رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم اية محمود

رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم اية محمود


انطلقت سيارة الإسعاف بأقصى سرعة، وريتال كانت جوه العربية بين إيدين المسعفين، ومريم قاعدة جنبها ماسكة إيدها ومش قادرة تمنع دموعها، وكل شوية تبص على الأجهزة وبعدين تبص على وش ريتال الشاحب وتقول بصوت مرتجف: "استحملي يا ريتال، إنتِ وعدتيني إنك مش هتسيبيني، فاكرة؟ إنتِ اللي كنتِ دايمًا بتقوليلي إننا لازم نفضل واقفين مهما حصل، 


دلوقتي دورك إنتِ تفضلي واقفة." ريتال ما ردتش، عينيها كانت مغمضة، ونفسها ضعيف، والمسعف بيحاول يثبت حالتها ويطمن مريم إنهم بيعملوا كل اللي يقدروا عليه، بينما خارج سيارة الإسعاف كانت سيارات العيلة بتتحرك بسرعة ناحية المستشفى، أمينة قاعدة جنب سليم وهي منهارة في البكاء، والجد والجدة في العربية اللي وراهم، ونور وسهيلة وأحمد ومحمد وأيوب وسميرة كلهم عرفوا وراحوا المستشفى كانوا في حالة خوف وذهول، محدش فيهم قادر يستوعب إن ريتال، البنت اللي من شوية كانت واقفة قدامهم بتدافع عن الحقيقة، دلوقتي بتصارع عشان تفضل عايشة.




وصلت سيارة الإسعاف إلى المستشفى، وما إن الباب اتفتح حتى اندفع الأطباء والممرضون لاستقبال ريتال، وتم نقلها بسرعة إلى غرفة الطوارئ، ومريم حاولت تدخل معاها لكن الطبيب منعها وقال لها إنهم لازم يشتغلوا بسرعة، فاضطرت تقف بره وهي بتبكي، وبعد دقائق وصلت العيلة، وكل واحد فيهم كان بيسأل عن حالتها، لكن محدش كان عنده إجابة، وأمينة كانت بتبص لباب الطوارئ وكأنها مستنية الباب يتفتح وتخرج منه ريتال وتقول لها إنها بخير، لكن المرة دي مفيش كلمة كانت قادرة تطمنها، والجد كان ساكت، والجدة بتقرأ الأدعية بصوت منخفض، وسليم واقف بعيد عنهم وهو حاطط إيده على وشه، ونور وسهيلة وأحمد ومحمد وأيوب وسميرة كانوا متجمعين في الممر، وكل واحد فيهم ساكت، لأن الخوف كان أكبر من الكلام.


في نفس الوقت، كانت الشرطة قد أخذت رحيم وآدم وياسر إلى القسم، وتم التحفظ عليهم لحين استكمال التحقيقات، وكل واحد منهم كان داخل القسم وهو شايل نتيجة أفعاله فوق كتفه، لكن رحيم لم يكن يفكر في نفسه ولا في القضية ولا في السجن، كان كل تفكيره في ريتال، وفي آخر لحظة شافها فيها وهي بتقع أمام عينيه، وكان كل ما يتمناه إن يسمع خبر واحد فقط: إنها عاشت.


مرت ساعة... ثم ساعتان... ثم ثلاث ساعات، والعيلة مازالت واقفة في المستشفى، وكل دقيقة كانت تمر عليهم كأنها ساعة كاملة، إلى أن خرج الطبيب أخيرًا من غرفة العمليات، فاندفعوا ناحيته جميعًا، وسأله الجد بسرعة: "طمني يا دكتور، بنتنا عاملة إيه؟"، الطبيب أخذ نفسًا عميقًا وقال: "الحمد لله، إحنا قدرنا نسيطر على الوضع، والرصاصة سببت إصابة محتاجة متابعة دقيقة، لكن حالتها مستقرة حاليًا"، مريم حطت إيدها على قلبها وقالت: "يعني هتعيش؟"،




 الطبيب ابتسم ابتسامة مطمئنة وقال: "إن شاء الله، لكن لسه ما نقدرش نقول إن الخطر انتهى، هي هتفضل تحت الملاحظة لحد ما تعدي مرحلة الخطر بالكامل، وأول أربع وعشرين إلى ثمان وأربعين ساعة مهمين جدًا." في اللحظة دي أمينة انهارت على الكرسي وهي بتبكي وتقول: "الحمد لله يا رب"، والجدة رفعت إيديها للسماء وحمدت ربنا، ومريم لأول مرة من ساعات سمحت لنفسها تاخد نفسًا عميقًا، لكن عينيها فضلت معلقة على باب الغرفة، وكأنها مش هتتحرك من مكانها قبل ما تشوف ريتال بعينيها.


مر اليوم الأول ببطء شديد، ثم جاء اليوم الثاني، وكلما خرج الطبيب من عندها كان يطمنهم إن حالتها مستقرة وإنها بتستجيب للعلاج، حتى جاء المساء، وخرج الطبيب وقال: "هي بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا، وإن شاء الله خلال وقت قريب هتفوق." الكلمة دي كانت كافية إنها ترجع الأمل لكل الموجودين، ومريم كانت أول واحدة طلبت تدخل، لكن الطبيب قال إن الأفضل تدخل واحدة واحدة وبدون ضغط عليها، وبعد فترة قصيرة فتحت ريتال عينيها ببطء، كانت الرؤية أمامها مشوشة، وجسمها كله تقيل، وحاولت تحرك إيدها فشعرت بالألم، وبعد لحظات سمعت صوتًا تعرفه جيدًا، صوت مريم وهي بتقول: "ريتال؟"


ريتال فتحت عينيها أكتر، وبصت لمريم، ولما شافتها ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا، ومريم انفجرت في البكاء من الفرحة وقربت منها وقالت: "حمد لله على سلامتك، خوفتيني عليكي، خوفتيني أوي"، ريتال حاولت تتكلم لكن صوتها خرج ضعيفًا، فقالت مريم بسرعة: "متتكلميش، الدكتور قال إنك محتاجة ترتاحي." ريتال هزت رأسها، وبعد دقائق بدأ أفراد العيلة يدخلوا واحدًا وراء الآخر، سليم، الجد والجدة، نور، سهيلة، أحمد، محمد، أيوب، سميرة، وفي النهاية دخلت أمينة، لكن بمجرد ما شافتها ريتال، اختفت الابتسامة من على وجهها، وبصت للناحية التانية من غير ما تقول كلمة.


أمينة وقفت مكانها، والدموع نزلت من عينيها، وبعد لحظات قربت من السرير وقالت بصوت مكسور: "ريتال... سامحيني." 




ريتال فضلت ساكتة، فأمينة كملت: "أنا غلطت في حقك، ظلمتك، وما سمعتكيش، وكان لازم أصدقك، بس أنا أمك، ومهما حصل إنتِ بنتي." ريتال أغمضت عينيها للحظات، ثم فتحتهم وبصت لأمها وقالت بصوت ضعيف لكنه واضح: "لأ... أنا مش بنتك." أمينة شهقت، لكن ريتال كملت: "إنتِ بنفسك اتبرتي مني، وقلتي قدام الناس إني مش بنتك، ورفضتي تسمعيني، ورفضتي تصدقيني، ولما كنت محتاجة حضنك... إنتِ كنتِ بتبعديني عنك." أمينة بكت وقالت: "كنت غلطانة يا بنتي." ريتال ردت بهدوء مؤلم: "عارفة إنك غلطانة، بس أنا تعبت من كلمة سامحيني."




سكتت لحظة، ثم قالت: "أنا مش قادرة أسامحك دلوقتي، ومش عايزة أكذب عليكي وأقولك سامحتك عشان أريحك، يمكن في يوم أقدر أسامح، ويمكن لأ، بس اللي أعرفه دلوقتي إن الجرح لسه مفتوح." أمينة نزلت دموعها أكتر وقالت: "طب أعمل إيه عشان أصلح اللي حصل؟"، ريتال بصت لها طويلًا وقالت: "مفيش حاجة ترجّع الأيام اللي كنت محتاجة فيها أمي وملاقيتهاش." ثم أخذت نفسًا بصعوبة وقالت: "بس فيه حاجة واحدة أقدر أعملها."


الكل بص لها.


ريتال قالت: "أنا هتنازل عن حقي في آدم."


الكل اتصدم.


سليم قال: "إنتِ متأكدة؟"


ريتال هزت رأسها وقالت: "أيوه، متأكدة." ثم بصت لأمينة وقالت: "مش عشان أنا سامحته، ومش عشان اللي عمله بسيط، ومش عشان نسيت إنه خان ثقتي، لكن عشان الأيام اللي عشتها وسطكم، الأيام الحلوة قبل ما كل حاجة تتغير، عشان الذكريات اللي رغم كل حاجة لسه موجودة جوايا، اعتبري ده رد جميل للأيام دي، مش أكتر." أمينة قربت منها وهي بتبكي، لكن ريتال رفعت إيدها وقالت: "بس ما تفتكريش إن تنازلي عن آدم معناه إننا رجعنا عيلة تاني."


سكت الجميع.


وقالت ريتال بصوت مليان وجع: "إنتوا خلاص مبقتوش عيلتي، مش عشان أنا بكرهكم، بالعكس، يمكن عشان أنا كنت بحبكم أوي، وعشان كده وجعكم كان أكبر من أي وجع تاني." نظرت لأمينة وقالت: "أنا مش هنسى إنك رفضتي تصدقيني، ومش هنسى إنك اتبرتي مني، ومش هنسى إني خرجت من بيت كنت فاكرة إنه بيتي وأنا مش عارفة أروح فين." ثم أغمضت عينيها وقالت: "أنا تنازلت عن القضية، لكن مش هقدر أتنازل عن الوجع اللي سببتوهولي بسهولة."


لم تجد أمينة ما تقوله، واكتفت بالبكاء، بينما مريم كانت واقفة بجوار ريتال ودموعها تنزل في صمت، لأنها كانت الوحيدة تقريبًا التي تعرف حجم كل ما تحملته ريتال من الداخل.




بعد وقت قصير دخل أحد الضباط إلى الغرفة، ومعه محضر التنازل، وبعد التأكد من أن حالة ريتال تسمح لها بالكلام، جلس أمامها وقال بهدوء: "إحنا محتاجين نثبت موقفك في القضية، حضرتك متمسكة بأقوالك السابقة ولا عندك تنازل؟" ريتال نظرت إلى الورقة أمامها، ثم أخذت نفسًا طويلًا وقالت: "أنا متمسكة بكل اللي قلته عن اللي حصل، ومش هنكر أي حاجة، لكن بالنسبة لآدم... أنا متنازلة عن حقي الشخصي في القضية ضده."


الضابط سألها للتأكيد: "حضرتك متأكدة من القرار؟"


ريتال ردت بثبات: "أيوه، متأكدة." 


وأسندت رأسها إلى الوسادة، ثم قالت بصوت هادئ: "أنا عملت اللي عليا... دلوقتي سيبوني أرتاح."


خرج الضابط من الغرفة، بينما بقي الجميع صامتين.


وفي مكان آخر، داخل القسم، كان آدم جالسًا وحده عندما دخل الضابط وأخبره أن ريتال تنازلت عن حقها الشخصي ضده، فرفع آدم عينيه بصدمة، ولم يستطع أن يفهم كيف يمكن للفتاة التي دمر حياتها أن تكون هي نفسها التي أنقذته من مصير كان يستحقه، أما رحيم، فعندما سمع أن ريتال تنازلت عن آدم، لم يشعر بالراحة كما توقع، بل شعر بشيء أثقل، لأنه بدأ يفهم أن ريتال لم تفعل ذلك لأنها سامحتهم، وإنما لأنها رغم كل ما حدث لها مازالت تملك قلبًا أكبر من كل القسوة التي تعرضت لها.


لكن وسط كل هذا...


كان هناك شخص واحد لم تستطع ريتال أن تعرف ماذا ستفعل معه.


رحيم.


الرجل الذي تسبب في بداية كل هذا الخراب، والرجل الذي اعترف بكل جرائمه، والرجل الذي وقف أمامها يطلب فرصة جديدة، ثم حمل خوفه عليها عندما سقطت أمام عينيه.


وريتال، رغم كل شيء، لم تكن تعرف هل عندما تخرج من المستشفى ستواجهه...


أم تهرب منه إلى الأبد.




مرت الأيام ببطء، لكن هذه المرة كان بطء الأيام يحمل شيئًا مختلفًا، لم يكن انتظارًا للموت أو الخوف من خبر سيئ، وإنما كان انتظارًا للشفاء، لريتال التي ظلت في المستشفى تحت الملاحظة فترة طويلة حتى بدأ جسدها يستعيد قوته شيئًا فشيئًا، وفي كل يوم كانت مريم تزورها وتجلس بجوارها بالساعات، تحكي لها عن كل شيء حدث في الخارج، عن سعد وهناء اللذين خرجا أخيرًا بعدما ظهرت براءتهما، وعن ياسر ورحيم وآدم الذين ما زالت التحقيقات مستمرة معهم، وعن نور وسهيلة وأحمد ومحمد وأيوب وسميرة الذين كانوا يسألون عنها باستمرار، لكن ريتال كانت تستمع أكثر مما تتكلم، وكأنها كانت تحتاج وقتًا طويلًا حتى تستوعب أن الحياة التي كانت متوقفة بالنسبة لها بدأت تتحرك من جديد.




ومع مرور الوقت بدأت ريتال تمشي داخل المستشفى بنفسها، ثم بدأت تتحرك دون مساعدة، وبعدها جاء اليوم الذي دخل فيه الطبيب عليها مبتسمًا وقال: "الحمد لله، حالتك اتحسنت بشكل كبير، ومفيش سبب يخليك تفضلي هنا أكتر من كده، تقدري تخرجي، بس لازم تكملي العلاج والراحة في البيت"، ريتال ابتسمت لأول مرة ابتسامة حقيقية وقالت: "يعني خلاص؟"، فضحك الطبيب وقال: "خلاص، بس ممنوع التعب"، فردت وهي تبتسم: "هحاول"، ومريم التي كانت جالسة بجوارها قالت: "هي كلمة هحاول دي معناها إنها هتعمل اللي في دماغها برضه"، فضحكت ريتال، وكان ضحكها هذه المرة مختلفًا، لأن الضحكة لم تكن لإخفاء ألم، وإنما كانت بداية حقيقية لعودتها للحياة.




في يوم خروجها، تجمع الجميع أمام المستشفى، وكانت أمينة موجودة أيضًا، تنتظر لحظة خروج ابنتها، لكنها كانت تعرف في داخلها أن ريتال لن تعود معها، وعندما خرجت ريتال من باب المستشفى وهي ترتدي ملابسها وتحمل حقيبتها الصغيرة، تقدمت أمينة نحوها والدموع في عينيها وقالت: "ريتال..."، فتوقفت ريتال أمامها، وظلت تنظر إليها لثوانٍ طويلة، ثم قالت بهدوء: "أنا مش هقدر أرجع معاكم"، أمينة أغمضت عينيها من الألم، وقالت: "عارفة إنك لسه زعلانة، بس البيت بيتك"، ريتال هزت رأسها وقالت: "يمكن كان بيتي زمان، بس دلوقتي أنا محتاجة أرجع لمكان تاني"، ثم رفعت عينيها وقالت: "أنا هروح عند بابا مصطفى ماما أميرة"، وسكتت لحظة، ثم أضافت: "عايزة أعيش مع أهلي الأولانيين، الناس اللي ربوني من البداية، حتى لو الحقيقة إنهم مش أهلي بالدم، بس هما عاشوا معايا سنين، وحبهم ليا عمره ما كان مشروط بحاجة."


أمينة لم تجد ما تقوله، واكتفت بالبكاء، بينما ريتال اقتربت منها للحظة وقالت: "أنا مش بكرهك يا أمي، بس أنا محتاجة أبعد عشان أعرف أعيش"، ثم ابتعدت عنها، وركبت السيارة التي كانت تنتظرها، وانطلقت ناحية البيت الذي عاشت فيه سنواتها الأولى، بيت الحاج مصطفى وأميرة، وهناك عندما وصلت، كانت أميرة واقفة عند الباب، وما إن رأت ريتال حتى أسرعت إليها واحتضنتها بقوة، وكأنها كانت تنتظر عودتها منذ سنوات، وقالت وهي تبكي: "وحشتيني يا بنتي"، وريتال دفنت وجهها في حضنها، ولأول مرة منذ فترة طويلة سمحت لنفسها أن تبكي دون أن تخاف من أن يراها أحد ضعيفة، وقالت: "أنا رجعت يا ماما"، وأميرة شدتها أكثر إلى صدرها وقالت: "ده بيتك، وهتفضلي بنتي مهما حصل، ومهما عرفتِ من حقايق، ومهما الدنيا قالت لك إيه، إنتِ بنتي اللي ربيتها وكبرت قدام عيني."




خرج الحاج مصطفى من الداخل، وكان يحاول أن يخفي دموعه، لكنه فشل، واقترب منها ووضع يده على رأسها وقال: "كبرتي يا ريتال"، فابتسمت وهي تبكي وقالت: "أنا تعبت يا بابا"، فرد عليها فورًا: "ارتاحي، من النهارده مفيش حاجة هتخوفك هنا"، ودخلت ريتال بيتها القديم، البيت الذي لم يكن قصرًا ولا يحيط به الحراس ولا الأسرار، لكنه كان يحمل في كل زاوية منه ذكرى، غرفة طفولتها، مكان جلوسها، صورها القديمة، وكل الأشياء البسيطة التي كانت تظن يومًا أنها عادية، لكنها اكتشفت بعد كل ما مرت به أنها كانت أغلى من أي شيء آخر.




وفي الجهة الأخرى، كانت مريم قد عادت هي أيضًا إلى بيتها، لكنها هذه المرة لم تكن عودة إلى نفس البيت القديم، لأن سعد وهناء خرجا من السجن بعد ظهور براءتهما، وكانا ينتظرانها أمام الباب، وعندما وصلت مريم، وقف سعد مكانه عاجزًا عن الكلام، بينما هناء كانت تبكي، ومريم لم تتحرك، فقط ظلت تنظر إليهما، لأنها كانت تتذكر كل شيء، كل لحظة ضغط، وكل كلمة قاسية، وكل مرة شعرت فيها أنها وحدها، لكن سعد لم يحاول الدفاع عن نفسه، ولم يقل إن الظروف أجبرته،




 ولم يبحث عن مبررات، بل اقترب منها وقال بصوت مكسور: "مريم... إحنا غلطنا في حقك"، هناء أكملت وهي تبكي: "غلطنا أوي، وكنا أنانيين، وفكرنا في نفسنا قبل ما نفكر فيكي، وإنتِ دفعتي تمن حاجات إحنا عملناها"، سعد نزل رأسه وقال: "أنا أخوك، وكان المفروض أكون أول واحد يحميكي، بس أنا خذلتك، ومهما قلت مش هعرف أصلح اللي عملته."


مريم ظلت صامتة، والدموع نزلت من عينيها، ثم قالت: "أنا اتوجعت بسببكم أوي"، هناء ردت فورًا: "عارفين"، 




فقالت مريم: "كنت محتاجة حد يقف جنبي، لكن لقيت نفسي لوحدي"، سعد قال: "حقك علينا"، ثم رفع عينيه إليها وقال: "لو مش قادرة تسامحينا، هنفهم، بس كان لازم نقول لك إننا ندمانين." مريم ظلت تنظر إليهما طويلًا، ثم تقدمت خطوة واحتضنت هناء، وبعدها احتضنت سعد، وقالت وهي تبكي: "أنا مسامحاكم"، سعد انهار في البكاء، وهناء ظلت تحتضنها وهي تقول: "سامحيني يا مريم"، فردت: "سامحتكم، بس خلونا نبدأ من جديد."




ومنذ ذلك اليوم، تغير سعد وهناء فعلًا، لم يعد سعد الرجل الذي لا يرى إلا مصلحته، ولم تعد هناء تلك المرأة التي تضغط على مريم أو تتعامل معها بقسوة، بل أصبح الاثنان أكثر هدوءًا ورحمة، وكانا يحاولان كل يوم أن يعوضا مريم عن الأيام التي خسرتها، ولم تكن مريم تنسى الماضي، لكنها اختارت ألا تسمح للماضي أن يسرق منها ما تبقى من عمرها.




وبعد فترة قصيرة، بدأت هناء تشعر بتعب  وبعد زيارة الطبيب اكتشفت أنها حامل بفتاة ، وعندما أخبرت سعد، وقف للحظات لا يعرف ماذا يقول، ثم ابتسم والدموع في عينيه، وقال: "بنت "، فضحكت هناء وقالت: " ايوه وهنسميها مريم "، ومنذ ذلك اليوم تحول البيت كله إلى حالة من الانتظار الجميل، ومريم كانت أكثر واحدة سعيدة من أجلهم، وكانت كلما تحدثت هناء عن الطفل تضع يدها على بطنها وتبتسم،




وبعد عدة أيام ، وجاء يوم الولادة، وبعد ساعات طويلة خرج الطبيب وهو يبتسم وقال لسعد: "مبروك، ربنا رزقكم ببنت"، سعد رفع يديه للسماء وهو يبكي من الفرحة، وهناء كانت متعبة لكنها تبتسم، وعندما دخلت مريم إلى الغرفة، وجدت الصغيرة بين ذراعي أمها، فتقدمت ببطء ونظرت إليها، فسألت هناء: "إحنا فكرنا في اسمها كتير"، ثم نظرت إلى سعد، وبعدها قالت: "بس اخترنا اسم واحد."


مريم ابتسمت وقالت: "إيه؟"


سعد قال بصوت هادئ: "مريم."


تجمدت مريم للحظة، ونظرت إليهما بدهشة، فقالت هناء: "سميناها على اسمك."


مريم بدأت تبكي، وقالت: "ليه؟"


سعد اقترب منها وقال: "لأننا عايزين كل مرة نناديها باسمك نفتكر إننا كنا هنخسر أغلى حاجة بسبب أخطائنا، ونفتكر إن ربنا ادانا فرصة نصلح نفسنا قبل ما يفوت الأوان."


هناء مدت يدها لمريم وقالت: "إنتِ مش مجرد أخت بالنسبة لنا، إنتِ السبب اللي خلانا نفهم معنى الندم الحقيقي، واسم بنتنا هيكون دايمًا فاكرنا بده."


مريم حملت الصغيرة بين ذراعيها، ونظرت إلى وجهها الصغير، ثم ابتسمت وسط دموعها وقالت: "أهلًا يا مريم الصغيرة."


وفي اليوم التالي، جلس سعد وهناء مع المحامي، وأعلنا قرارهما بالتنازل عن حقهما في القضية المتعلقة بما حدث لهما، وعندما سألهم المحامي عن السبب، قال سعد: "إحنا مش بنقول إن اللي حصل كان صح، ولا بنبرر اللي عمله رحيم، لكن إحنا شايفين إن ربنا حاسبنا على اللي عملناه في مريم، وإحنا دفعنا تمن أخطائنا، وعايزين نقفل الصفحة دي ونبدأ حياة جديدة." هناء أومأت برأسها وقالت: "إحنا عارفين إن القانون له كلمته، لكن حقنا الشخصي إحنا اخترنا نتنازل عنه، لأننا مش عايزين نعيش باقي عمرنا أسرى للانتقام."


وفي بيت الحاج مصطفى، كانت ريتال جالسة بجوار أميرة في الشرفة، تنظر إلى السماء بهدوء، ولأول مرة منذ فترة طويلة لم تكن تفكر في القصور ولا الأسرار ولا الخيانة ولا الانتقام، فقط كانت تشعر أنها عادت إلى مكان تستطيع فيه أن تتنفس، فقالت أميرة وهي تنظر إليها: "سرحانة في إيه؟"، ريتال ابتسمت وقالت: "في كل اللي حصل"، ثم سكتت لحظة وأضافت: "غريبة الدنيا... ساعات الإنسان يخسر ناس كان فاكر إنهم كل حياته، عشان يكتشف إن في ناس تانية كانت بتحبه من غير ما تطلب منه أي حاجة."


أميرة أمسكت يدها وقالت: "المهم إنك دلوقتي هنا."


ريتال نظرت إلى يد أميرة، ثم أسندت رأسها على كتفها وقالت: "أيوه... أنا هنا."


وفي مكان آخر، كانت مريم الصغيرة نائمة بين ذراعي أمها، وسعد يجلس بجوار هناء، ومريم الكبيرة تضحك معهم لأول مرة من قلبها منذ سنوات.


لكن بعيدًا عن كل هذه البيوت التي بدأت تستعيد دفئها...


كان هناك ثلاثة رجال ما زالوا خلف أبواب مغلقة.


رحيم...


ياسر...


وآدم...


وثلاثتهم كانوا ينتظرون ما ستقرره العدالة.


أما ريتال، فكانت قد اختارت أن تبدأ حياتها من جديد، ومريم اختارت أن تسامح من ندم فعلًا، وسعد وهناء اختارا أن يتخلوا عن الانتقام...


لكن الحكاية لم تكن قد انتهت بعد.


لأن الحقيقة الأكبر...


حقيقة الماضي الذي أخفاها الجميع عن ريتال...


كانت لا تزال تنتظر اللحظة التي ستظهر فيها.


كان سؤال واحد فقط يرفض أن يترك عقل ريتال منذ أن عرفت الحقيقة كاملة، سؤال ظل يطاردها في كل ليلة، وكلما حاولت أن تبدأ حياتها من جديد عاد إليها من مكان ما داخل ذاكرتها، لماذا فعل آدم كل هذا؟ لماذا أخوها الذي كان المفترض أن يكون سندها وحاميها اختار أن يكون هو أكثر شخص يؤذيها؟ لماذا استخدم ثقتها فيه ضدها؟ لماذا شارك في تزوير حقيقتها أمام العائلة؟ لماذا تركها تواجه كل شيء وحدها؟ ولماذا وصل به الأمر إلى أن يجعلها تتزوج من الشخص الذي كانت تعتبره عدوًا؟ كانت تعرف أن آدم مذنب، وأن ما فعله لا يمكن تبريره، لكنها كانت تريد أن تعرف السبب، السبب الذي جعل الكراهية تكبر داخله إلى الدرجة التي جعلته قادرًا على تدمير أخته دون أن يرتجف قلبه.


وبعد أيام طويلة من التفكير، قررت ريتال أن تذهب إليه في السجن.




لم تخبر أميرة، ولم تخبر الحاج مصطفى، وحتى مريم لم تقل لها شيئًا في البداية، لأنها كانت تعرف أن هذا السؤال يخصها هي وآدم وحدهما، وأنها مهما سمعت من الآخرين لن تعرف الحقيقة إلا إذا خرجت من فمه مباشرة.


وصلت إلى المكان، وبعد الإجراءات سمحوا لها بالدخول إلى غرفة الزيارة، وجلست على الكرسي في انتظار آدم، وبعد دقائق دخل وهو مكبل اليدين، وملامحه تغيرت كثيرًا منذ آخر مرة رأته فيها، لم يعد ذلك الرجل الواثق الذي كان يتحدث أمام العائلة وكأنه يملك الحقيقة كلها، بل أصبح وجهه يحمل إرهاقًا واضحًا، وكأن الأيام التي قضاها بعيدًا عن البيت جعلته يرى أشياء لم يكن يريد رؤيتها من قبل.


رفع عينيه إليها، وظل ساكتًا.


أما ريتال فظلت تنظر إليه دون أن تتكلم.


مر وقت طويل قبل أن يقول آدم بصوت منخفض: "إنتِ جاية ليه؟"


ريتال ردت بهدوء: "عشان أسألك سؤال."


آدم ابتسم ابتسامة باهتة وقال: "بعد كل اللي حصل... لسه عندك أسئلة؟"


قالت: "أيوه."


ثم اقتربت قليلًا من الطاولة وقالت: "ليه؟"


آدم عقد حاجبيه.


"ليه إيه؟"


ريتال قالت: "ليه عملت فيا كل ده؟"


ظل صامتًا.


فكملت: "أنا عايزة أعرف الحقيقة منك إنت، مش من رحيم، ومش من التسجيل، ومش من أي حد تاني، عايزة أعرف إيه اللي خلا أخويا يكره أخته بالشكل ده."


آدم أنزل عينيه للحظات، ثم رفعهما إليها وقال: "إنتِ السبب."


ريتال تجمدت.


"أنا؟"


قال آدم: "أيوه... إنتِ السبب."


ريتال لم تصرخ، ولم تغضب، فقط قالت: "سبب إيه؟"


آدم أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه كان يحمل هذه القصة لسنوات طويلة، ثم قال: "في حاجة عمرك ما عرفتيها، حاجة حصلت وإنتِ صغيرة جدًا."


سكت لحظة.


"إنتِ كان عندك سنتين."


ريتال بدأت تستمع باهتمام.


آدم قال: "وأنا كان عندي خمستاشر سنة."


ثم نظر إليها وقال: "وفي الوقت ده كان عندي صديقة اسمها كارما."


تغيرت ملامح ريتال قليلًا.


آدم كمل: "كارما ما كانتش مجرد صديقة، كانت أقرب إنسانة ليا، كنت متعلق بيها جدًا، وكنا بنحلم إننا لما نكبر نتجوز، رغم إننا كنا صغيرين، لكن بالنسبة ليا وقتها كان الموضوع حقيقي جدًا."


سكت، ثم قال: "وكارما كانت بتحبني، وأنا كنت بحبها أكتر مما كنت فاهم معنى الحب أصلًا."


ريتال ظلت ساكتة.


"في يوم من الأيام، جبتها عندنا البيت عشان تقعد معانا، وكان البيت وقتها مليان، وإنتِ كنتِ صغيرة جدًا، بتجري وتلعبي في كل مكان."


ثم ابتسم ابتسامة حزينة وقال: "كنتِ طفلة مشاغبة، زي ما كنتِ دايمًا."


ريتال لم تبتسم.


آدم قال: "خرجنا الجنينة، وإنتِ كنتِ بتلعبي هناك، وكان فيه طبق مية صغير أو خرطوم قريب منك، وإنتِ زي أي طفل بدأتِ تلعبي بالمية."


توقف للحظات، وكأن الذكرى نفسها تؤلمه.


"المية وقعت على الأرض."


ريتال بدأت تشعر بقشعريرة في جسدها.


آدم قال: "كارما كانت ماشية، وماخدتش بالها إن الأرض مبلولة."


سكت.


"رجليها اتزحلقت."


ثم أغلق عينيه للحظة وقال: "وقعت."


ريتال سألت بصوت منخفض: "وبعدين؟"


آدم رفع عينيه إليها وقال: "كان فيه آلة حادة موجودة في الجنينة."


توقفت أنفاس ريتال.


"رأسها خبط فيها."


سكت آدم طويلًا.


ثم قال:


"وماتت."


ساد الصمت.


ريتال لم تتحرك.


كانت تحاول استيعاب الجملة، تحاول أن تبحث داخل ذاكرتها عن أي صورة، أي صوت، أي شيء يربطها بذلك اليوم، لكنها لم تجد شيئًا، كانت سنتان فقط من عمرها، وكيف لطفلة في ذلك العمر أن تتذكر حادثًا مر عليه كل هذا الزمن؟


قالت ريتال بصوت ضعيف: "وأنت... لومتني؟"


آدم أجاب من غير تردد: "أيوه."


ريتال أغمضت عينيها.


آدم قال: "من يومها وأنا شايف إنك السبب في موت كارما."


ريتال فتحت عينيها ونظرت إليه بدهشة ممزوجة بألم.


"أنا كنت طفلة يا آدم."


"عارف."


"كان عندي سنتين."


"عارف."


"أنا ماكنتش فاهمة اللي بيحصل."


"عارف."


"طب ليه؟"


آدم سكت.


ثم قال: "لأني كنت صغير زيك، بس الفرق إنك كنتِ أصغر مني بكتير، وأنا وقتها ماكنتش قادر أستوعب إن اللي حصل حادث، كنت محتاج ألوم حد، ولقيتك قدامي."


ريتال قالت: "يعني كل السنين دي... كنت بتكرهني على حاجة أنا حتى ماكنتش فاهمها؟"


آدم لم يرد.


ريتال بدأت تبكي، لكنها مسحت دموعها بسرعة وقالت: "أنا ماقتلتش كارما."


آدم نظر إليها.


قالت: "أنا كنت بلعب."


ثم أشارت إلى نفسها وقالت: "طفلة عندها سنتين."


سكتت لحظة وقالت: "أنا ما كنتش أعرف إن المية هتخليها تقع، وماكنتش أعرف إن فيه آلة حادة هناك، وماكنتش عارفة أصلًا يعني إيه موت."


آدم أنزل عينيه.


ريتال قالت: "إنت عارف ده."


قال: "دلوقتي عارف."


"ودلوقتي؟"


آدم لم يجب.


فقالت: "بعد ما كبرت وعرفت الدنيا، ليه ما حاولتش تفهم؟"


آدم أخذ نفسًا طويلًا وقال: "لأن الكراهية لما بتعيش مع الإنسان سنين بتتحول لحاجة شبه الحقيقة، أنا فضلت أقنع نفسي إنك السبب، وكل ما أشوفك أفتكر كارما، وكل ما أشوف بابا وماما بيحبوكي كنت بحس إنهم بيحبوا البنت اللي خدت مني كارما أكتر مني."


ريتال اتصدمت.


آدم كمل: "وده كان بيخليني أكرهك أكتر."


ثم قال: "إنتِ كنتِ دايمًا واخدة اهتمامهم، حتى وإنتِ صغيرة، وكل ما كنتِ تعيطي كانوا يجروا عليكي، وكل ما كنتِ تفرحي كانوا يفرحوا معاكي، وأنا كنت شايف إنك أخدتي كل حاجة."


ريتال قالت بوجع: "حتى سليم؟"


آدم هز رأسه.


"حتى سليم."


ثم قال: "كنت شايف إن بابا وماما بيحبوكي أكتر مني ومن سليم، ومع كل سنة كانت الكراهية بتكبر، وأنا بدل ما أقول إني موجوع... كنت بقول إني بكرهك."


ريتال ظلت تنظر إليه، ثم قالت: "بس أنا ما طلبتش منهم يحبوني."


آدم لم يرد.


"وما طلبتش كارما تموت."


سكت.


"وما طلبتش إنك تخسرها."


ثم اقتربت منه قليلًا وقالت: "إنت خسرت كارما... لكنك قررت تخسرني أنا كمان."


آدم رفع عينيه إليها.


ريتال قالت: "والفرق إن كارما ماتت في حادث، لكن إنت حاولت تقتلني وأنا عايشة."


الكلمات أصابت آدم في مكان عميق.


قال بصوت مكسور: "أنا عارف."


ريتال أكملت: "أنت ما اكتفيتش إنك تكرهني، إنت دمرت حياتي."


ثم بدأت تعد على أصابعها وهي تقول: " بعت ناس تقتلني، عرضت حياتي للخطر، ساعدت في تلفيق تهم ليا، وخليتني أصدق إن محدش في الدنيا مصدقني، واستخدمت التوكيل اللي اديتهولك بثقة عشان تتجوزني من رحيم، وبعدها خليت عيلتي كلها تشوفني بصورة مش حقيقتي."


آدم لم يحاول الدفاع عن نفسه.


ريتال قالت: "كل ده بسبب كارما؟"


قال آدم بصوت منخفض: "كنت فاكر إن ده انتقام."


ريتال ردت فورًا: "ده مش انتقام."


ثم نظرت إليه بألم.


"ده ظلم."


سكت آدم.


ثم قال: "أنا عارف."


ريتال قامت من مكانها ببطء، لكنها قبل أن تخرج توقفت أمامه وقالت: "أنا تنازلت عن حقي في القضية ضدك."


آدم رفع عينيه إليها بدهشة.


"ليه؟"


قالت: "مش عشانك."


سكتت لحظة.


"ولا عشان إني سامحتك."


ثم قالت: "أنا عملت كده عشان أقفل الصفحة دي، مش عشان أفتح باب جديد بيني وبينك."


آدم أطرق رأسه.


ريتال قالت: "أنا مش هطلب منك تحبني، ومش هطلب منك تعتبرني أختك، بس عندي طلب واحد."


نظر إليها.


قالت: "بطل تكره الطفلة اللي كنتها."


سكتت.


"الطفلة دي ما كانتش قاتلة كارما."


ثم قالت وهي تمسح دموعها: "كانت طفلة لعبت بالمية... وحصل حادث."


وتابعت: "كارما راحت، وأنا كمان خسرت سنين من عمري بسبب موتها."


ثم استدارت لتغادر.


لكن قبل أن تفتح الباب، سمعت صوت آدم خلفها:


"ريتال."


توقفت.


قال بصوت مكسور:


"أنا... لأول مرة بفكر إن كارما لو كانت عايشة، كانت هتكرهني على اللي عملته فيكي."


ريتال لم تلتفت.


فقط قالت:


"يمكن."


ثم خرجت.


وخلف الباب، جلس آدم وحده، ولأول مرة منذ سنوات لم يرَ أمامه الطفلة التي كان يحمّلها ذنب موت كارما...


بل رأى أخته.


أخته التي كان يمكن أن تكون سندًا له، لكنه اختار أن يحولها إلى عدو.


أما ريتال، فخرجت من المكان وهي تحمل حقيقة جديدة، حقيقة موجعة لكنها في الوقت نفسه حررتها من سؤال ظل يطاردها طويلًا.


هي لم تكن السبب.


لم تكن قاتلة.


ولم تكن تستحق الكراهية.


كان كل ما حدث...


نتيجة حقد قديم بناه طفل صغير، وكبر معه حتى تحول إلى وحش أكل حياة أخته وحياة من حولها.


مرت الأيام بعد تنازل ريتال عن حقها في القضية، وكأن الحياة قررت أخيرًا أن تطوي صفحة كاملة من الألم، لكن الحقيقة أن بعض الصفحات لا تُطوى بسهولة، وإنما تظل آثارها عالقة في القلب حتى بعد أن يجف الحبر.


خرج آدم من القضية بعد تنازل ريتال عن حقها الشخصي ضده، وخرج من السجن وهو يحمل شيئًا لم يكن يملكه يومًا... الندم.


لأول مرة منذ سنوات، لم يعد آدم قادرًا على إقناع نفسه بأنه كان الضحية، أو أن ريتال هي السبب فيما حدث لكارما، أو أن كل ما فعله كان انتقامًا مستحقًا كان يعرف الحقيقة الآن، ريتال كانت طفلة طفلة في الثانية من عمرها.


وهو كان مراهقًا لم يفهم معنى الفقد، فاختار أن يبحث عن شخص يضع عليه غضبه بدلًا من أن يواجه حزنه.


وحين خرج من السجن، لم يبحث عن ريتال، ولم يحاول الوصول إليها.


كان يعرف أنها لا تريده في حياتها.


وكان يعرف أن كلمة "آسف" لن تعيد إليها السنوات التي سرقها منها.


أما مريم...


فقد كان وضعها مختلفًا بعد كل ما حدث، لم تعد قادرة على النظر إلى ياسر بالطريقة نفسها.


ذهبت إلى السجن لآخر مرة.وقفت أمامه خلف الحاجز، تنظر إليه بصمت 


كان ياسر جالسًا في الجهة الأخرى، وقد تغير كثيرًا.


لم يعد الرجل الذي كانت تحبه.لم يعد الأستاذ الذي كانت تراه سندًا لها.


كان مجرد إنسان يقف أمام نتيجة أفعاله.


قالت مريم بهدوء:


"أنا جاية أطلب منك الطلاق."


رفع ياسر عينيه إليها.


"مش هطلقك."


ظلت تنظر إليه.


"ليه؟"


"لأني لسه بحبك."


ابتسمت مريم ابتسامة حزينة.


"الحب مش كفاية يا ياسر."


سكت.


تابعت:


"الحب من غير أمان... مش حب."


ظل رافضًا.


رفض أن يطلقها، ورفض أن يعترف بأن ما بينهما انتهى.


لكن مريم هذه المرة لم تتراجع.


رفعت قضية خلع.


وبعد الإجراءات القانونية...


انتهى زواج مريم من ياسر.


خرجت من المحكمة وهي تشعر للمرة الأولى أن بابًا كان مغلقًا عليها قد فُتح.


لم تكن سعيدة.


ولم تكن حزينة.


كانت فقط...


حرة.


أما رحيم، فكانت قضيته تسير في اتجاه مختلف.


بعد تنازل سعد وهناء عن حقهما الشخصي، خُفف الحكم الصادر بحقه.


ثلاث سنوات حبس.


ثلاث سنوات فقط...


لكنها بالنسبة لرحيم كانت طويلة جدًا.


لأن السجن لم يعد أكثر ما يؤلمه.


الذي كان يؤلمه حقًا...


هو أنه أدرك متأخرًا.


أدرك أنه أحب ريتال.


أحبها فعلًا.


ولم يكن ما شعر به تجاهها مجرد رغبة في الانتقام، ولا تعلقًا، ولا رغبة في السيطرة.


لكنه عرف ذلك بعد أن حطم الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يمنحه فرصة حقيقية معها.


كان يجلس في زنزانته كثيرًا، يستعيد تفاصيلها.


ضحكتها.


غضبها.


عنادها.


مقالبها.


حتى صوتها وهي تتشاجر معه على أشياء صغيرة.


كان يتذكر اليوم الذي أخذها فيه إلى الملاهي.


واليوم الذي مشيا فيه بجوار البحر.


واليوم الذي كانت تضحك فيه وهي تأكل حمص الشام.


وكان يسأل نفسه:


كيف استطعت أن أحبها بعد أن كنت السبب في كل هذا الألم؟


ثم تأتيه الإجابة التي كان يكرهها:


لأنها لم تكن يومًا مجرد جزء من انتقامه.


كانت إنسانة أحبته رغم كل شيء...


وهو لم يعرف قيمة ذلك إلا بعد أن خسرها.


كان يعرف أنها لن تنتظره.


وكان يعرف أنه لا يملك الحق في أن يطلب منها ذلك.


لذلك لم يطلب.


اكتفى بأن يتمنى من مكانه البعيد أن يأتي يوم تستطيع فيه أن تعيش دون أن تتذكره كلما شعرت بالألم.


اما ياسر فلم يتحمل فقدان مريم، توفى قبل حكم المحكمة عليه. 


ومرت الشهور.


ثم بدأ عام دراسي جديد.


عام مختلف عن كل الأعوام السابقة.


عام التخرج.


كانت ريتال ومريم قد وصلتا إلى السنة الأخيرة في كلية الهندسة.


لكن ريتال لم تعد كما كانت.


قررت ألا تعود إلى بيت العائلة.


لا إلى القصر.


ولا إلى المكان الذي كانت تعتبره يومًا بيتها.


اختارت المدينة الجامعية.


غرفة صغيرة.


سرير بسيط.


مكتب خشبي.


خزانة متواضعة.


لكن بالنسبة لريتال...


كانت تلك الغرفة تعني شيئًا أكبر من كل القصور.


كانت تعني الاستقلال.


كانت تعني أن لا أحد يستطيع أن يسألها أين ذهبت.


ولا لماذا خرجت.


ولا مع من تحدثت.


ولا أن يقرر أحد عنها كيف تعيش.


بدأت تعمل بجانب دراستها.


لم يكن العمل سهلًا.


كانت تعود أحيانًا في نهاية اليوم مرهقة، تضع حقيبتها بجوار المكتب، ثم تجلس أمام كتبها حتى منتصف الليل.


وفي بعض الليالي كانت تشعر أنها لم تعد قادرة على الوقوف.


فتسند رأسها إلى يدها وتغمض عينيها للحظات.


ثم تفتح الكتاب من جديد.


لم تكن تريد مالًا كثيرًا.


كانت تريد فقط أن تعتمد على نفسها.


أن تدفع مصاريفها.


أن تشتري احتياجاتها من مالها.


أن تعرف أنها قادرة على الوقوف وحدها دون انتظار يد تمتد إليها.


ومع مرور الوقت...


بدأ الجميع يلاحظون التغيير.


ريتال التي كانت تدخل المحاضرات أحيانًا وهي تضحك وتتحدث مع صديقاتها، أصبحت أكثر هدوءًا.


لكن هدوءها لم يكن ضعفًا.


كان نضجًا.


أصبحت تعرف متى تتحدث...


ومتى تصمت.


متى تسامح...


ومتى تغلق الباب إلى الأبد.


ومع ذلك، لم تتخل عن دراستها.


على العكس.


كانت كلما شعرت بالألم، حولته إلى سبب يجعلها تعمل أكثر.


كانت تذاكر لساعات.


تبحث.


تقرأ.


تحل المسائل.


تراجع محاضراتها.


حتى أصبحت النتيجة تتكرر كما حدث في كل عام سابق.


ريتال...


الأولى على دفعتها.


مرة أخرى.


ثم مرة أخرى.


ثم جاء يوم إعلان النتائج النهائية.


وقفت أمام لوحة النتائج وسط عدد كبير من الطلاب.


كانت مريم بجوارها.


بحثت كل واحدة منهما عن اسمها.


ثم قالت مريم فجأة:


"ريتال..."


نظرت إليها.


"إيه؟"


أشارت مريم إلى القائمة.


"اسمك."


اقتربت ريتال.


وجدت اسمها في الأعلى.


سكتت للحظات.


ثم ابتسمت.


لم تكن تلك الابتسامة تشبه ابتسامتها القديمة.


كانت أكثر هدوءًا.


أعمق.


قالت مريم وهي تضحك:


"كالعادة."


ريتال ضحكت بخفة.


"الحمد لله."


"بس إنتِ عارفة إنك لو فضلتي كده، الجامعة هتضطر تعمل لك تمثال."


ضحكت ريتال.


"تمثال إيه؟"


"الأولى على الدفعة بقالها كام سنة؟"


"مش فاكرة."


"طبعًا مش فاكرة... غرور."


دفعتها ريتال بخفة.


"اسكتي يا مريم."


وضَحكتا معًا.


كانت تلك واحدة من اللحظات القليلة التي استطاعت فيها ريتال أن تشعر أن الماضي أصبح بعيدًا.


ليس منسيًا...


لكن بعيدًا.


وبعد انتهاء الدراسة وظهور النتيجة...


وصل إليها خبر لم تتوقعه.


تم ترشيحها للعمل في الكلية.


وقفت أمام الورقة في يدها، تقرأها أكثر من مرة.


مريم كانت بجوارها.


"ريتال..."


لم تجب.


"إنتِ سمعاني؟"


رفعت ريتال عينيها ببطء.


"اتعينت."


ابتسمت مريم.


"عارفة."


"دكتورة في الكلية..."


قالتها ريتال وكأنها لا تصدق.


مريم احتضنتها.


"إنتِ تستاهلي."


ابتسمت ريتال، لكن عينيها امتلأتا بالدموع.


لم تكن دموع حزن.


كانت دموع امرأة تذكرت كم مرة سقطت...


وكم مرة ظنت أنها لن تستطيع الوقوف.


ثم وقفت.


وكم مرة شعرت أن حياتها انتهت...


لتكتشف أن حياتها كانت فقط تعيد تشكيل نفسها.


نظرت ريتال من نافذة المكان إلى مبنى الكلية.


المكان الذي دخلته يومًا طالبة تحمل أحلامًا بسيطة.


والآن...


كانت ستعود إليه من جديد.


لكن ليس كطالبة.


كـ...دكتورة.


وضعت الورقة أمامها، ثم ابتسمت.


"أنا عملت كل ده لوحدي."


قالتها بهدوء.


لكنها لم تكن تقصد أنها لم تحصل على مساعدة من أحد.


كانت تقصد شيئًا آخر أنها للمرة الأولى..لم تعد تنتظر أحدًا لينقذها.


وفي مكان آخر...


خلف قضبان السجن...كان رحيم جالسًا وحده.


دخل أحد أفراد الشرطة ليخبره بأمر عادي، ثم ذكر أمامه اسم الجامعة دون قصد.


رفع رحيم رأسه.


"جامعة إيه؟"


قال الرجل اسم الجامعة.


ظل رحيم صامتًا.


ثم سأل بصوت منخفض:


"ريتال... أخبارها إيه؟"


لم يكن يعرف لماذا سأل.


ربما لأنه حاول طوال الفترة الماضية ألا يسأل... لكن قلبه كان لا يزال متعلقًا بخبر واحد.


قال الرجل:


"سمعت إنها بقت معيدة هناك."


أغمض رحيم عينيه.


ثم ابتسم.


ابتسامة صغيرة جدًا... لم تكن ابتسامة امتلاك... ولا فرحة بأن شيئًا أصبح له.


كانت ابتسامة شخص سعيد لأن الإنسان الذي أحبه...استطاع أن يقف من جديد.


قال بصوت خافت:


"كنت عارف إنها هتنجح."


ثم سكت لحظة.


وأضاف:


"هي عمرها ما كانت ضعيفة."


وبينما كان الحارس يبتعد...ظل رحيم وحده... رفع عينيه إلى السقف.


وتذكر وجهها.


ثم قال لنفسه:


"يمكن أنا خسرتك..."


سكت.


"بس على الأقل... المرة دي حققت حلمها. "


وفي اللحظة نفسها تقريبًا...


كانت ريتال تقف أمام باب مكتبها الجديد في الكلية.


وضعت يدها على المقبض... تنفست بعمق... ثم فتحته دخلت.


وضعت حقيبتها على المكتب.


جلست على الكرسي.


ونظرت حولها.. هدوء.


بداية جديدة... حياة جديدة.. ثم رن هاتفها... نظرت إلى الشاشة.


رقم مجهول... ترددت للحظات...


ثم أجابت.


"ألو؟"


جاءها صوت امرأة من الطرف الآخر... صوت هادئ...


لكن بمجرد أن سمعته ريتال، تغيرت ملامح وجهها بالكامل.


قالت المرأة: "أخيرًا قدرت أوصل لك يا ريتال."


سكتت ريتال."حضرتك مين؟"


جاء الرد:"أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يقولك مين اللي ق. ت. ل  والدك. "


تجمدت يد ريتال حول الهاتف.


           الفصل الخامس والعشرون من هنا

            لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة