رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم اية محمود

رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم اية محمود

 

في صباح يوم الجمعة، كان القصر هادئًا على غير عادته، لا صوت سيارات خارجة ولا مكالمات عمل ولا خطوات متعجلة للحرس، فاليوم كان إجازة، وكأن البيت كله قرر أن يأخذ نفسًا طويلًا بعد أيام كثيرة من التوتر. نزلت ريتال إلى غرفة الطعام وهي ما زالت تشعر بشيء من الإرهاق، لكنها كانت أفضل بكثير من الليلة الماضية، وما إن دخلت حتى وجدت رحيم جالسًا على رأس الطاولة، أمامه كوب القهوة، وبمجرد أن لمحها رفع عينيه إليها وقال بابتسامة هادئة: "صباح الخير يا صاحبة المقالب. " ابتسمت ريتال وقالت: "صباح النور يا صاحب المشاكل." ضحك وقال: "كويس، رجعنا نتخانق طبيعي."


جلست ريتال أمامه، وبدأ الاثنان يتناولان الإفطار، وكانت الأجواء بينهما مختلفة بشكل واضح، لا يوجد ذلك الحذر القديم، ولا الصمت الثقيل الذي كان يملأ المكان في بداية معرفتهما، بل أصبح بينهما نوع غريب من الألفة، حتى إن رحيم كان يمد يده إلى طبق معين قبل أن تطلبه ريتال، لأنها أصبحت تحبّه، وريتال كانت تضع له كوب الماء بجواره قبل أن يطلبه، وكأنهما عاشا معًا سنوات طويلة وليس مجرد شهرين.




وبعد فترة قال رحيم وهو يضع كوبه على الطاولة: "جهزي نفسك." رفعت ريتال عينيها وقالت: "ليه؟" قال: "هنخرج." عقدت حاجبيها: "نخرج فين؟" ابتسم وقال: "مفاجأة." قالت فورًا: "أنا مش بحب المفاجآت." رد: "كذابة، إنتِ بتحبي المفاجآت جدًا، خصوصًا لو إنتِ اللي عاملاها." ضحكت وقالت: "أنا مقالب، مش مفاجآت." قال: "المهم قومي جهزي نفسك." نظرت إليه بشك وقالت: "وإيه اللي يضمنلي إنك مش هتاخدني مكان وتسيبني هناك؟" رد وهو يرفع حاجبه: "بعد اللي عملتيه فيا الشهرين اللي فاتوا؟ المفروض أنا اللي أسأل السؤال ده."




بعد قليل خرجت ريتال وهي ترتدي ملابس بسيطة ومريحة، ولما رآها رحيم قال: "كده تمام." سألته: "هنروح فين بقى؟" فتح لها باب السيارة وقال: "اركبي الأول وبعدين تعرفي." ركبت بجواره، وانطلقت السيارة، وظلت طوال الطريق تحاول أن تستخرج منه أي معلومة، لكنه كان مصرًا على الصمت، وكلما سألته يقول: "لسه." حتى بدأت تضيق عيناها وتقول: "رحيم، أنا بدأت أشك إنك نفسك مش عارف إحنا رايحين فين." ضحك وقال: "لا، أنا عارف... بس مستمتع وأنا شايفك متوترة."


بعد وقت وصل بها إلى مكان مفتوح وهادئ، وما إن نزلت من السيارة حتى وقفت تنظر حولها بدهشة، كان المكان مليئًا بالأشجار والمساحات الخضراء، والهواء مختلفًا عن هواء المدينة، فالتفتت إليه وقالت: "إنت جبتني هنا ليه؟" قال: "عشان النهارده مفيش شغل، ومفيش مشاكل، ومفيش تفكير." ابتسمت وقالت: "يعني ممنوع أفكر؟" رد: "ممنوع." قالت: "طب لو فكرت غصب عني؟" قال: "هحسبها مخالفة." ضحكت وقالت: "وأنت هتعمل إيه؟" رد: "هخليكي تدفعي الغرامة." رفعت حاجبها: "غرامة إيه؟" قال: "تفضلي معايا اليوم كله من غير ما تزعلي."




ضحكت ريتال وقالت: "دي مش غرامة، دي مكافأة ليك." قال: "شايفة؟ حتى وإنتِ بتتغروري بتديني حقّي."


بدأ الاثنان يمشيان بين الأشجار، وكانت ريتال لأول مرة منذ فترة طويلة تشعر أن صدرها ليس مضغوطًا، لم يكن هناك أحد يراقبها، ولا أحد يسألها عن الماضي، ولا أحد يطالبها باتخاذ قرار. فقط هي ورحيم ويوم إجازة طويل أمامهما.


بعد فترة جلسا في مكان هادئ، فأخرج رحيم بعض الطعام الخفيف الذي أحضره معه، فنظرت ريتال إليه وقالت: "إنت مجهز كل ده من قبل؟" قال: "آه." سألته: "من إمتى؟" ابتسم وقال: "من امبارح." فقالت بدهشة: "يعني كنت مخطط للخروجة دي؟" رد: "آه." سكتت لحظة، ثم قالت: "ليه؟" نظر إليها وقال: "لأنك تستحقي يوم من غير وجع."




لم تعرف ريتال ماذا تقول، فاكتفت بالنظر أمامها، ثم قالت بصوت منخفض: "شكرًا." رد رحيم ببساطة: "العفو."


وبعد الغداء أكملوا جولتهم، وكلما وجدت ريتال شيئًا أعجبها كانت تتوقف أمامه، ورحيم كان يتعمد ألا يسألها إن كانت تريده، لأنه أصبح يعرف أنها ستقول "لا" حتى لو كانت تتمنى الحصول عليه، فكان أحيانًا يشتريه دون أن يخبرها، ثم يفاجئها به، فتتضايق منه للحظات ثم تبتسم رغماً عنها.




وفي طريق العودة قالت ريتال وهي تنظر من نافذة السيارة: "النهارده كان حلو." رد رحيم: "أهو عشان لما أقولك نخرج بعد كده متعمليش فيها مترددة." قالت: "مين قال إني هخرج معاك تاني؟" نظر إليها بطرف عينه وقال: "أنتِ اللي من شوية قلتي اليوم كان حلو." قالت: "معناه إن اليوم حلو، مش إنك حلو." ضحك وقال: "تمام يا ست ريتال."




سكتا قليلًا، ثم قالت فجأة: "رحيم؟" قال: "همم؟" قالت: "إنت مبسوط؟" نظر إليها لحظة قبل أن يعيد عينيه إلى الطريق، وقال بهدوء: "آه." سألته: "ليه؟" ابتسم وقال: "عشان إنتِ بتضحكي."


نظرت ريتال إليه طويلًا، ثم أخفت ابتسامتها وهي تنظر من النافذة، لكن قلبها كان قد بدأ يدق بطريقة لم تعد قادرة على تجاهلها.


كانت قد وعدت نفسها ألا تخبره بما تشعر به حتى تتأكد، لكن كل يوم كان يجعل إخفاء الأمر أصعب من اليوم الذي سبقه.


وعندما وصلا إلى القصر، نزلت ريتال من السيارة، وقبل أن تدخل توقفت والتفتت إليه وقالت: "رحيم..." قال: "نعم؟" ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: "الجمعة الجاية... أنا اللي هختار المكان."


ابتسم رحيم وقال: "اتفقنا."


دخلت ريتال القصر، لكنها قبل أن تصل إلى غرفتها وقفت لحظة، وضعت يدها على قلبها، وقالت لنفسها بصوت خافت: "أنا وقعت خلاص..."


ثم ابتسمت بخجل، وصعدت إلى غرفتها، بينما كان رحيم يقف خلفها يبتسم، من غير ما يعرف أن ريتال في داخلها كانت قد بدأت بالفعل تفتح له الباب الذي ظلت تقفله أمامه طويلًا.




في تلك الليلة جلس رحيم وريتال معًا في الشرفة، وكان الجو هادئًا بشكل غريب، والقصر كله تقريبًا غارق في السكون، بينما كانت ريتال تنظر إلى السماء بين لحظة وأخرى، ورحيم يجلس أمامها وكأنه يحمل على صدره كلامًا ظل يخفيه لسنوات. مر وقت طويل من الصمت قبل أن يتنفس رحيم بعمق ويقول: "ريتال... أنا عايز منك فرصة حقيقية." نظرت إليه وسألته: "فرصة لإيه؟" قال: "فرصة أقولك كل حاجة... من البداية. من غير ما أخبي عنك حاجة، ومن غير ما أطلب منك تصدقيني لمجرد إني أنا اللي بحكي."




ظلت ريتال صامتة للحظات، ثم قالت: "هديك الفرصة، بس بشرط." رفع عينيه إليها وقال: "قولي." ردت بهدوء: "تحكيلي كل حاجة. مش جزء من الحقيقة، ومش اللي يناسبك بس. كل حاجة، حتى لو الحاجة دي هتخليني أكرهك." تردد رحيم طويلًا، وشبك أصابعه ببعضها وهو ينظر إلى الأرض، وكأنه كان يعرف أن اللحظة التي ظل يهرب منها طوال السنوات الماضية قد وصلت أخيرًا، ثم قال: "موافق."




فات الوقت وهما جالسين في سكون،  والهدوء يملأ المكان إلا من صوت الرياح وهي تمر بين الأشجار، . كانت ريتال تنظر إليه في انتظار أن يبدأ، بينما كان رحيم صامتًا للحظات، كأنه يرتب السنوات الثلاث الماضية داخل رأسه قبل أن يخرج منها أول كلمة.


أخذ نفسًا عميقًا وقال: "قبل ما أحكيلك أي حاجة... لازم نرجع لتلات سنين فاتوا، لليوم اللي بدأت فيه الحكاية كلها."


ما إن سمعت ريتال الجملة حتى تغيرت ملامحها قليلًا، وكأن شيئًا في داخلها استيقظ من النوم.


قال رحيم: "اليوم ده كنتِ راجعة من الجامعة مع مريم... ووقتها كان اسمك شغف."


رفعت ريتال عينيها إليه فجأة.


مجرد سماع الاسم جعل قلبها يخفق.


شغف.


الاسم الذي لم تعد تسمعه كثيرًا، لكنه كان لا يزال محفورًا في ذاكرتها.


أكمل رحيم بصوت هادئ: "كنتوا ماشيين سوا، وفجأة سمعتوا صوت بنت بتصرخ..."


وفجأة لم تعد ريتال ترى رحيم أمامها.


اختفى القصر.


اختفت الشرفة.


اختفى الليل.


وعادت إلى ذلك اليوم.


كانت الشمس تميل للغروب، والشارع شبه هادئ، وكانت شغف تسير بجوار مريم، تحمل حقيبتها على كتفها وتتحدث معها عن محاضرات الجامعة، بينما كانت مريم تضحك على شيء قالته شغف.


وفجأة...


تعالت صرخة فتاة من أحد الشوارع الجانبية.


توقفت الاثنتان في مكانهما.


نظرت مريم إلى شغف بخوف وقالت: "إنتِ سمعتي؟"


هزت شغف رأسها، وعيناها اتجهتا ناحية مصدر الصوت.


ثم جاءت صرخة ثانية، أعلى من الأولى.


"الحقوني!"


ارتجفت مريم وقالت بسرعة: "شغف، يلا نمشي، أكيد حد هييجي يساعدها."


لكن شغف لم تتحرك.


قالت وهي تنظر ناحية الشارع: "مريم، دي بتصرخ."


"ما يمكن يكون فخ."


"ويمكن تكون فعلًا محتاجة مساعدة."


أمسكت مريم بذراعها وقالت بخوف: "شغف، إحنا بنتين لوحدنا، ومش عارفين مين هناك."


نزعت شغف ذراعها برفق وقالت: "إنتِ خليكِ هنا، وأنا هشوف."


قالت مريم بسرعة: "لا! مش هسيبك تروحي لوحدك."


ابتسمت شغف بثقة وقالت: "يبقى تعالي ورايا."


وتحركت الاثنتان نحو مصدر الصوت.


كل خطوة كانت تقربهما أكثر من المكان، وكلما اقتربتا أصبحت الصرخات أوضح.


حتى وصلتا إلى نهاية الشارع.


وهناك رأته.


شاب يقف أمام فتاة كانت تصرخ وتطلب المساعدة.


لم تفكر شغف.


لم تسأل.


لم تنتظر حتى تفهم.


اندفعت نحوه وهي تصرخ: "إبعد عنها!"


التفت الشاب إليها بسرعة، وكانت ملامحه غاضبة ومندهشة في الوقت نفسه.


قال: "استني، إنتِ فاهمة غلط!"


لكن شغف لم تسمعه.


اندفعت نحوه ودفعت يده بعيدًا عن الفتاة، ثم وجهت له ضربة جعلته يتراجع خطوة.


قالت بغضب: "إنت كنت بتعمل فيها إيه؟!"


رد الشاب: "أنا معملتش حاجة!"


لكن مريم كانت قد أخرجت هاتفها بالفعل واتصلت بالشرطة.


قالت بصوت مرتجف: "ألو... في شخص بيحاول يعتدي على بنت، وإحنا هنا..."


في تلك اللحظة بدأ الشاب يحاول الابتعاد، لكن شغف وقفت أمامه وقالت: "محدش هيتحرك من هنا لحد الشرطة ما تيجي."


قال لها بغضب: "إنتِ مش فاهمة أي حاجة!"


صرخت فيه: "أنا شوفت بعيني!"


ثم اندفعت مرة أخرى نحوه، وفي خضم الارتباك أصابته ضربة على رأسه، فتراجع وهو يضع يده على رأسه.


الفتاة ظلت تصرخ.


مريم تحاول تهدئتها.


وشغف واقفة أمام الشاب بثبات، لا تعرف أنها في تلك اللحظة كانت جزءًا من خطة أكبر بكثير مما تتخيل.


وبعد دقائق وصلت الشرطة.


تقدم أحد الضباط نحو رحيم، وبدأ يسأله عما حدث، لكن المشهد أمامهم كان واضحًا: فتاة تبكي، وفتاة أخرى تقول إنها شاهدت ما حدث، ورجل يقف أمامهما بعد مشاجرة.


اقترب أحد رجال الشرطة منه وقال: "حضرتك هتيجي معانا."


نظر رحيم إلى شغف للحظة.


كانت نظراته غريبة.


لم تكن نظرات كراهية.


كانت نظرات شخص يعرف أن هناك شيئًا خطأ، لكنه لا يعرف كيف يثبت ذلك.


قال لها قبل أن يرحل: "إنتِ مش عارفة إنتِ عملتي إيه."


نظرت إليه شغف بتحدٍ وقالت: "أنا عملت اللي كان لازم أعمله."


ثم اقتادته الشرطة بعيدًا.


عاد صوت رحيم إلى أذن ريتال.


"فاكرة؟"


رفعت رأسها ببطء، وكأنها خرجت للتو من حلم ثقيل.


كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.


قالت بصوت منخفض: "أنا فاكرة..."


سألها رحيم: "فاكرة اليوم ده كله؟"


هزت رأسها، وقالت: "فاكرة الصرخة... فاكرة مريم وهي خايفة... فاكرة إني ضربتك... وفاكرة لما الشرطة أخدتك."


سكت رحيم قليلًا، ثم قال: "بس في حاجة واحدة إنتِ وقتها ما كنتيش تعرفيها."


نظرت إليه.


قال: "البنت دي كانت عاملة كل ده عشان توقعني."


عقدت ريتال حاجبيها وقالت: "بس ليه؟"


أجابها: "وده بالضبط الجزء اللي هحكيهولك بعد كده."


ظلت ريتال تنظر إليه، ثم قالت: "يعني اليوم اللي أنا كنت فاكرة إني أنقذت فيه بنت... كان بداية مصيبة؟"


قال رحيم: "أيوه."


خفضت ريتال عينيها، وهمست: "وأنا كنت السبب إنهم أخدوك."


سكت رحيم لحظات طويلة، وكأن الكلام اللي جاي مش مجرد حكاية بيحكيها، لكنه اعتراف شايل فوق كتفه سنين كاملة من الغضب والندم، وبص قدامه من غير ما يبص لريتال، وقال بصوت هادي على عكس اللي كان جواه: «بعد اللي حصل يومها، الموضوع ماوقفش عند إنهم أخدوني القسم… لأ، أنا اتلبست تهمة أنا معملتهاش. البنت اللي شفتيها، والناس اللي كانت وراها، عرفوا يلعبوا اللعبة صح. أنا كنت ظابط شرطة، والمفروض إن القانون يحميني، لكن للأسف صفتي كظابط هي نفسها اللي خلت الموضوع أكبر. اتوقفت عن شغلي، واتحبست، والتحقيقات استمرت… وكل يوم كان بيعدي وأنا جوه السجن كنت بحس إن حياتي كلها بتتسحب مني حتة حتة. سنتين كاملين وأنا محبوس على ذنب معملتهوش، سنتين وأنا بحاول أثبت إن اللي حصل كان فخ، وإن البنت دي هي اللي رتبت كل حاجة، لكن محدش كان بيسمعني. ولما خرجت في الآخر، خرجت بريء قدام القانون… بس أنا وقتها ماكنتش نفس الشخص اللي دخل السجن».




رفعت ريتال عينيها ناحيته، وكانت تسمعه من غير ما تقاطعه، لكن قلبها بدأ ينقبض كلما اقترب من الجزء الذي تشعر أنه يخفيه عنها. رحيم أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال: «أنا خرجت وأنا شايل غضب على كل حد كان سبب في السنتين دول. كنت شايف إن حياتي اتسرقت مني، وإن لازم كل واحد شارك في اللي حصل يدفع تمنه. وبدل ما أسيب القانون ياخد مجراه… قررت أنا اللي أحكم». سكت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة قصيرة بلا فرحة، وقال: «وأول اسم كان قدامي… كان شغف».




 بمجرد ما نطق الاسم، تغيرت ملامح ريتال، كأن شيئًا في داخلها بدأ يربط أجزاء قديمة ببعضها. رحيم كمل: «دورت وراكي، وعرفت إن شغف اللي شفتها قدامي في اليوم ده… هي نفسها ريتال دلوقتي. عرفت إنك من عيلة الملوكي، وعرفت إنك انتقلتي تعيشي مع أهلك الحقيقيين. وفي الوقت ده أنا ماكنتش شايفك كإنسانة… كنت شايفك جزء من الحساب اللي في دماغي».


شهقت ريتال شهقة خافتة، وهمست: «يعني… إيه؟»


رفع رحيم عينيه إليها أخيرًا، وكانت النظرة المرة في عينيه أوضح من أي كلمة، وقال: «أول حاجة عملتها بعد ما عرفتك… إني قررت أوجعك».


هزت ريتال رأسها ببطء، وكأنها ترفض أن تفهم قبل أن تسمع الباقي، وقالت: «رحيم… إنت بتتكلم عن إيه؟»


قال بصوت منخفض: «عن اليوم اللي اتضربتي فيه بالنار بعد ما روحتي بيت أهلك».


تجمدت ملامحها.


لم تتحرك.


حتى أنفاسها توقفت لثوانٍ، وكأن عقلها رفض أن يستوعب الجملة. الذكرى التي كانت تحاول دائمًا دفنها عادت فجأة بكل تفاصيلها؛  الصوت الذي سمعته يومها، الألم المفاجئ الذي شق جسدها، سقوطها، صرخات من حولها، واللحظة التي شعرت فيها أن الدنيا كلها أصبحت بعيدة عنها.


رفعت يدها ببطء ناحية المكان الذي أصابتها فيه الرصاصة، ثم قالت بصوت خرج مكسورًا: «إنت…؟»


رحيم لم يجب.


فهمت من صمته.


«إنت اللي ضربتني؟»


خفض رحيم رأسه، وقال: «أيوه».


تراجعت ريتال خطوة إلى الخلف، وكأن اعترافه لم يكن مجرد كلمة، بل رصاصة أخرى أصابتها الآن. حدقت فيه بعينين اتسعتا من الصدمة، ثم قالت: «إنت؟! إنت كنت عارف أنا مين من ساعتها؟»


«أيوه».


«وكنت عارف إن اللي قدامك دي أنا؟»


«كنت عارف».


«وضربتني بالنار؟»


أغمض رحيم عينيه للحظة، وقال: «أيوه… وأنا مش هكدب عليكي وأقولك إن الرصاصة خرجت بالغلط، أو إن كان قصدي أخوفك بس. لأ. أنا وقتها كنت عايزك تتألمي… كنت عايزك تعرفي إن اللي ظلمتيه في اليوم ده لسه فاكر، ولسه قادر يوصل لك».


ابتعدت ريتال عنه أكثر، وبدأت دموعها تنزل من غير ما تشعر. لم تكن تبكي فقط من الألم القديم، بل من الحقيقة الجديدة التي أعادت تشكيل كل شيء في ذاكرتها. الشخص الذي ظنت يومًا أنه ظهر في حياتها لاحقًا… كان موجودًا في قصة ألمها منذ البداية.


قالت بصوت مرتجف: «أنا كنت فاكرة إنك شخص دخل حياتي بعدين… فاكرة إن كل اللي حصل بدأ من وقت ما خطفتني… لكن إنت كنت موجود قبلها».


«أيوه».


«كنت بتراقبني؟»


«كنت بتابع كل حاجة تخصك».


ضحكت ريتال ضحكة قصيرة مليئة بالوجع، ومسحت دموعها بسرعة وقالت: «يعني كل مرة كنت بتبصلي فيها… كنت فاكر إنك بتبص على البنت اللي بوظت حياتك؟»


سكت رحيم.


قالت: «وكل مرة حاولت تقرب مني… كان جواك كل الغضب ده؟»


«في الأول… أيوه».


«وفي الأول بس؟»


رفع رحيم عينيه إليها، وقال بصراحة: «أول فترة كنت شايفك شغف… مش ريتال. كنت شايف البنت اللي وقفت قدامي، وضربتني، وشهدت ضدي من غير ما تعرف الحقيقة. لكن بعد كده… الموضوع اتغير».


ردت بسرعة: «اتغير إمتى؟»


لم يجد رحيم إجابة سهلة.


فهو نفسه لم يكن يعرف اليوم المحدد.


قال بعد صمت: «معرفش إمتى بالضبط. يمكن يوم ما شفتك بتعيطي لوحدك، ويمكن يوم ما اكتشفت إنك مش الشخص اللي كنت متخيله، ويمكن من أول مرة بدأتي تعانديني فيها بدل ما تخافي مني. بس في وقت ما… بقيت أشوف ريتال، مش شغف».


نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: «بس ده مايمسحش اللي عملته».


«أنا عارف».


«ومايخليش الرصاصة أقل وجعًا».


«عارف».


«ومايخليش السنتين اللي قضيتهم في السجن يدوك الحق إنك تعاقبني».


«عارف».


لأول مرة لم يحاول رحيم الدفاع عن نفسه.


لم يقل إن غضبه كان مبررًا.


لم يقل إن ما حدث له يعطيه الحق في إيذائها.


فقط قال الحقيقة كما هي، حتى لو كانت تدينه.


ريتال جلست على أقرب كرسي، وأسندت رأسها إلى يديها، بينما كان عقلها يركض في كل الاتجاهات. تذكرت الأيام التي كانت تسأل فيها نفسها لماذا كان رحيم يعرف عنها أشياء كثيرة، لماذا كان يظهر في اللحظات التي تشعر فيها أنها مراقبة، لماذا كان دائمًا يتصرف وكأنه يعرفها أكثر مما ينبغي.


ثم رفعت رأسها فجأة وقالت: «طب ومريم؟»


تغير وجه رحيم.


عرفت من نظرته أن القصة لم تنتهِ.


قالت: «قلت إن شغف ومريم كانوا أول اتنين في حسابك… إنت عملت في مريم إيه؟»


ظل رحيم صامتًا.


قالت ريتال بإصرار: «رحيم… متسكتش. أنا وافقت أسمع الحقيقة كلها. يعني كلها».


ظل رحيم ساكتًا للحظات، وعينيه ثابتتين على الأرض، وكأن مجرد نطق الكلمات القادمة كان أثقل عليه من كل ما قاله قبلها. أما ريتال فكانت جالسة أمامه، لا تتحرك، تنتظر منه أن يكمل، وفي داخلها إحساس غريب بأن كل إجابة جديدة كانت تأخذ منها جزءًا من الصورة التي كانت تعرفها عن حياتها، وتضع مكانها صورة أكثر قسوة. رفع رحيم عينيه إليها أخيرًا وقال: «بعد ما بدأت أنتقم منك… كان الدور على مريم».




 اتسعت عينا ريتال قليلًا، ولم تقاطعه، فتابع: «وأنا وقتها كنت عارف إن أكتر نقطة ممكن توجع مريم هي أخوها سعد. كنت عارف إنها متعلقة بيه جدًا، وعارف إن وجوده في حياتها بالنسبة لها مش مجرد أخ… كان أمان وسند. وده كان أول مكان ضربت فيه». شعرت ريتال بانقباض في صدرها، وقالت بهدوء مشحون بالغضب: «سعد؟» هز رحيم رأسه وقال: «أيوه… سعد ومراته هناء».




ابتلع رحيم ريقه، ثم قال: «سعد في الوقت ده كان فعلًا بعيد عن شغل الحرام. أنا كنت عارف ده، وعندي معلومات تثبت إنه تاب وبدأ يعيش بعيد عن كل اللي كان بيعمله زمان. لكن أنا وقتها ماكانش يهمني. الغضب كان عامي عيني. كنت شايف إن كل شخص قريب من مريم لازم يدفع تمن وجوده في حياتها». سكت لحظة، ثم أكمل بصوت أكثر انخفاضًا: «دخلت المخدرات في قضيتهم، وخليت التهمة تتوجه ليهم، واتسجنوا ظلم. وأنا كنت عارف كويس إنهم بريئين من التهمة دي». 


شهقت ريتال، وقالت: «إنت كنت عارف إن سعد تاب؟»


 رد من غير تردد: «كنت عارف». «ومع ذلك عملت فيه كده؟» «أيوه». «وهناء؟» «كانت مجرد ضحية تانية في انتقامي». ارتجفت شفتا ريتال، وقالت: «إنت كنت بتعاقب ناس ملهمش ذنب»


. رحيم لم يحاول الإنكار، فقط قال: «عارف».


ساد الصمت بينهما، وكان صمتًا أثقل من أي كلام. ريتال كانت تشعر بالغضب من رحيم، لكن في الوقت نفسه كانت تحاول استيعاب أن الرجل الذي أمامها يعترف بنفسه بأنه ظلم أشخاصًا أبرياء فقط لأنهم كانوا قريبين من إنسانة أراد




 الانتقام منها. قال رحيم: «أنا وقتها كنت شايف مريم سبب من أسباب كل اللي حصل لي. كنت فاكر إنها كانت عارفة الحقيقة، وإنها شاركت في اللي حصل يومها. ولما عرفت قد إيه هي متعلقة بسعد، قررت أضربها في أكتر مكان هيوجعها. كنت عايزها تحس بالعجز اللي أنا حسيته وأنا جوه السجن». رفعت ريتال عينيها إليه وقالت: «بس إنت كنت بتخلق نفس الظلم اللي كنت بتقول إنك بتنتقم عشانه». سكت رحيم، لأن الجملة أصابته في المكان الذي ظل يهرب منه سنوات.


ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال: «بعد سعد وهناء… بدأت أستهدف مريم نفسها». 




وضعت ريتال يدها على صدرها، وكأنها كانت تستعد لسماع شيء تعرف أنه سيكون أسوأ. قال رحيم: «كنت عارف إن مريم متزوجة ياسر، وكنت عارف إن ياسر ابن عمي وصاحبي، وكنت عارف شخصيته كويس جدًا. كنت أعرف غيرته، وشكّه، وطريقته في التفكير. عارف هو ممكن يعمل إيه لو شك في أقرب إنسانة ليه. فبدأت ألعب على النقطة دي». قالت ريتال بحدة: «إزاي؟» أجاب: «بدأت أوصل له حاجات تخليه يشك فيها. مواقف صغيرة، معلومات ناقصة، كلام يتفهم بأكتر من طريقة… مكنتش محتاج أقول له إن مريم بتخونه بشكل مباشر. كنت محتاج أخليه هو يوصل للاستنتاج ده بنفسه».


شهقت ريتال وقالت: «إنت كنت بتزرع الشك في دماغه؟» «أيوه». «وأنت عارف إن ياسر ممكن يؤذيها؟» رحيم أغلق عينيه للحظة، ثم قال: «كنت عارف إنه ممكن ينفعل… لكن ماكنتش متخيل إن الأمور هتوصل للكارثة اللي حصلت». قالت ريتال بصوت غاضب: «بس إنت كنت عارف طبعه! كنت عارف إنه شكاك! كنت عارف إنه مش هيستنى كتير!». رفع رحيم رأسه وقال: «عارف… ودي واحدة من الحاجات اللي عمري ما هقدر أبررها لنفسي».




ثم صمت قليلًا قبل أن يقول: «لكن اللي حصل بعد كده كان أسوأ حاجة عملتها في حياتي». كانت ريتال تعرف إلى أين تتجه الحكاية، لكنها أرادت أن تسمعه منه. قال: «عملت فيديو مفبرك». تجمد وجهها. «فيديو يخلي أي حد يشوفه يصدق إن مريم خانت ياسر». ريتال وضعت يدها على فمها، وعيناها بدأتا تمتلئان بالدموع. «إنت… إنت اللي عملت الفيديو؟» «أيوه».


أكمل رحيم: «وكنت عارف ياسر كويس. عارف إنه مش هيصدق الفيديو بشكل أعمى، وعارف إنه هيروح لشخص متخصص عشان يتأكد إذا كان الفيديو حقيقي ولا مفبرك. وده بالضبط اللي كنت مستنيه». نظرت إليه ريتال بذهول، فقال: «كنت متفق مع الشخص ده من قبل. اتفقت معاه إنه مهما حصل، يقول لياسر إن الفيديو حقيقي». لم تستطع ريتال الكلام للحظات. كانت تسمع الكلمات، لكنها تشعر وكأنها لا تستوعب معناها. تذكرت مريم وهي في المستشفى، جسدها الذي تحمل آثار الألم، أيام الغيبوبة، فقدان طفلها، ذراعها المكسورة، الأضلاع التي تأذت، والخوف الذي لم يفارق عينيها حتى بعد أن نجت.


قالت ريتال بصوت مخنوق: «يعني مريم… كل اللي حصل لها… بدأ بسببك؟»


رحيم لم يجب فورًا.


نزلت دمعة من عينه، وقال بصوت مبحوح: «أنا كنت الشرارة الأولى… لكن اللي حصل بعدها كان سلسلة من قرارات ناس تانية. ياسر هو اللي اختار يصدق ويؤذي… وأنا اللي حطيت قدامه الكذبة اللي خلته يعمل كده».


وقفت ريتال فجأة، والدموع تنزل على وجهها، وقالت: «إنت فاهم أنت عملت إيه؟! دي مش لعبة يا رحيم! دي حياة بني آدم! مريم خسرت طفلها! اتكسرت! دخلت المستشفى! اتبهدلت نفسيًا وجسديًا! وكل ده لأنك قررت تنتقم منها؟!»


رفع رحيم عينيه إليها، ولم يحاول إيقاف غضبها.


قال فقط: «أنا عارف».


صرخت فيه: «لا! إنت مش عارف! لو كنت عارف فعلًا، مكنتش عملت كده!»


تلقى كلماتها في صمت، ثم قال: «يمكن عندك حق».


اقتربت ريتال منه، ووقفت أمامه وهي تبكي: «إنت كنت بتقول إنك اتظلمت… وإن الظلم هو اللي خلاك تنتقم. بس إنت عملت إيه؟ ظلمت سعد وهناء، وجرحت مريم، ودمّرت حياتها، وضربتني بالنار… إنت بقيت تعمل في الناس نفس الحاجة اللي كنت بتكره إنها حصلت لك».


ظل رحيم صامتًا، ثم قال: «عشان كده أنا مش بطلب منك تسامحيني دلوقتي».


نظرت إليه.


«أنا بطلب منك تسمعي الحقيقة كلها… وبعدها لو شايفة إني مستحق إنك تكرهيـني طول عمرك، يبقى ده حقك».


سكت قليلًا، ثم أضاف: «لكن فيه حاجة لسه ماقلتهالكش».


رفعت ريتال عينيها إليه.


قال رحيم بصوت خافت: «الفيديو ماكانش آخر حاجة عملتها في مريم… كان بداية الكارثة بس».


اتسعت عينا ريتال، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.


أما رحيم، فظل ينظر إليها وكأنه يعلم أن الجزء القادم من الحكاية هو الجزء الذي قد يجعلها لا تنظر إليه بالطريقة نفسها مرة أخرى.


وقال: «لأن بعد ما ياسر صدق الفيديو… حصلت حاجة أنا نفسي ماكنتش متوقع إنها هتحصل».


ظل رحيم ساكتًا بعد كلماته الأخيرة، بينما كانت ريتال تحدق فيه وكأنها تنتظر منه أن يفتح بابًا آخر من أبواب الماضي، بابًا كانت تخشى أن يكون أكثر ظلمة من كل ما سمعته. مرّت ثوانٍ طويلة قبل أن يتنفس رحيم بعمق ويقول: «بس قبل ما أكمّل… لازم تعرفي حاجة مهمة جدًا عن مريم». 




رفعت ريتال عينيها إليه، فقال: «أنا ماكنتش أعرف ياسر هيعمل فيها إيه بعد ما شاف الفيديو. أنا كنت متوقع إنه يواجهها، يطلب منها تفسير، يمكن يبعد عنها… لكن اللي عمله كان أبعد بكتير من اللي تخيلته». سكت لحظة، ثم قال بصوت يحمل صدمة قديمة: «هو طلب منها تقابله، وأنا ماكنتش عارف إنه رايح لها وهو واخد قرار إنه يقتلها. مريم قابلته وهي فاكرة إنها بتتكلم مع جوزها وتحاول تفهم منه سبب كل اللي حصل، لكنه طعنها مرتين».




وضعت ريتال يدها على فمها، وظهرت الصدمة على وجهها من جديد، بينما تابع رحيم: «أنا عرفت بعد اللي حصل… ولما عرفت، اتصدمت. لأول مرة حسيت إن الموضوع خرج من إيدي تمامًا. أنا كنت عايز أنتقم، أوجعها، أخليها تدوق جزء من اللي أنا دوقته… لكني ماكنتش عايز أشوفها بين الحياة والموت». 




قالت ريتال بصوت مرتجف: «بس أنت اللي حطيت السكين في إيده يا رحيم… يمكن مش بإيدك، لكنك حطيت الكذبة قدامه وخليته يشوفها خائنة». خفض رحيم رأسه، وقال: «عارف… وعلشان كده مش هحاول أهرب من مسؤوليتي. أنا ماطعنتهاش بإيدي، لكني كنت سبب في الطريق اللي وصلها للحظة دي».




سكت قليلًا، ثم قال: «بعد اللي حصل لمريم، كنت المفروض أقف. كنت المفروض أقول كفاية. لكني كنت غرقان في الانتقام لدرجة إني بدل ما أراجع نفسي… رجعت أفكر في ريتال». بمجرد أن ذكر اسمها، شعرت ريتال ببرودة تسري في جسدها. أكمل رحيم: «وقتها كنت لسه شايفك شغف، البنت اللي بدأت بسببها كل الحكاية. كنت شايف إنك لازم تدفعي التمن بنفسك، مش بس بخوف أو تهديد… كنت عايز أكسر إحساسك بالأمان». نظرت إليه ريتال بصمت، فقال: «وعشان كده خطفتك أول مرة».


عادت إلى ذهن ريتال صورة ذلك اليوم؛ الطريق، الرجال الذين ظهروا فجأة، الصدمة، الخوف، الألم، ثم الغرفة التي وجدت نفسها فيها بعد ذلك. قال رحيم: «لكن فيه حاجة لازم تعرفيها عن اللي حصل وقتها… أنا ماقربتش منك». 




اتسعت عيناها، وكأنها لم تفهم الجملة. «إيه؟» قال: «أنا مااعتديتش عليكِ». ساد الصمت للحظة، ثم أكمل: «أنا كنت عارف إن أكتر حاجة ممكن تكسر مقاومتك هي إني أخليكي تصدقي إن ده حصل. خليتك تشوفي كلام وتصرفات تخليكي مقتنعة إني أذيتك، وكنت متعمد أخليكي تخافي من فكرة إنك لو خرجتي من عندي محدش هيصدقك». ارتجفت ريتال، وقالت: «يعني كل اللي كنت بتقولهولي وقتها… إن محدش هيقبلك… وإن حياتك هتدمر… كان مقصود؟» أجاب: «أيوه».


قالت: «والشرطة؟»


أجاب رحيم: «حتى حكاية الشرطة كانت جزءًا من الضغط عليك. أنا طلبت إن الشرطة تدخل في الموضوع، لكن مش علشان أبلغ عنك أو أتهمك… كنت عايز أخوفك بفكرة إن الموضوع ممكن يتحول لقضية وإن حياتك هتتدمر، علشان أوصلك للنقطة اللي تخليكي تقبلي الجواز مني وأنتِ شايفة إنه مفيش قدامك طريق تاني».


حدقت فيه ريتال طويلًا، ثم قالت بمرارة: «يعني حتى موافقتي على الجواز… ماكنتش موافقة حقيقية».


لم يجب رحيم فورًا.


كانت الإجابة واضحة في صمته.


قال أخيرًا: «لا. دلوقتي وأنا ببص للماضي، عارف إن الخوف والضغط عمرهم ما يصنعوا موافقة حقيقية. وقتها كنت شايف إن المهم إنك توافقي، بأي طريقة. ودي واحدة من أكبر الحاجات اللي أنا ندمان عليها».


ابتعدت ريتال عنه، وجلست وهي تحاول ترتيب أفكارها. قالت بصوت منخفض: «كنت بتخوفني علشان أتجوزك… وبعدها استخدمت التوكيل اللي اديته لآدم… واتجوزتني فعلًا من غير ما أعرف».


قال رحيم: «أيوه».


رفعت عينيها إليه: «طب ليه؟ ليه كنت مصمم للدرجة دي إن حياتي تبقى مربوطة بيك؟»


نظر إليها رحيم طويلًا، وقال: «في البداية كان انتقام. كنت عايز آخد منك كل حاجة شايف إنك أخدتيها مني. اسمك، أمانك، حياتك، وحتى حريتك. كنت عايزك تحسي إنك بقيتي محبوسة في نفس القفص اللي أنا كنت محبوس فيه سنتين».


سكت لحظة، ثم تابع بصوت أهدأ: «لكن المشكلة إني بعد ما أخدتك… اكتشفت إن الإنسان اللي كنت بكرهه في خيالي مش موجود قدامي. قدامي بنت كانت بتخاف وبتضحك وبتعاند وبتعيط لوحدها، بنت أنا أذيتها من غير ما يكون عندها فكرة عن الحقيقة. وكل مرة كنت أشوفك فيها بتتألمي بسبب حاجة أنا عملتها… كنت أكتشف إني مش قادر أكمل زي الأول».


ضحكت ريتال بمرارة: «بس كملت».


«أيوه… كملت. وده ذنبي».


ساد الصمت من جديد، لكن هذه المرة كان مختلفًا. لم يكن صمت انتظار، بل صمت شخصين اصطدما بحقيقة لا يستطيع أي منهما تغييرها.


رفعت ريتال عينيها إليه وقالت: «إنت عارف أكتر حاجة وجعتني إيه؟»


سألها: «إيه؟»


قالت: «إني طول الوقت كنت بحاول أفهم ليه بتعمل فيا كده… وكنت فاكرة إن فيه سبب أنا مش عارفاه. دلوقتي عرفت السبب، واكتشفت إن جزء كبير من حياتي اتبنى على انتقام بدأ قبل ما أعرف حتى إنك موجود».


اقترب رحيم خطوة، لكنه توقف قبل أن يقترب أكثر، وكأنه للمرة الأولى أصبح حريصًا ألا يفرض وجوده عليها، وقال: «وعشان كده أنا مش هطلب منك تسامحيني لمجرد إني حكيتلك الحقيقة. الحقيقة مش ممحاة… الحقيقة بس بتخليكي تعرفي أنا كنت مين، وإيه اللي عملته».


نظرت ريتال إليه بعينين دامعتين، وقالت: «لسه في حاجات تانية؟»


ظل رحيم صامتًا لثوانٍ، ثم قال: «أيوه».


«كتير؟»


أجابها بصراحة: «أكتر مما تتخيلي».


وأخفض رأسه، قبل أن يضيف: «بس المرة الجاية… مش هحكي لك عن اللي عملته فيكم بس. هحكي لك عن الشخص اللي كان واقف ورا كل اللي حصل من البداية… الشخص اللي خلاني أصدق إن شغف ومريم هما سبب كل مصايبي».


رفعت ريتال رأسها بسرعة.


وعرفت من نبرة صوته أن الحكاية لم تكن قد بدأت أصلًا عند رحيم… وأن هناك شخصًا آخر كان يحرك الخيوط من مكان مجهول.


ريتال لم تكن تتوقع أبدًا أن الصمت الذي يسبق الجملة التالية سيحمل معها أكبر صدمة عرفتها في حياتها. ظل رحيم واقفًا أمامها، ينظر إليها للحظات طويلة، ثم قال بصوت منخفض: «الشخص اللي كنت متفق معاه… واللي كان جزء من الخطة من البداية… كان آدم». لم تفهم ريتال الكلمة في البداية، وكأن عقلها رفض أن يربط الاسم بالجملة. حدقت فيه، ثم قالت ببطء: «آدم مين؟» رفع رحيم عينيه إليها وقال: «آدم… أخوكي الكبير».




 تجمدت ملامحها بالكامل. لم ترمش حتى. وكأن العالم كله توقف في تلك اللحظة، ولم يعد هناك صوت سوى دقات قلبها التي بدأت تضرب داخل صدرها بعنف. قالت بصوت بالكاد خرج منها: «آدم؟»


 هز رحيم رأسه. «أيوه… آدم».


ضحكت ريتال ضحكة قصيرة، خالية من أي فرحة، ثم قالت: «لا». هزت رأسها بقوة أكبر. «لا، إنت بتكدب».




 قال رحيم بهدوء: «يا ريتال… أنا وعدتك أقول الحقيقة». قاطعته وهي تنهض فجأة: «آدم مستحيل! آدم أخويا! إنت فاهم بتقول إيه؟!»


 لم يرد. كانت تقترب منه خطوة بعد خطوة، وعيناها ممتلئتان بالدموع: «آدم هو اللي وقف جنبي لما كنت لوحدي… آدم هو اللي كنت بثق فيه… آدم هو اللي اديته التوكيل بإيدي… آدم هو اللي كنت فاكرة إنه بيساعدني أرجع اسمي لعيلة الملوكي… إنت عايز تقنعني إن أخويا كان متفق معاك؟» قال رحيم: «أيوه».


تراجعت ريتال وكأنها تلقت صفعة. وضعت يدها على فمها، وبدأت تتنفس بصعوبة، بينما استمرت الكلمات في رأسها تتكرر: «آدم… آدم… آدم». ثم تذكرت فجأة التوكيل الذي أعطته له، وثقتها العمياء فيه، واللحظة التي أخبرها فيها أنه سيحل لها كل شيء. فهمت الآن لماذا انتهى بها الأمر متزوجة من رحيم من غير أن تعرف. التفتت إلى رحيم وقالت: «هو اللي استخدم التوكيل؟» أجاب: «أيوه». «وهو اللي جوزني ليك؟»، «أيوه،هو كان مشترك معايا في كل حاجةعملتها معاك». أغمضت عينيها، وسقطت دموعها، ثم قالت: «أنا كنت واثقة فيه».


رحيم لم يقترب منها. ترك لها المسافة، ثم تابع: «بعد ما آدم جوزنا، رجع البيت». 


رفعت ريتال عينيها إليه. «رجع البيت وقال لعيلتك إنك غلطتي معايا… وإنك مشيتي في سكة الحرام، وإنه حاول يستر عليكي، وإنه اتوسل لي إني أتجوزك علشان أحفظ سمعتك».


 اتسعت عينا ريتال من شدة الصدمة، وقالت: «إيه؟!» 


قال رحيم: «دي كانت الرواية اللي قالها لهم». 


ارتجفت ريتال، ووضعت يدها على صدرها. «قال لهم… إني عملت كده؟» 


«أيوه». «قال لماما؟» 


«قال لأمينة». «وسليم؟» «كلهم كانوا موجودين». ابتلعت ريتال ريقها بصعوبة: «وجدو وتيتا؟» أجاب رحيم: «آدم مااستثناش حد».


جلست ريتال ببطء، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها. بدأت تتخيل المشهد؛ آدم يدخل إلى البيت، يجلس أمام العائلة، يتكلم بثقة، يحكي قصة لم تحدث، يشوه اسمها أمام أكثر الأشخاص الذين تحبهم، ثم يتركهم ينظرون إليها وكأنها ارتكبت جريمة. قالت بصوت مكسور: «يعني هو مااكتفاش إنه جوزني ليك… ده كمان رجع قال لعيلتي إني بنت مش محترمة؟» 


قال رحيم: «أيوه». ثم أضاف بعد لحظة: «وكان عارف كويس إن أمينة هتصدق، لأنك بالنسبة لها بنتها، وأي كلام بالشكل ده هيكون صعب عليها تستوعب إنه كذب. وكان عارف إن سليم هيغضب، وإن الجد والجدة هيتصدموا… وكان ده جزء من الخطة».


شهقت ريتال، وانفجرت في البكاء. «ليه؟! ليه يعمل فيا كده؟! أنا عملت له إيه؟!» 


لم يجب رحيم. لم يكن عنده إجابة تستطيع أن تخفف عنها هذا الألم. قالت وهي تمسح دموعها بعصبية: «أنا فاكرة اليوم ده… فاكرة نظرة ماما ليا. فاكرة إنها ضربتني وطردتني وقالتلي إني خذلتها. فاكرة سليم وهو واقف بعيد ومش قادر حتى يبص في وشي. فاكرة جدي وجدتي… فاكرة إنهم كلهم صدقوا إني عملت حاجة أنا أصلًا ماعملتهاش». ثم رفعت وجهها إلى رحيم، وقالت بصوت مختنق: «وأنا وقتها كنت مستغربة إزاي آدم عرف كل حاجة؟»


سكت رحيم.


فهمت ريتال الإجابة قبل أن ينطق بها.


«لأنه هو اللي كان عامل كل حاجة».


قال رحيم: «أيوه».


وضعت ريتال يديها فوق وجهها، وانحنت للأمام وهي تبكي. كانت الصدمة أكبر من قدرتها على الاحتمال؛ الشخص الذي منحته ثقتها، والذي لم يخطر ببالها يومًا أن تشك فيه، كان هو نفسه الشخص الذي أخذ ثقتها وحولها إلى سلاح ضدها.


قال رحيم بصوت هادئ: «أنا عارف إن اللي هقوله بعد كده مش هيغير حاجة، لكن لازم تعرفي إن آدم ماكانش مجرد شخص وافق يساعدني. كان شريك في الخطة. هو اللي سهّل حاجات كتير، وهو اللي استغل ثقتك فيه، وهو اللي خلّى عيلتك تشوفك بالشكل اللي هو عايزه».


رفعت ريتال وجهها، وكانت عيناها حمراوين من البكاء، وقالت: «وإنت؟»


نظر إليها رحيم.


«إنت كنت عارف إنه هيعمل كده؟»


صمت رحيم للحظة.


قالت ريتال: «رحيم… بص في عيني وقولي. كنت عارف إن آدم هيدخل بيتي ويشوه سمعتي قدام أمي وإخواتي وجدي وجدتي؟»


خفض رحيم عينيه، ثم قال الحقيقة: «كنت عارف إنه هيتكلم عن الجواز، لكن ماكنتش واقف معاه في البيت، وماكنتش أعرف كل كلمة هيقولها. لكني كنت عارف إن الخطة مبنية على إن عيلتك تصدق إنك غلطتي وإن الجواز مني كان محاولة تستر».


نظرت إليه ريتال طويلاً، ثم قالت: «يعني حتى لو ماكنتش عارف كل كلمة… كنت عارف إن اسمي هيتشوّه».


«أيوه».


أغمضت عينيها، وقالت: «يبقى إنت كمان كنت جزء من ده».


«أيوه».


لم يدافع عن نفسه.


لم يقل إنها كانت خطة قديمة.


لم يقل إن آدم هو الذي فعل الجزء الأكبر.


لأن ريتال كانت محقة.


قال رحيم بصوت خافت: «أنا مش هحاول أهرب من مسؤوليتي يا ريتال. أنا شاركت في ظلمك. يمكن آدم خان ثقتك، لكن أنا كمان كنت سبب في إنك تعيشي فترة من حياتك وإنتِ شايلة ذنب حاجة ماعملتيهاش».


رفعت ريتال عينيها إليه، وفي تلك اللحظة لم يكن الغضب وحده في عينيها؛ كان هناك شيء أشد قسوة… انكسار الثقة.


قالت: «أنا كنت فاكرة إن أسوأ حاجة حصلت لي هي إنك خطفتني».


توقف رحيم.


«طلعت أسوأ حاجة إن الناس اللي كنت فاكرة إنهم أهلي… صدقوا عني كذبة، وأخويا الكبير هو اللي حكاها لهم».


ثم سكتت، قبل أن تضيف بصوت خافت: «وأنا كنت طول الوقت بدافع عن آدم قدام نفسي… حتى لما كل حاجة كانت بتقول إن فيه حاجة غلط».


رفع رحيم رأسه إليها وقال: «وعشان كده لازم تعرفي آخر حاجة».


نظرت إليه.


قال: «آدم ماعملش كل ده من غير سبب… وهو لما دخل في الخطة معايا، كان عنده هدف تاني غير الانتقام منك».


توقفت دموع ريتال للحظة.


«هدف إيه؟»


نظر رحيم إليها، ثم قال:


« كان بينتقم منك لانك السبب في قتل أكتر حد كان بيحبه. »


نظرت له ريتال بعدم استيعاب: 


«قتل... أنا قتلت.؟» 


رحيم بوجع :


«ايوه ياريتال انتي قتلتي... ومش أي حد لا، انتي قتلتي أكتر حد غالي على آدم. »




ريتال بصدمة وصوت متقطع :


« م مم ممين ا ااا اللي قت قتل ته؟ »

رحيم:«.......» 


كفاية عليكم صدمات لحد كده نكمل بكره إن شاءلله 🙂.


             الفصل الثالث والعشرون من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة