رواية إلى تلك الرائعة أحبك الفصل الاول 1بقلم رضوى جاويش


رواية إلى تلك الرائعة أحبك الفصل الاول 1بقلم رضوى جاويش 


١ـ الهاربة.. 
سطعت الأضواء الملونة لتلك اللمبات الممتدة أحبالُها على الطوابق الثلاثة لتلك الفيلا الريفية، وانبعثت الموسيقى في صخب من خلف جدرانها العتيقة التي تنضح بالتميز والأصالة، مؤكدةً على جو السعادة والفرحة الذي ينتشر في الداخل.
بدأ الحضور في التوافد على أعتاب تلك البوابة الحديدية بسياراتهم الفارهة، ليندفع إلى الدرج مستقبلًا رجل الأعمال المعروف سميح التاجي، عم العروس، يدلهم على الطريق إلى داخل الفيلا استعدادًا لعقد القران، سائرًا بين المدعوين موزعًا الابتسامات الدبلوماسية هنا وهناك، دخل لذاك الرواق حتى وصل إلى المطبخ هاتفًا بامرأةً خمسينية في نزق: أين غفران! ولمَ لستِ معها بغرفتها تساعدينها على الاستعداد!
تنهدت المرأة في هدوء هامسة: حالا يا سميح بيه، سأذهب لاستعجالها..
هتف سميح متعجبًا: أسرعي إذن، فقد اكتمل المدعوون تقريبًا، وهي لا تزال في حجرتها.. حذرتها ألا ترهق نفسها في صنع حلوى الزفاف وكعكاته بنفسها، لكنها لا تستمع لأي نصيحة فيما يخص أمر الطعام وصنعه.. لا أتعجب أبدًا لو وجدتها بحجرتها وقد ملأ النعاس جفونها بعد ذاك الإرهاق في صنع كعكاتها لثلاث ليالٍ كاملة..
هتفت نوال مدافعةً عن ربيبتها: ومن يمكنه أن يصنع كعكات زفاف بروعة كعكاتها حتى تترك صنع كعكات زفافها لأي من كان ليصنعها! 
هتف سميح ممتعضًا: لا تطيلي الكلام والحكي الفارغ، واذهبي لاستدعائها فقد ملّ الضيوف وضاق عريسها ذرعًا.. سأذهب أنا لإلهاء المدعوين حتى تظهر..
أطلق كلماته الأخيرة سريعًا وهو يندفع خارجًا من المطبخ، وفي أعقابه توجهت نوال إلى غرفة العروس لتحثها على الاسراع اتقاء لغضب عمها.. الذي دفع اللحظة باب الغرفة متحفزًا، حين تأخرت أكثر مما يجب، تملؤه رغبة ملحّة في توبيخ تلك المدللة عديمة اللياقة.. إلا أن الغرفة كانت فارغة تمامًا إلا من نوال، التي كانت تجلس في تيه لا تعلم أين ذهبت غفران في ليلة كهذه! ولماذا رحلت من الأساس مخلفة حفل زفافها وخطيبها الذي كانت تعتقد كأم بديلة لها أنها تحبه!
سأل سميح في توتر: أين غفران!
هزت نوال رأسها في اضطراب: لا أعلم، يبدو أنها.. أنها..
لم تجرؤ نوال على ذكر الحقيقة الجلية، وتركت سميح يستنتجها مفرده، وخاصة بعد مظهر ثوب الزفاف الممزق والممدد كالمذبوح على فراشها.. اندفع سميح كالمجنون باتجاه النافذة الوحيدة في الغرفة وكذا الشرفة، يتطلع منها لعله يجد ما قد يخيب ظنه.. لكن ليس هناك من جديد يجعله يغير من ذاك الخاطر الذي أصبح واقعًا غير قابل للشك في تلك اللحظة..
ضرب سُور الشرفة بكف مضمومة تحمل غضب الدنيا، وكاد أن يصرخ غيظًا، إلا أنه تذكر ضيوفه بالأسفل فقرر التماسك رداءً للفضيحة، محاولًا إعمال عقله حتى يجد مخرجًا من تلك الكارثة التي أوقعته فيها تلك الحمقاء، ابنة أخيه التي اعتقد أنه تخلص من عبئها عن كاهله وألقاه على كاهل خطيبها، الذي لا يعلم ما سيكون رد فعله الآن بعد أن يواجهه بتلك المصيبة التي تجرأت غفران على إتيانها..
★★★★
ركضت بلا هوادة تتخطى ذاك الممر الطيني في اتجاه المجهول، لا تعلم أين يمكنها أن تذهب، ولا لأي مخلوق يمكن أن تلجأ.. حمدت ربها أنها كانت ترتدي هذا البنطال الواسع وذاك القميص القطني، ولم تكن قد بدلت ملابسها بعد مغادرتها المطبخ فور انتهائها من تزيين آخر كعكات صنعتها، تضم تلك الحقيبة التي تحمل مصاغها وبعضًا من النقود، أسرعت الخطى حين برز قبالة ناظريها ثوب زفافها الذي تركته ممزقا على فراشها قبل أن تندفع هاربة من ذاك الجحيم الذي يملؤه الخداع والكذب..
توقفت لحظات تلتقط أنفاسها في تتابع محموم، متطلعة حولها تستطلع أين هي بالضبط، فهي لأكثر من نصف الساعة تركض كالمجنونة بلا هدى..
تنبهت أنها وصلت بلا وعي منها إلى المقابر، تلفتت حولها من جديد لترى أن ما من شيء يحيط بها إلا شواهد لقبور رحل أصحابها مخلفين الأحباب.. تذكرت أباها وأمها الراحلين فدمعت عيناها حزنًا وشوقًا، واتجهت في ثبات عجيب باتجاه موضع قبريهما الذي كانت تحفظه عن ظهر قلب، فهي دوما ما تزورهما تستأنس بوجودهما، حتى ولو كانا عظامًا بالية أسفل حفنات من تراب، لكن روحيهما دوما تظلل على محياها فتشعرها بأمان غريب تفتقده بشدة.
تنهدت عندما وصلت إلى موضعهما، وجلست مهدودة تستند على شواهد قبريهما كأنما تستند على ذراعيهما أحياءً..
انفجرت في بكاء دامٍ لا تعرف كم طال، فما عاد لها القدرة على البوح اللحظة بما يعتمل في صدرها من وجع إلا بالدموع.. لا تعلم لمَ! فدوما كان جلوسها أمام قبري والديها وبثهما أفراحها وأتراحها يبث في صدرها الراحة بدوره، لكن اليوم شعورها مختلف، وإحساسها بالوجع فاق حد الإفصاح.
فآلام الغدر لا يوصف وجعها، وخاصة عندما تأتي من أقرب الأقرباء.. إنها تدمي الروح قبل القلب.. تاركة بهما ندوبًا لا تندمل أبدًا..
★★★★
اندفع سميح في ذعر من أعلى الدرج حاملًا العروس بين ذراعيه، مدعيًا أنه دخل غرفتها ليجدها فاقدة الوعي.. اضطرب الجمع، فاستأذنهم في عجل مندفعًا بابنة أخيه العروس المريضة، ولحق به خطيبها لنقلها إلى أقرب مشفى، لينفض الزفاف الذي لم يبدأ بعد، انطفأت أضواء العرس المبهجة سريعًا، ورحل المدعوون في أسف على حال العروس المسكينة التي انقلب حفل زفافها بهذا الشكل المحزن..
هتف نادر متعجبًا: ماذا حدث!
هتف سميح في غضب: لا علم لي! لقد هربت عروسك الحمقاء..
هتف نادر بصدمة مشيرًا لتلك الفاقدة الوعي على المقعد الخلفي للسيارة: إذن من هذه!
هتف سميح ينفجر غيظًا: إنها إحدى الخادمات، أمرتها بارتداء ثوب الزفاف وتغطية وجهها حتى أستطيع المداراة على هروب تلك المدللة.. أقسم بقتلها ما إن تقع عيني عليها..
هتف بكلماته الأخيرة وهو يضرب مقود السيارة في عنف، متوقفا فجأة على أحد جانبي الطريق..
هتف نادر متسائلًا: لماذا توقفت!
هتف سميح محاولًا كبت سبابًا على أطراف لسانه: لماذا تعتقد بظنك! لا عروس مريضة ننقلها إلى المشفى، بل هناك عروس هاربة لا بد من إعادتها، وإلا اعتبر اتفاقنا لاغيًا..
هتف نادر في صدمة: لاغيًا؟! هل تمزح؟! بل إنك تهزأ.. بعد كل ما عانيناه لنصل إلى تلك اللحظة تقول لاغيًا!
ثم نظر في سخرية لسميح هاتفًا: تذكر أن ما من خاسر أكبر منك لو تم إلغاء اتفاقنا.. فعليك أن تفعل المستحيل لتعيدها إليّ، وإلا...
لم يكمل نادر كلماته، ولكن تلك الابتسامة الباردة التي ظهرت على شفتيه كانت كفيلة تمامًا بأن يتذكر سميح أن عليه إعادة ابنة أخيه الغبية تلك، وإلا فستكون العواقب وخيمة بحق..
ازدرد سميح ريقه وهو يتطلع إلى الطريق عائدًا من مسار آخر ليبدأ رحلة البحث عن تلك الهاربة التي سيكلفه هروبها الكثير والكثير..
★★★★
ابتسمت في سعادة ماسحة كفها من دقيق الكعكة التي تحضرها في تلك اللحظة، عندما تناهى إلى مسامعها رنين هاتفها، تطلعت إلى شاشته لتكتشف أنه نادر خطيبها، والذي سيصبح خلال ساعات قليلة زوجها..
تناولت الهاتف وردت، وسعادتها تشع مع نبرات صوتها، هامسة: سلام عليكم..
رد بدوره هامسًا في سعادة: وعليكم السلام يا زوجتي العزيزة..
تورد خداها خجلًا هامسة: ليس بعد..
هتف ممتعضًا: بضع ساعات وتصبحين زوجتي يا غفران.. متى تمر تلك الساعات المملة، وأكون جوارك دوما!..
ابتسمت منتشية ولم ترد حياءً.. ليستطرد هامسًا: هل أنهيتِ صنع كعكاتك العزيزات! أتشوق لتذوقها ورؤية كعكة زفافنا.. بالتأكيد ستكون رائعة.. 
كادت أن  تقفز سعادة، فهو دوما ما يدعمها ويرفع من معنوياتها، وذاك ما افتقدته بشدة بعد وفاة أمها التي كانت داعمها الأول والأخير، فمنذ رحيلها افتقدت داعما تلجأ إليه، بخلاف نوال التي كانت أمًا بديلة، لكن نادر كان له وضع مختلف.. كان ذاك الداعم بنكهة دافئة.. نكهة الأمان الذي تفتقده حتى في وجود عمها الذي من المفترض أن يكون مصدر أمانها الأول، خاصة بعد وفاة والديها، لكنه للأسف لم يكن كذلك، بل على العكس كان مصدرًا لتحطيم معنوياتها وثقتها بنفسها، فكان دوما ما يحط من أحلامها ويسفه من رغباتها..
انتفضت موضعها مستيقظة حين علا نباح كلب، متطلعة خلفها لتدرك أنها كانت تحلم بمكالماتها مع خطيبها التي حدثت في وقت سابق ذاك اليوم، وتناهى إلى مسامعها صوتٌ يقترب وخطوات حثيثة تندفع هنا وهناك باحثة عن شيء ما، أو ربما شخص ما.. أفاقت كليًا الآن من غفوتها التي لا تعلم متى سقطت فيها، وزار النوم أجفانها المنتفخة سهدًا وبكاءً..
تطلعت من خلف شاهد قبر أبيها تستطلع الأمر، وكأنما تتطلع من خلف كتفيه اللذين لطالما تسلقتهما صغيرة في سعادة، جالسة عليهما بأريحية وأمان، مدركة تمامًا أنه لن يفلتها مهما حدث..
تنبهت لصوت عمها آمرًا بعضًا من رجاله بالبحث الدؤوب عنها..
دمعت عيناها رهبة، وهمست داعية بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}..
أخذت تكرره كالمحمومة، تستودع نفسها الله، طالبة الالتجاء إلى حصنه، وهو لم يخذلها، فها هو الآن يؤكد أنه دوما معها، قريب لدعوة الداع إذا دعاه.
ابتعد رجال عمها، وقد تخطى نطاق بحثهم موضعها، ولم يتبين أحدهم مكانها..
تطلعت إلى السماء في امتنان، وقبلت شاهدَي قبر أبويها كأنما تودعهما راحلة لأجل لا يعلم مداه إلا الله.. وانطلقت إلى الطريق وقد بدأت خيوط الفجر الأولى في الانتشار بالأفق..
★★★★
بكت نوال كما لم تبكِ من قبل.. فافتراقها عن غفران مزقها كليًا.. فهي لم تبتعد عنها منذ وفاة أمها الغالية، كانت لها بمثابة أم بديلة محاولة قدر استطاعتها تعويض غفران عن فقدان داعمها وسندها الوحيد بعد أبيها الراحل، وتجبُّر عمها..
اليوم يوم عطلتها الذي تقضيه بعيدًا عن المزرعة حيث فيلا سالم التاجي التي عملت بها قرابة ربع قرن ويزيد.. فهي تذكر عندما استلمت العمل هناك كانت لا تزال شابة فتية في مقتبل عمرها، تناهز السيدة آمال والدة غفران عمرًا.. والتي رزقت بغفران منذ بضعة أشهر، فتعلقت بالطفلة منذ مولدها تقريبًا، وأصبحت أما بديلة لها بعد رحيل أمها.
مسحت نوال دمعاتها المتساقطة على خديها حتى تتبين خطواتها على درج بيتها المتهالك الذي تعتليه اللحظة للوصول إلى شقتها المتواضعة الكائنة في الدور الأخير من تلك البناية العتيقة بأحد الأحياء الشعبية..
كادت تصرخ في صدمة عندما طالعها ذاك الجسد الضئيل الذي تعرفه تمام المعرفة، مستندًا إلى بابها في إعياء..
هتفت في صدمة: غفران!!..
تعجبت نوال من قدرتها على المجيء إلى بيتها وحدها، وهي التي لم تطأه منذ أعوام عدة..
فتحت الباب على عجل، وانحنت المرأة في حنو تساعد غفران على النهوض إلى الداخل..
ترنحت غفران قليلًا قبل أن تستجمع قوتها مستعيدة توازنها لتخطو إلى داخل شقة نوال، والأخيرة في عونها حتى أجلستها على أحد الأرائك، عائدة أدراجها تغلق الباب بإحكام وتحضر بعضًا من شراب منعش لغفران التي كانت حالتها تشير إلى إنهاك واضح..
ساعدتها نوال على تناول بعض رشفات من مشروبها، استعادت بعده غفران بعضًا من قوتها لتهمس نوال، وهي تضع المشروب جانبًا وتجلس رابتة على كتفها تستحثها للإجابة عن أسئلتها في هوادة: لماذا فعلتِ ذلك يا غفران! إن كان نادر لا يروق لكِ.. لماذا قبلتِ خطبته من الأساس! كنت قد بدأت أعتقد أنك تحبينه في الآونة الأخيرة.. لكن خاب ظني بعد ما فعلتِ.. لماذا يا ابنتي!
شهقت غفران باكية في لوعة أدمت قلب نوال، فضمتها إلى صدرها في حنان جارف.
شهقت من جديد بعد أن أفرغت ما بجعبة قلبها دون أن تتفوه بكلمة، ولم تضغط نوال عليها أكثر، فحالة غفران كانت لا تنبئ بالخير أبدًا، ما جعلها تبتلع فضولها ورغبتها في معرفة سبب هروبها العجيب ذاك، وتفضل الصمت واحتواء غفران وألمها الظاهر ووجع قلبها الذي كان ينوء بحمل الكثير..
احتضنتها نوال من جديد رابتة على ظهرها في دعم ومحبة.. وأخيرًا همست مؤكدة: لا عودة لكِ.. ستبقين هنا آمنة في بيتي..
همست غفران: لا.. للأسف بيتك غير صالح لبقائي يا دادة.. إنه معروف لهما، وقد يكون أقرب ما يكون ليد عمي، فهو يعرف مدى قربي منك، ويعلم أيضًا أنه ليس لي أحد سواكِ قد ألجأ إليه..
هتفت نوال في حيرة: إلى أين إذن!.. لا أستطيع ترككِ وحيدة.. ولن أتركك في تلك المدينة دون أمان أو حماية..
همست غفران: حمايتي رب العالمين.. ثم إنني قد عزمت أمري وعلمت إلى أين أتجه..
هتفت نوال متعجبة: إلى أين!..
أخرجت غفران قصاصة من جريدة ما كانت لا تفارقها، وناولتها لنوال هاتفة في حبور مشيرة إلى موضع ما بتلك القصاصة: إلى هنا.. إلى حلمي..
تطلعت نوال إلى ما كانت تشير إليه غفران لعلها تفهم ما ترمي إليه.. لكنها لم تدرك ماذا كانت تقصد بالضبط وهي تشير إلى كلمات ذاك الإعلان العجيب..
★★★★
                     يتبع... 


                        الفصل الثاني من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة