
رواية حين يناديك الله الفصل التاسع والعشرون 29 والأخير بقلم هيام ايمن الطوخي
"عندما تتساقط الأقنعة دفعة واحدة
لا تصبح الحقيقة ملاذًا...
بل تصبح الزنزانة الأكثر ظلامًا."
طغى الصمت الخانق على غرفة التحكم
بينما ساد اللون الأحمر الفسفوري أرجاء المنشأة
مع انطلاق صافرات الإنذار
صدى صوت القفل الإلكتروني
كان أشبه بإعلان
احتجاز أبدي داخل هذا الجحيم.
LOCKDOWN ACTIVATED
كانت الكلمة
تومض على الشاشة المركزية كقلب يخفق بالخطر.
تراجع مراد خطوتين إلى الخلف
عيناه اللتان لم تعرفا الخوف يوماً كانت تتسعان بذعر حقيقي وهما تراقبان الشاشة
الرجل المجهول المقترب
من الباب الرئيسي
لم يكن مجرد طيف من الماضي...
كان الكابوس الذي ظن الجميع أنه دفن منذ سنوات.
قالت جنة
بصوت لا يكاد يُسمع
وهي تضغط على يد يوسف بقوة:
"مراد... مين ده؟
أبويا قال إنك مش صاحب المشروع، وأمي قالت ما نثقش في أبونا... مين اللي واقف بره؟"
التفت إليها مراد بسرعة، واختفت نبرة السيطرة والغرور من صوته كلياً:
"الـ Director... المدير. الشخص اللي كان بيحركنا كلنا زي العرايس. الأب، والأم، وأنا، وكمال... كلنا كنا مجرد قطع شطرنج في رقعته!"
صرخ يوسف
وهو يتقدم خطوة أمامه يحمي جنة بجسده:
"أنت بتكدب تاني! أنت عايز تشتت انتباهنا عشان تأخد الذاكرة وتنفذ اللي جيت عشانه!"
ضحك مراد ضحكة منكسرة ملطخة بالمرارة:
"أخد الذاكرة؟
يا غبي! المنشأة أتقفلت علينا كلنا! السيستم
ما بيفتحش للمدير إلا في حالة واحدة... لو تقرر تصفية كل العينات ومحو المشروع بالكامل!"
تجمدت جنة.
"تصفية؟"
في تلك اللحظة، تحركت الشاشة الفرعية المقابلة، وظهر عليها بث مباشر من الممر الخارجي. كان الرجل يتقدم بخطوات ثابتة وواثقة، يرتدي معطفاً داكناً، وفي يده جهاز تحكم صغير. لم تظهر ملامح وجهه بوضوح بسبب الإضاءة الخافتة، لكن هيبته كانت تجبر المكان على الخضوع.
فجأة، انبعث صوت عبر مكبرات الصوت الصوتية لغرفة التحكم... صوت هادئ، بارد، خالي من أي عاطفة:
"مراد... يبدو أنك فشلت في استخراج الذاكرة الأولى في الوقت المحدد."
بلع مراد ريقه وقال وهو ينظر للمكبر:
"الذاكرة كانت محمية بشفرة مشتركة بين الطفلين والأم! ما كانش ممكن..."
قاطعه الصوت البارد:
"لا تعتذر. الفشل في هذا المشروع عقابه معروف."
ثم سكت الصوت للحظة، قبل أن ينتقل الحديث لـ جنة ويوسف:
"جنة... يوسف. أهلاً بكما في البيت. المكان الذي وُلدتما فيه... والمكان الذي صُممتما لتكونا نهايته."
اقتربت جنة من الشاشة بخطوات ترتجف، وقالت بنبرة مشتعلة بالوجع والاحتجاج:
"مين أنت؟! أمي فين؟ وبابا... بابا حي ولا مات؟ مين الخاين فيهم؟!"
صدرت ضحكة قصيرة وباردة من السقف:
"الخيانة كلمة نسبية يا جنة. أمك خانت المشروع لتنقذكِ، وأبوكِ خان أمكِ لكي يحمي المشروع، ومراد خان الجميع ليحصل على السلطة... أما أنا؟ فأنا الوحيد الذي بقيت وفياً
للهدف الأساسي."
سأل يوسف وهو يحاول البحث عن أي مخرج بعينيه:
"إيه هو الهدف الأساسي؟ نقل الذكريات؟ ولا محوها؟"
أجاب الصوت:
"إعادة كتابة الإنسان. سرقة الذكريات لم تكن سوى الخطوة الأولى... الهدف هو التحكم الكامل بما يشعر به البشر وما يعتقدونه. وأنتما... العينة 01 والعينة 02... البذرة الأولى لهذا المستقبل."
ثم أردف الصوت بنبرة صارمة:
"والآن... حان وقت استعادة الأمانة."
فجأة، أضاءت القطعة المعدنية التي في يد جنة بنور أحمر دافئ.
الرقمين 01 - 02 بدأ يظهر تحتهما سطر جديد محفور بالليزر بصورة خفية!
نظر يوسف ليد جنة وشهق:
"جنة! شوف القطعة!"
نظرت جنة ليدها، وقرأت الكلمات المكتوبة تحت الرقمين بصوت منخفض:
"الله هو الحفيظ... والسر في قلب المفتاح."
انقبض قلب جنة، وانسابت دموعها بغزارة... تذكرت صوت والدتها وهي تقرأ لها آيات القرآن وهي صغيرة، تذكرت النور الذي كان يغمر قلبها قبل أن تدخل هذا الجحيم من التكنولوجيا المظلمة.
قال مراد وهو يلاحظ النور في يدها:
"إيه ده؟ القطعة دي مش مجرد شفرة... دي مفتاح التدمير الذاتي للبرنامج!"
صرخ الصوت عبر المكبرات بفقدان للسيطرة لأول مرة:
"مراد! خذ القطعة منها فوراً! لا تدعها تفعل رمز الاسترداد!"
تحرك مراد بسرعة ونحوها، لكن يوسف اندفع بنحوه واندلعت بينهما مشاجرة عنيفة. اندفع يوسف بكل قوته دفاعاً عن أخته، متذكراً كلماته لها قبل لحظات: "مش هسمح لهم يفصلونا تاني!"
استغلت جنة الثواني، وركضت نحو الجهاز الرئيسي.
الذكريات بدأت تتدافع في عقلها كالسيل...
رأت وجه والدتها وهي تهمس لها في طفولتها: "لما تضيعي يا جنة... ادعي ربنا، وتذكري إن الذاكرة الحقيقية هي اللي حفرها ربنا في قلبك، مش اللي كتبوها في عقلك."
وضعت جنة القطعة المعدنية في المنفذ الثاني للجهاز، وأدخلت الشفرة التي لم تكن أرقاماً... بل كانت الكلمة التي رددتها أمها في تسجيلها الأخير:
"أستودعكم الله."
ضغَطت جنة على زر التأكيد.
توقفت أجهزة التحكم عن العمل فوراً، وانطفأت الشاشة المركزية كلياً، ثم اشتعلت شاشة واحدة باللون الأبيض الناصع، وظهر عليها أمر مكتوب بخط عريض:
SYSTEM PURGE INITIATED
MEMORIES RESTORED TO ORIGIN
صرخ مراد وهو يسقط أرضاً بعد أن دفعه يوسف:
"عملتي إيه؟! مسحتي الداتا كلّها!"
صرخت الشاشات بالإنذار النهائي:
EVACUATE IMMEDIATELY. SELF-DESTRUCTION IN 60 SECONDS.
انفتح باب غرفة التحكم الهيدروليكي فجأة نتيجة إلغاء النظام!
ظهر من خلف الباب كمال، وهو يستند على الجدار بجسده الملطخ بالدماء، يبتسم بتعب
"أنا قلت لكم... أبوكم كان عامل حساب اليوم ده. أجروا... المخرج السري المباشر المفتوح!"
نظر يوسف لـ كمال:
"وأمي؟ أين أمي؟!"
قال كمال وهو يشير لإحدى الشاشات الصغيرة التي ما زالت تعمل:
"أمك خرجت من المنشأة من المخرج الخلفي من 5 دقايق... الرسالة اللي شفتوها على الشاشة كانت مسجلة! هي كانت بتشغل مراد عشان تمنحه الوقت يفتح لكم الأبواب!"
شهقت جنة:
"ماما عايشة وبرا؟!"
قال كمال:
"ايوة! اطلعوا لها... بسرعه!"
التفت جنة ويوسف لـ مراد الذي كان يجلس مذهولاً أمام الشاشات الميتة، يتأمل خسارة كل شيء في لحظة.
قال يوسف:
"تعال معانا يا مراد... المكان هينفجر!"
نظر إليهما مراد بعينين فارغتين، وابتسم ابتسامة مكسورة:
"أنا بنيت حياتي كلها على الوهم ده... ماليش مكان بره."
ثم ألقى لهما بمفتاح إلكتروني صغير:
"ده سيارات الطوارئ بره... روحي يا جنة. احمي ذاكرتك الحقيقية."
سحب يوسف يد جنة، وكمال يستند عليهما، وركضوا جميعاً في الممر الخارجي بينما كانت
جدران المنشأة تبدأ في الانهيار والاحتراق
خرجوا إلى الهواء الطلق... كانت الليلة مظلمة، وسماء القاهرة تحتضن النجوم في صمت مهيب.
وعلى بعد خطوات قليلة من مخرج الطوارئ، كانت تقف امرأة تلف جسدها برداء أسود، تنتظر بشوق ودموع تملأ عينيها.
التفتت جنة...
وتوقفت أنفاسها
قالت المرأة بصوت دافئ يملؤه الحنان، الصوت الوحيد الذي لم تستطع سنوات التجارب والظلام أن تمحوه من قلب جنة:
"حين يناديك الله يا بنيتي... لا يستطيع أحد أن يحتجزكِ في الظلام."
سقطت القطعة المعدنية من يد جنة على الأرض، وركضت هي ويوسف نحو أحضان أمهما، بينما دوت في الخلفية انفجارات المنشأة وهي تتهاوى لتصير ركاماً وتحترق معها كل أسرار المشروع المظلم.
لكن... بين الركام المشتعل للمنشأة، وعلى مسافة ليست ببعيدة، كان هناك هاتف ملقى على الأرض يضيء بشاشة بيضاء، وتظهر عليه رسالة نصية واحدة وصلت للتو من رقم مجهول:
"المشروع لم ينتهِ بعد... العينة 01 والعينة 02 تحت المراقبة."
تمت_بحمد_الله
لقراءة جميع فصول الرواية من هنا