
رواية حين يناديك الله الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم هيام ايمن الطوخي
"أحيانًا يضع الله أمامك الحقيقة في صورة صدمة...
حتى تعرف أن النجاة لم تكن في أن تعرف كل شيء،
بل في أن تعرف متى تثق...
ومتى تتوقف عن الوثوق."
توقفت السيارة.
ثلاث سيارات سوداء تحاصر الطريق.
رجال يقفون في كل اتجاه.
أضواء سياراتهم انعكست على زجاج سيارة يوسف.
كانت جنة تنظر من النافذة.
قلبها يدق بعنف.
قال يوسف:
"انزلي."
نظرت إليه.
"ليه؟"
"لأنهم مش جايين يتكلموا."
أخرج سلاحه.
قالت:
"وإنت؟"
"أنا هتعامل معاهم."
"لوحدك؟"
"أيوه."
هزت رأسها.
"لا."
نظر إليها.
"جنة."
"مش هسيبك."
ابتسم بحزن.
"أنتِ لازم تسيبيني."
"ليه؟"
لم يجب.
فجأة...
تحطم زجاج السيارة.
صرخت جنة.
أمسك يوسف رأسها وسحبها للأسفل.
انطلقت رصاصة أخرى.
ثم أخرى.
قال:
"انزلي!"
أخرج سلاحه ورد بإطلاق النار.
كانت أصوات الرصاص تملأ المكان.
حاولت جنة الاختباء خلف المقعد.
ثم لاحظت شيئًا.
الباب الخلفي للسيارة...
كان مفتوحًا.
نظرت إلى يوسف.
كان منشغلًا بالرجال أمامه.
خرجت من السيارة.
ركضت نحو الأشجار.
لكنها لم تبتعد كثيرًا.
أمسك رجل بذراعها.
صرخت.
وفي اللحظة نفسها...
ظهر يوسف.
ضرب الرجل وأسقطه.
ثم أمسك يدها.
"اجري!"
ركضا بين الأشجار.
كانت جنة تحاول التنفس.
"إحنا رايحين فين؟"
"بعيد."
"عنهم؟"
"عن كل حاجة."
توقفت فجأة.
"يوسف."
التفت.
"إيه؟"
"إنت بتكدب عليا."
تجمد.
"في إيه؟"
"كل حاجة."
صمت.
قالت:
"أنت كنت تعرف أمي."
"أيوه."
"وعرفت بابا."
"أيوه."
"وكنت موجود في الحريق."
"أيوه."
"وعارف المنشأة."
"أيوه."
صرخت:
"ليه؟!"
لم يجب.
اقتربت منه.
"أنا استنيت عشرين سنة عشان أعرف الحقيقة."
"عارف."
"وإنت كنت عندك جزء منها طول الوقت."
"أيوه."
"ليه سكت؟"
خفض رأسه.
"لأن أبوكي طلب مني."
"دي مش إجابة."
رفع عينيه إليها.
"لأن سكوتي كان بيحميكي."
ضحكت بمرارة.
"كل واحد بيقول الجملة دي."
"أنا مش زيهم."
"إثبته."
سكت.
ثم قال:
"أنا كنت عند المنشأة ليلة الحريق."
"مع مين؟"
"أبوكي."
"وأمي؟"
"كانت هناك."
توقفت.
"كانت عايشة؟"
"أيوه."
"وبعدين؟"
أغمض عينيه.
"حصل انفجار."
"وبعدين؟"
"الناس جريت."
"وأنت؟"
"رجعت."
نظرت إليه.
"ليه؟"
قال:
"عشان أنقذها."
"أنقذتها؟"
سكت.
"يوسف!"
قال:
"ما قدرتش."
انهمرت دموعه.
"لقيت أبوكي."
"كان مصاب."
"قال لي آخدك."
"وأمك؟"
"قال إنها اختفت."
"يعني ما شفتهاش بعد كده؟"
"لا."
سكتت.
ثم قالت:
"طب الصورة؟"
"صورة إيه؟"
"الصورة اللي كنت فيها مع أمي."
نظر إليها.
"كانت قبل الحريق."
"قد إيه؟"
"بأيام."
"يعني كنت تعرفها."
"أيوه."
"كانت بتحبك؟"
تغير وجهه.
"كانت بتعتبرني ابنها."
توقفت.
"ابنها؟"
"كانت بتربيّني لفترة."
"ليه؟"
قال:
"لأن أمي ماتت."
سكتت جنة.
ثم فهمت.
"يعني..."
"أيوه."
"أمي كانت بتربيك؟"
أومأ.
"أبوك كان عارف."
"وكان موافق."
"أيوه."
قالت:
"طب ليه خبّوا وجودك عني؟"
نظر إليها.
"لأن وجودي كان مرتبطًا بالرجل اللي كانوا بيهربوا منه."
"مراد؟"
هز رأسه.
"لا."
"أمال مين؟"
سكت.
ثم قال:
"أبويا."
تجمدت جنة.
"مراد أبوك؟"
أومأ.
"أيوه."
اتسعت عيناها.
"يعني مراد هو والدك؟"
"أيوه."
تراجعت خطوة.
"والرجل اللي أبويا كان بيحاول يوقفه..."
"هو."
قالت:
"يبقى أنت ابن عدوه."
"أيوه."
"ومع ذلك أبويا ربّاك؟"
"أيوه."
"ليه؟"
قال يوسف:
"لأنه كان مؤمن إن الإنسان مش ذنب أبوه."
سكتت.
كانت الجملة تشبه والدها.
قال:
"أبوك أنقذني."
"وحماني."
"وخلاني أتعلم."
"وكان أول شخص علمني إن الخير ممكن يطلع من مكان ما تتوقعهوش."
نظرت إليه.
"وعشان كده حماك؟"
"أيوه."
"وعشان كده طلب منك تحميني؟"
"أيوه."
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
"بس ليه مكتوب في الملف إنك خطر؟"
لم يجب.
"يوسف."
قال:
"لأنهم كانوا عايزين يستخدموني."
"في إيه؟"
"في الوصول ليكي."
"إزاي؟"
"لأن عندي حاجة أنتِ ما عندكيش."
"إيه؟"
أشار إلى عينه.
"الرمز."
نظرت إليه.
"رمز إيه؟"
قال:
"المنشأة ما بتفتحش بالمفتاح وحده."
"بتفتح بإيه؟"
"بالمفتاح..."
ثم نظر إليها.
"وبصمة شخص معين."
"مين؟"
قال:
"أنا."
تجمدت.
"ليه؟"
"لأنهم صنعوا النظام على بياناتي."
"وأبوك وافق؟"
"ما كانش يعرف في البداية."
"وبعدين؟"
"لما عرف..."
توقف.
"حاول يمسح كل حاجة."
"وعشان كده حصل الحريق؟"
هز رأسه.
"الحريق ما كانش حادث."
قالت:
"كان متعمد؟"
"أيوه."
"مين عمله؟"
نظر إليها.
"مراد."
سكتت.
"أبوك حاول يوقفه."
"وأمي؟"
"كانت تعرف."
"فأخدها."
"أيوه."
"وإنت؟"
"هربت."
قالت:
"ليه ما رجعتش لها؟"
أغمض عينيه.
"لأني كنت طفل."
ثم قال:
"وأبوكي أخدني معاه."
سكتت جنة.
ثم قالت:
"يعني طول السنين دي..."
"كنت بتدور عليها."
"أيوه."
"وما لقيتهاش؟"
"لحد النهارده."
رفعت جنة الهاتف.
"بس هي عايشة."
نظر إلى الصورة.
ثم قال:
"أيوه."
"يبقى هنروح لها."
أومأ.
"هنروح."
فجأة...
سمعوا صوت سيارة تقترب.
التفت يوسف.
"لازم نتحرك."
ركضا حتى وصلا إلى مبنى قديم.
دخلا.
أغلق يوسف الباب.
قالت جنة:
"فين إحنا؟"
"مكان آمن."
"بتاع مين؟"
"أبوك."
نظرت حولها.
كان المكان مليئًا بالملفات.
صور.
خرائط.
أجهزة قديمة.
ثم رأت شيئًا على الحائط.
صورة كبيرة.
كانت لأمها.
وبجانبها...
والدها.
وعلى الجانب الآخر...
يوسف وهو طفل.
اقتربت.
كان أسفل الصورة مكتوب:
**"العائلة التي لم يجمعها الدم..."**
ثم تحتها:
**"لكن جمعها الاختيار."**
نزلت دموع جنة.
قال يوسف:
"أبوك كان بيعتبرني ابنه."
نظرت إليه.
"وأنا؟"
ابتسم.
"كان بيعتبرك كل حياته."
سكتت.
ثم قالت:
"أنا آسفة."
نظر إليها.
"على إيه؟"
"إني شكيت فيك."
قال:
"كان لازم تشكي."
"ليه؟"
"لأن الثقة العمياء مش حب."
ثم أضاف:
"الثقة الحقيقية إنك تعرفي الحقيقة كاملة..."
"وبرغمها تختاري."
نظرت إليه.
وفي تلك اللحظة...
رن هاتف قديم في الغرفة.
تجمد الاثنان.
رفع يوسف السماعة.
لم يتحدث.
جاء صوت رجل.
"خلصتوا؟"
سأل يوسف:
"مراد؟"
ضحك الرجل.
"لا."
تغير وجه يوسف.
"مين؟"
قال الرجل:
"الشخص اللي كنتوا بتدوروا عليه."
اقتربت جنة.
"مين أنت؟"
قال:
"أنا اللي أخد أمك."
تجمدت.
"فين هي؟"
"في المنشأة."
"ليه؟"
صمت قليلًا.
ثم قال:
"لأن أمك تعرف مين أبوك الحقيقي."
سقطت السماعة من يد جنة.
نظرت إلى يوسف.
"بابا مش أبويا."
ثم همست:
"ومين أبويا الحقيقي؟"
عاد الهاتف للرنين.
التقط يوسف السماعة.
جاء الصوت:
"الجواب..."
"جوه المنشأة."
ثم انقطع الاتصال.
نظر يوسف إلى جنة.
قالت:
"هنروح."
أومأ.
لكن قبل أن يتحرك...
لاحظت جنة ورقة على المكتب.
رفعتها.
كان مكتوبًا:
"إذا وصلت جنة إلى المنشأة..."
وتحتها:
"لا تسمحوا لها برؤية المرآة."
توقفت.
"مرآة؟"
نظر يوسف إلى الورقة.
ثم تغير وجهه.
قال:
"إحنا لازم نروح قبل ما يفتحوا الغرفة."
سألته:
"أي غرفة؟"
لم يجب.
قالت:
"يوسف."
رفع عينيه إليها.
وقال:
"الغرفة اللي اتولدت فيها الحقيقة."
وفي الخارج...
بدأت أصوات السيارات تقترب.
يتبع..