رواية لسة أجمل يوم مجاش الفصل الثامن 8 بقلم نور إسماعيل


رواية لسة أجمل يوم مجاش الفصل الثامن 8 بقلم نور إسماعيل


كانت المحادثة بين دنيا وهويدا تنساب عبر شاشةٍ باردة، لكنها في داخل دنيا كانت تشتعل كجمرٍ لا يخبو. بدأت هويدا حديثها بنبرةٍ عابرة، تخبرها أنّ وسام قد تغيّر كثيرًا، وأن هيئته لم تعد كما عهدتها، حتى إنّ من يراه قد لا يتعرّف إليه بسهولة. بدا عليه—كما وصفت—مظهرٌ مختلف، وحضورٌ لافت، يكاد يفيض حيويةً وانطلاقًا. توقّفت دنيا عند تلك الكلمة الغريبة التي استخدمتها صديقتها، تستوضح معناها، فمرّت هويدا عليها مرورًا سريعًا، وكأنّ التفاصيل القادمة أهمّ من الشرح.


استرسلت هويدا في الحديث، تذكر أنّ وسام احتفل بعيد ميلاده، لكنها لم تتمكّن من الاقتراب منه لانشغالها بأصدقائها. كان وقع الخبر عاديًا في ظاهره، غير أنّه لم يكن كذلك في قلب دنيا. تساءلت بصوتٍ خافت عمّا جرى بعد ذلك، وكأنّها تخشى الإجابة قبل أن تسمعها. عندها أخبرتها هويدا أنّ وسام أمضى وقته في الرقص، ولم يكن وحده، بل كان برفقة فتاةٍ بدت صغيرة السن، ذات ملامح بريئة، أقرب إلى الطفولة منها إلى النضج.


تجمّدت الكلمات في حلق دنيا، وارتسمت على وجهها علامات دهشةٍ ممزوجة بغيرةٍ حاولت عبثًا أن تخفيها. لم تصدّق بسهولة، فقد كان وسام في ذاكرتها بعيدًا عن هذا العالم الصاخب، عالم الرقص والاختلاط. راودها شكٌّ سريع، وكأنها تتعلّق بأي احتمالٍ ينفي ما سمعته، غير أنّ هويدا أكدت الأمر بثقةٍ لا تحتمل اللبس.


في تلك اللحظة، لم تعد دنيا قادرة على إخفاء ما يعتمل في صدرها، فبان الحزن على ملامحها، حتى وإن أنكرت ذلك بلسانها. حاولت أن تبدو متماسكة، فادّعت أنّها ليست حزينة، وأنّ من حق وسام أن يعيش حياته كما يشاء، بل وأوحت أنّها هي من دفعت الأمور إلى هذا المصير. غير أنّ هويدا، التي تعرفها جيدًا، لم تقتنع بهذا القناع الواهي، وأشارت إلى التغيّر الواضح الذي طرأ عليها.


اعترفت دنيا، بصوتٍ خافتٍ مثقلٍ بالتعب، أنّ ما بينهما لم يكن مجرّد كلماتٍ عابرة، وأنّ حبّها له ما زال قائمًا، متجذّرًا في أعماقها، لا تستطيع اقتلاعه مهما حاولت. أكّدت أنّ هذا الشعور ليس ذنب وسام، بل هو قدرها الذي تحمله وحدها. بدا حديثها أشبه باعترافٍ متأخر، خرج أخيرًا بعد طول كتمان.


استغربت هويدا هذا التناقض الصارخ؛ كيف لامرأةٍ أن تحبّ بهذا العمق، ثم تختار الرحيل؟ سألتها بوضوحٍ عن السبب، وكأنّها تدفعها إلى مواجهة الحقيقة التي تهرب منها. عندها لم تجد دنيا مهربًا من الإجابة، فتدفّق الألم من بين كلماتها. أوضحت أنّها لا تستطيع أن تكون زوجةً كاملة، وأنّ ما فقدته من جسدها لم يكن أمرًا هيّنًا، بل كان يمسّ جوهر أنوثتها في نظرها. تحدّثت عن المرض الذي أصابها، وعن العملية التي غيّرت جزءًا من جسدها، وكيف رأت نفسها بعدها ناقصةً، لا تستحقّ أن ترتبط برجلٍ تحبّه.


انهارت باكية، وكأنّها تعيش اللحظة من جديد، لحظة الفقد والخوف والقرار القاسي. حاولت هويدا أن تعيد الأمور إلى نصابها، مؤكدة أنّ ما حدث ليس إلا قضاءً وقدرًا، وأنّ إخفاءها الحقيقة عن وسام ثم فسخ الخطبة قبل الزفاف بفترةٍ قصيرة كان ظلمًا لنفسها وله. رأت في تصرّفها قسوةً لا مبرّر لها، واعتبرت أنّ الصراحة كانت ستمنحهما فرصةً حقيقية لاتخاذ القرار معًا.


غير أنّ دنيا تمسّكت برأيها، معتبرة أنّ إخبار وسام بالحقيقة كان سيضعه في موقفٍ صعب، وربما يدفعه للبقاء معها بدافع الشفقة لا الحب، وهو ما لم تكن لتحتمله. كما راودها خوفٌ آخر، خفيٌّ لكنه عميق، يتعلّق بالمستقبل، بإمكانية أن يورّث المرض لأطفالهما، أو أن يعيش في قلقٍ دائم بسببها. رأت أنّ الانسحاب بصمتٍ هو الخيار الأقل ألمًا، حتى وإن بدا قاسيًا.


لم تتفق هويدا مع هذا المنطق، بل رأت فيه هروبًا مغلّفًا بالتضحية، مؤكدة أنّ ما فعلته لم يكن سوى تعذيبٍ متبادل، وأنّها دفنت نفسها في عزلةٍ بعيدة، تتذرّع بالعمل والانشغال لتخفي جرحًا لم يلتئم. حاولت أن تهزّها من هذا الجمود، لكن دنيا أغلقت باب النقاش، معلنة أنّ الأمر انتهى منذ زمن، وأنّ وسام قد مضى في حياته، وربما وجد من يملأ الفراغ الذي تركته.


ومع ذلك، لم تستطع أن تمنع دموعها من الانهمار. كان مجرّد تخيّل أنّه قد نسيها كفيلًا بتمزيق ما تبقّى من صمودها. اعتذرت بصوتٍ مرتجف، ثم أنهت الاتصال فجأة، هربًا من مزيدٍ من الانكشاف.


بقيت وحدها، تواجه حقيقةً مرّة: أنّ الألم قد يُحتمل حين يكون مشتركًا، حين يتقاسمه اثنان بصمتٍ متوازٍ، لكنّه يصبح أكثر قسوةً حين يمضي أحدهما قُدمًا، ويترك الآخر عالقًا في الماضي، أسير ذكرى لم تعد تعني للطرف الآخر شيئًا.


••••


كان المكتب في ذلك اليوم يموج بحركةٍ اعتيادية، غير أنّ لكلٍّ من الجالسات فيه عالمها الخاص الذي تنعزل داخله. جلست مي في مكانها شاردة الملامح، يكسوها ضيقٌ غامض لا تعرف له سببًا، فتبدو كأنها على وشك الانفجار من أقل كلمة. إلى جوارها كانت أمنية منشغلة بهاتفها، تتابع حديثها مع شريف عبر مواقع التواصل، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ متواصلة، توحي بمرحٍ لا ينقطع. أمّا منّة، فكانت غارقةً في عالمٍ آخر، تستمع إلى أغاني أصالة عبر حاسوبها، تتأمّل صورة وسام على الشاشة بنظرةٍ حالمة، وكأنها تهرب من الواقع إلى ذكرى أو أمنية.


دخلت غادة المكتب بعد أن أنهت حديثها مع ممدوح وسامح، وجلست في مكانها، ثم التفتت نحو مي تناديها برفق، محاولةً لفت انتباهها. غير أنّ مي ردّت بنفاد صبر، طالبةً منها الصمت، ثم أوضحت بحدةٍ أنّ مزاجها سيئ للغاية، وأنها لا ترغب في الحديث مع أحد. تقبّلت غادة الرد بصمتٍ حزين، وقد بدا عليها الانزعاج، قبل أن تحوّل انتباهها إلى أمنية، تسألها عمّا تفعل. فجاءها الجواب مصحوبًا بضحكةٍ خفيفة، إذ أوضحت أنها تتحدث مع شريف الذي يملأ يومها بالمرح.


لم تُعلّق غادة كثيرًا، بل نهضت لتشرب بعض الماء، وحين عادت، وقع نظرها على منّة، فسألتها عمّا كانت تفعله. ارتبكت منّة للحظة، وأغلقت حاسوبها سريعًا، محاولةً التظاهر بالهدوء، مما أثار ضحك غادة، التي لم تخفِ ملاحظتها لارتباكها المفاجئ. أنكرت منّة وجود ما يثير القلق، فأنهت غادة الموقف بابتسامةٍ خفيفة، ثم أعلنت نيتها مغادرة المكان، مفضّلة الجلوس مع زملائهم في المكتب الآخر، إذ رأت أن الأجواء هنا أصبحت خانقة.


بقيت مي على حالها من الضيق، لا تدري له سببًا، وكأنّ ثقلًا خفيًا يجثم على صدرها. ومع انتهاء ساعات العمل، غادرت المكتب وهي ما تزال تحمل ذلك الشعور المربك. قادت سيارتها في صمتٍ تام، حتى وصلت إلى منزلها، فأوقفتها أمام الباب، ولا تزال حيرتها تلازمها، عاجزةً عن فهم ما يعتمل في داخلها.


ترجّل وسام من سيارته بهدوءٍ ظاهري، ثم اتجه نحو مدخل العمارة بخطواتٍ واثقة. في اللحظة نفسها، لمح مي تسبقه بخفةٍ مفاجئة، تركض كأنها في سباقٍ طفولي، حتى سبقتْه إلى المصعد. وما إن استدارت إليه حتى راحت تشير بيديها بحركاتٍ مستفزّة، تقصد بها إغاظته، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ مشاكسة.


لم يحتمل وسام ذلك التحدي الصغير، فاندفع مسرعًا، ومع اقتراب باب المصعد من الإغلاق، أدخل حقيبته بسرعةٍ ليمنعه من الانطباق، ففتح الباب مجددًا، ودخل وهو يلهث قليلًا. التفت إليها بنظرةٍ منتصرة، ثم قال بنبرةٍ مازحة: "شوفتي؟ لحقت المراجيح... ومسبتكيش تركبي لوحدك برضو."


اقترب قليلًا، مال نحوها، لكن مي تراجعت بحدة، وقالت وهي تحاول الحفاظ على مسافة: "لو سمحت اتكلم من بعيد."


رفع حاجبيه مستنكرًا: "ده ليه إن شاء الله؟"


أجابت بجديةٍ مفتعلة: "عشان مهما كان... الأسنسير مكان مقفول، والشيطان شاطر وكده."


ابتسم بسخريةٍ خفيفة، وردّ: "أيوة الشيطان شاطر... بس ده لما أكون معايا أنثى مثلًا!"


اتسعت عيناها بدهشةٍ ممزوجة بالغضب: "إيه! ليه أنا إيه يا بتاع إنت؟!"


مدّ يده فجأة، أمسك بخصلات شعرها ورفعها قليلًا، موجّهًا نظرها نحو مرآة المصعد، وقال بنبرةٍ ساخرة: "طب أنا هذمّك... ده منظر بنت؟! إيه الليفة دي؟ الليفة دي للاستحمام مش بتتحط على الراس يا ماما!"


لم تحتمل مي سخريته، فدفعت يده بعنف، ثم عضّته في يده بقوة. صرخ متألمًا: "آآآه! سِعرانة وكمان كلبة؟! مش كفاية شبه الشحاتين وساكتين لك!"


اشتعلت غضبًا وردّت بسرعة: "أنا كلبة يا حتة حيوان؟! لا بتفهم في الذوق ولا الإتيكيت!"


توقف المصعد أخيرًا، وما إن فُتح الباب حتى دفعها قليلًا للأمام قائلًا بتهكم: "اطلعي يا أختي... جتك خيبة!"


استدارت وضربته على كتفه وهي تتمتم: "طب غور!"


خرج الاثنان، وكلٌّ منهما يتجه نحو شقته، بينما كانت مي تتمتم غاضبة: "يارب تموت... يارب يا جزمة يا اللي معندكش دم!" ثم أخرجت لسانها في حركةٍ طفولية.


ردّ وهو يضحك ساخرًا: "ما أنا أكيد بعد عضتك دي هتسمم وأموت... إلا بقى لو خدت واحد وعشرين حقنة!"


صرخت من بعيد: "إهو إنت... إهو إنت يا وقح!" ثم أغلقت باب شقتها بعنف.


أما هو، فتمتم ساخرًا: "غوري... وإنتِ شبه أم سيد اللي بتبيع عيش كده بشعرك ده!"


دخلت مي شقتها وهي ما تزال تغلي، لكنها توقفت أمام المرآة خلف الباب، تتأمل نفسها. رفعت شعرها، عدّلته قليلًا، ثم جمعته بإحكام. فجأةً، تسللت ابتسامةٌ خفيفة إلى شفتيها، كأن الغضب تلاشى دون استئذان. ألقت مفاتيحها وحقيبتها بلا اهتمام، ثم قفزت على سريرها، استلقت على ظهرها، تحدّق في السقف، ولا تزال تلك الابتسامة الغامضة تزين وجهها.


••••


مرّ أسبوعٌ كامل منذ تلك الليلة، وتبدّلت فيه أشياء كثيرة، كان أبرزها ذلك التغيّر الواضح في هيئة وسام. لم يعد كما كان؛ فقد استمر على مظهره الجديد منذ حفل الكريسماس، حتى صار محلّ دهشة كلّ من يراه، وكأنّ شخصًا آخر قد حلّ محلّه. وفي إحدى الأمسيات، اجتمع مع شريف في صالة بلياردو، يتنافسان في لعبةٍ اعتاداها، يتبادلان خلالها المزاح والسخرية كعادتهما.


وبينما كان وسام يركّز على ضربته، التفت إلى شريف ضاحكًا، وقال: "شوفت يا عيني البت منى لما كنا بنحكيلها عن حفلة الكريسماس؟ قالت ياريتني كنت معاكو!"


قهقه شريف بسخرية، وهو يهز رأسه: "وإنت كنت عايزها تكون معانا؟! دي كانت قلبتها من كريسماس لهالوين يا راجل!"


ضحك وسام، محاولًا تهدئة سخريته: "يا عم بطل تريقة على الناس."


لكن شريف لم يتوقف، بل استرسل ضاحكًا: "طب بذمتك، شفت مناخيرها؟! مترين! ولا عينيها الحولة... ده جدي كان فيه أنوثة عنها!"


قطّب وسام حاجبيه، وقال بنبرةٍ جادة: "عيب تتكلم على واحدة زي أختنا كده يا زفت الطين."


ابتسم شريف بمكر: "يعني لو مش أختنا كان عادي؟"


انفجر وسام ضاحكًا، وهو يشير إليه: "ههههه... اخلص والعب، ولا عايز ألبسك بيست النهارده كمان؟"


ثم تناول كوب العصير، ارتشف منه قليلًا، قبل أن يعقّب بامتعاض: "البتاع ده طعمه مش حلو... شكل الفاكهة مش طازة."


ردّ شريف ببساطة: "خلاص متشربوش."


ابتسم وسام ساخرًا: "بعد ما خلصته؟! العب يا عم."


استأنفا اللعب، وما هي إلا لحظات حتى صرخ شريف بانتصار: "طب خد يا معلم... إيييييه! كسبتك!"


رفع وسام حاجبيه بثقة: "قفلت الجيم يا ابن الفقرية!"


لكن فجأة، تغيّر وجهه، ووضع يده على بطنه متألمًا. لاحظ شريف ذلك، فسأله بقلق: "مالك؟"


أجاب وسام بصوتٍ متقطّع: "بطني وجعاني... كده فيه ألم خفيف."


اقترب منه شريف أكثر: "طب أجيب لك حاجة من الصيدلية؟"


هزّ وسام رأسه رافضًا: "لا لا... المغص من بدري أصلاً، بس كان خفيف وابتدى يزيد."


اتسعت عينا شريف بقلقٍ مفاجئ: "ليكون العصير مسموم ولا حاجة؟!"


ردّ وسام بسرعة، وهو يضغط على بطنه: "لا... المغص من قبل العصير."


لكن الألم اشتد فجأة، فتجمّد جسده، وبردت أطرافه، وصرخ بصوتٍ عالٍ: "الحقني يا شريف... آااااه!"


ارتبك شريف، وصرخ بأعلى صوته: "وساااااااام! حد يشوف إسعاف يا جدعان!"..



                    الفصل التاسع من هنا 

             لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة