
٨- حزنه الدفين..
ذهب الجميع للنوم والراحة بعد ذاك اليوم الشاق، الذي جاءت نتيجته مبهرة، لكن صاحب الفضل الأول في ذلك لم يعد بعد من انطلاقته على دراجته البخارية..
تمددت على فراشها لا تعلم لماذا تشعر بذاك القلق الذي يعتريها لخروجه بهذا الشكل!..
همست بأدعيتها المعتادة، وفتحت مذياعها على القرآن الكريم، الذي لا تبدل قناته.. أغمضت جفنيها، لا رغبة لها في النوم حتى تطمئن أنه عاد سالمًا.. وقد قررت تأجيل شكرها له حتى الصباح..
مرت ساعة وأكثر ولا جديد، واستوحشت جدران غرفتها دون طرقه عليها محذرًا إياها لتخفض صوت المذياع.. لتعاند هي في صلابة، ليرضخ هو في النهاية ويكف عن الطرق بكفه الضخم على حائطها الذي تستشعر أنه يومًا ما سيخرقه في إحدى نوبات غضبه.
ابتسمت للخاطر رغمًا عنها، وحاولت أن تصرف شبح النعاس عن أجفانها لبعض الوقت، لكنها لم تستطع؛ فالإرهاق قد بلغ منها مبلغه، فراحت في سبات عميق، ولم تدرك صوت محرك دراجته البخارية التي توقفت في الزقاق خلف المقهى، مؤكدا على عودته..
استيقظت هي على صوت جوالها الذي كان يصدح مؤذنًا لصلاة الفجر.. نهضت في صعوبة تجر جسدها جرًا خارج الفراش؛ فهي لم تنل ما يكفي من النوم بعد..
وضعت مئزرها وغطاء رأسها، وتوجهت للحمام لتتوضأ، فتنبهت لضوء ينبعث بالقرب من التلفاز.. اقتربت في حذر، محاولة عدم إزعاج من يجلس هناك، والذي لم يكن إلا هو.. لكنه كان نائمًا في وداعة تتناقض تمامًا مع ذاك الحجم الذي احتل الأريكة بكاملها.. كان يحتضن شيئًا ما إلى صدره، على وشك السقوط منه.
اقتربت أكثر في حرص، لا تعلم ما الذي دفعها لذلك.. فلتتركه ينام كيفما شاء، لماذا تتدخل من الأساس! لكنها تجاهلت ذاك الصوت التحذيري داخلها تمامًا، وتحركت باتجاهه حتى وقعت عيناها على شاشة التلفاز التي كانت تعرض صورًا لفتاة ملائكية رائعة تضحك في شقاوة و..
مهلا.. أهذا هو!.. كادت أن تصرخ في صدمة وهي تراه يتحرك أمامها على شاشة التلفاز مندفعًا باتجاه تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تجري في سعادة صارخة حتى لا يلحق بها..
من هذه!.. وذاك الفيلم الذي يجمعهما.. يبدو أنه من فترة ليست بالبعيدة.. فشكله لم يختلف كثيرًا على أي حال.. نفس الضخامة والطول الفارع والذقن واللحية، إلا أنهما أكثر تهذيبًا وأقل طولًا، كذلك شعره وتلك العقدة التي تجمعه خلف عنقه.. شيء واحد فقط هو المختلف.. نظرات عينيه تلك تحمل الكثير من الأمل والمحبة والسعادة.. أما نظراته الحالية فلا تحمل سوى شيء واحد.. الحزن الدفين..
تسللت ببطء، وامتدت كفها تسحب ذاك الشيء الذي كان على وشك السقوط من بين كفه، والذي لم يكن إلا صورة فوتوغرافية لنفس الفتاة في إطار طفولي يحمل نماذج لشخصيات كرتونية، ومزيل بكلمة رقيقة على أحد جوانبه بالإنجليزية.. "ملاكي"..
كادت الدموع أن تطفر من عينيها في وجع.. وقد أدركت أن هذه الفتاة هي ابنته بالتأكيد.. لكن ما الذي أبعده عنها! وأين تراها تكون! هي لا تعلم.. لكنها أدركت بحدسها أن هذا هو السبب الذي أبعده عن طريق الله.. لا بد أنه كذلك..
تحركت في هدوء، وانسحبت في حرص شديد مخافة إيقاظه، ودخلت إلى الحمام لتتوضأ، ومنه إلى حجرتها.. فردت مصلاها المعطر بالمسك أرضاً، ورفعت أكفها مكبرة، لكنها توقفت ولم تستطع أن تبدأ صلاتها، وقد بدأت تشهق باكية ليسيل دمعها دون وعي منها على حاله.. وحالها..
★★★★
حاولت النوم من بعد صلاة الفجر، لكن ما اكتشفته سرق النعاس من جفونها وما عاد لديها القدرة على أن تغفو، رأسها مشتعل بأفكار وخواطر عديدة تدور كالرحى..
تنبهت لصوت حركات بالخارج، وباب الغرفة المجاورة لها يُغلق، فتأكدت أنه استيقظ ونهض من موضعه أمام التلفاز ليعاود النوم من جديد بغرفته قبل أن يستيقظ أحد من قاطني المنزل ويراه بهذا الشكل.. بالتأكيد هو لا يعلم أن ذلك حدث فعلًا، وأنها رأته..
تذكرت حاله عندما لمحته بالحفل مع الطفلة الصغيرة ذهبية الشعر التي جعلته يحملها حتى تضع ذيل الحمار موضعه، وكيف كانت ملامح وجهه صورة حية من الوجع، وتعجبت لحظتها.. الآن لم يعد هناك حاجة للعجب، فقط عرفت سبب وجعه وتيهه.. فيبدو أن ذاك الحفل ورؤيته الأطفال قد أهاج ذكرى ابنته وجعله يتذكرها ليعاوده نفس الألم والإحساس بفقدها من جديد.. هي لا تعلم ما الذي جعله ينفصل ويبتعد عن ابنته، لكن كل ما تدركه أنه أب يتألم قهرًا لفراقه إياها.. ألمًا قضى على إيمانه وثباته وجعله يفقد بوصلة صوابه للأسف..
تنهدت في إشفاق، وحاولت أن تنام من جديد، لكن لا فائدة، فقررت أن تهزم تلك الخواطر التي تضج مضجعها بالعمل، نهضت وأرتدت ثيابها واندفعت للأسفل حيث المطبخ الذي تنسى فيه همومها..
لكن ما إن بدأت في عجن فطائرها الصباحية حتى هلت هناء أمامها، ويبدو أنها لم تهنأ بنوم مستقر الليلة السابقة، فتلك الجفون المنتفخة تدلل على بكاء مضنٍ..
هتفت غفران متعجبة: ما هذا الوجه! هل كنتِ تبكين يا هناء!
لم تكن غفران بحاجة للسؤال؛ فقد انسابت الدموع من عينيها قبل أن تنهي غفران سؤالها..
تركت غفران ما كان بيدها، واندفعت تحتضن هناء في حنو هامسة: ما الذي يجري! ما هذه الليلة العجيبة!
هتف منير مجيبًا بدلًا من هناء التي لم تكف عن البكاء بعد: نعم، ليلة عجيبة بحق.. ورؤية الأطفال البارحة جعلت منها ليلة كئيبة أيضًا..
هتفت غفران متعجبة: رؤية الأطفال!
تنبهت أن هناء لديها بعض المشاكل في الإنجاب، وسمعت من قبل بعض المناقشات بينها وبين منير عن ذلك.. شعرت غفران بمزيد من الذنب؛ فيبدو أن ذاك الحفل الذي كانت فكرة إقامته من اقتراحها أحزن الجميع، وليس هناء فقط، فها هو يوسف ظهر على أعلى الدرج، ألقى التحية في عجالة، واندفع من باب المطبخ الخلفي للزقاق هاتفًا: أنا اليوم في إجازة.. أستميحكم عذرًا..
واختفى مع صوت محرك دراجته البخارية الذي ابتعد بدوره..
هتفت هناء أخيرًا في وجه منير: لماذا تصر على عدم تحقيق رغبتي! ما لدينا من مال كافٍ..
هتفت غفران بتعجل: كافٍ لماذا بالضبط!
تنهد منير مجيبًا: كافٍ لإجراء عملية طفل أنابيب آخرى، بعد تلك المرة التي حاولنا فيها وفشلت..
ساد الصمت إلا من صوت نحيب هناء الدامي، ليستطرد منير وهو يقترب منها جاذبًا إياها في هدوء لتقترب منه مستندة برأسها على كتفه: أنا خائف.. بل خائف جدًا.. عندما فشلت العملية المرة السابقة، أخذ الأمر منك فترة طويلة حتى استوعبته وعدتِ هناء التي أعرفها.. لقد أثر عليك الحزن لفشلها كثيرًا.. وأنا لا أرغب في تكرار الأمر.. لا أريد أن أفقد جزءًا من روحك مع كل تجربة.. أنا أريدكِ أنتِ..
ارتفعت شهقات هناء وهي تحتمي بصدره هاتفة بأحرف متقطعة: ولكني أريد طفلًا.. أريد أن أمنحك طفلًا يسعدك ويزيح إحساس الذنب تجاهك عن كاهلي.. أريده يا منير.. أريده بشدة..
بكت غفران في ألم وهي ترى ما يحدث أمامها، ولم تستطع أن تفوه بكلمة، حتى هتف منير بنبرة عمل جاهدًا على أن يكسوها ببعض المرح المصطنع، محاولًا تهدئة هناء: حسنًا.. سنحاول مرة آخرى.. لكن عِديني أن نعتبر الأمر مجرد تجربة قابلة للنجاح أو الفشل، وليست نهاية العالم..
هتفت هناء في حماسة غير مصدقة أنه وافق أخيرًا: أعدك.. أعدك من كل قلبي..
هتفت غفران وهي تمسح دموعها من على خديها مؤكدة: وأنا هنا للمساعدة دومًا.. لا تحملا همًا للمقهى وإدارته، وأيضًا لا تحملا هم النقود..
هتف منير ممتنًا: لقد ساعدتنا بالفعل.. فلولا مشاركتك لنا في المقهى، ما كان لدينا المال الآن لنقرر إجراء العملية.. فلقد خسرنا مدخراتنا في المرة الأولى، وهذا كان سببًا لعرض المقهى للبيع، وعندما عدلنا عن الفكرة.. ظهرتِ أنتِ وظهر موضوع الشراكة..
هتفت غفران في محبة وهي تربت على كتف هناء: حتى لو احتاج الأمر للمزيد.. كل ما أملك ملك لهناء..
احتضنتها هناء في امتنان، لتبادلها غفران الأحضان داعمة، وفكرها لا يبرحه محيا ذاك الذي خرج مهرولا..
★★★★
دخل المقهى زوج من الأجانب، وجلسا في انتظار أن يأتيهما أحد لأخذ مطلبهما.. تقدم منير محييًا بإنجليزية متقنة، بادلاه التحية، ولكن كان يبدو أن الإنجليزية ليست لغتهما الأم، ولا يعلمان منها الكثير، وظهر ذلك في لكنتهما وتشاورهما، تحدثا كثيرًا دون أن يفهم ما المطلوب بالضبط. هنا اقترب يوسف متدخلًا، وابتسم في لباقة للضيوف، وأجاب بلغتهما بشكل متقن جعل منير يفغر فاه في صدمة.. أخذ يوسف طلبهما مع كل التوصيات التي أكدا عليها، دخل منير المطبخ في هدوء ويوسف خلفه، وهنا هتف منير في تعجب: منذ متى تعرف تلك اللغة الغريبة يا چو! أنا لم أفهم حرفًا مما قالا.. أين تعلمتها! اعترف..
هتف يوسف في هدوء: إنها الروسية.. تعلمتها من تنقلاتي؛ فأنا أحب السفر كثيرًا.. وقد عشت في روسيا لبعض الوقت..
غامت عيناه، واستبد به وجع ذكرى ما أطاحت بثبات ملامح وجهه الذي بدا عليه الحزن بشكل جلي لا يخفى على طفل ساذج، لكنه تدارك الأمر سريعًا وهتف مؤكدًا: هل ستستطيع تقديم ما أمرا به أم..!
قاطعه منير مؤكدًا: سنحاول أن نبذل ما في وسعنا.. لكن ماذا طلبا بالضبط؟! أنت لم تخبرني بعد..
هتف يوسف: الاسترجانوف.. هذه أكلة روسية مشهورة..
هتف منير في اضطراب: أعرفها بالتأكيد، لكن لم أجرب صنعها من قبل أو تقديمها هنا بالمقهى.. لماذا لم يختارا من قائمة الطعام الموضوعة أمامهما!
هتف يوسف معتذرًا: إنها غلطتي.. فلقد طلبا وأنا وافقت ببساطة معتقدًا أنه..
شعر منير باضطراب يوسف فهتف مؤكدًا: لا عليك.. سنفعل اللازم..
كان ذاك الحوار دائرًا بالقرب من غفران التي لا يزال يتجنب محادثتها أو التواجد معها وحيدًا.. وهي أيضًا شعرت برغبته في الابتعاد، فاحترمتها في صمت، وقررت أن تحذو حذوه وتتجنبه أيضًا.. خرج يوسف ليقف في موضعه بقاعة المقهى، بينما نظر منير إلى غفران في توتر هاتفًا: ماذا سنفعل الآن!..
لم يتسن لها الإجابة، ليجداه عاد مجددًا للمطبخ، وبدون مقدمات تناول المريول البيضاء المعلقة في أحد الأركان، وأحكم ربطها على خصره، والتي بالكاد ناسبته، وتوجه في سرعة للمبرد يخرج منه مكونات محددة في سرعة واحترافية جعلت كلًا من منير وغفران يتبادلان النظرات في تعجب لفعلته..
هتف منير قاطعًا الصمت والدهشة: ماذا تظن نفسك فاعلًا يا چو!
هتف يوسف دون أن يلتفت لمنير، مستغرقًا فيما يفعل: أنا من ورطكم في هذا الطلب، وأنا من سيفي به..
هتف منير معترضًا، لكن يوسف لم يستمع لاعتراضاته؛ فقد كان مأخوذًا كليًا بما يفعل، قائما به في سرعة واحترافية أدهشت منير نفسه، ما جعله يبتلع اعتراضاته ويلتزم الصمت وهو يشاهد ما يفعله يوسف بدهشة لم تكن من نصيبه وحده، بل كانت غفران تشاركه إياها وهي تقف في ذهول تتابع ما يفعله يوسف بدورها، ولم تجرؤ على التفوه بكلمة..
مرت الدقائق في صمت تام لا يقطعه سوى أصوات المقلاة على الموقد، وأشياء توضع هنا أو يتم تناولها من هناك، حتى انتهى يوسف وبدأ في وضع الطعام في أطباق، مجملًا إياها في سرعة وبشكل متقن حد الكمال، أخذ بلبهما حتى إن غفران صفقت في سعادة وانبهار بما يفعل..
ناول يوسف منير الأطباق ليذهب لتقديمها في عجالة، وما إن اختفى منير حتى هتفت غفران رغمًا عنها، وقد نسيت تمامًا أنه يرغب في الابتعاد قدر الإمكان عنها، وهي لا تعرف لماذا بالضبط: أحسنت فعلًا.. كان ذلك رائعًا.. أين تعلمت ذلك! فأنت تبدو محترفًا وقادرًا بشكل مذهل..
هتف يوسف محاولًا التهرب من الإجابة قدر استطاعته بالسخرية: أخبرت منير منذ قليل بالسبب، وأظن أن أذنيك كانتا تشاركاننا الحوار..
قهقهت في أريحية، وهو الذي كان يظن أنها ستغضب أو حتى تشعر ببعض الضيق من صفاقته، فتتجنب الحديث معه، لكن ظنه لم يكن في محله مطلقًا؛ فقد هتفت في سلاسة وتهور: نعم، قلت إنك عشت فترة في روسيا.. هل في تلك الفترة تزوجت وأنجبت ابنتك الجميلة.. ملاكك..
انتفضت كل خلية بجسد يوسف لسماعه كل تلك التفاصيل، فاندفع ممسكًا بمرفقها هازًا إياها في غضب مكتوم، يحدثها جازًا على أسنانه: من أخبرك بهذا! انطقي! كيف عرفتِ ذلك؟
كان يهزها في عنف أرعبها، وكادت أن تبكي من فرط ألم ذراعها الممسك بها بهذا الشكل القاسي.. ماذا فعلت أو قالت حتى تثور براكين غضبه وتلقي حممها بهذا الشكل!
دخل منير هاتفًا في سعادة: أحسنت يا چو.. لقد نال طبقك استحسانهما كثيرًا.. سندرج ذاك الطبق في قائمة الطعام، وسيكون مسؤوليتك منذ الليلة..
لتوه شعر منير بتلك الذبذبات العدائية المنتشرة في جو المطبخ، وتبادل النظر إلى كلاهما في تساؤل عما يجري، لكن لا أحد منهما تفوه بكلمة؛ فقد ابتعد يوسف في عجالة خارج المطبخ حيث الزقاق ودراجته البخارية التي تكون مهربه، ليندفع بها محاولًا إخماد ذاك الفوران الرهيب لبركان وجعه، والذي أثارته هي بتساؤلاتها وتلك المعلومات التي يحتفظ بها في كهف بأعماق روحه، والتي أدلت بها بكل بساطة.
زفر منير في اضطراب هامسًا: ماذا حدث هذه المرة! ولماذا خرج بهذا الشكل العاصف!
لم ترد غفران بحرف واحد؛ فلا تزال صدمة ما فعله وغضبه الذي جعلها لا تزال ترتجف داخليًا من جرائه تلجم لسانها عن النطق.. لكنها بكت في صمت بدموع حارقة، وتشاغلت بما كانت تصنع محاولة مداراة دموعها عن أعين منير وهناء التي وصلت لتوها من الخارج، وقد أدركت بحدسها أن ثمة أمرًا ما كان يجري هنا، وستعرفه بالتأكيد..
★★★★
يتبع..