رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل العاشر 10 بقلم نسرين نادر


رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل العاشر 10 بقلم نسرين نادر


انقضت الكلمات من فم «نعمة» كالسهم الملتهب، لترتطم بقلب «صفية» التي وقفت مذهولة والأنفاس تتسابق في صدرها. لم تنتظر صفية أن تسمع المزيد، بل سحبت ثوبها بخطوات متثاقلة وصعدت الدرج بقلب يعتصره الهمّ، وأغلقت باب غرفتها عليها كأنها تهرب من الدنيا بأسرها.

جلست صفية على طرف الفراش، تفرك يديها بتوتر وقلق ينشر حريقاً في رأسها. كانت أفكارها تتضارب؛ كيف تتصرف الآن؟ كلام نعمة لم يكن مجرد تهديد عابر، بل كان حكماً صريحاً: إن شبت النار بين يونس وغالية، ستكون زينب ابنتها الثمن، ولن تكتمل خطبتها من منصور!

همست صفية لنفسها بنبرة يملؤها الضياع والحيرة:


ـ «يا مري يا صفية! هتعملي إيه في المولد ده؟! يونس ولدي جفل الباب في وش الكل وركب راسه، ونعمة واجفة لي على الواحدة وبتقول بنتي قصاد بنتك! أقف في وش ولدي اللي عيعمل اللي في دماغه ولا أكسر جلب بنيتي زينب اللي صدجت تفرح؟! يا رب دبرني من عندك، أنا عغلي من جوه ومش خابرة أعمل إيه واصل!»


وفي الأعلى، داخل غرفة «زينب» الواسعة..


كانت «غالية» تجلس على السرير، ساندة ظهرها للوسائد، وجهها ما زال يحمل شحوب التعب، لكن عينيها كانتا تتأملان أركان الغرفة بذهول وعدم تصديق، كأنها في حلم تخاف أن تستيقظ منه في أي لحظة.


جلست «زينب» بجوارها على طرف الفراش، وأمسكت بيدها الباردة بين كفيها بدفء، وقالت لها بنبرة شقية مليئة بالمحبة:


ـ «وه! مالك يا بت عم تبصي حواليكي كيف اللي نازلة من المريخ إكده؟! ما تفوقي يا غالية وتصدجي حالك!»


دمعت عينا غالية وهزت رأسها بقلة حيلة وهي تهمس بصوت يرتجف:


ـ «أنا مش مصدجة يا زينب.. مش مصدجة خالص اللي حصل تحت ده! يونس اتحدث قدام الحاج نعمان والدوار كله، وجال إن مكاني هني فوق معاكم، ووقف في وش وصال ورجب وما هاب حد واصل! أنا خايفة أكون بحلم يا زينب.. خايفة أصحى ألاجيني لسه في الهم القديم تحت!»


ضحكت زينب بخفة ونغزتها في كتفها بدلال صعيدي:




ـ «تحلمي إيه يا مهبولة أنتِ؟! ده يونس العزايزي بعينُه جابك بيده ورفع رأسك قدام الكل! جال إنك زيك زينا هني وما حدش يقدر يلمس منك شعرة أو يقلل منك! يا بختك يا ستي بـ يونس.. ده كأنه بيجول للبلد كلها إياك حد يمسها، وعينيه عليكِ كانت بتقول كلام كتير جوي!»


ابتسمت غالية بخجل وردت وعيونها على الأرض بنبرة خائفة:


ـ «بس أنا خايفة من الشيلة دي جوي يا زينب.. الخالة نعمة والخالة وصال ما هيسكتوش واصل.. ونسيتي راوية وسمر كمان!»


ضحكت زينب بصوت عالٍ ونغزتها في كتفها وهي بتقول بدلع وصعيدي:


ـ «تصدجي؟! ده سمر وراوية بالذات هيولعوا حريقة! ده سمر كانت نايمة وما دريتش باللي حصل ده واصل.. لما تصحى وتعرف إنك جعدتي هني في السرايا فوق وجنب أوضتي، هتولع نار إكده وهتجيد في البيت كله! بس ولا يهمك منهم، طول ما يونس موجود محدش يجدُر يهوب ناحيتك.»


ثم عدّلت زينب الغطاء على جسد غالية بحنان وقالت باهتمام أخوي:


ـ «اركدي أنتِ بس وارتجي يا جمر.. أنتِ طالعة من مستشفى وتعبانة، والنهاردة يومك يرتاح فيه جسمك وعجلك. الدوار تحت حريقة شغال، والخالة حكمة والحريم عيجهزوا الوكل والتنظيف عشان "حمزة" أخويا يوصل بالليل بالسلامة.. وأنا جعدالك هني ومش هسيبك، وأي حد يعتب الباب ده هكلُه بسناني!»


وفي الغرفة المجاورة بالجناح العلوي..


كانت «وصال» تذرع الأفق جيئة وذهاباً كأنه وحش كاسر حُبس في قفص، وجهها محتقن بالدماء، وصدرها يعلو ويهبط بالغيظ والشرار.


أغلقت الباب الخشبي خلفهم بضربة قوية هزت الأركان، ثم التفتت نحو زوجها «عبد الحميد» وابنها «رجب» وابنتها «راوية» الواقفين أمامها بأجسام متصلبة.


صرخت وصال بنبرة حادة وشريرة تشق الصمت:


✍🏻بقلمي نسرين نادر 


ـ «أنتم إيه؟! طين ولا جالب طوب واجفين ماليكمش عازة؟! أقف أناني في البهو وبحرج في دمي وأكشف المستور قدام الكل، وأنتم واجفين كيف الصنم لا بتبلوا ولا بتعلوا؟! هملتم يونس يأكلني بعينيه ويجول لي خبي لسانك جوي خشمك، ولا واحد فيكم نطق بكلمة يبل بيها ريقي!»




التفتت بنظرة ملتهبة نحو زوجها عبد الحميد وقالت بغل:


ـ «وأنت يا عبد الحميد؟! يا جلة حيلتك يا خوي! سايب ولد أخوك يزعج في مرتك ويكسر كلمتي قدام الدوار كله، وأنت واجف تتنفض وتغمز لي في كتفي عشان أسكت؟! كسر حُجك إيه الهيبة دي اللي نزلت عليك فجأة؟! بدل ما تجف له وتجول له الزم حدك مع مرت عمك، واجف تترعش قدامه كيف الخروف اللي رايح للذبح!»


حاول عبد الحميد أن يتحدث بنبرة خائفة:




ـ «يا وصال افهمي.. يونس كان عيونه طالعة نار، ولو كنا فتحنا خشمنا أكتر من إكده كانت هتجلب حريقة إحنا مش جادين عليها...»


صرخت وصال بقلة صبر وضربت بكفيها على صدرها، ثم التفتت بنظرة ملتهبة وهجمت بشرار عينيها على ابنها «رجب»:


ـ «وأنت يا رجب؟ يا خيبتي الكبيرة فيك يا ولد وصال! يا خسارة تعبي وربايا فيك لما جولت ولدي اللي هيقف لي سند وسيف يسندني! مش أنت اللي كنت لسه طالع من خناقة معاه وواصلة بينكم للسما ورافع رأسك قدام الكل؟!




 أول ما وقفنا قدام الحاج ونطق يونس، ألاقيك اتكمشت وخنست إكده؟! ما نطقتش ليه يا ولد عبد الحميد ووقفت في صف عمك وأبوك؟! بدل ما تسانده وتوقف يونس عند حده، واقف تبلع في ريقك وخايف منه كأنك شايف عفريت؟! بتترعب منه للدرجة دي أول ما تلمحه؟! وأنا اللي جولت ولدي راجل ما بيهابش حد وهيجيب لي حقي، ألاقيك واقف كيف الصنم بتبص للأرض وخلاص!»


حك رجب ذقنه بغيظ وحزن من كلام أمه المسموم، ورد بنبرة مخنوقة:


ـ «يا أمه افهمي بس! يونس عيونه كانت طالعة شرار، وأي كلمة زيادت كانت هتجلب الطاولة علينا كلنا.. ويونس مش من النوع اللي بيسكت لما يتحصر، كان هيطربق الدوار فوق رؤوسنا!»


صرخت وصال بقلة صبر وقطعت كلامه:


ـ «يطربقها على رأسك أنت وأبوك! لكن أنا ما بعرفش أملس ولا أطبطب!»


ثم التفتت فجأة نحو ابنتها «راوية» التي كانت تقف منزوية بجوار النافذة، تتطلع إليها بجمود:




ـ «وأنتِ يا راوية؟! يا دي الخيبة الثقيلة! واجفة كيف زي قلتِك إكده، لا بتقدمي ولا بتأخري! ما فيش وراكي غير الوكل والنوم والمطالعة في الفراغ؟! ما تحركي روحك شوية وتعملي لك همّة في البيت ده! طالعة لي كيف اللوح، البت غالية الشحاتة اللي مالهاش أصل ولا فصل لفت حولين يونس ودخلت السرايا وقعدت في الأوض العالية جنب زينب، وأنتِ جاعدة لي زيك زي الحيطة! خدي بالك من حالك واصحي للنار اللي بتاكل فينا، بدل ما نطلعوا من الدوار ده على شونة!»


أنهت وصال كلامها وهي تنفث نهيداً حارقاً، وعيونها تتملأ بالمكر والشر، متوعدة بأن اللعبة لم تنتهِ بعد!


وفي غرفة المكتب الواسعة، كان «الحاج نعمان» يجلس خلف مكتبه الخشبي الفخم، وأمامه «يونس» و«منصور» يتراجعان في جلستهما بعد أن أنهوا مراجعة أوراق الأراضي الزراعية وحسابات المحاصيل.


تنهد الحاج نعمان ووضع القلم من يده، فنظر له منصور بابتسامة خفيفة وقال:


ـ «الحمد لله يا عمي.. بكده نكون لمينا شغل الأرض والصفقات اللي أهملناها الكام يوم اللي فاتوا دول، وكل حاجة رجعت لنصابها المضبوط.»


أومأ الحاج نعمان برأسه برضا:


❤️‍🔥بقلمي نسرين نادر 


ـ «عفارم عليكم يا رجالة.. أنا خابر إن الظروف كانت صعيبة والأيام اللي فاتت طيرت العقل، بس الشغل شغل والأرض دي مالهاش صالح باللي بيدور في الدوار.»


في هذه اللحظة، حك منصور ذقنه وشعر بفرصة مناسبة، فنظر للحاج نعمان بقلة صبر ومرح، وقال بنبرة مليئة بخفة الدم والرجاء:


ـ «بقولك إيه يا عمي الحاج.. بمناسبة إن المياه رجعت لمجاريها والهم زال، ما يصحش إكده بقى! كل ما أجي أفتح معاك موضوع خطوبتي وكتب كتابي على زينب، ألاقي مصيبة طلعت لي من تحت الأرض! كأن فيه حد باصص لي في الجوازة دي ومش رايد لها تمشي واصل! أهو خلصنا من كام مصيبة ورا بعض، يا ريت ننجزوا بقى ونحددوا ميعاد كتب الكتاب والزفة قبل ما تطلع لنا مصيبة جديدة!»




ضحك الحاج نعمان من قلبه بصوت جهوري هز أركان المكتب، وهز رأسه بعطف ومحبة لما يراه من صدق مشاعر منصور تجاه ابنته، وقال بنبرة أبوية دافئة:


ـ «هههههه! الله يقطع شيطانك يا منصور! خايف لتطير منك ولا إيه يا ولد؟!»


ثم اعتدل الحاج نعمان في جلسته ونظر لمنصور بعيون ملؤها التقدير والصراحة:


ـ «شوف يا منصور.. لولا إن أمك نعمة عقربة وعقلها ناشف، لكن أنا خابرك زين.. أنت راجل وطالع لعمك ومش زي حد، وعشان إكده أنا هطمن على بنيتي زينب وهي وياك ومش جلقان عليها واصل. حمزة أخوك جاي عشية النهاردة بالسلامة، ونقعدوا كلنا على طبلة واحدة ونحددوا الميعاد اللي يرضيك ويرضينا.»


✍🏻بقلمي نسرين نادر 


تهللت أسارير منصور وابتسم بفرحة، ثم التفت بنظرة خاطفة ونوع من الترقب نحو «يونس»، وكأنه يحثه على الكلام واستغلال الفرصة ليفتح موضوعه هو الآخر بشأن «غالية».


فهم يونس نظرة منصور، وقبل أن يفتح فمه وينطق بكلمة واحدة، رفع الحاج نعمان يده بهدوء واسترخى في كرسيه، ونظر لابنه يونس بنظرة ثاقبة يملؤها الحنان والحكمة والأبوة، وقال بنبرة دافئة وواثقة:




ـ «استنى أنت يا يونس.. ما تتحدثش! أنت بقى فرحتك هتبقى لوحدها حكاية.. فكرك أبوك مش عارف اللي بيدور في جلبك وعقلك ولا إيه؟! ما أكونش الحاج نعمان وما أكونش أبوك لو ما خابرتش ولد صلبي بيفكر في إيه وبيحب كيف! أنت راجل، واللي في جلبك ما بيتخباش على أبوه واصل.»


اتسعت عينا يونس في مفاجأة سارة لم يتوقعها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة رجولية هادئة يملؤها الفخر والامتنان. كانت هذه المرة الأولى التي يشعر فيها أن أباه يقرأ ما بداخل صدره بمنتهى الوضوح والدعم، ودون أن يحتاج هو للشرح أو التبرير.


نظر يونس لأبيه باحترام شديد وقال بصوت يفيض بالتقدير:


ـ «تسلم لي يا أبوي.. طول عمرك شايف اللي جوانا قبل ما ننطقوه، وده اللي جاويني ومخليني واجف على حيلتي إكده.»


ابتسم منصور وهو ينظر لصديقه وأخيه يونس، وساد المكتب جو من الراحة والألفة بعد ليلة طويلة من التوتر والترقب.


وفي الغرفة الخاصة بـ «عبد الرحيم» وزوجته «نعمة»..


كان عبد الرحيم يقف أمام المرآة يرتدي جلبابه ويمشط شاربه استعداداً للخروج، بينما كانت «نعمة» تقف بجوار النافذة، تتطلع إلى الخلاء خارج الدوار، وجهها محتقن وعيناها تشتعلان بغضب وسرحان شديد.




ناداها عبد الرحيم مرة واثنتين دون أن تحرك ساكناً، فالتفت إليها بقلة صبر ورفع صوته قائلاً بنبرة صعيدية حادة:


ـ «واه! أنتِ يا حُرمة! مالك ما سامعانيش إياك ولا إيه؟! قعدت أنا أنادم عليكِ من ساعتها وأنتِ ولا أنتِ هِنا واصل!»


التفتت إليه نعمة وزفرت بضيق، وردت بنبرة تتظاهر فيها بالهدوء:


ـ «واه في إيه يا عبد الرحيم؟! مالي؟ سرحانة شوية وما سمعتكش.. إيه اللي جرى يعني لكل ده؟!»




قرب منها عبد الرحيم وضيّق عينيه بقلة حيلة ونفاد صبر:


ـ «مالك أنتِ؟! فيكي إيه من ساعة ما طلعنا من تحت وأنتِ قايدة نار؟! رايحة جاية في الأوضة لحد ما دوختيني معاكِ! إيه اللي حصل ودماغك عتودي وتجيب في إيه؟!»




رمقته نعمة بنظرة غل وقالت وهي تصفق بكفيها بغيظ:


ـ «أنت عاوز تكدني يعني ولا إيه يا عبد الرحيم؟! شفت يونس ولد أخوك عمل إيه؟! جاب الخدامة من تحت وخلاها تقعد في أوضة فوق زيها زي بنياتنا! وباين إكده إن البت شغلاه وعينه عليها من وهي صغيرة! وأنت عارف إن سمر بنتك هي أكبر بنية هِنا في الدوار، والمفروض تكون من حقه هو لأن يونس هو كبير شباب العزايزة! المفروض تقوم إكده وتتحدث ويا أخوك الحاج نعمان وتعدل المايل!»


فتح عبد الرحيم فمه بذهول وهز رأسه بغير تصديق، وقال بنبرة مذهولة وصارمة:


ـ «واه! عاوزاني أروح أتحدث ويا أخوي وأجول له جوز ولدك لبنتي؟! مالك تهبلتي إياك يا حُرمة ولا إيه؟! اتجننتِ في عقلك أنتِ؟!»


ردت نعمة بإصرار وشرار عينيها يطق:


ـ «لا ما اتجننتش يا عبد الرحيم! بس الأصول والواجب بيجولوا إكده.. إن أكبر ولد في الدوار ياخد أكبر بنية في الدوار! وليه هنخالفوا الأصول إياك عشان خاطر بت شحاتة لا راحت ولا جت؟! لازم تحمي حق بنتك!»


رفع عبد الرحيم يديه للسماء وزفر بحنق شديد وهو يتجه نحو باب الغرفة:


ـ «اللهم اغزيك يا شيطان! أنا ماشي من جدامك دلوك لحد ما فورتك دي تهدى خالص وقبل ما أطين العيشة فوق دماغنا!»


خرج عبد الرحيم وصفق الباب خلفه بقوة، فاستعدلت نعمة في وقفتها وصححت شالها، ونظرت للباب المغلق بنبرة مليئة بالتحدي والغل المسموم وهي تهمس لنفسها:


ـ «امشي يا عبد الرحيم.. امشي! والله ما هأكل ولا هأرتاح غير لما أعمل اللي في راسي.. ويا أنا يا أنتِ يا غالية في الدوار ده!»


وفي السرايا العلوية..


خرجت «سمر» من الحمام وهي تلف المنشفة حول شعرها المبلل، وتتجه نحو تسريحتها لتسرح خصلاتها. وفي تلك اللحظة، لمحت أختها الصغرى «كريمة» ترتدي ملابسها وتهيئ شالها استعداداً للخروج من الغرفة.


عقدت سمر حاجبيها واستدارت إليها بنظرة مستغربة وقالت:


ـ «رايحة فين إكده من الصبح يا كريمة؟! متشيكة وطالعة على فين؟!»


ابتسمت كريمة براحة ونبرة دافئة وقالت:


ـ «رايحة أطمن على غالية..»


انتفضت سمر في مكانها كأن عقرباً لدغها، وسقط المشط من يدها وهي تصيح بذهول وصدمة:




ـ «غالية؟! غالية مينها يا بت أنتِ؟! هي غالية فينها أصلًا؟!»


ضحكت كريمة وهزت رأسها وقالت بنبرة شقية:


ـ «وه! ما أنتِ كنتِ نايمة يا أختي في العسل وما درياناش باللي حصل حوليكِ واصل! غالية لقيناها يا سمر.. رحت أنا وزينب ويا منصور ويونس وجبناها، كانت تعبانة جوي في المستشفى، والحمد لله إننا لحقناها ورجعنا بيها. ويونس كتر ألف خيره جعدها فوق هني في أوضة زينب، على ما يجهزوا لها الأوضة اللي جنبها على طول!»


✍🏻بقلمي نسرين نادر 


شهقت سمر وجف حلقها، واتسعت عيناها بعصبية وجنون، وصرخت بغير تصديق:


ـ «وه وه وه! إيه الكلام الفارغ اللي عتقوليه ده يا مهبولة أنتِ؟! لقيتوا غالية، ويونس رجعها بنفسه، وكمان هيجعدها في أوضة فوق في السرايا وياكم؟! أنتِ حلمانة ولا أنا اللي بحلم ولا إيه؟!»


اقتربت كريمة من سمر بخطوات سريعة وقرصتها بقوة في كتفها!


تأوهت سمر ونطت من مكانها بوجع:


ـ «آي! جرى إيه يا مجنونة أنتِ؟! شفتِ؟ أديكِ في علم مش في حلم!»


ضحكت كريمة وهي تبتعد نحو الباب:


ـ «أسيبك أنا بقى وأروح أطمن على غالية وأشوف لو محتاجة حاجة وآجي..»


خرجت كريمة وسحبت الباب خلفها، فبقيت سمر واقفة مكانها كالجماد، وضعت كفيها على رأسها وضربت على صدرها بشهقة حارقة وغل يملأ قلبها:


ـ «يا خيبتك المطينة يا سمر! ما صدقت إنها غارت وطلعت من الدوار وجات فرصة، تقوم ترجع لي تاني وعلى السرايا فوق؟! والله يا غالية لأندمك على اليوم اللي فكرتي ترجعي فيه هني، وهخليكِ تقولي حق برقبتي!»


التفتت سمر نحو المرآة بغضب أعمى، وقبضت على خصلات شعرها بقوة وهي تنظر لانعكاس عينيها الشيطاني وتهمس بنبرة حادة وتهديد مسموم:


ـ «وحياة ده يا يونس.. ما هتكُون لحد غيري! وهتشوف مين هي سمر العزايزي!»


أسرعت سمر ترتدي ثيابها باستعجال ونار الغيرة تأكل صدرها، وهي ناوية تنزل فوراً لأمها «نعمة» عشان تفهم منها إيه المصيبة اللي حصلت دي وكيف سمحوا بالمهزلة دي تتم في الدوار!


وفي بهو الدوار الأسفل..


ساد الصمت والوجوم المكان، ورغم أن فنجان القهوة كان في يد كل واحدة من الحريم، إلا أن العقول كانت في وديان أخرى، والنار تتأكل في الصدور دون صوت.


كانت «صفية» تجلس وشاردة الذهن، تفرك يدها بحيرة وقلق، وكلام نعمة يتردد في أذنها كالجرس المزعج؛ قلبها يتقطع على ابنتها زينب وخائفة على فرحتها، وفي نفس الوقت جرحها كبير لأن ولدها يونس ما زال زعلانًا منها ومبتعداً عنها، ولا تقدر على أن تكسر خاطره أو تقف في وجهه مجدداً.


أما «نعمة»، فكانت ترتشف القهوة بعيون ضيقة كالصل، وعقلها يستنسخ الحيل والتدابير، تسأل نفسها كيف تقلب الطاولة وتجعل يونس يتجوز سمر ابنتها بأي طريقة وتفرضها عليه فرضاً.


في حين كانت «وصال» تغلي من القهر؛ تَغمغم في سرها كيف ترد كرامتها بعد الإهانة والصراخ الذي تعرضت له، وكيف تطرد هذه الـ «غالية» وتخرب فرحتهم، وفي نفس الوقت تحضر خطة تجعل يونس أو حتى حمزة النازل من السفر يلتفتون لابنتها راوية، وتقوي قلب ابنها رجب ليكون له شأن وكلمة في البيت بدل قلة القيمة دي!




قطعت «حكمة» هذا الصمت الثقيل وهي تتقدم بخطوات سريعة وتتوجه للصفية بكل احترام ووقار وقالت:


ـ «يا حاجة صفية.. الحمد لله خلصنا الوكل كله والمطبخ بقى زي الفل والزاد جاهز.»


انتبهت صفية من سرحانها وأومأت برأسها وقالت برزانة:


ـ «تسلم يدك يا حكمة.. هقوم أنا أطلع للحاج نعمان أعرف منه حمزة ولدي قرب يوصل ولا لسه.»


وقفت صفية ورفعت ثوبها لتبدأ في صعود الدرج، وفي نفس اللحظة كانت «سمر» نازلة تهرول على السلم كالمجنونة، تجري بنارها لتخبر أمها نعمة بالمصيبة التي عرفتها من كريمة!


لم ترمِ سمر السلام حتى، بل مرت من جوار صفية بعيون ملتهبة ودون احترام. رمقتها صفية بنظرة أسى وهزت رأسها، وقالت بصوت خافت يملؤه الرعب ويدها على معصمها:


ـ «يا رب عدّي الأيام دي على خير واسترها معانا..»


تابعت صفية صعودها حتى وصلت جناحهم الخاص، فتحت الباب بهدوء فوجدت زوجها «الحاج نعمان» يجلس على مقعده الخشبي، ممسكاً بالمصحف الشريف يقرأ فيه بتأمل.


وقفت عند الباب وقالت بصوت هادئ:


ـ «صدق الله العظيم يا حاج نعمان..»


أغلق الحاج نعمان المصحف بوقار ووضعه جانباً، ونظر إليها بتعجب وقال:


ـ «صدق الله العظيم.. خير يا صفية، في حاجة يا أم يونس؟»


دنت منه وقالت:


ـ «حكمة بتقول إنها خلصت الوكل والزاد كله جاهز، فكنت جاية أسألك كلمت حمزة تعرف هيوصل على إمتى؟»


رد الحاج نعمان وهو يطالع ساعته:


ـ «أيوه كلمته، كلها نص ساعة بإذن الله ويكون عتبة الدوار.»


ثم ركّز الحاج نعمان نظراته الثاقبة في وجهها، وضيّق عينيه بقلة صبر متسائلاً:


ـ «بس مالك يا صفية؟! حاسس فيكِ حاجة على غير عوايدك واصل.. في إيه قولي لي؟!»


ترددت صفية لحظة، ثم تقدمت وقعدت بجواره على الكرسي المجاور، ونظرت له بقلة حيلة وأسى:


ـ «والله يا حاج.. قلبي مقطوع وقلقانة، ومش مطمنة واصل..»


عقد الحاج نعمان حاجبيه وقال باهتمام:


ـ «ليه بس؟ خير يا أم ولدي؟!»


فتحت صفية قلبها وتذكرت كلام نعمة المسموم، فقالت بتلعثم:


ـ «يعني.. أنت شايف يونس ولدك، عينه من غالية ومن زمان جوي، وشفت بعينك يوم ما اختفت كان مولع حريقة في الدار كلها وكأنه اتجنن! وأكيد هيفتحك في موضوع جوازه منها في أقرب وقت..»


رد الحاج نعمان بحزم واستغراب:


ـ «وإيه الجديد في كدة؟ أنتِ ما رديتهاش يا صفية ولا مش عاجباكِ غالية إياك؟!»


ردت صفية بسرعة ونبرة خائفة:


ـ «مش حكاية ما رديتهاش يا حاج! الحكاية إن سمر البنية الكبيرة هني في الدوار، ومن حق يونس ومن حقه ياخدها هي الأولى..»


انتفض الحاج نعمان في جلسته، وملامح وجهه تغيرت للصرامة والغضب وقال بنبرة حادة:


ـ «إيه الكلام الفاضي اللي عتقوليه ده يا صفية؟! من متى والحريم عندنا هي اللي بتتحدث في الأصول وقسمة الرجالة؟! وبعدين أول مرة أشوفك بتتحدي في حاجة زي دي، ولا بتقولي لي إن سمر تكون مرت ولدك؟! إيه اللي غيرك إكده؟!»


نزلت صفية رأسها بخجل وارتباك، وقالت بصوت مرتجف:


ـ «ده.. ده مش كلامي أنا يا حاج.. ده كلام نعمة!»


استند الحاج نعمان بظهره للخلف وضيّق عينيه بغضب مكتوم وقال:


ـ «نعمة؟! وقالت لك إيه نعمة كمان؟!»


ردت صفية:


ـ «قالت لي إن سمر بنتها أولى بيونس، وإنه كبير شباب العزايزة ولازم ياخد كبيرة البنيات..»


ثم سكتت وخافت تتكلم.


رفع الحاج نعمان حواجبه وقال بنبرة آمرة حادة:


ـ «ها؟! وكملي! كملي يا صفية وما تخبيش عليّ حاجة واصل!»


بلعت صفية ريقها وقالت بصوت خافت جداً:


ـ «يعني.. بتقول لي من الآخر إكده.. إن زينب بنتي قبال سمر بنتها! لو يونس ما خدش سمر، منصور مش هياخد زينب!»


اتسعت عينا الحاج نعمان بذهول وغضب عارم، والشرار كاد يخرج من عينيه من تجرؤ نعمة ولعبها في الخفاء، وقال بصوت جهوري وهادئ في نفس الوقت من شدة الصدمة:


ـ «هي قالت لك إكده بعينها يا صفية؟!»


هزت صفية رأسها بدموع خائفة:




ـ «أيوه والله يا حاج.. قالت لي إكده بالحرف!»


صمت الحاج نعمان لثوانٍ، وعقله يزن الأمور بشر حاسم، ثم التفت لصفية وقال بنبرة صارمة لا تقبل النقاش:


ـ «ماشي يا صفية.. انزلي دلوك وخلي الحريم يجهزوا السفرة والبيت، عشان ولدك حمزة على وصول.»


وقفت صفية بتردد وقالت بخوف:


ـ «طب والكلام اللي قلته لك يا حاج؟! هنعملوا إيه في ورطة زينب ويونس؟!»


نظر لها الحاج نعمان نظرة حادة وقاطعة تجمد الدماء في العروق وقال:


ـ «انزلي يا صفية دلوك.. وأنا عارف زين أنا هعمل إيه!»


وفي جناح «زينب» الواسع..


التفتت زينب ونظرت لـ «غالية» وهي تحثّها بابتسامة:


ـ «يلا بينا علشان هننزل، حمزة أخويا جاي في السكة.»


تنهدت غالية بابتسامة دافئة اتسعت لها ملامحها، وقالت بنبرة حنونة:


ـ «والله اتوحشت حمزة قوي.. كان على طول بيضحك معايا، وكان دائمًا يخفف عني همّ الدار ده بضحكه وهزاره.»


ثم توقفت فجأة ونظرت إلى ثيابها، مستدركة بتلقائية:


ـ «بس أنا معاييش هنا غيار أغير بيه!»


ابتسمت زينب بخبث ومرح وهي تجيبها:


ـ «وإياكِ تكوني فاكرة إنك هتلبسي من هدومك القديمة؟ لا ده أنتِ ما تعرفيش حاجة خالص!»


قاطعتها غالية بدهشة وهي تسألها:


ـ «ما أعرفش إيه؟ تنطقي يا زينب!»


وقبل أن تجيبها زينب، طُرِق الباب بدقات خفيفة، ودخلت «كريمة» بابتسامتها المعتادة، متجهة نحو غالية وهي تقول باهتمام:


ـ «طمنيني عليكِ يا خيتي، عاملة إيه دلوك؟»


ردت غالية بود:


ـ «بخير بشوفتك يا كريمة.»


سألتها زينب مستفسرة:


ـ «وهْ، جهّزتي الحجة يا كريمة؟»


أجابتها كريمة بثقة:


ـ «أومال إيه! بيقولوا إن حمزة خلاص قدامه نصف ساعة ويوصل الدوار.»


علقت زينب وهي تتحرك في الغرفة:


ـ «طيب يا دوبك نلحق نجهز ونجهّز غالية معانا.»


تساءلت غالية بقلة حيلة:


ـ «طب وهلبس إيه أنا؟»


ردت زينب وهي تطمئنها:


ـ «ما تقلقيش، أنا عندي هنا هدوم كتير قوي.. هدوم كانت جاية على اسمك، بس لولا اللي حصل وقتها...»


قطعت غالية كلامها باستغراب:


ـ «مش فاهمة قصدك إيه؟»


تدخلت كريمة وهي تبتسم لتبسط لها الأمر بسرعة:


ـ «أنا أفهّمك يا ستي على السريع.. يونس كان جايب لك هدوم معاه وهو راجع من السفر، ولما حصلت المشاكل دي كلها، زينب أخدت الهدوم وشالتها عندها.. ودلوك هتلبسي حاجة من اللي جابها لك يونس، يعني جُملة وتفصيلًا كده.. على ذوقه!»


اتسعت عينا غالية بذهول، وسألت بغير تصديق:


ـ «وهْ! أنتِ بتتكلمي جد؟ اللي بتقوليه ده حصل بجد يا زينب؟»


ضحكت زينب وكريمة معًا، وأكدت زينب وهي تقسم لها:


ـ «إي والله العظيم حصل!»


ثم أشارت لها زينب قائلة:


ـ «استني عليّ كده..»


ذهبت زينب وأحضرت شنطة سفر أنيقة وصغيرة نوعًا ما، وضعتها أمام غالية ثم فتحتها.. تجلت داخل الشنطة عبايات بأشكال وألوان مبهجة، عبايات استقبال وثياب أنيقة للغاية، يظهر عليها الفخامة والذوق الرفيع وكأنها قُطِعت خصيصًا لها.


امتدت يد غالية مترددة لتمسك بعباءة بيضاء ساحرة، مطرزة بخيوط ذهبية رقيقة بطريقة بسيطة وأنيقة جدًا، كانت العباءة تتناغم بشكل مذهل مع شعرها البني الذي تتخلله خصلات ذهبية ناعمة.




شهقت زينب بإعجاب وهي تنظر إليها:


ـ «دي جميلة قوي يا غالية! لايقة عليكِ تمامًا!»


حثتها كريمة بحماس وهي تدفعها خفيفًا:


ـ «طب يلا قومي أوام البسيها، أنا متحمسة أشوفها عليكِ كيف!»


أخذت غالية العباءة ودخلت لتبدّل ملابسها وتتأنق.. وبعد دقائق خرجت إليهن.


أول ما وقعت أعين البنات عليها، شهقت كريمة وزينب معًا، وانطلقت من «كريمة» صيحة إعجاب مذهولة:


ـ «وهْ يا خراب بيتك يا غالية! ده إحنا البنات وعجبتينا وخطفتِ عينّا.. بالَك بقى لما يونس أخويا يشوفك بالجمال ده؟!»


ضحكت «زينب» وقالت بُمداعبة:


ـ «يونس بس؟ أومال لما وصال وأمك نعمة يا كريمة، ولا سمر وراوية.. لما الدوار كله يشوفك بالطلة دي!»


ارتبكت غالية وخجلت من كلامهن، وقالت وهي تحاول التراجع:


ـ «خلاص هغيرها..»


أمسكتها زينب بسرعة وهي تضحك:


ـ «تغيري إيه! ده أنتِ طالعة كيف البدر في تمامه!»


أجلستها زينب أمام المرآة، وبدأت تسرح لها شعرها بعناية، وأنزلت لها غرّتها الناعمة على جبهتها لِتُبرز جمال ملامحها.. ورغم آثار التعب الشديد التي كانت لا تزال بادية على وجهها، إلا أن طلتها وثوبها وشعرها جعلوا منها لوحة آثرة تخطف القلوب.


في بهو الدوار الواسع بالأسفل..


كان الجميع قد تجمعوا في انتظار وصول «حمزة»؛ الرجال يجلسون في صدارة المضيفة بجلابيبهم الفخمة ووقارهم المعهود، بينما التفت الحريم على مقربة في جوانب البهو، يترقبن الباب الكبير. كانت «سمر» و«راوية» تقفان وكل واحدة منهما واثقة في حالها، ترتديان أبهى ما لديهما من عبايات وثياب جلبتاها خصيصاً


لهذه✍🏻بقلمي نسرين نادر 


المناسبة، تتبادلان نظرات التحدي وكل واحدة منهما تظن أنها نجمة الدوار الليلة بلا منافس.


وفجأة.. تعالت أصوات السيارات في الخلاء الخارجي، وتلاها صوت خطوات سريعة وواثقة تقترب من العتبة.


دلف «حمزة» إلى البهو.. بملامحه الوسيمة الضاحكة، وقامته المرفوعة، وخفة دمه التي تسبقه دائماً وتنشر البهجة أينما حلّ.


أول ما وقعت عليه الأعين، تقدم منه «يونس» بخطوات واسعة وشوق أخوي دافئ، وفتح ذراعيه ليأخذه في عناق حار قوي، وهو يربت على ظهره بنبرة رجولية يملؤها الشوق:


ـ «حمد الله على سلامتك يا خوي! كد إكده تغيب علينا؟! والله اتوحشتك يا حمزة!»


ضحك حمزة وهو يشدد من عناق أخيه:


ـ «الله يسلمك يا يونس يا كبيرنا! والله أنتم اللي توحشتوني أكتر، والرجعة ليكم بالدنيا كلها!»


واندفعت الأذرع تتلقافه؛ فتقدم «منصور» بابتسامته العريضة وعانقه بحرارة وشوق لا يقل عن يونس، هاتفاً:


ـ «نورت بيتك ودوارك يا حمزة! حمد الله على السلامة يا خوي!»


ثم اتجه حمزة بسرعة نحو أبيه «الحاج نعمان»، وانحنى بهيبة واحترام ليقبّل يده ورأسه، ثم ارتمى في حضنه. ضمّه الحاج نعمان بحنان الأب وفخره، مسدًا على كتفه بابتسامة دافئة:


ـ «حمد الله على سلامتك يا ولد صلبي.. نورت بلدك ودوارك.»


ولم تكد أمه «صفية» تراه حتى أطلقت زغاريد الفرح، واندفعت نحوه بدموع الشوق، أخذته بين أحضانها وهي تقبل وجهه ويديه وتدعو له بحرارة الأمهات:


ـ «يا جلب أمك يا حمزة! حمد الله على سلامتك يا بني.. الدار كانت ضلمة من غيرك!»


تقدم «رجب» بعدهم، ومد يده ليسلم عليه، لكن سلم عليه بجفاء وببرود ملموس خالٍ من الحرارة التي سلّم بها يونس ومنصور، مقتضباً:


ـ «حمد الله على السلامة يا حمزة..»


رد عليه حمزة باختصار ودون أن يقف عند جفائه:


ـ «الله يسلمك يا رجب.»


ثم التفت حمزة بنشاط وباقة احترام ونظر نحو زوايا الحريم، متجهاً بخطوات هادئة ليسلم على زوجات عمومته؛ فنظر لـ «وصال» و«نعمة» وقبل أيديهن برفق قائلاً:


ـ «كيفك يا مرت عمي وصال؟ عاملة إيه يا مرت عمي نعمة؟ طمنوني عنكم وعن صحتكم..»


ردت وصال ونعمة بابتسامة متكلفة ونبرة هادئة تحاول إخفاء ما بالصدور.


ثم التفت لـ «سمر» و«راوية» وقال بنبرة هادئة متزنة:


ـ «كيفكم يا بنات عمي؟»


فردتا بنبرة محاولة لإظهار الرقة والاهتمام أمام الجميع:


ـ «حمد الله على سلامتك يا حمزة.»




وفيمَ كان حمزة يلتفت ليتحدث مع أبيه وإخوته، تعالت على الدرج الرخامي خطوات خفيفة متناسقة..


كانت «زينب» و«كريمة» تنزلان الدرج، وبينهما تقف «غالية» كالبدر المتوهج في ليلة تمامه؛ ثوبها الأبيض الناصع المطرز بالخيوط الذهبية يتلألأ تحت أضواء الثريات، وشعرها الذهبي البني المائل للصفرة ينهمر في دلال ناعم لايقاً بالكامل مع ثوبها، يبرز بشرتها الحلبية الصافية والنقية كالمرمر. ورغم شحوب التعب الخفيف، إلا أن طلتها خيمت على البهو بأكمله، وسرقت الأبصار وحبست الأنفاس!




التفت حمزة بفضول نحو مصدر الخطوات وهن نازلات على السلم، وما إن وقعت عيناه عليهن، حتى اتسعت عيناه بذهول وإعجاب، وانطلقت منه صيحة تعجب الصعيدي الشقي بصوت مسموع:


ـ «وهْ! وهْ! إيه النور ده كله؟! مين القمر اللي نازل معاكم ده يا بنات؟!»


اتجهت أبصار جميع الرجال والحريم نحو السلم في لحظة واحدة.. وساد الصمت البهو!


اقتربت الفتيات، ودقق حمزة النظر في وجه غالية، وفجأة اتسعت ابتسامته بغير تصديق، وهتف بحماس وفرحة تلقائية:


ـ «معقولة دي غالية؟! أنتِ يا غالية؟!»


ابتسمت غالية بابتسامة خجولة دافئة وشحوب خدودها يشتعل بالخجل، وقالت بصوت ناعم يرتجف من الحياء:


ـ «كيفك يا حمزة؟ حمد الله على سلامتك يا خوي..»


رد عليها حمزة بابتسامة واسعة ونبرة مليئة بالصدق والمحبة الأخوية:


ـ «الله يسلمك يا غالية.. أنا مش مصدق عيني واصل! أول ما شفتك بقيت زين.. زين قوي قوي! والله اتوحشتك يا غالية!»


تقدمت «كريمة» و«زينب» تسلّمان عليه أيضاً بااشتياق أخوي:


ـ «حمد الله على سلامتك يا حمزة، نورت الدار!»


فرد عليهن بابتسامته الضاحكة المحببة.


وفي تلك اللحظات، كان «يونس» واقفاً في مكانه قد سُلب منه عقله تماماً! كان تائهًا.. غارقاً في جمال «غالية» الأخّاذ. كان يتأمل غمازتها الظاهرة وشحوب التعب الدفين الذي يغطيه حمار خدودها الوردية من شدة الخجل. كان يتطلع للعباية التي نقاها واختارها لها بنفسه وهداها إياها، ورآها الآن كأنها تُفصّل خصيصاً على جسدها القوام! كان تائهاً في أدق تفاصيلها، نظراته معلقة بها دون أن يرفّ له جفن، حتى إن الجميع بالبهو بدأوا يلاحظون تلك النظرة الشاردة المليئة بالانبهار والحب!




شعر «منصور» بنظرات أخيه وفقدانه للسيطرة أمام حشد العائلة، فدنك منه بخفة وغنزه في يده بهدوء.


استفق يونس من سحر اللحظة، وتدارك نفسه سريعاً، فنحنح بتنحنحة خفيفة أخرجها من حنجرته:


ـ «احم..»


ثم خفض عينيه إلى الأرض وهو يبتسم ابتسامة خفية راضية، غير مصدق أنه يراها بهذا الجمال وتلك الهيبة التي تخطف الأنفاس!


انكسرت حيرة الصمت بصوت «الحاج نعمان» الحنون، وهو يتأمل غالية بنظرة أب رحيم متفاجئ بجمالها:


ـ «بسم الله ما شاء الله يا بنتي.. إيه البدر اللي منور الدوار ده!»


وابتسمت الحاجة «صفية» بفرحة عارمة وقلب محب، بعدما رأتها قد تحولت إلى درة مكنونة وجمال لا يُعلى عليه، فقالت بطيبة:


ـ «ما شاء الله يا غالية.. البدر في ليلة تمامه يا بنتي، ربنا يحميكِ من العين.»


في تلك الأثناء، فتح «رجب» فمه بصدمة وذهول من شدة جمالها وظهورها اللافت؛ فلم يكن يتخيل أن تظهر هذه الفتاة التي كانوا يضايقونها بتلك الصورة الملكية الفاخرة!




أما في جانب الحريم.. فكان المشهد يغلي بالغل والحقد! كانت «سمر» و«راوية» و«نعمة» و«وصال» كمن أُلقي عليهن الجمر؛ وجوههن متجهمة والشرر يتطاير من عيونهن وهن يتبادلن النظرات الحاقدة. لاحظت «سمر» نظرات يونس المفتونة لـ «غالية»، فكادت تنفجر من الغيظ، ولم تستطع كتمان حسدها، فاندفعت تقطع الصمت بنبرة حادة ممتلئة بالاستهزاء:


ـ «وهْ! جت منين الهدوم اللي عليكي دي يا غالية؟! ولا تكوني عارفاكِ استعرتيها؟!»


وقبل أن تنطق غالية بحرف واحد من ارتباكها، تقدمت «زينب» بقوة وشجاعة، وردت بثبات ونبرة واثقة وهي تنظر لسمر بتحدٍّ:


ـ «الهدوم دي من عندي يا سمر.. هدوم كانت عندي لسه جديدة، وشفت إنها ما تليقش على حد في الدنيا دي غير على غالية!»


رمقت «نعمة» ابنتها زينب بنظرة غيظ نارية، وقالت في سرها بحنق مكتوم:


ـ «حاضر يا زينب.. حاضر، حسابك معايا بعدين!»


تضاعف غيظ سمر، فتدخلت «راوية» تدعمها بنبرة تعالٍ وسخرية موجهة لكلام زينب:


ـ «وأنتِ من ميتى يا زينب بتدي هدومك لأي حد كده؟! حتى للخدامين؟!»


اشتعلت ملامح يونس بالغضب وعقد حاجبيه بحزم، وكاد يلتفت لينهر راوية بحدة:


ـ «راوية!!»


لكن «الحاج نعمان» ضرب بعصاه الخشبية الثقيلة على الأرض ضربة رزينة أحدثت صداً في البهو، وهتف بنبرة صارمة قطعت القول على الجميع:


ـ «بس! خلاص خلصنا! ما فيش حديث في الحكايات دي واصل.. تعالوا يلا عشان الوكل جاهز. يلا يا حمزة، يلا يا يونس.. الوكل محطوط.»


تحرك الجميع نحو سفرة الطعام الطويلة الممتدة، بينما انسحبت زوجات العموم والبنات وهن يشعرن بأن دمهن محروق ومغتاظات لأقصى درجة.




كانت هذه هي المرة الأولى التي تجلس فيها «غالية» على سفرة العائلة الكبيرة جنبًا إلى جنب مع الجميع!


كانت «حكمة» تقف على مقربة بجوار السفرة تتابع المشهد بابتسامة عريضة وفرحة حقيقية من قلبها لـ «غالية» التي أخذت مكانتها المستحقة.


اقتربت غالية من السفرة بخطوات مترددة وخجل شديد، وشعرت بالارتباك من الفكرة ذاتها. بادرتها «زينب» وهي تشد لها كرسياً هادئاً:


ـ «اقعدي يا غالية.. اقعدي هِنا.»


ظلت غالية واقفة تتردد وتتنقل بعينيها بين الجميع بكسوف؛ فنظر إليها «يونس» بنبرة دافئة هادئة تحمل الحنان والتشجيع:


ـ «مالك يا غالية واقفة إكده ليه؟ اقعدي يا بنتي..»


نظرت غالية بعينين ترتجيان الأمان إلى الحاجة «صفية»، فابتسمت الأم الحنون وطبطبت على كتفها برفق ولطف قائلة:


ـ «اقعدي يا بنتي بجواري.. الدار دارك.»


جلس الجميع حول السفرة الطويلة. كانت عيون الحريم؛ نعمة ووصال وسمر وراوية، تصب نظرات الغليان والشرر تجاه غالية، بينما ساد المجلس جوٌّ من البهجة لم تخلُ من ضحكات «حمزة» القوية وهزاره الشقي ومزاحه مع الشباب ويونس ومنصور.


وطوال القعدة، كانت «غالية» تتناول طعامها بكسوف وخجل شديد، مطرقة رأسها هدوءاً، بينما كانت عينا «يونس» لا تفارقانها لحظة واحدة.. ينظر إليها بنظرات مبهورة مليئة بالحب والشغف والشوق، غير قادر على إبعاد عينيه عن بدره المنور على رأس السفرة!




وفيمَ كان الجميع غارقين في أحاديثهم وضاحكين، انطلقت نبرة «حمزة» الشقية والمرحة لتشق هدوء السفرة، مستغلاً اللمة الحلوة، فنظر صوب أبيه وقال بابتسامة واسعة:


ـ «صحيح يا حاج.. منصور خوي كان كلمني وقالي إنكم هتحددوا ميعاد خطوبة أو كتب كتاب منصور وزينب اليومين دول.. ولا إيه الحديث يا أبوي؟!»




في تلك اللحظة، تذكرت «نعمة» ما سبق وطلبت من «صفية» حين قالت لها بعنجهية: (بنت قصاد بنتك يا صفية!).. التفتت نعمة بسرعة ومقدار من التوتر والخوف يملأ عينيها، رمقت صفية بنظرة متوجسة، ثم حولت بصرها الحارق نحو منصور وزينب.


لم تخفَ تلك النظرة المتبادلة والمتوترة على عيني «الحاج نعمان» الفطين؛ فقد لاحظ توجس نعمة ونظراتها المرتعبة، فابتسم بابتسامة مبطنة بذكاء شديد، وهز رأسه وهو يقول بنبرة هادئة تحمل معاني خفية:


ـ «والله يا ولدي كان بودي نحددوا الميعاد الليلة.. بس شكله إكده موضوع منصور وزينب ده هيدخل في تأجيل شوية.. ولا إيه رأيك يا نعمة؟!»


تبادلت زينب ومنصور نظرة مكسورة يملؤها الرجاء والترقب، بينما اتسعت عينا «منصور» بالصدمة والاستغراب.. التفت بسرعة ونظر باتجاه أمه «نعمة» بنظرة حادة مليئة بالريبة والشَكّ، وكأنه يستجوبها بعينيه إن كانت هي السبب أو مدبرة شيء خلف الستار، وهتف بذهول ونبرة قلقة:


ـ «هو في إيه يا حاج؟! في إيه ياما؟!.. عملتي إيه ياما؟!»

انقبض قلب «نعمة» تماماً وتصلبت في مكانها خائفة؛ فقد أربكتها نظرة ابنها الحادة والشكوك التي بدت في عينيه، متوجسة من أن يكون قد كُشف مستورها أمام الجميع!


❤️‍🔥💣


يا ترى منصور هيعرف حقيقة اللي بتعمله أمه؟ ولا نعمة هتقدر تخرج من الموقف قبل ما ينكشف سرها؟ 👀


ويا ترى بعد اللي حصل على السفرة… هتفضل غالية في أمان وسط الدوار، ولا نعمة وسمر ناويين يعملوا إيه؟ 🔥


والأهم… نظرات يونس لغالية بقت واضحة قدام الكل.....


                 الفصل الحادي عشر من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة