


— لازم نخرج من البيت.


نور قالت:


— ليه؟


فؤاد رفع عينيه.


— لأنهم وصلوا لنا.


في نفس اللحظة...


سمع الجميع صوت سيارات كثيرة أمام القصر.


الحراس صرخوا من الخارج.


— يا فندم! في عربيات داخلة!


زياد اندفع للنافذة.


— مين دول؟


فؤاد وقف بجواره.


نظر للخارج.


وتجمد.


— مستحيل...


دليدة سألت:


— مين؟


فؤاد لم يرد.


زياد بص له.


— بابا، مين؟


قال فؤاد:


— عبدالرحمن.


في بيت عبدالرحمن...


في نفس اللحظة...


كان يونس يقرأ ملفًا قديمًا.


آخر صفحة كانت تحمل توقيعًا.


توقيع نادية.


رفع رأسه.


— ماما...


أمينة لم تتحرك.


— إيه؟


— ليه اسم نادية موجود في الملف؟


حسام أغلق عينيه.


عبدالرحمن قال:


— لأنها كانت جزء من الخطة.


يونس تجمد.


— أمي؟


— لا.


أمينة ردت.


— نادية.


يونس بص لها.


— كانت بتعمل إيه؟


أمينة قالت:


— كانت بتحاول تنقذ أختها.


يونس قال:


— ليلى؟


أمينة أومأت.


— أيوه.


ثم أضافت:


— لكن ليلى ماتت...


حسام قاطعها:


— لأ.


الجميع التفت إليه.


— ليلى ما ماتتش.


يونس اتسعت عيناه.


— إنت بتقول إيه؟


حسام قال:


— الست اللي في الصورة...


توقف.


— لسه عايشة.


عبدالرحمن صرخ:


— حسام!


لكن يونس لم يعد يسمع شيئًا.


كل ما كان يدور في رأسه...


صورة ليلى.


صورة دليدة.


صورة الطفل.


واسم نادية.


وفجأة رن هاتفه.


رقم مجهول.


رد.


— ألو؟


لم يأتِ رد.


ثم جاء صوت امرأة.


صوت هادئ جدًا.


— يونس...


تجمد.


— مين؟


— متسألش أبوك.


— إنتِ مين؟


— اسأل دليدة عن اسم "ليلى".


— إنتِ ليلى؟


صمت.


ثم قالت:


— لو عايز تنقذها... متخليش أبوها يدخل البيت القديم.


انقطعت المكالمة.


يونس رفع عينيه.


— لازم أروح لدليدة.


عبدالرحمن أمسكه.


— لأ.


يونس نزعه عنه.


— لازم.


— يونس!


— لو دليدة في خطر، أنا مش هقعد هنا.


حسام قال:


— وأنا جاي معاك.


يونس بص له.


— إنت ليه عايز تساعدني؟


حسام ابتسم.


— عشان أنا بدأت الحكاية...


ثم نظر إلى عبدالرحمن.


— وأنا الوحيد اللي يعرف إزاي تنتهي.


أمام قصر الشاذلي...


وصلت سيارات عبدالرحمن.


نزل يونس ورامي وسيف ومازن وكريم.


الحراس منعوهم.


— محدش يدخل!


يونس صرخ:


— أنا لازم أشوف دليدة!


ومن أعلى الدرج ظهرت دليدة.


عيناها وقعتا عليه.


يونس نظر إليها.


وفي لحظة...


كل الضوضاء اختفت من حولهما.


دليدة نزلت بسرعة.


— يونس!


اقترب منها.


— إنتِ كويسة؟


— لأ.


— في إيه؟


— قالوا إن أخويا عايش.


يونس سكت.


دليدة قربت.


— وإنت؟


— عرفت حاجات أسوأ.


— زي إيه؟


نظر لعينيها.


— ليلى عايشة.


دليدة شهقت.


— مين قالك؟


— حسام.


دليدة تراجعت.


— حسام مين؟


وفجأة ظهر الرجل خلف يونس.


دليدة أول ما شافته...


تجمدت.


حسام نظر إليها.


وعيناه امتلأتا بالدموع.


قال بصوت منخفض:


— كبرتِ يا دليدة.


دليدة حدقت فيه.


— إنت...


سكتت.


ثم وضعت يدها على فمها.


— أنا شفتك قبل كده.


حسام ابتسم بحزن.


— أيوه.


— فين؟


— في آخر ليلة قبل ما تختفي الحقيقة.


فؤاد خرج من القصر.


أول ما رأى حسام...


توقف.


حسام نظر إليه.


— مساء الخير يا فؤاد.


فؤاد قال بصوت مليء بالغضب:


— كان المفروض تفضل ميت.


حسام رد:


— وكان المفروض بنتك تعرف إنها مش بنتك.


سقط الصمت.


دليدة بصت لفؤاد.


— إيه؟


نادية خرجت خلفه.


بدأت تبكي.


يونس وقف بجوار دليدة.


— بابا...


عبدالرحمن وصل.


نظر إلى فؤاد.


ثم إلى حسام.


ثم إلى دليدة.


وقال:


— خلاص...


— إيه؟


عبدالرحمن أخذ نفسًا عميقًا.


— مفيش فايدة من السكوت.


دليدة صاحت:


— قولوا!


يونس أمسك يدها.


— أنا معاكي.


دليدة بصت له.


— لو الحقيقة هتفرقنا؟


يونس شد على يدها.


— مش هسمح.


حسام ابتسم ابتسامة غامضة.


— المشكلة مش في الحقيقة.


— أمال في إيه؟ — سأل يونس.


حسام نظر خلفهم.


إلى القصر.


ثم قال:


— المشكلة إن الحقيقة دخلت البيت قبلكم.


فجأة...


انطفأت أنوار القصر بالكامل.


صرخ أحد الحراس:


— في حد جوه!


وفي نفس اللحظة...


جاء صوت صرخة من داخل القصر.


صرخة نادية.


— دليدة!


دليدة التفتت ناحية القصر.


— ماما!


ركضت للداخل.


يونس خلفها.


زياد وجنى وملك ونور وريم ورامي وسيف ومازن وكريم دخلوا جميعًا.


لكن قبل أن يصلوا إلى الصالة...


وجدوا نادية واقفة وحدها.


وجهها شاحب.


دليدة أمسكتها.


— ماما! إيه اللي حصل؟


نادية كانت تنظر إلى الأرض.


هناك ظرف.


رفعته دليدة.


فتحته.


صورة واحدة سقطت أمامها.


صورة لامرأة تحمل طفلة رضيعة.


دليدة قربت الصورة من وجهها.


ثم شهقت.


— دي...


نادية أغمضت عينيها.


— أيوه.


— دي ليلى؟


— أيوه.


دليدة نظرت للطفلة.


ثم قلبت الصورة.


على الخلف كان مكتوب:


"ليلى لم تكن أمك وحدها..."


سكتت دليدة.


ثم قرأت السطر الأخير:


"لأن أمك الحقيقية... هي المرأة التي تقف بجانبك الآن."


رفعت دليدة عينيها ببطء.


نظرت إلى نادية.


— ماما؟


نادية لم تتحرك.


دليدة بدأت تبكي.


— يعني إنتِ أمي؟


نادية انهارت.


— أيوه...


— طب ليلى؟


نادية قالت بصوت مكسور:


— أختي.


— والطفل؟


نادية لم تجب.


يونس اقترب.


— نادية... الطفل مين؟


فجأة...


دخلت خادمة تركض.


— يا فندم!


فؤاد صرخ:


— إيه؟


— في حد في الحديقة.


زياد قال:


— مين؟


الخادمة كانت ترتجف.


— ست.


دليدة سألت:


— شكلها إيه؟


الخادمة رفعت عينيها.


— شبه حضرتك.


تجمدت دليدة.


وفي الخارج...


ظهر ظل امرأة أمام بوابة القصر.


امرأة تقف تحت ضوء القمر.


حسام نظر من النافذة.


وفجأة اختفت ابتسامته.


— يا نهار أسود...


يونس قال:


— مين؟


حسام همس:


— ليلى.


لكن المرأة رفعت رأسها من بعيد...


وكانت عيناها مثبتتين مباشرة على دليدة.


ثم رفعت يدها...


وأشارت إليها.


وكأنها بتقول:


أنا جاية آخدك.


وانتهت الليلة...


لكن الحقيقة لم تبدأ بعد.


لأن السؤال لم يعد:


مين أخو دليدة؟


ولا:


مين قتل مين؟


السؤال الحقيقي أصبح:


ليه ليلى رجعت دلوقتي؟


ومين الطفل اللي اختفى؟


وليه يونس ودليدة اتجمعوا من البداية؟


والأخطر...


أن في نفس اللحظة، داخل غرفة سرية أسفل الشركة، كان رجل يفتح ملفًا قديمًا، ويضع أمامه صورتين:


صورة يونس...


وصورة دليدة.


ثم قال بهدوء:


— خليهم يفتكروا إن ليلى هي آخر السر...


ابتسم.


— لأن محدش فيهم لسه يعرف إن الطفل التاني موجود بينهم من سنين.


ثم أغلق الملف.


وعلى الغلاف كان مكتوب:


الملف رقم 18 يوسف عبدالرحمن 


يتبع..


                     الفصل الرابع من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة