رواية قدر لا يشبهنا الفصل الاول 1 بقلم آية محمود


رواية قدر لا يشبهنا الفصل الاول 1 بقلم آية محمود



في حي صغير من أحياء القاهرة...

حي بسيط، بيوته متقاربة من بعض، وأصوات الناس فيه بتبدأ قبل ما الشمس حتى تفكر تطلع.

في أحد البيوت الصغيرة، اللي كان مكوّن من غرفة واحدة وصالة صغيرة ومطبخ وحمام، كان كل شيء ساكت تمامًا.


البيت رغم بساطته، كان مرتب ونضيف، وكل حاجة فيه ليها مكانها.


كانت الساعة تقترب من الخامسة فجرًا...


وفجأة رن المنبه الموضوع جنب السرير.


مد شاب إيده من تحت الغطا وقفل المنبه قبل ما صوته يصحي الجيران.


فتح عينيه ببطء، وقعد على طرف السرير وهو بيفرك عينيه.


كان شاب في السابعة والعشرين من عمره، ملامحه هادئة، لكن فيها قوة واضحة، وجسمه رياضي نتيجة شغله وحياته اللي ما كانتش بتديله فرصة للراحة.


اسمه...


أسلم.


بص للساعة، وبعدها قال بصوت هادي:


أسلم:


ـ الحمد لله.


قام من مكانه، دخل الحمام، وبعد دقائق كان خرج ولبس هدومه وخرج من البيت متجهًا إلى المسجد.


الشارع كان لسه غارق في هدوء الفجر.


الهواء بارد شوية، والناس قليلة جدًا في الشوارع، إلا من بعض الرجال اللي خارجين للصلاة.


دخل أسلم المسجد، صلى الفجر، وبعد ما انتهى قعد دقائق يدعي بهدوء.


أسلم:


ـ يا رب ارزقني من حيث لا أحتسب... واكتبلي الخير في كل خطوة بخطوها... واحفظني واحفظ كل غالي عليا.


سكت لحظة.


وبص للسقف بابتسامة صغيرة.


أسلم:


ـ ولو في حاجة أنا معرفش إنها خير ليا، قربها مني... ولو في حاجة أنا فاكرها خير وهي شر ليا، ابعدها عني يا رب.


وبعدها قام وخرج.


رجع بيته، فتح الباب ودخل.


رمى مفاتيحه على الترابيزة الصغيرة الموجودة في الصالة، واتجه للمطبخ.


فتح التلاجة وبص جواها.


ضحك لوحده وهو بيقول:


أسلم:


ـ ربنا يستر... شكلنا هنفطر على اللي موجود وخلاص.


طلع شوية جبنة، وطماطم، ورغيف عيش، وحضر لنفسه فطار بسيط.


حط الأكل على الترابيزة، وقعد ياكل بهدوء.


مفيش صوت حواليه...


ولا حد بيقوله صباح الخير.


ولا حد مستنيه يرجع.


أسلم كان متعود على الوحدة من سنين.


لكن رغم كده، عمره ما سمح لها تخليه شخص قاسي.


خلص فطاره، قام غسل الطبق والكوباية، ورتب المكان، وبعدها دخل يغير هدومه.


لبس ملابس شغله، أخد مفاتيحه، وقبل ما يخرج وقف للحظة وبص للبيت.


ابتسم وقال:


أسلم:


ـ يلا يا أسلم... يوم جديد وربنا كريم.


قفل الباب وراه ونزل.


بدأ يمشي في الشوارع الهادية متجهًا إلى شغله.


وطول الطريق كان لسانه لا يتوقف عن الدعاء.


أسلم:


ـ يا رب سهّلها...


ـ يا رب ارزقني بالحلال...


ـ يا رب استرها معايا...


ـ يا رب متحوجنيش لحد...


وبينما هو ماشي، لمح من بعيد ست كبيرة في السن بتحاول تعدي الشارع وهي شايلة أكياس كتير.


وقف مكانه.


بص للساعة...


وبص للست.


وبدون تفكير رجع ناحيتها.


أسلم:


ـ صباح الخير يا حاجة، استني بس.


الست بصت له باستغراب.


الحاجة:


ـ صباح النور يا ابني.


مد إيده وأخد منها الأكياس.


أسلم:


ـ إديهم ليَّا.


الحاجة:


ـ لا يا ابني، كتر خيرك... أنا هقدر أشيلهم.


أسلم بابتسامة:


ـ وأنا أقدر أشيلهم أكتر منك.


ضحكت الست.


الحاجة:


ـ ربنا يرضى عليك يا ابني.


أسلم:


ـ آمين... يلا بينا.


مشى معاها لحد باب بيتها، وحط الأكياس قدام الباب.


الست فضلت تبص له بابتسامة وعيونها مليانة رضا.


الحاجة:


ـ ربنا يفتحها في وشك يا ابني.


أسلم:


ـ يا رب.


الحاجة:


ـ ربنا يرزقك باللي تتمناه.


أسلم ابتسم وقال:


ـ آمين يا حاجة.


رفعت إيديها للسماء وقالت:


الحاجة:


ـ وربنا يرزقك بحد يحبك ويخاف عليك ويعوضك عن كل حاجة وحشة شوفتها في حياتك.


سكت أسلم لحظة.


الكلام لمس حاجة جواه.


لكنه اكتفى بابتسامة صغيرة.


أسلم:


ـ ربنا يخليكي يا حاجة.


الحاجة:


ـ لا يا ابني... أنا اللي بقولك ربنا يخليك.


ابتسم لها، وبعدها استأذن ومشى.


وهو ماشي، رفع عينه للسماء.


أسلم بهدوء:


ـ الحمد لله.


يمكن حياته كانت بسيطة جدًا...


يمكن بيته صغير...


يمكن كان بيشتغل طول اليوم علشان يوفر لنفسه حياة كريمة...


لكن أسلم كان مؤمن إن الرزق مش بالفلوس بس.


وإن الإنسان ممكن يكون فقير في حاجات كتير...


وغني جدًا بقلبه.


وصل أخيرًا لمكان شغله.


شركة كبيرة في منطقة راقية من القاهرة.


وقف قدام البوابة، عدل هدومه، ودخل.


أول ما دخل، لمح صاحبه واقف عند البوابة.


ابتسم له وقال:


ـ صباح الخير يا أسلم.


أسلم:


ـ صباح النور يا عماد.


عماد:


ـ إيه يا عم، أنت جاي بدري كده ليه؟ هو أنت ناوي تنام هنا ولا إيه؟


أسلم ضحك:


ـ ما أنت عارفني... بحب أجي بدري.


ظهر شاب تاني من جوه البوابة.


ـ صباح الخير يا رجالة.


أسلم:


ـ صباح النور يا سامح.


سامح قرب منه وخبطه بخفة على كتفه.


سامح:


ـ عامل إيه؟


أسلم:


ـ الحمد لله، تمام.


عماد بص له وقال:


ـ طب يلا استلم مكانك بدل ما المدير ييجي يلاقيك واقف بتتكلم معانا.


أسلم ابتسم:


ـ حاضر يا عم.


اتجه أسلم لمكانه، وبدأ يوم عمل جديد...


من غير ما يعرف إن اليوم ده بالذات...


هيكون أول خطوة في طريق قدر لم يشبه أي شيء عرفه من قبل.




🌺🌺🌺🌺




وفي نفس الوقت...


وفي أحد الأحياء الراقية بالقاهرة، كان هناك عالم مختلف تمامًا عن عالم أسلم.


كانت أشعة الشمس تتسلل من بين ستائر الغرفة الفخمة، وتنعكس على أثاثها الهادئ، بينما صوت المنبه قطع سكون المكان.


مدت روفانا يدها وأغلقت المنبه، ثم فتحت عينيها ببطء.


ظلت للحظات تنظر أمامها بشرود...


وكأنها كانت تفكر في شيء أثقل من أن يبدأ به صباح جديد.


جلست على سريرها الحريري، وأسندت ظهرها إلى الوسادة، وظلت عيناها معلقتين في نقطة فارغة أمامها.


تنهدت بهدوء.


روفانا لنفسها:


ـ يوم جديد...


قالتها وكأنها لا تعرف هل تفرح بقدومه أم تتمنى لو ينتهي قبل أن يبدأ.


بعد لحظات، أبعدت الغطاء عنها ونهضت من مكانها.


دخلت الحمام، وبعد وقت قصير خرجت منه بعدما أخذت حمامًا سريعًا.


اتجهت إلى غرفة ملابسها، وبدأت تختار ملابسها بعناية كعادتها.


كانت تقف أمام المرآة، ترتب شعرها وتستعد لارتداء ملابسها، عندما وقعت عيناها فجأة على شيء موضوع في مكان مخفي.


توقفت.


مدت يدها إليه ببطء.


أمسكته بين أصابعها، وظلت تنظر إليه لعدة ثوانٍ.


تغيرت ملامحها تمامًا.


اختفت روفانا المصممة الناجحة التي يعرفها الجميع...


وظهرت مكانها فتاة خائفة تخشى أن يكتشف أحد سرًا ظل معها لفترة طويلة.


همست:


ـ أنت...


سكتت قليلًا، ثم نظرت حولها وكأنها تتأكد أن لا أحد موجود.


روفانا بصوت منخفض:


ـ مينفعش حد يشوفك...


ضغطت عليه بين يديها.


ـ ولا حد يعرف إنك عندي.


نظرت إليه مرة أخرى، وعينيها امتلأتا بالقلق.


ـ لو عرفوا...


توقفت الكلمات في حلقها.


ابتلعت ريقها بصعوبة.


ـ حياتي هتنتهي.


ظلت ممسكة به وكأنه أغلى شيء تملكه، رغم أن وجوده في حياتها كان يحمل لها خوفًا أكبر من أي شيء آخر.


وفجأة...


جاءها صوت من خلفها.


ـ روفانا؟


انتفضت روفانا في مكانها.


اتسعت عيناها، وبسرعة أخفت الشيء داخل ملابسها قبل أن تستدير.


روفانا:


ـ مامي!


وقفت أمامها امرأة في منتصف العمر، أنيقة وهادئة الملامح، اسمها ماري.


كانت تنظر إلى ابنتها باستغراب.


ماري:


ـ مالك؟!


روفانا حاولت السيطرة على ارتباكها.


ـ م... مفيش حاجة.


ماري عقدت حاجبيها:


ـ إنتِ اتخضيتي ليه كده؟


روفانا أخذت نفسًا عميقًا، وحاولت أن تبتسم بشكل طبيعي.


ـ عشان حضرتك دخلتي فجأة.


ماري باستغراب:


ـ يعني إيه دخلت فجأة؟


روفانا:


ـ أصل حضرتك أول مرة تدخلي عليا من غير ما تخبطي.


ضحكت ماري بخفة:


ـ هو أنا يعني غريبة عشان أخبط على باب أوضة بنتي؟


روفانا:


ـ لا طبعًا، بس اتفاجئت.


ماري ظلت تنظر لها للحظات وكأنها تحاول فهم سبب خوفها، لكن روفانا أسرعت بتغيير الموضوع.


روفانا:


ـ حضرتك كنتِ عايزة تقوليلي حاجة؟


ماري:


ـ أيوه.


ثم اقتربت منها وقالت:


ـ انزلي افطري، كلهم مستنيينك تحت.


روفانا:


ـ حاضر.


ماري:


ـ وكمان متتأخريش.


روفانا:


ـ ليه؟


ابتسمت ماري:


ـ عشان خطيبك هييجي النهارده.


بمجرد أن سمعت روفانا كلمة خطيبك، اختفت ابتسامتها.


نظرت إلى والدتها للحظات دون أن تتكلم.


ماري لاحظت التغير في وجهها.


ـ روفانا؟


أفاقت روفانا من شرودها.


روفانا:


ـ حاضر يا مامي... هنزل.


ماري ابتسمت لها:


ـ طيب يلا.


خرجت ماري من الغرفة وأغلقت الباب خلفها.


ما إن اختفى صوت خطواتها حتى وقفت روفانا مكانها دون حركة.


وضعت يدها على ملابسها، في المكان الذي أخفت فيه الشيء.


أغمضت عينيها للحظة.


ثم همست:


ـ لازم أفضل مخبياه...


فتحت عينيها، ونظرت نحو الباب.


ـ مهما حصل.


وبعدها أخذت نفسًا عميقًا، وعدلت ملابسها، ثم خرجت من الغرفة متجهة إلى الأسفل.




🌺🌺🌺🌺🌺




نزلت روفانا إلى الطابق السفلي، وكانت مائدة الإفطار تجمع أفراد العائلة.


ما إن ظهرت حتى رفعت ماري عينيها إليها وابتسمت.


ماري:


ـ صباح الخير يا حبيبتي.


روفانا بابتسامة:


ـ صباح الخير يا مامي.


سلمت على الجميع وجلست في مكانها المعتاد.


حاولت أن تبدو طبيعية تمامًا، وكأن شيئًا لم يحدث في غرفتها منذ دقائق.


لكن عقلها كان لا يزال مشغولًا بذلك الشيء الذي أخفته.


وبكلام والدتها عن خطيبها.


أحد أفراد العائلة:


ـ إنتِ سرحانة في إيه يا روفانا؟


روفانا انتبهت فجأة.


ـ أنا؟ لا، مفيش حاجة.


ماري:


ـ أصل وشك مش طبيعي النهارده.


روفانا بابتسامة صغيرة:


ـ يمكن بس مصحيتش كويس.


ماري:


ـ طب كلي الأول، وبعدها روحي شغلك.


روفانا:


ـ حاضر.


بدأت تتناول إفطارها وسط حديث العائلة.


كانت تبتسم أحيانًا، وتشاركهم الحديث، لكن ابتسامتها لم تكن تصل إلى عينيها.


وبعد انتهاء الإفطار، وقفت روفانا وأخذت حقيبتها.


ماري:


ـ متتأخريش النهارده.


روفانا:


ـ حاضر يا مامي.


ثم خرجت من المنزل.


بعد وقت قصير...


توقفت سيارة روفانا أمام مبنى ضخم يحمل اسم شركتها.


شركة أزياء عالمية أصبحت واحدة من أشهر دور الأزياء في القاهرة وخارجها.


والأهم...


أنها كانت ملك روفانا وحدها.


هي التي أسستها، وهي التي صنعت اسمها بموهبتها وتصميماتها،  نعم فهي مصممة أزياء عالمية. 


أما خطيبها فكان يعمل داخل الشركة، بعد أن سمحت له روفانا بذلك.


دخلت الشركة وسط تحيات الموظفين.


ـ صباح الخير يا روفانا هانم. 


روفانا بابتسامة:


ـ صباح النور.


ـ صباح الخير يا فندم.


ـ صباح النور.


كانت تتحرك بثقة، وكل من حولها يعرف أنها صاحبة المكان.


لكن بمجرد أن وصلت إلى مكتبها، سألت إحدى الموظفات:


روفانا:


ـ فين دانيال ؟


الموظفة:


ـ أستاذ كيرلس  في مكتبه يا فندم.


روفانا:


ـ تمام.


تحركت باتجاه مكتبه.


كانت تريد أن تراه قبل أن تبدأ عملها.


ربما كانت ستتحدث معه عن بعض الأمور الخاصة بالشركة.


وربما...


كانت تريد أن تعرف منه شيئًا عن سبب شعورها الدائم بأنه أصبح بعيدًا عنها.


وصلت أمام باب مكتبه.


مدت يدها لتطرق الباب.


لكنها توقفت.


سمعت صوتًا من الداخل.


صوت امرأة.


روفانا عقدت حاجبيها.


رفعت يدها مرة أخرى...


لكن قبل أن تطرق، وصل إلى مسامعها صوت خطيبها.


كان يضحك.


ضحكة لم تسمعها منه منذ فترة طويلة.


نظرت إلى الباب بدهشة.


ثم أمسكت المقبض وفتحته ببطء.


وفي اللحظة التي دخلت فيها...


توقفت الدنيا بالنسبة لها.


تجمدت في مكانها.


عيناها اتسعتا من الصدمة.


كان خطيبها داخل المكتب مع امرأة أخرى في وضع لا يحتاج إلى تفسير.


لم يستوعب أي منهما وجودها في البداية.


لكن بعد ثوانٍ...


التفت دانيال  إليها.


وتغير وجهه تمامًا.


دانيال:

ـ روفانا؟!

ماذا ستفعل روفانا مع دانيال هذا ما سنعرفه البارت القادم ان شاءلله 


لا تنسوا الصلاة على النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ﷺ..


                   الفصل الثاني من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة