
رواية حين يناديك الله الفصل الرابع عشر 14 بقلم هيام ايمن الطوخي
"ليس كل ما يطرق باب قلبك خيرًا... فاستخر الله دائمًا، فإن الخير فيما اختاره لك."
مرت أيام قليلة...
وبدأت جنة عملها التطوعي داخل مؤسسة "نور الأمل".
لم تكن ترى نفسها مسؤولة...
بل كانت ترى نفسها خادمة لكل محتاج.
كانت أول من يأتي...
وآخر من يغادر.
ترتب الملفات...
تزور الأسر...
تطمئن على الأطفال...
وتبتسم في وجه الجميع.
حتى أصبح وجودها مصدر راحة لكل من حولها.
وفي أحد الأيام...
دخل رجل مسن إلى المؤسسة.
كان يحمل كيسًا صغيرًا...
وعيناه ممتلئتان بالدموع.
قال بصوت متقطع:
"بنتي... أنا مش جاي أطلب مساعدة."
تعجبت جنة.
وقالت بلطف:
"أومال حضرتك جاي ليه؟"
ابتسم الرجل.
وأخرج من الكيس رغيفين من الخبز.
وقال:
"دول آخر حاجة عندي... بس حبيت أشارك بيهم حد محتاج أكتر مني."
ساد الصمت...
وشعرت جنة أن الكلمات خانتها.
قالت وهي تحاول إخفاء دموعها:
"حضرتك أولى بيهم."
ابتسم الرجل في رضا.
وقال:
"يا بنتي... اللي عرف ربنا عمره ما خاف من بكرة."
توقفت جنة أمام تلك الجملة طويلًا.
شعرت وكأنها رسالة من السماء.
فكم مرة خافت من الغد...
ونسيَت أن الذي تكفل بأمسها...
لن يتركها غدًا.
وفي نهاية اليوم...
كانت تراجع بعض الأوراق.
فدخلت إليها الموظفة المسؤولة.
وقالت بابتسامة:
"في شخص بيسأل عنك."
رفعت جنة رأسها باستغراب.
"عنّي أنا؟"
"أيوه."
خرجت بخطوات هادئة.
لتجد شابًا يقف في ساحة المؤسسة.
كان يبدو في أواخر العشرينات.
ملامحه هادئة...
وعيناه تحملان وقارًا غريبًا.
ما إن رآها...
حتى قال باحترام:
"السلام عليكم."
أجابت:
"وعليكم السلام."
قال:
"أنا اسمي يوسف."
ثم سكت للحظة.
وأكمل:
"أنا المتبرع اللي بيمول جزء كبير من أنشطة المؤسسة."
تعجبت جنة.
فقد كانت تتوقع رجلًا كبيرًا في السن.
ابتسم يوسف.
وقال:
"سمعت عنك من الجميع."
خفضت بصرها.
وقالت في حياء:
"كلهم بيبالغوا."
ابتسم.
وقال:
"واضح إنهم كانوا بيقولوا أقل من الحقيقة."
شعرت جنة بشيء من الارتباك.
لكنها تمالكت نفسها.
وقالت:
"لو سمحت... الفضل لله وحده."
هز رأسه بإعجاب.
وقال:
"وده بالضبط السبب اللي خلاني أحب أقابلك."
عاد يوسف إلى سيارته...
بينما بقيت جنة تنظر في أثره للحظات.
ثم استغفرت الله سريعًا.
وقالت في نفسها:
"يا رب... لا تجعل قلبي يتعلق إلا بما يرضيك."
فقد تعلمت...
أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن.
وأن أجمل حب...
هو الذي يبدأ بطاعة الله.
وفي تلك الليلة...
وقفت جنة بين يدي الله في صلاة الليل.
كانت تدعو طويلًا.
ثم قالت وهي تبكي:
"يا رب...
إن كان في حياتي خير لا أعلمه...
فقربه مني.
وإن كان فيها شر أجهله...
فاصرفه عني.
ولا تجعل قلبي يميل إلا لما تحبه وترضاه."
أنهت صلاتها...
وشعرت بسكينة لم تشعر بها منذ زمن.
أما في مكان آخر...
فكان يوسف يجلس مع والدته.
قالت له بابتسامة:
"مالك يا يوسف؟ شكلك سرحان."
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال:
"قابلت النهارده إنسانة مختلفة."
سألته والدته:
"مختلفة في إيه؟"
أجاب وهو ينظر إلى السماء من نافذة المنزل:
"في زمن الكل بيدور فيه على اللي ياخد...
هي كانت بتدور على اللي تدي."
ابتسمت والدته.
وقالت:
"لو كانت صالحة...
فادع الله أن يكتبها لك بالحلال."
ابتسم يوسف...
ولم يقل شيئًا.
أما جنة...
فلم تكن تعلم..
أن هذا اللقاء...
لم يكن مجرد صدفة.
بل كان بداية اختبار جديد...
سيكشف لها...
أن الحب الحقيقي لا يقربك من شخص فقط...
بل يقربك من الله أولًا.
يتبع...