رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الخامس 5 بقلم اية محمود

 

رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الخامس 5 بقلم اية محمود


في صباح اليوم التالي...

كانت ريتال قد بدأت تستعيد وعيها بشكل أفضل.


كانت مستلقية على السرير، وملامحها ما زالت مرهقة، لكن ابتسامتها رجعت لوجهها.


وفجأة...


انفتح باب الغرفة.


دخلت أمينة أولًا، وخلفها الحج مصطفى وزوجته أميرة ، ثم الجد والجدة، وأمل وبناتها، وأيوب وسميرة وأولادهم.


نور كانت أول واحدة تجري ناحية السرير.


"ريتااال!"


ضحكت ريتال رغم تعبها.


"اهدي يا نور!"


نور قربت منها.


"إنتِ خوفتينا!"


سهيلة قالت:


"دي كانت هتموت من العياط."


نور بصتلها.


"وأنتِ كنتِ هتموتي من العياط برضه."


ضحكت ريتال.


أمل اقتربت منها وقبلت رأسها.


"حمد لله على سلامتك يا حبيبتي."


"الله يسلمك يا خالتي."


الجدة كانت آخر واحدة تتقدم.


جلست بجوارها وأمسكت يدها.


"أنا كنت عارفة إنك قوية."


ريتال ابتسمت.


"أنا قوتي منكم."


الجدة مسحت على شعرها.


"ربنا يخليكي لينا."


الحج مصطفى اقترب منها، وحاول يخفي دموعه.


"عاملة إيه يا بنتي؟"


ريتال ابتسمت.


"أحسن الحمدلله."


اميرة  قالت بسرعة:


"أحسن إيه بس؟ إنتِ لسه تعبانة."


ريتال ضحكت.


"خلاص، كويسة بس."


في اللحظة دي...


دخل سليم.


وقف عند الباب ونظر للجميع.


"يا جماعة، كفاية بقى."


الجميع بص له.


قال:


"أنا جيت أطمّن على المريضة الأصلية."


ريتال رفعت حاجبها.


"المريضة الأصلية؟"


"أيوه."


ثم أشار لنفسه.


"أنا المريض النفسي اللي اتبهدل بسببك."


ضحكت نور.


"هو ده لسه بيشتكي؟"


سليم جلس على الكرسي بجوار السرير.


"طبعًا."


ثم نظر لريتال بجدية مصطنعة.


"إنتِ عارفة إنك عملتي مصيبة؟"


ريتال قالت:


"إيه؟"


"خليتي المستشفى كلها تقف على رجل."


"وأنا كنت هرفع قضية عليكي."


ضحكت ريتال.


"قضية ليه؟"


قال:


"بتهمة ترويع المواطنين."


ضحكت بصوت أعلى، ثم تألمت قليلًا.


أمينة قالت فورًا:


"خلاص يا سليم، بلاش تضحكها."


رد:


"حاضر يا ماما."


ثم نظر لريتال.


"بس بصراحة..."


"أنا مبسوط إنك بتضحكي."


ابتسمت ريتال.


"وأنا مبسوطة إنك موجود."


سليم ابتسم.


"بس متتعوديش."


"ليه؟"


"عشان أنا هبدأ أطالب بأجر."


"أجر إيه؟"


"أجر حراسة."


ضحك الجميع.


حتى أيوب ابتسم ابتسامة خفيفة.


لكن وسط كل الضحك...


ريتال لاحظت شيئًا.


نظرت ناحية الباب.


ثم سألت:


"آدم فين؟"


ساد صمت قصير.


نور بصت لأمينة.


وسليم خفض عينيه.


ريتال كررت:


"هو مجاش؟"


أمينة قالت بهدوء:


"آدم كان موجود من الصبح."


"بس..."


"رفض يدخل."


ريتال سكتت.


ثم سألت:


"ليه؟"


لم يجب أحد.


وفي مكان آخر من المستشفى...


كان آدم واقفًا وحده أمام نافذة في آخر الممر.


كان يستطيع الدخول.


كان يستطيع رؤيتها.


لكنه لم يفعل.


وضع يده في جيبه، وأخرج شيئًا صغيرًا...


سوارًا قديمًا لطفلة.


ظل ينظر إليه طويلًا.


ثم همس:


"مش هقدر..."


بعد دقائق، خرج سليم من غرفة ريتال وأغلق الباب بهدوء.


كان ما زال مبتسمًا بسبب ضحكها، لكن بمجرد أن لمح آدم واقفًا في آخر الممر، اختفت ابتسامته.


اتجه إليه بخطوات سريعة.


"آدم."


آدم لم يلتفت.


"نعم؟"


قال سليم بضيق:


"إنت ليه ما دخلتش؟"


سكت آدم.


"ريتال كانت بتسأل عليك."


رفع آدم عينيه إليه ببرود.


"وماله؟"


سليم اتضايق من طريقته.


"يعني إيه ومالك؟ دي أختك."


رد آدم فورًا:


"مش أختي."


سليم حدق فيه.


"إنت لسه بتقول الكلام ده؟"


"أيوه."


"بعد كل اللي حصل؟"


آدم لم يرد.


سليم اقترب منه.


"إنت شفت بعينك حالتها."


"وشفت ماما كانت عاملة إزاي."


"والجدة كانت منهارة."


"كلنا كنا هنضيع من الخوف عليها."


ثم قال بحدة:


"وإنت لسه واقف عند نفس النقطة؟"


آدم نظر إليه ببرود.


"أنا مش مطالب أنسى."


سليم تنهد.


"انت لسه فاكر اللي حصل."


"بس اللي حصل زمان انتهى."


آدم ضحك بسخرية.


"انتهى؟"


"بالنسبة لكم يمكن."


"لكن مش بالنسبة لي."


سليم عقد حاجبيه.


"إنت لسه فاكر اللي حصل وإنت طفل؟"


رد آدم:


"أنا عمري ما نسيت."


"ولا هنسى."


سليم هز رأسه بعدم تصديق.


"يا أخي كفاية."


"كلنا نسينا."


" الكل نسي ..."


"الكل بدأ يتقبل ريتال."


"إنت الوحيد اللي لسه عايش في الماضي."


تغيرت ملامح آدم فجأة.


"متقولش إني عايش في الماضي."


سليم قال:


"أمال إيه؟"


"إنت بتعاقب بنت على حاجة حصلت وهي طفلة!"


ضرب آدم بيده على الحائط.


"إنت مش فاهم!"


سليم سكت للحظة.


آدم أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بغضب مكبوت:


"إنت عارف انا حاسس بأيه ؟"


"فاكر إن كل اللي حصل مجرد حادثة قديمة وننساها؟"


"أنا عشت سنين ببكي بسببها ."


"وشفت أبويا وهو بيتغير.عليا علشانها "


"وشفت البيت ده وهو بيتحول من بيت مليان ناس..."


"لمكان كله حزن."


سليم قال بهدوء:


"وده مش ذنب ريتال."


آدم رد فورًا:


"أنا عارف."


"لكن ده مش معناه إني أقدر أسامح."


سليم نظر إليه طويلًا.


ثم قال:


"هي نفسها ما تعرفش أي حاجة."


"كانت طفلة."


آدم سكت.


سليم اقترب منه أكثر.


"جرب تنسى."


"على الأقل عشان نفسك."


آدم رفع عينيه إليه.


"أنا مش عايز أنسى."


"ليه؟"


قال ببرود:


"لأن لو نسيت..."


سكت لحظة.


ثم أكمل:


"هكون  خذلتها ."


سليم لم يجد ردًا.


ظل ينظر إليه.


ثم قال بهدوء:


"بس يمكن..."


"يمكن أختك نفسها مش عايزاك تفضل عايش بالكراهية دي."


آدم نظر إليه بغضب.


"متتكلمش باسمها."


ثم استدار وابتعد.


سليم ظل واقفًا مكانه.


وكان أكثر شيء أخافه...


أن آدم لم يكن يكره ريتال فقط.


كان متمسكًا بكراهيته لها كأنها آخر شيء يربطه بالماضي.


بعد مرور ساعة تقريبًا...


كانت ريتال ما زالت في غرفتها، وأمينة جالسة بجوارها تتحدث معها بهدوء.


وفجأة...


انفتح باب الغرفة.


دخلت مريم.


وكان ياسر خلفها.


لكن مريم لم تكن كما اعتادتها ريتال من قبل.


كانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء، وملامحها منهارة تمامًا.


أول ما وقعت عيناها على ريتال...


توقفت مكانها.


ثم أسرعت نحوها.


"شغفففف!"


اقتربت منها واحتضنتها بقوة.


ريتال شهقت من الألم.


"آه..."


مريم ابتعدت عنها بسرعة.


"يا حبيبتي! أنا وجعتك؟!"


ريتال ابتسمت رغم الألم.


"شوية."


مريم مسحت دموعها.


"أنا آسفة."


ثم عادت تمسك يدها بدلًا من احتضانها.


"أنا أول ما طنط أميرة قالتلي اللي حصل..."


"حسيت إن قلبي هيقف."


ريتال نظرت لها بحنان.


"أنا بخير."


مريم هزت رأسها.


"الحمد لله."


امينه استأذنت و خرجت عشان تسيبهم براحتهم


مريم جلست بجوارها.


وظلت تنظر إليها وكأنها تحاول تصديق أنها أمامها فعلًا.


وقالت:


"ريتال..."


ابتسمت ريتال.


"قوليلي يا شغف."


مريم اتجمدت للحظة.


"شغف؟"


ريتال ضحكت بهدوء.


"أيوه."


"أنا لسه ريتال بالنسبة للعيلة دي..."


"بس بالنسبة ليكي إنتِ، أنا شغف."


مريم ابتسمت وسط دموعها.


"وحشتيني يا شغف."


"وإنتِ كمان."


ثم رفعت مريم عينيها فجأة ناحية ياسر.


كان واقفًا بعيدًا، وملامحه هادئة.


" حمد الله ع سلامتك يا بشمهندسه. "


" الله يسلمك يا دكتور. "


وكان واضحًا أنه تغير كثيرًا في تعامله معها.


ريتال لاحظت ذلك.


رفعت حاجبيها بحماس.


"استني..."


نظرت لمريم.


ثم نظرت لياسر.


ثم رجعت لها.


"إيه اللي حصل؟"


مريم ارتبكت.


"مفيش."


ريتال ابتسمت بمكر.


"مفيش؟"


"إنتِ داخلة عندي منهارة، وهو واقف جنبك بالشكل ده؟"


ثم قالت بحماس:


"احكيلي!"


مريم ضحكت لأول مرة منذ دخولها.


"إنتِ لسه مصابة ومش هتبطلي فضول؟"


"ولا عمري."


ياسر ابتسم.


وقال:


"سيبيها تحكيلك."


ريتال نظرت إليه بدهشة.


"أهو!"


ثم أشارت إليه.


"واضح إن في حاجة حصلت فعلًا."


مريم أخذت نفسًا طويلًا.


ثم بدأت تحكي.


حكت لها عن أول يوم دخلت فيه بيت ياسر...


عن زواجها الذي لم تفهم سببه...


عن معاملته القاسية لها...


عن خوفها ووحدتها...


وحكت لها عن كل المواقف التي مرت بها منذ ذلك اليوم.


لكنها لم تتوقف عند الألم.


حكت لها أيضًا عن اللحظة التي بدأ فيها ياسر يندم.


عن اعتذاره.


عن محاولته إصلاح ما أفسده.


وعن موقفه معها عندما ظهرت الحقيقة في قضية الجدة.


ريتال كانت تستمع إليها باهتمام شديد.


كلما وصلت مريم إلى موقف مؤلم، كانت تمسك يدها.


وكلما تحدثت عن تغيير ياسر...


كانت تبتسم.


وفي النهاية قالت مريم:


"وبعد كل اللي حصل..."


"طلب مني فرصة أخيرة."


"ووافقت."


ريتال فتحت عينيها بسعادة.


"بجد؟!"


مريم أومأت.


"آه."


ريتال ابتسمت من قلبها.


"أنا فرحانة لكِ أوي."


ثم نظرت إلى ياسر.


"بس خلي بالك منها."


ياسر رد بهدوء:


"حاضر ."


ريتال رجعت لمريم.


"بصي..."


"أنا مش هقولك تنسي اللي حصل."


"ولا هقولك إن كل حاجة هتبقى سهلة."


"بس لو هو فعلًا ندم..."


"وإنتِ لسه بتحبيه..."


"اديه الفرصة."


مريم نظرت لها.


"إنتِ شايفة كده؟"


ريتال ابتسمت.


"آه."


"بس خلي عندك حدود."


"سامحيه، لكن متسمحيش لحد يكسرِك تاني."


مريم دمعت عيناها.


"إنتِ اتغيرتي أوي."


ضحكت ريتال.


"من كتر اللي شفته."


ثم مدت يدها إليها.


"تعالي."


مريم أمسكت يدها.


فقالت ريتال:


"أنا عايزاكي المرة الجاية تيجي تحكيلي أخبار حلوة."


مريم ضحكت.


"إن شاء الله."


ثم نظرت ريتال إلى ياسر وقالت بمزاح:


"وأنت مسؤول عن الأخبار دي."


ياسر ابتسم.


"إن شاء الله."


وفي تلك اللحظة...


نظرت ريتال إليهما معًا، وشعرت بسعادة حقيقية.


رغم كل ما حدث لها...


كانت سعيدة لأن مريم أخيرًا وجدت طريقًا للسلام.


لكنها لم تكن تعرف...


أن الأيام القادمة ستضع مريم وياسر أمام اختبار أصعب بكثير من كل ما مرّ بهما.


مرّ أسبوع...


ومنذ خروج ريتال من المستشفى، بدأت الحياة ترجع لطبيعتها شيئًا فشيئًا.


وفي بيت ياسر...


كانت مريم واقفة في المطبخ، بتحضر كوبين من الشاي، وعلى وشها ابتسامة هادئة.


سمعت خطوات خلفها.


وقبل ما تلتفت...


سمعت صوت ياسر:


"مريم."


ابتسمت.


"نعم؟"


اقترب منها.


"سيبي اللي في إيدك."


لفت له باستغراب.


"ليه؟"


مد إيده وأخذ منها الكوب.


"عشان النهارده أنا اللي هعملك حاجة."


ضحكت.


"إنت؟"


"أيوه أنا."


"إنت آخر واحد أثق فيه في المطبخ."


رفع حاجبه.


"يعني إيه؟"


ضحكت أكثر.


"يعني آخر مرة عملت فيها قهوة..."


"كنت هتخليني أطلب الإسعاف."


ضحك ياسر.


"خلاص، المرة دي هتكون مختلفة."


ثم وضع الكوب على الطاولة، وأمسك يدها.


مريم نظرت إلى يدهما.


ثم إليه.


"في إيه؟"


قال بهدوء:


"مفيش."


"بس أنا مبسوط."


ابتسمت.


"ليه؟"


نظر في عينيها.


"عشان إنتِ هنا."


سكتت مريم.


كانت الكلمات بسيطة...


لكنها بالنسبة لها كانت تعني الكثير.


قالت:


"إنت اتغيرت."


ابتسم.


"يمكن."


"أو يمكن أنا أخيرًا فهمت إن خسارتك كانت هتكون أسوأ حاجة تحصل لي."


مريم خفضت عينيها بخجل.


"ياسر..."


رفع يده ولمس طرف شعرها برفق.


"عايز أنسى كل اللي فات."


نظرت إليه.


"ونبدأ من جديد؟"


أومأ.


"من الصفر."


ابتسمت.


"بس بشرط."


"إيه؟"


"مفيش كذب."


"مفيش ظلم."


"ولو زعلنا من بعض..."


توقفت لحظة.


ثم قالت:


"نتكلم."


ياسر ابتسم.


"وعد."


مد يده إليها.


"اتفقنا؟"


وضعت يدها في يده.


"اتفقنا."


شد يدها برفق.


"طب تعالي."


"فين؟"


"هوريكي حاجة."


أخذها إلى الصالون.


كانت هناك طاولة صغيرة عليها عشاء بسيط، وشموع مضاءة.


مريم وقفت مصدومة.


"إنت عامل ده كله؟"


ابتسم.


"أيوه."


"ليه؟"


قال:


"عشان أول مرة أحس إن البيت ده بقى بيت."


مريم ابتسمت.


جلست أمامه.


وظل الاثنان يتحدثان ويضحكان.


عن أيام الجامعة...


عن أول مرة تقابلا فيها...


عن المواقف الغريبة التي حدثت بينهما.


ولأول مرة...


لم يكن هناك خوف.


ولا صراخ.


ولا دموع.


فقط مريم...


وياسر...


وبداية جديدة.


وبعد فترة، جلسا في هدوء.


مريم قالت:


"تفتكر هنفضل كده؟"


ياسر ابتسم.


"أكتر."


"وعد؟"


"وعد."


اقترب منها قليلًا.


وقال:


"أنا بحبك يا مريم."


ابتسمت، وعيناها امتلأتا بالدموع.


"وأنا كمان."


وفجأة...


صدر صوت هاتف ياسر.


رن... رن...


نظر إليه.


ابتسامته لم تختفِ في البداية.


مد يده وأمسكه.


فتح الرسالة.


قرأ السطر الأول...


ثم الثاني...


ثم توقف.


تغيرت ملامحه بالكامل.


مريم لاحظت ذلك.


"ياسر؟"


لم يرد.


ظل ينظر إلى الشاشة.


"في إيه؟"


رفع عينيه إليها ببطء.


وكانت النظرة التي في عينيه مختلفة تمامًا عن اللحظة السابقة.


اختفت السعادة.


وحل مكانها...


غضب وصدمة.


مريم بدأت تشعر بالخوف.


"مين بعتلك؟"


ظل صامتًا.


ثم أنزل الهاتف ببطء.


وفي لحظة غضب...


رفع يده وصفعها.... ثم صفعة أخرى وأخرى وتلت الصفعات حتى تورم وجة مريم بالكامل.


سادت الغرفة حالة من الصمت.


مريم وضعت يديها على وجهها ، وعيناها اتسعتا من الصدمة.

يتبع..


                  الفصل السادس من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة