رواية لسة أجمل يوم مجاش الفصل السادس 6 بقلم نور إسماعيل


رواية لسة أجمل يوم مجاش الفصل السادس 6 بقلم نور إسماعيل


حلّت إجازة المكتب على مَيّ، لكنّها لم تكن الإجازة التي تُنعش الروح كما تخيّلت. استيقظت بجسدٍ مُثقل، كأنّ التعب قد استقرّ في عظامها، لا رغبة لها في الحركة ولا قدرة على مغادرة فراشها بسهولة. ظلّت تتمدّد بلا هدف، تتأفّف من الإرهاق الذي لا تعرف له سببًا واضحًا. وحين ضاق بها صمت البيت، قرّرت أن تستدعي بعض الدفء الإنساني، فاتصلت بصديقاتها تدعوهن لقضاء اليوم معها.


جاءها اعتذار أمنية بصوتٍ مُثقَل بالقلق على والدتها المريضة، وتبعته رسالة منّة التي بدت غارقة في انكسار عاطفي لا يسمح لها بمواجهة العالم. أمّا غادة، فكان صمتها أشدّ إزعاجًا؛ لم تُجب على الهاتف، ولم تُرسل حتى كلمة واحدة. أغلقت مَيّ الهاتف بضيقٍ واضح، ثم نهضت أخيرًا، كأنّها تُجبر نفسها على استعادة السيطرة. أخذت حمّامًا دافئًا أعاد إلى جسدها شيئًا من الحيوية، وارتدت ملابسها، وقرّرت أن تقضي يومها مع والدها بدلًا من الاستسلام للوحدة.


قبل أن تغادر، مرّت على عمّ سليمان، حارس العقار، بابتسامتها المعتادة التي لا تفارقها حتى في أضيق حالاتها. ألقت عليه تحيةً مرِحة، وسألته عن حاله، ثم باغتته بسؤالٍ ساخر عن سبب عدم زواجه حتى الآن، فضحك وأجابها بطريقته البسيطة. في تلك اللحظة، ظهر وسام عائدًا من الخارج، فاسترق همسةً مازحة اقترح فيها عليها أن تتزوّج عمّ سليمان، فانفجرت ضاحكة، وردّت عليه بسخريةٍ لاذعة، قبل أن تلوّح له بلسانها في طفولةٍ عفوية وتغادر.


في طريقها إلى والدها، لم تتوقّف عن محاولة الاتصال بغادة، وكأنّ عدم ردّها يثير داخلها فضولًا ممزوجًا بالضيق. لم تكن تقلق عليها بقدر ما كانت ترفض أن تُترك بلا إجابة.


في مكانٍ آخر، كانت غادة تقضي يومًا مختلفًا تمامًا. اختارت أن تبتعد عن العالم قليلًا، وأن تمنح نفسها فرصةً لاكتشاف مشاعر جديدة مع ممدوح. كانا يتنزهان عند الأهرامات، يجرّبان ركوب الخيل رغم خوفهما الواضح. تعالت ضحكاتهما وهما يحاولان التماسك فوق الحصان، وقد امتزج الخوف بالمرح في لحظةٍ خفيفة لا تُنسى.


وحين هدأت حركتهما، جلسا في أحد المقاهي القريبة. نظرت غادة إلى هاتفها الذي لم يتوقّف عن الاهتزاز، فرأت اسم مَيّ يتكرّر بإصرار، فاكتفت بجعله صامتًا. سألها ممدوح عن المتصل، فأجابت ببساطة، ثم رفضت الرد دون تبريرٍ مقنع، وكأنّها اختارت أن تعيش تلك اللحظة بعيدًا عن أي التزام.


ومع رشفةٍ من قهوتها، بدأت تعترف له بشيءٍ تغيّر داخلها؛ أخبرته أنّها لم تكن تراه على حقيقته من قبل، وأنّها الآن تدرك كم هو مختلف. لم يُخفِ ممدوح دهشته، لكنه لم يُخفِ أيضًا ارتياحه، فقد بدا له أنّ هذه البداية تستحق المحاولة، حتى لو جاءت متأخرة.


•••


جلسا في ذلك الركن الهادئ من المقهى، حيث تمتزج رائحة القهوة بدفء الأحاديث الخافتة، وكانت منى تبدو مترددة، تعبث بكوبها كأنها تبحث داخله عن الكلمات التي تعجز عن قولها. أمّا وسام، فكان ينظر إليها بهدوءٍ معتاد، ذلك الهدوء الذي طالما منحها شعورًا بالأمان، لكنه اليوم بدا وكأنه يقف على مسافةٍ غير مرئية بينهما.


رفعت منى عينيها أخيرًا، وقد بدا في صوتها شيء من الارتباك وهي تقول:


«معرفش بس هو متملكني من فترة كده».


ابتسم وسام ابتسامة خفيفة، لكنها لم تحمل هذه المرة نفس العفوية، ثم قال:


«بس أنا عمري ما حسّيت بالحب ده… هو مش بيقولوا من القلب للقلب رسول؟»


أومأت منى بسرعة:


«أيوة».


تنهد وسام قليلًا قبل أن يُكمل، بنبرةٍ أكثر جدية:


«إنتِ بالنسبة لي أكتر من أختي… مافيش».


لم تستطع منى أن تخفي ما بداخلها، فقاطعته قائلة:


«بس أنا بحس يا وسام…»


رفع يده برفق ليوقفها:


«ممكن أكمل كلام؟»


تراجعت قليلًا وقالت بهدوء:


«اتفضل».


اعتدل وسام في جلسته، وكأنه يُرتب أفكاره بعناية قبل أن ينطق بها، ثم قال:


«بصي يا منى… فكرة إني مهتم بيكي، وبحب أسمع أخبارك، وإنك واخدة على البيت عندنا وماما بتحبك… كل ده قرّبني ليكي في المودة. خلانا نشوف بعض من قريب، ونفهم بعض أكتر. يمكن وقفت جنبك، وده لأني بجد بحبك زي أختي. ولو أختي مكانك، كنت هعمل نفس اللي عملته بالظبط».


صمت لحظة، ثم تابع بنبرةٍ أعمق:


«كمان فكرة الفراغ العاطفي اللي إنتِ عايشة فيه، ممكن تكون خلتك تحسي إني الراجل المناسب. لكن صدقيني… لو فتشتي جوه نفسك، من جوه أوي، هتلاقي إنك مش بتحبيني الحب اللي تقصديه خالص».


قطبت منى حاجبيها، وقد شعرت بوخزةٍ خفيفة في قلبها:


«يعني هو ده تقييمك لفكرة حبي ليك؟»


هزّ رأسه بهدوء:


«مش تقييم يا منى… دي الحقيقة، والله».


اقترب قليلًا في حديثه، وكأنه يحاول أن يصل إليها دون أن يؤذيها:


«بصي، لو أنا وافقت إننا نقرب من بعض كحب وكده… إنتِ بعد فترة هتلاقي نفسك غلطتي كتير، وإن إحساسك بيا كأخ كان أحلى».


ساد الصمت بينهما للحظات، كانت كفيلة بأن تعيد ترتيب مشاعر منى، قبل أن تقول بصوتٍ منخفض:


«طيب… أنا هفكر في اللي قولته ده».


ابتسم وسام بثقة هادئة:


«وهتلاقيني صح. وبعدين عايز أقولك حاجة… صداقتنا دي أحلى مليون مرة من أي ارتباط عاطفي».


نظر بعيدًا قليلًا، وكأنه يرسم صورة في خياله، ثم قال:


«تخيلي نفسك في الكوشة مع حد ارتحتيله وقدّرك، وأنا واقف جنبك في فرحك، بسندك زي أخوكي بالظبط… هتفرحي أكتر، ولا لما أكون أنا اللي جنبك ومش حاسس بيكي؟»


خفضت منى عينيها، ولم تجد إجابة مباشرة.


تابع وسام بابتسامة خفيفة:


«وأنا كمان، لما أبقى في فرحي، وإنتي جاية تباركيلي، وقبلها بحكيلك قد إيه بحب مراتي… إنتي هتبقي أسعد من إننا نكون سوا وأنا مش قادر أديكي اللي تستحقيه».


تنهدت منى وقالت بتردد:


«مش عارفة يا وسام… كلامك مقنع. إنت بتقرا تنمية بشرية وبتفهم عني… بس إحساسي…»


قاطعها برفق:


«والله إحساس عارض وهيروح… صدقيني».


نظرت إليه بعينين ممتلئتين بشيءٍ بين الخوف والامتنان:


«بس أرجو ماكونش قلّيت في نظرك أو…»


ابتسم فورًا، قاطعًا أي فكرة سلبية:


«ولا كلمة زيادة. إنتِ لسه منى أختي الصغيرة اللي بحبها، وبيهمني أمرها… وأكتر من الأول كمان».


سكت لحظة، ثم أضاف بخفة ليكسر ثقل الجو:


«مش هناكل بقى؟»


ابتسمت منى أخيرًا، وقد خفّ الحمل قليلًا عن قلبها:


«ربنا يخليك يا وسام… فعلًا إنت أحسن أخ وصديق في الدنيا».


ضحك وسام وقال ببساطة صادقة:


«وأنا فرحان أوي إن عندي أخت زيك».


وفي تلك اللحظة، لم يتغير كل شيء… لكنه استقر في مكانه الصحيح.


••••


كان المقهى يعجّ بأصواتٍ متداخلة، ضحكاتٍ عالية، وموسيقى خافتة تتسلّل بين الجالسين، بينما اجتمعوا جميعًا حول طاولةٍ كبيرة، بدت كأنها تحمل حماسهم قبل أن تحمل أكوابهم. كانت مَيّ تتوسط الجلسة، بعينين لامعتين، كعادتها حين تشعر بأن شيئًا ممتعًا يُحضَّر في الأفق، بينما راحت أمنية تُلوّح بيدها وكأنها تُعلن عن خبرٍ مهم.


قالت بحماسٍ واضح:


«بصّوا يا جماعة… في مكان جديد فاتح، عامل دعاية مغطية القاهرة كلها تقريبًا! لازم نروحه ونديها سهرة محصلتش».


ضحك ممدوح وهو يهزّ رأسه ساخرًا:


«وفي ميني تشارج كمان».


انفجرت غادة ضاحكة، بينما ردّت مَيّ وهي ترمقه بنظرةٍ مازحة:


«خليك إنت في الميني تشارج بتاعك يا عم ممدوح».


رفعت غادة حاجبها وقالت بنبرة دفاعية خفيفة:


«وإيه فيها يعني؟ واحد بيخاف على فلوسه وبيحسبها عشان مستقبله… دي حاجة وحشة من رأيك يا مَيّ؟»


ابتسمت مَيّ ابتسامة مشاكسة:


«أوووه نايس… بتدافعي عنه كده ليه يا غادة؟»


لوّحت غادة بيدها بلا مبالاة:


«عادي يعني، أصله مقالش حاجة غلط».


تدخّلت أمنية بسرعة، محاولةً إعادة تركيز الحديث:


«طب يا شباب… ركّزوا معايا! هنتجمع على كام كده ونضرب الأحمر ونديهاااا!»


قال سامح وهو يضبط ساعته:


«كلنا على عشرة نكون هناك… إيه رأيكم؟»


رفعت مَيّ يدها بحماس:


«بييييس يا فنان».


لكن منّة، التي كانت صامتة أغلب الوقت، قالت بتردد:


«أنا احتمال مجيش على فكرة».


التفتت إليها مَيّ فورًا:


«ليه بس يا موني؟ ده حتى هيبقى في حبة شباب موزز كده نلعب معاهم ونرقص».


ضحك سامح مستنكرًا:


«شباب موزز! بقت البنات اللي بتعاكس دلوقتي؟»


ردّت أمنية بخفة:


«مافيش فرق يا برنس».


هزّ سامح كتفيه ضاحكًا:


«مافيش فرق يا باشا… المهم هابي نيو يير علينا كلنا».


قال ممدوح بابتسامة هادئة:


«يارب تبقى سنة خير علينا».


تنهدت منّة قليلًا:


«ياريت».


تأففت مَيّ وهي تنظر إليها:


«يوووه يا منّة… متخافيش، هفكك صدقيني، بس إنتي امشي ورايا».


قهقهت غادة:


«أيوة امشي وراها… وإنتي وربنا هيوريكي».


نظرت لها مَيّ باستغرابٍ مصطنع:


«أومال دمك خفيف كده النهارده يا غادة؟»


ضحكت غادة:


«عادي يا ميوش… هابي نيو يير».


فضحكت مَيّ بطريقتها الطفولية، وقد بدأ الحماس يتسلل للجميع.


في مكانٍ آخر، كان وسام يقف داخل أحد المحال، ممسكًا بقميصٍ أسود، يتأمله بتركيز، بينما كان شريف يقف خلفه غير مصدّق لما يرى.


قال شريف ساخرًا:


«إيه يا وسام؟ إحنا هنستقبل السنة الجديدة ولا إنت رايح عزاء؟»


نظر له وسام بضيق:


«أومال عايزني ألبس إيه؟ مسخرة زيك كده؟»


ضحك شريف وقال بثقة:


«وإنت تطول تبقى شريف ستايل يا ابني؟»


ثم أشار له بيده:


«تعالى بقى نسيب قسم الستينات ده ونروح الشبابي… بيقولوا إنك لسه موصلتش الـ٨٠».


ضحك وسام رغمًا عنه، وذهب معه، حيث بدأ شريف يختار له ملابس أكثر حيوية. تردد وسام في البداية، لكنه سرعان ما استسلم للفكرة، وكأن داخله رغبة قديمة في التغيير.


وحين أخرج شريف قميصًا أحمر لامعًا، قال وسام باستغراب:


«إيه ده؟ ده أحمر!»


ردّ شريف بثقة:


«ماله؟ منعوا الأحمر؟»


قال وسام مترددًا:


«بس أنا ملبسش اللون ده».


اقترب منه شريف وهو يضحك:


«يا عم دي رأس السنة… وبعدين إنت أهلاوي مش كده؟»


تنهد وسام:


«آه… وبعدين؟»


قال شريف ضاحكًا:


«يبقى شجع الأهلي اليوم ده».


وبعد جدالٍ طويل، انتهى الأمر بأن اشترى وسام القميص، رغم اعتراضه الظاهري، بينما داخله بدأ يتقبّل الفكرة.


عاد وسام إلى بيته ليلًا، يحمل أكياسه، وقد بدا عليه نشاطٌ غير معتاد. وما إن صعد إلى الطابق، حتى وجد مَيّ أمامه، تقف وهي تضع القمامة في السلة.


نظرت له بعبوسٍ مصطنع:


«مافيش سلامو عليكم؟»


ابتسم وقال:


«سلامو عليكم ورحمة الله يا ست مَيّ».


وقبل أن يكمل، كانت قد خطفت الأكياس من يده وهي تقول بانبهار:


«إيه ده! واااو… إيه الروشنة دي؟»


تأفف وسام:


«إنتي يا بنتي… في حد قالك إنك أكتر بني آدمة رخمة ومتطفلة في الدنيا؟»


ضحكت مَيّ:


«آه عادي… بس الحاجات دي متلقش عليك يا جدو».


قال بضيق:


«طب خليكِ في حالك».


أخرجت لسانها له وقالت:


«تؤ تؤ… مش هدخل، عايزة أقعد شوية على السلم».


ردّ وهو يزقّها بخفة:


«يبقى اتشمسي بعيد عني».


نظرت له بتمثيل:


«إيه ده! إنت مبتعرفش تتعامل مع الجنس الناعم خالص!»


ضحك ساخرًا:


«هو إنتي جنس ناعم بالسويت شيرت ده وشعرك المنكوش؟»


رفعت رأسها بفخر:


«ده ستايل… وأوعى تتكلم على شعري، نص بنات مصر بتقلدني».


اقترب منها فجأة، ممسكًا بملابسها من الخلف:


«طب تعالى من الكمبوش ده».


صرخت:


«إيه سيبني يا حيوان!»


فتح الباب ودفعها للداخل:


«ادخلي جوه… قرفتيني».


فتحت الباب مرة أخرى وهي تخرج لسانها:


«يارب تموت!»


توقف لحظة، ثم قال بصوتٍ عالٍ ضاحك:


«على فكرة… إنتي مش هتموتي موته طبيعية أبدًا!»


وأغلق الباب، بينما ظلّت ضحكتها تتردّد في الممر، كأنها جزءٌ من حياةٍ لا تهدأ...



                   الفصل السابع من هنا 

             لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة