
٣ـ ذات الرأس المتحجر..
هتفت هناء بغفران في لهفة وهي تندفع إلى داخل المطبخ حيث تعد غفران حساءها الذي زاد عليه الطلب مؤخرًا: غفران.. توقعي من بالخارج!
هتفت غفران بلا مبالاة مازحة: من يا ترى! أحد المطربين ذائعي الصيت أم..!
لم تمهلها هناء لإكمال تهكمها معلنة: إنه الضخم الذي أنقذك منذ أيام من محاولة ذاك النصاب.. أتذكرين!
أومأت غفران برأسها: بالطبع أذكر، وهل مثل ذاك الضخم يمكن نسيانه! عندما رأيته للوهلة الأولى اعتقدت مذعورة أنه قادر على استنشاق أكسجين المقهى بكامله..
قهقهت هناء هاتفة: عندك حق.. رجل بهذا الحجم والطول ليس من السهل تجاهله.. فحضوره يفرض نفسه بالتأكيد..
قالت هناء كلماتها الأخيرة بنبرة ذات مغزى وهي تنظر إلى غفران في تخابث، ما استرعى انتباه غفران لتنظر إليها بتعجب هاتفة: أنت تمزحين بالتأكيد.. أُعجِبُ برجل لم أره إلا مرة واحدة لأنه كان شهمًا بما فيه الكفاية ليدافع عني ضد رجل نصاب! إن هذا لسخف، ولا يحدث إلا في الروايات العاطفية.. التي أدركت مدى تفاهتها ومعارضتها للواقع منذ زمن..
تذكرت خيبة أملها في خطيبها الذي رحلت هاربة منه قبل زفافهما بساعات.. واستطردت في حسرة: إن ذاك المدعو الحب وتلك المشاعر كلها ترهات وسخافات..
صمتت للحظات وهتفت وهي تغيّر ذاك الموضوع الذي ينكأ جرحًا لم يندمل بعد: هل أخذتِ طلبه أم نظل نتسامر هنا ونتركه ينتظر من يخدمه!
ابتسمت هناء مؤكدة: لا بد أنه وقع في غرام حسائك المميز.. فلقد طلبه مجددًا.. سأذهب لأعد له طبقًا و..
دخل منير في تلك اللحظة من الباب الخلفي للمقهى، المطل على ذقاق ضيق يفتح على المطبخ مباشرة..
هتفت هناء تجذبه للخارج: تعال يا منير.. ها هو ذاك الضخم الذي أنقذ غفران، والذي أخبرتك عنه..
أنهت غفران إعداد طبق الحساء وهتفت لهما: الحساء جاهز، فليأخذه أحدكما إليه.. ليس من اللائق تركه ينتظر..
هتف منير لغفران: اذهبي وقدميه أنتِ، وأنا سألحق بكِ لأشكره..
اندفعت غفران خارج المطبخ بصينية التقديم تحمل طبق الحساء، وخلفها منير. وما إن اقتربت من طاولة ذاك الضخم حتى اعتدل من استرخائه المعتاد، وضعت غفران الطبق في تأدب وهمّ بتناول أول ملعقة حين ظهر منير هاتفًا في ترحاب: مرحبًا سيدي، لن أعطلك عن تناول حسائك الشهي ساخنًا، ولكن وددت أن أشكرك لما قمت به لإنقاذ غفران من ذاك الأحمق..
هتف الضخم في هدوء: لا عليك، ولا داعٍ للشكر.. فعلت الواجب لحظتها.. وأشار حيث كانت تقف غفران صامتة وهتف: والآنسة غفران كانت محقة في موقفها تجاهه.. إنه نصاب وجبان، ولقد لاحظته منذ الدقائق الأولى لدخولي..
هتف منير: على أي حال، كل الشكر لك، تناول حساءك اعتبره هدية من المقهى..
بدأ الضخم في تناول حسائه باستمتاع، ونظراته تسقط على غفران في ذهابها وإيابها، ابتسم شاردًا عند ملاحظته طول قامتها الذي لا يتجاوز المتر والنصف بأي حال من الأحوال، ولكن على الرغم من ذلك كانت تقف أمام ذاك النصاب بعزم رجل لا يهاب شيئًا..
همّ بالرحيل وقد وضع ثمن الحساء على الطاولة، وما إن همّ بالخروج حتى هتفت خلفه غفران: يا سيدي.. الحساء هدية من المقهى.. ألم يخبرك السيد منير بذلك!
استدار في هدوء يتطلع إلى الأسفل حيث كانت تخاطبه، فقد كان فارق الطول والبنية بينهما شاسعًا، وهتف: أنا لا أتقاضى أجرًا على المعروف يا آنستي.. حتى ولو كان مغلفًا على هيئة هدية..
همّت بالتحدث موضحة وجهة النظر التي تبناها منير، إلا أن منير نفسه هتف وقد أدرك الحوار الدائر: وما رأيك بتقاضي أجر من أجل العمل!
هتف الضخم: عمل! أي عمل!
هتف منير وهو يتنحى بالرجل جانبًا: إن كنت بحاجة لعمل فلدى عمل لك هنا بالمقهى..
بُهت الرجل للحظة وتحشرج صوته: عمل بالمقهى! أي عمل قد يناسبني هنا!
هتف منير رابتًا على كتف الرجل الذي كان كتفه يتجاوز هامة منير طولًا بعدة سنتيمترات: حارس..
هتف الرجل: حارس لمن!
هتف منير مبتسمًا: حارسًا للمقهى من المتطفلين والنصابين أمثال ذاك الأحمق الذي تعاملت معه منذ أيام.. أنا بحاجة لرجل مثلك أعتمد عليه في أوقات عدم تواجدي بالمقهى لقضاء بعض الأعمال بالخارج، وأضطر لترك النساء بمفردهن.. بالمناسبة.. ما اسمك!
مد منير يده محييًا، ليمدها الرجل بدوره مبتسمًا: اسمي يوسف.. لكن يمكنك مناداتي چو.. كالجميع..
ابتسم منير وهو يهز كف الرجل في ترحاب: تشرفت بمعرفتك يا چو.. ماذا عن عرض العمل! هل توافق!
ابتسم يوسف مؤكدًا: لمَ لا! أنا بالفعل في سبيلي للبحث عن عمل ومكان للمبيت.. ها قد توفر العمل، وينقصني مكان لأبيت فيه.. ألا تعرف أين يمكن..
اتسعت ابتسامة منير مقاطعًا إياه، وهو ينظر إلى غفران؛ فقد جاءت لشراء المقهى والبحث عن مكان للإقامة، لتخرج منه شريكة ومستأجرة لإحدى الغرف بالطابق العلوي، ويبدو أن هذا اليوسف سيكون له نفس المصير: لدينا غرفة شاغرة بالأعلى يمكن تأجيرها لك إذا كان لك رغبة في ذلك.. فالمنزل بالأعلى واسع، ونحن نؤجر الغرف..
هتف يوسف في حماسة: رائع إذن.. سأذهب لأحضار أغراضي وأعود سريعًا..
اندفعت غفران خلف منير الذي دلف إلى المطبخ حيث تقف هناء، هاتفة في غضب مكبوت: كيف تعيّن ذاك الرجل يا منير! نحن لا نعلم عنه شيئًا.. هل أنتِ موافقة على قرار كهذا يا هناء!
هتفت هناء في دلال: وكيف يمكن أن أرفض قرارًا اتخذه منير!
كانت غفران تدرك أن منير لا يمكنه اتخاذ قرار ما دون استشارة هناء والرجوع إليها، والعكس كذلك صحيح. فهذا ما أدركته من خلال معاشرتها لهما خلال الأسابيع الماضية؛ كانا فريقًا رائعًا يعملان بانسجام تام، ويدركان تمامًا معنى الشراكة الحقيقية. لذا نظرت إلى هناء نظرة من يدرك بواطن الأمور، ما جعل هناء تنفجر ضاحكة، وقد أدركت أن غفران اكتشفت أنها تعلم رغبة منير في توظيف الرجل.. لذا هتفت غفران: وماذا عني! لماذا لم يأخذ أحدكما رأيي في توظيف ذاك العملاق! ألم تر مظهره يا منير! وأنتِ يا هناء! إنه أشبه بالهيبز.. عقدة شعر تشبه ذيل حصان، ولحية.. بجانب ضخامته التي تثير الذعر.. نعم لقد أنقذني من سخافات ذاك النصاب.. لكن أهذا كافٍ ليكون بيننا! كيف وافقتما على تعيين ذاك الضخم بالله عليكما!
همّ منير بأن يذكرها ببنود العقد بينهما، التي تخول له تعيين من يراه مناسبًا لأي وظيفة بالمقهى؛ لأنه مدير المقهى والمشرف على شؤونه، إلا أن يوسف ظهر فجأة على أعتاب المطبخ مشيرًا إلى حقيبة صغيرة كان يحملها في سلاسة تامة، هاتفًا: لقد أحضرت أغراضي وعدت..
ونظر إلى غفران هاتفًا في لهجة تأكيدية، وقد كان من الواضح أنه سمع اعتراضها الأخير على تعيينه: بالمناسبة، اسمي ليس الضخم بل چو..
هتفت في ثبات رغم ارتجاج حواسها وهي تواجهه: كنت أعتقد أنه يوسف!
شعر بارتجافة عجيبة في مكان ما داخله، وهي تنطق اسمه بهذا الشكل الساخر البعيد تمامًا عن أي غنج قد يثير مثل تلك الارتجافة التي أثارت حيرته..
هتف متحشرجا الصوت: أنا لا أحب ذاك الاسم.. أفضل چو..
هتفت غفران وهي ترفع رأسها في اعتداد، وقد قررت إغاظته: مرحبًا بك بيننا إذن يا سيد.. يوسف..
مرت بجواره راحلة خارج المطبخ، وقد أثارت حنقه وجعلته يجز على أسنانه غيظًا، ما استرعى انتباه كل من هناء ومنير، اللذان كانا يكتمان ضحكاتهما على شجار النقيضين الدائر أمامهما.. وليهدئ منير الموقف هتف مخرجًا يوسف من شروده بشأن تلك القصيرة التي أثارت ثائرته ورحلت: تعال لتشاهد غرفتك بالأعلى.. وربما تنال قسطًا من الراحة قبل الانضمام إلى العمل في نوبة المساء التي تبدأ من السادسة..
هز يوسف رأسه موافقًا وتبع منيرًا إلى الأعلى؛ فهو بالفعل في حاجة للراحة بعد أيام قضاها رحالًا على دراجته البخارية..
ولم ينسَ أن يلقي بنظراته على تلك القصيرة التي كانت تتحرك بنشاط وهمة بين الطاولات كنحلة دؤوب تجمع رحيق الأزهار.. وهمس داخله في عزم: سنرى من ستكون له حلاوة العسل في النهاية.. ومن سينال القرصات فقط.. يا نحلتي!
★★★★
مرّ اليوم بسلام، اختفت غفران معظم الوقت في المطبخ ولم تظهر في قلب المقهى لتقديم الطلبات.. أما يوسف فقد استلم عمله في النوبة المسائية ليقف بهيئته الضخمة التي تثير الحفيظة، جاعلة كل من يدخل إلى المقهى يلقي عليه نظرة متفحصة ثم يجلس على طاولة يختارها دون أن يحاول اختلاق المشاكل أيًا كان نوعها؛ فقد كان حضوره كافيًا ليرهب المشاكل نفسها وليس صانعيها فقط..
أُغلقت أبواب المقهى أخيرا، وبدأ الكل في الانسحاب إلى غرفته في إرهاق ظاهر..
لم يرها يوسف إلا وهي تمر أمامه بقامتها العجيبة تلك متجاهلة إياه، وما إن وصلت غرفتها التي كانت بجوار حجرته مباشرة، لا يفصلهما إلا جدار، حتى دخلت وأغلقت بابها خلفها في هدوء..
تمدد هو على فراشه وأخذ يفكر فيما فعل طوال نهاره، وتعجب من نفسه: كيف له قبول وظيفة ليس أهلًا لها وليس بحاجة إليها من الأساس! ولماذا قبل بها وهو الذي يفضّل حياة الترحال والتنقل، وقد أقسم ألا يمكث في مكان واحد أكثر من ثلاثة أيام!..
تنهد وقرر أن يلقي بتساؤلاته جانبًا ويخلد إلى نوم هادئ يتمنى لو يزوره اليوم على خلاف كل ليلة.. وما إن همّ بغلق عينيه محاولًا استجلاب النعاس إلى جفونه حتى تنهد في ضيق وهو يستمع إلى تلك التمتمة التي تأتيه من الجدار الفاصل بينه وبين جارته القصيرة تلك، والتي تشبه الدمى طولًا وهيئة.. كان فراشه موضوعًا بجوار الحائط المشترك بين غرفتهما، لذا استرق السمع ليدرك أخيرًا أن تلك الهمهمات ما هي إلا آيات من القرآن الكريم تخرج من قلب مذياع تفتحه هي..
تنهد في ضيق وحاول النوم، لكنه تعلل بأن صوت تلك الهمهمات المقدسة هو الذي يثني النوم عن زيارة جفونه..
انتفض في غضب وطرق عدة طرقات على الحائط، لعلها تدرك أنها ليست وحدها هنا، ويجب مراعاة جيرانها..
انتبهت هي لتلك الطرقات، فانتفضت موضعها تتطلع حولها في ذعر، وأخيرًا أدركت مصدرها، ونفخت في غيظ وهتفت في غضب: ماذا هناك!
هتف بدوره من خلف الجدار بصوته الأجش الذي يثير شيئًا ما كامنًا بداخلها، أسمته هي الذعر: أغلقي ذاك الشيء الذي يهمهم لديكِ.. إنه يصل إليّ ولا أستطيع النوم..
هتفت في إصرار: لا.. أنا لا أستطيع النوم إلا والقرآن الكريم يُقرأ جواري..
هتف بدوره: نحن لسنا بالمقابر.. أغلقي ذاك الشيء، أريد أن أناااام..
هتفت بغيظ: لا.. لن أغلقه، وافعل ما يحلو لك.. أنا داخل غرفتي وأفعل ما يريحني فقط..
زفر في ضيق وفكر في نقل الفراش في اتجاه آخر بالحجرة حتى يستطيع أن يغفو، لكنه تذكر أن ذلك يمكن أن يحدث جلبة في مثل تلك الساعة، على الرغم من أن غرفة منير وهناء على الجانب الآخر من الرواق، إلا أنه آثر ألا يحدث ضجة تثير حفيظتهما.
زفر من جديد وأقسم أن يلقن تلك القصيرة درسًا على وقاحتها، جذب إحدى الوسائد واضعها فوق رأسه حتى يستطيع النوم في هدوء بعيدًا عن همهمات مذياع تلك العنيدة على الجانب الآخر من الحائط القائم بينهما، والذي يود لو اخترقه اللحظة حتى يعلمها أن تطيع أوامره.. جاعلا إياها تدرك أن ذاك الضخم، كما كانت تدعوه، قادر تمامًا على السيطرة على ناريتها التي تشتعل لتحرقه هو فقط دون الجميع.. وتذكر كيف كانت معترضة على تعيينه لمظهره المتحرر، بهيئة شعره الذي يربطه خلف رقبته، وشاربه ولحيته غير الحليقة، وملابسه الحديثة الطراز..
بالطبع تعترض تلك المتزمتة.. بحجابها الذي يغطي رأسها طول الوقت، وملابسها الفضفاضة، والآن نومها على صوت القرآن.. إنها ذات رأس متحجر وعقل متصلب جامد.. لكنه قادر تمامًا على تليين الصخر.. وسيفعل..
★★★★
يتبع..