
رواية آلاء من الله الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم حنين سامي
( حبيب )
أيقظتني أشعة الشمس المتسللة من بين ستائر الغرفة، ففتحتُ عيني ببطء، وما إن استوعبتُ أين أنا حتى ابتسمت .
كانت آلاء نائمة بين ذراعيّ .
ظللتُ ساكنًا، أخشى أن أتحرك فأوقظها، واكتفيتُ بالنظر إليها.
كم تمنيتُ هذه اللحظة ...
أن أستيقظ ذات صباح فأجدها بجواري ، آمنة ومطمئنة ، ولا يكون هناك ما أخشاه عليها .
مررتُ بصري على ملامحها الهادئة ، وشعرتُ بسعادة غريبة تملأ صدري .
"معقول أنا مش بحلم ؟!"
همستُ لنفسي .
كنتُ أخشى أن يكون كل هذا مجرد حلم ، و أن أفتح عيني مرة أخرى فأجد نفسي أعيش أيام القلق والخوف من جديد .
لكنها تحركت قليلًا ، ثم فتحت عينيها ببطء .
التقت عيناها بعيني ، فتوقفت للحظة ، ثم احمرّ وجهها وهي تدرك أنني كنت أراقبها .
قالت بصوتٍ ناعس : "انت صاحي من امتى؟"
ابتسمتُ : "من شوية ."
ضيقت عينيها بخجل : " وكنت بتبصلي ؟"
ضحكتُ : " اه ."
"ليه يعني ؟"
نظرتُ إليها للحظة، ثم قلت : "عشان أنا مستني الصبح ده من زمان ."
سكتت ، وكأنها لم تعرف ماذا تقول .
فأكملتُ بابتسامة : " كنت دايمًا أتمنى أصحى و ألاقيكِ أول حاجة قدامي ... بس مكنتش أعرف إن اللحظة دي هتبقى أجمل بكتير مما تخيلت ."
خفضت عينيها ، و ابتسمت بخجل و قالت : " اسكت يا حبيب .."
أما أنا، فاكتفيتُ بأن أغمض عيني للحظة ، وأنا أحمد الله في قلبي .
لأول مرة منذ وقت طويل ، استيقظتُ و أنا أشعر أن الدنيا بخير .. و أنني أيضًا بخير .
( آلاء)
مرّ اليوم هادئًا ..
تناولنا الإفطار معًا و أدينا الفريضة ، ثم انشغل حبيب ببعض أعماله ، بينما قضيتُ جزءًا من وقتي في ترتيب الغرفة والحديث مع والدتي ثم غادة عبر الهاتف .
ومع مرور الأيام ، بدأتُ أشعر أن حياتي تعود إلى طبيعتها شيئًا فشيئًا .
لم أعد أخاف من كل صوت .
لم أعد أستيقظ كل ليلة مذعورة .
وحتى ذكريات الماضي التي كانت تلاحقني ، بدأتُ أتعامل معها بهدوء أكبر .. و هذا الفضل يرجع إلى الله ثم حبيب الذي لم يتركني لحظة .
وفي ذات مساء ، بينما كنتُ أجلس في غرفتي ، أضاء هاتفي بإشعار رسالة جديدة .
توقفتُ لحظة .. رقم غريب .
فتحتُ الرسالة .
"فاكرة إنك خلاص بقيتي في أمان ؟"
قطبتُ حاجبي .
قرأتُها مرة أخرى ، ثم أغلقتُ الهاتف .
لم أكن أريد أن أسمح لأي شخص مجهول بأن يفسد هدوءي .
وضعتُ الهاتف جانبًا وقلتُ لنفسي : "مش ناقصة ."
ولم أعطِ الأمر أهمية .
على الأقل ... هذا ما ظننته وقتها .
( بعد مرور فترة )
جاء اليوم الذي انتظرته غادة طويلًا .
يوم خطوبتها .
منذ الصباح كان المنزل يعج بالحركة ، و نحن نستعد للخروج .
ارتديتُ فستاني وجهزتُ نفسي ، بينما كان حبيب يجهز هو الآخر .
وقفتُ أمام المرآة أضع اللمسات الأخيرة على مظهري، ثم سمعتُ صوت حبيب خلفي : "خلصتي يا حبيبتي ؟"
التفتُّ إليه ، فتوقفتُ للحظة و أنا أنظر إليه بإعجاب .
كان قد ارتدى بدلته السوداء بعناية ، وصفف شعره، وبدا أنيقًا بصورة جعلتني أبتسم دون قصد .
قلتُ : "إيه ده ؟ هو إحنا رايحين خطوبة ولا انت داخل تنافس العريس ؟"
ضحك وهو يقترب : "و انتي بقا ناوية تنافسي العروسة كمان ؟"
رفعتُ حاجبي : "يعني شايفني حلوة؟"
ابتسم وقال : "حلوة؟ انتي احلى واحدة شوفتها في حياتي ."
ضحكتُ بخجل : " و أنت حبيب قلبي ."
نظر إليّ للحظات ثم قال : "بجد يا آلاء ... شكلك جميل جدًا . لولا انها خطوبة صاحبتك مكنتيش نزلتي كده بالدريس النبيتي ده . "
ابتسمتُ و قلت : " طب بالنسبة لصاحبك ؟"
قال ممازحًا : " لو خيروني بين صاحبي أو اننا نقضي اليوم سوا .. هختار نقضيه سوا ."
أنهى كلمته بغمزة فضربته بخفة و قلت : " يلا يا حبيب عشان منتأخرش .. غادة هتقتلني ."
قال : " بره عني يا حبيبتي هتوحشيني ."
ضحكت بغيظ و قلت : " ماشي .."
ناولني حقيبتي وقال : "يلا يا ست الكل ، قبل ما غادة تبعت حد يدور علينا ."
أخذتُ الحقيبة منه وقلت : "يلا ."
ثم خرجنا معًا ، و كلانا يحمل ابتسامة صغيرة لا تحتاج إلى تفسير .
وصلنا إلى مكان الخطوبة ، وكان كل شيء جميلًا .
الأنوار تملأ المكان ، والأغاني الهادئة في الخلفية بدون موسيقى ، والأهل و الأقارب مجتمعون حول غادة وعمرو .
لم أستطع منع ابتسامتي وأنا أرى غادة تقف بجوار عمرو.
كانت تبدو سعيدة بصورة مختلفة، وكأن كل توتر الأيام الماضية لم يعد له وجود .
اقتربتُ منها واحتضنتها قائلة : "مبروك يا عروستي ، ربنا يتمم لكم على خير ."
ضحكت وهي تقول : "الله يبارك فيكي يا لولا ."
ابتعدتُ عنها قليلًا و نظرتُ إلى عمرو ، فقلت بابتسامة : "مبروك يا عمرو ، خد بالك منها بقا ."
ضحك وقال : "ده أنا اللي محتاج حد ياخد باله مني ."
ضحكت غادة وقالت : "أهو بدأ يشتكي من دلوقتي ."
قال عمرو : "أنا بس بقولهم ."
تدخل حبيب وهو يبتسم : "مبروك يا عمرو ، وربنا يسعدكم ."
صافحه عمرو بحرارة وقال : "الله يبارك فيك يا صاحبي ، ربنا يفرح قلوبكم دايمًا ."
نظر حبيب إليّ ، فابتسمتُ دون أن أشعر .
قلتُ : "ربنا يخليكم لبعض ."
ردت غادة بسرعة : "وانتي كمان يا حبيبته ."
نظرتُ إليها بغيظ مصطنع : "حبيبته؟!"
ضحكت : "اومال إيه؟ مرات حبيب ."
ضحكنا جميعًا .
مرّ الوقت سريعًا ، وانشغل الجميع بالحديث و التهنئة و التقاط الصور .
كنتُ أقف مع غادة نتحدث، بينما كان حبيب على بُعد خطوات منا يتحدث مع بعض الرجال .
وفجأة ...
رن هاتفه .
التفتُّ إليه بشكل تلقائي .
نظر إلى شاشة هاتفه ، و لم يُجب .
توقفت الرنة، فعاد إلى حديثه وكأن شيئًا لم يحدث.
لم أعطِ الأمر اهتمامًا .
لكن بعد دقائق قليلة ...
رن هاتفه مرة أخرى .
نظرتُ إليه من بعيد .
هذه المرة تغيرت ملامحه قليلًا ، وأخرج الهاتف من جيبه، ثم أعاده دون أن يجيب.
نظرت غادة إليّ ، ولاحظت أنني شردت للحظات.
قالت : "مالك؟"
التفتُّ إليها سريعًا و ابتسمت : "مفيش ."
ضيقت عينيها : "متأكدة؟"
أومأتُ : "آه، متأكدة."
ثم عادت غادة للحديث معي ، وحاولتُ أن أركز معها .
لكن بعد لحظات ...
رن الهاتف للمرة الثالثة .
هذه المرة لم ألتفت إليه مباشرة .
لا أعرف لماذا شعرتُ بانقباض بسيط في صدري .
لم يكن هناك ما يدعو للقلق ...
مجرد هاتف يرن .
ومع ذلك، ظل شيء صغير في داخلي يسأل :
لماذا لا يجيب حبيب ؟ فهاتفه منذ فترة و هو يرن كل يوم أكثر من مرة و لا يجيب ..!
نظرتُ إليه خلسة .
كان واقفًا في مكانه ، والهاتف في يده، ينظر إلى الشاشة بصمت .
ثم أغلقها ولم يقل شيئًا.
عدتُ ببصري إلى غادة، وابتسمت لها وكأنني لم ألاحظ شيئًا.
فالليلة ليلتها ، ولم أكن أريد أن أفسد فرحتها بأي سؤال .
انتهت الخطوبة بعد وقتٍ طويل من الضحك والتهاني، وبدأ الجميع في توديع بعضهم.
اقتربتُ من غادة واحتضنتها مرة أخرى .
"مبروك يا غادة، ربنا يسعدك ويتمم لكم على خير ."
ابتسمت وهي تحتضنني : "الله يبارك فيكي يا لولا ، بجد أنا مبسوطة بوجودك جنبي ."
ثم صافح حبيب عمرو ، وقال له : "مبروك يا صاحبي، و ربنا يكتب لكم الخير ."
رد عمرو بابتسامة : "الله يبارك فيك يا حبيب و يسعدك ."
ضحك حبيب ، ثم أشار لي : "يلا يا آلاء ؟"
أومأتُ ، و ودعنا الجميع مرة أخرى قبل أن نغادر .
طوال الطريق ، ظللتُ صامتة للحظات .
كنتُ أتذكر الخطوبة، وابتسامة غادة، وكلامنا معًا، إلى أن تذكرتُ شيئًا آخر .
نظرتُ إلى حبيب الذي كان يقود السيارة، وقلت : "حبيب ؟"
"همم؟"
"مين اللي كان بيرن عليك النهاردة؟"
تغيرت ملامحه قليلًا ، وقال دون أن ينظر إليّ:
"مش حد مهم . "
عقدتُ حاجبي : "بس دي مش أول مرة تقول كده ."
ظل صامتًا . فأكملتُ : "بقالك فترة كل ما أسألك مين ، تقولي مش حد مهم ."
تنهد بضيق ، وقال : " أهو انتي عارفة إنه مش حد مهم ، متسأليش تاني بقا ."
نظرتُ إليه باستغراب .
لم أتوقع منه تلك الطريقة .
قلتُ بهدوء : "أنا بس بسألك ..."
قاطعني بنبرة أكثر حدة : "آلاء ، خِلصنا ."
سكتُّ .
لم أرغب في تحويل الأمر إلى مشكلة، فالتفتُّ نحو النافذة.
بدأتُ أراقب الشوارع من حولي، لكنني لم أكن أرى شيئًا حقًا.
كانت عيناي تتبعان الطريق، بينما عقلي عالق عند جملة واحدة :
"مش حد مهم ."
لماذا كل هذا الضيق لمجرد سؤال؟
ما إن وصلنا إلى المنزل حتى دخل كل منا ليبدل ملابسه .
لم يتحدث معي حبيب كثيرًا .
بدلتُ ملابسي، ثم توضأت وصليت، وبعدها جلستُ على السرير أنتظر خروجه من الحمام .
كنتُ أحاول أن أقنع نفسي بأن الأمر لا يستحق كل هذا التفكير.
" يمكن فعلًا حد مش مهم. "
لكن شيئًا بداخلي لم يقتنع .
وفجأة ...
أضاء هاتفي .. نظرتُ إليه ..
رسالة من ذات الرقم المجهول .
فتحتها بتردد :
" مبروك على الخطوبة ... كنتي زي القمر النهاردة ."
قطبتُ حاجبي و قبل أن أستوعب معنى الرسالة ، وصلت أخرى :
"بس انتي خسارة في حبيب ."
تجمدتُ للحظة .
ثم ظهرت رسالة ثالثة :
"انتي متأكدة إنك عارفة جوزك كويس ؟"
ظللتُ أحدق في الشاشة .
شعرتُ بانقباض في صدري .
حاولتُ أن أضع الهاتف جانبًا ، لكن عيني عادت إليه مرة أخرى .
من هذا الشخص؟
وكيف يعرفني؟
وكيف عرف أنني كنتُ في الخطوبة؟
ثم تذكرتُ رنات هاتف حبيب المتكررة .
وتذكرتُ نبرته الغاضبة .
"آلاء ، خِلصنا ."
ابتلعتُ ريقي .
حاولتُ أن أطرد الأفكار من رأسي .
"لا ... أكيد مفيش حاجة ."
لكن الرسائل ظلت أمام عيني .
بعد قليل، خرج حبيب من الحمام .
نظر إليّ ، ثم قال بهدوء : "لسه صاحية؟"
أومأتُ : " آه."
اتجه إلى السرير ، ثم استلقى و أطفأ الضوء .
قال ببرود : "تصبحي على خير ."
قلت باستغراب : "و انت من أهله ."
استدار وأعطاني ظهره ..!
و بدا أنه نام سريعًا ..
أما أنا ...
فلم أستطع النوم .
ظللتُ مستلقية أحدق في الظلام ، وكلما حاولتُ إغلاق عيني، عادت الكلمات إلى ذهني.
"انتي خسارة في حبيب."
من أرسلها؟
وماذا يعرف عن حبيب؟
ولماذا شعرتُ أن الأمر لم يكن مجرد رسالة عابرة؟
نظرتُ إلى حبيب النائم جانبي .
كان هادئًا تمامًا .
و كأن شيئًا لم يحدث .
أما أنا، فظللتُ مستيقظة ، أفتش في ذاكرتي عن إجابة لا أعرف حتى السؤال الذي أبحث عنه .
حتى غلبني النوم أخيرًا ...
دون أن أعرف أن الشك الذي بدأ الليلة لن يظل مجرد شك طويلًا ..
ــــــــــــــــــــــــ
شعرتُ بيد حبيب تربت برفق على كتفي، ففتحتُ عيني بصعوبة .
قال بصوتٍ هادئ : "آلاء ... اصحي ، الفجر أذن ."
أومأتُ وأنا ما زلت أشعر بثقل النوم ، ثم جلستُ على السرير .
لم أنم جيدًا تلك الليلة .
ظلت الرسائل تدور في رأسي حتى غلبني النوم أخيرًا ، لذلك كنتُ أشعر بالإرهاق .
نهض حبيب و توضأنا ، ثم صلينا الفجر معًا .
بعد الصلاة، جلستُ للحظات أستعيد هدوئي، ثم قلتُ في نفسي إنني لن أسمح لرسالة مجهولة أن تفسد حياتي.
دخلتُ المطبخ وأعددتُ الفطور.
وبعد قليل، جلس حبيب أمامي، وبدأنا نتناول الطعام.
حاولتُ أن أتصرف بصورة طبيعية.
قال وهو يبتسم : "إيه ده ؟ أنا كده هتعود على الدلع ده ."
ضحكتُ : "لا متعشمش نفسك ."
"ليه؟"
"عشان بعد كده هتطلب كل يوم ."
ابتسم : " لا يا عيوني متقلقيش .. انتي عارفة مش بحب أضغط عليكي في حاجة ."
ضحكتُ ، وحاولتُ أن أبادله المزاح ، لكن جزءًا مني كان لا يزال عالقًا في أحداث الليلة الماضية .
وفجأة رن هاتفه .
توقفتُ عن الكلام ونظرتُ إليه .
أخرج هاتفه، نظر إلى الشاشة، ثم ضغط على زر الرفض دون أن يجيب .
رفعتُ عيني إليه .
لاحظ نظرتي، فقال ببساطة : "مفيش حاجة ."
أومأتُ وكأن الأمر لا يعنيني.
"تمام ."
لم أسأله و لم يسألني لماذا كنتُ أنظر إلى الهاتف .
بعد قليل ، وقف حبيب استعدادًا للذهاب إلى العمل .
اقترب مني و قبلني على وجنتي و قال : "عايزة حاجة قبل ما أنزل يا آلائي ؟"
هززتُ رأسي : "لا كله تمام .. ربنا يعينك و يقويك ."
ابتسم : "لو احتاجتي أي حاجة كلميني ."
"حاضر ."
ودعني و غادر .
أغلقتُ الباب خلفه، ثم وقفتُ للحظات في مكاني.
شعرتُ أن المنزل أصبح هادئًا بصورة مبالغ فيها.
تنهدتُ، ثم عدتُ إلى غرفتي .
كنتُ مرهقة ، لذلك قررتُ أن أنام قليلًا .
استيقظتُ على صوت أذان الظهر .
فتحتُ عيني ، ونظرتُ إلى الساعة ثم نهضتُ بسرعة ، توضأت و صليت .
وبعد أن انتهيت ، جلستُ على طرف السرير أرتب أفكاري .
كنتُ قد بدأتُ أقتنع أن ما حدث بالأمس مجرد شيء عابر .
لكن هاتفي أضاء فجأة .
رسالة من ذات الرقم المجهول .
فتحتها :
"لو عايزة تعرفي حبيب على حقيقته ... روحي مكتبه ."
ظللتُ أحدق في الشاشة ، ثم ضحكتُ بسخرية .
"يا سلام؟!"
وضعتُ الهاتف جانبًا .
من الواضح أن هناك شخصًا يحاول العبث بعقلي.
كيف يمكنني أن أصدق رسالة مجهولة تخبرني أن أذهب وراء زوجي إلى عمله ؟
نهضتُ من مكاني واتجهتُ إلى المطبخ.
لكن بعد دقائق، عدتُ إلى الهاتف و فتحتُ الرسالة مرة أخرى .
قرأتُها ، ثم أغلقتُ الشاشة .
"مش هصدق الكلام ده ."
لكن السؤال الذي لم أستطع تجاهله كان :
إذا كان الشخص يكذب ... فلماذا يصر على أن أذهب إلى مكتبه تحديدًا ؟
جلستُ صامتة للحظات .
ثم تذكرتُ أنني ذهبتُ مع حبيب إلى الشركة من قبل .
في إحدى المرات أوصلني معه إلى هناك ، وبقيتُ في السيارة أنتظره حتى ينتهي من بعض الأمور ، لذلك لم يكن مكان عمله مجهولًا بالنسبة لي .
نظرتُ إلى الساعة .
مر وقت منذ أن غادر حبيب .
تنهدتُ .
"هروح ... أشوف مين اللي بيبعت الرسائل دي وعايز إيه بالظبط .."
ارتديتُ ملابسي، أخذتُ حقيبتي، ثم خرجتُ من المنزل .
ولم أكن أعرف أن خروجي من ذلك الباب سيقودني إلى مواجهة ستجعلني أعيد التفكير في أشياء كثيرة كنتُ أظن أنني تجاوزتها .
(حبيب)
كنتُ قد وصلتُ إلى العمل منذ وقت.
حاولتُ أن أركز في الملفات أمامي ، لكن شيئًا في داخلي لم يكن مستقرًا .
منذ فترة ، وتلك الاتصالات المجهولة لا تتوقف .
وضعتُ هاتفي على المكتب ، ثم مررتُ يدي على وجهي بضيق .
لم أكن أريد أن تعود تلك الأيام إلى حياتي مرة أخرى .
خصوصًا الآن ...
بعد أن بدأتُ أشعر أن آلاء عادت إليّ فعلًا .
رفعتُ عيني إلى الساعة .
بعد فترة ..
كنتُ غارقًا في العمل عندما انفتح باب المكتب فجأة دون سابق إنذار.
رفعتُ رأسي بانزعاج، وقبل أن أقول شيئًا سمعتُ صوت سكرتيرتي وهي تحاول منع شخصٍ ما من الدخول .
"يا فندم ، مينفعش تدخلي كده ... حضرتك استني بره وأنا هبلغ الأستاذ حبيب ."
جاءها صوتٌ أعرفه جيدًا : "ابعدي عن طريقي لو سمحتي ."
تجمدتُ في مكاني .
رفعتُ رأسي نحو الباب، وما إن رأيتها حتى تبدلت ملامحي تمامًا .
نرمين ..!
وقفَت أمامي وكأن تلك الفترة الماضية لم تكن كافية لتجعلها تفهم أنني لا أريد رؤيتها .
نهضتُ من خلف مكتبي وقلتُ بحدة : " انتي بتعملي إيه هنا؟"
ابتسمت ابتسامة باردة، ثم التفتت إلى السكرتيرة وقالت : "قولها تطلع بره بدل ما اعمل لك فضايح ."
قلتُ بانفعال : " انتي بتهدديني ؟"
تدخلت السكرتيرة بتردد :
"أستاذ حبيب ، أنا حاولت أمنعها بس ..."
قاطعتها : "روحي انتي يا فاطمة ."
نظرت إليّ باستغراب ، فأضفتُ : " اقفلي الباب وراكي ، وأنا هتعامل معاها ."
أومأت ، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها .
ساد الصمت للحظات .
نظرتُ إلى نرمين ببرود : "اتفضلي .. عندك دقيقتين ، وبعدها تمشي ."
ضحكت بسخرية : "لسه زي ما انت ... بتحب تتحكم في كل حاجة ."
"نرمين ، أنا مش فاضي للألعاب بتاعتك دي ."
اقتربت خطوة وقالت : "وأنا مش جاية ألعب ."
"أومال جاية ليه؟"
تغيرت ملامحها ، و قالت : "عشان أفهمك انك مش هتقدر تتخلص مني بسهولة زي ما انت فاكر ."
شدَدتُ فكي ، وقلتُ : " أنا خلصت منك من زمان سواء عجبك أو لأ ."
سكتت للحظة، ثم قالت : "متأكد ؟"
نظرت إليها بحدة : "متأكد ."
ابتسمت ابتسامة غامضة ، ثم قالت : " ده في المشمش . "
أشحتُ بوجهي عنها بضيق و قلتُ : "لو عندك حاجة قوليها بسرعة، غير كده الباب وراكي ."
لكنها لم تتحرك .
بل قالت بهدوء : " انت انسان أناني "
ثم توقفت لحظة، وأضافت : " معندكش دم .. مش أنا اللي اتعامل بالاسلوب ده يا حبيب ..!"
نظرتُ إليها مباشرة .
و في اللحظة نفسها ، شعرتُ أن وجودها هنا لم يكن صدفة .
كان هناك شيء آخر .
شيء لم أعرف بعد ماذا تخطط له نرمين .
نظرتُ إليها بضيق وقلتُ بحزم : "نرمين ، أنا قلتلك تمشي ."
ابتسمت بسخرية وقالت : "لسه بدري يا حبيب ... أنا مش جاية أقولك إني زعلانة و خلاص ."
"اومال انتي جايه ليه؟"
اقتربت مني خطوة، وقالت بصوت جعلته حنونًا : "عشان أفكرك باللي حصل بينا و بالماضي بتاعنا و عشان أقولك اني لسه بحبك و مستعدة اعمل أى حاجة عشانك .."
قاطعتها وقلت بغضب : "الماضي انتهى ، و اللي فات مات يا نرمين .. و انتي عمرك ما حبتيني اصلا .. انتي كنتي بتتسلي زيي بالظبط .."
ضحكت بمياعة ، ثم قالت بسخرية : "واضح إنك بقيت تحب دور الزوج المثالي أوي ."
اشتد ضيقي : "نرمين ، كفاية اطلعي بره أنا بحب مراتي و مش عايز غيرها ."
ضحكت بمرارة : "انت اتغيرت أوي يا حبيب ."
"طبيعي الناس بتتغير لما تعرف قيمة اللي عندها ."
سكتت ، ونظرت إليّ طويلًا .
ثم قالت : "هي السبب؟"
لم أجب .
ابتسمت ابتسامة فهمتُ منها أنها عرفت الإجابة .
"آلاء ."
قلتُ بحزم : "متجيبيش سيرتها على لسانك ."
"ليه؟ خايف تعرف؟"
اشتعل الغضب بداخلي : "انتي مالك بيها ؟ أنا حياتي تخصني ، ومش من حقك تدخلي فيها و اتفضلي اطلعي بره كفاية كده ."
لكنها بدلًا من أن تتراجع، تقدمت نحوي فجأة .
وقبل أن أفهم ماذا تنوي ، اقتربت مني بصورة مفاجئة ، وكأنها تتعمد أن يساء الظن بنا و عانقتني عنوة ...
تراجعتُ عنها فورًا و قلتُ بحدة : "انتي بتعملي إيه ؟!"
وفي اللحظة نفسها ...
انفتح باب المكتب .
(آلاء)
توقفتُ أمام باب الشركة للحظات .
لم أعرف لماذا شعرتُ بهذا التوتر كله .
ربما لأنني لم أعتد أن آتي إلى هنا وحدي .
دخلتُ المبنى ، وسألتُ عن مكتب حبيب ، فأرشدتني السكرتيرة إلى الطابق الموجود فيه .
صعدتُ ، ثم سرتُ في الممر وأنا أحاول أن أهدئ نفسي .
"يمكن الرسالة كلها كذب ..."
وصلتُ أمام المكتب .
رفعتُ يدي لأطرق الباب ، لكنني توقفت عندما سمعتُ صوتًا أنثويًا من الداخل ..
فتحتُ الباب و يدي ترتعش .
لم أكن أعرف ما الذي أتيتُ لأراه، لكن شيئًا في داخلي كان يخبرني أنني لن أخرج من هذا المكتب كما دخلته.
توقفتُ عند الباب .
كان حبيب يقف أمام مكتبه، وأمامه امرأة لا تفصل بينهما سوى مسافة صغيرة.
اتسعت عيناي، وانفتح فمي من شدة الصدمة.
وللحظة ...
لم أعد في مكتب حبيب .
عاد إليّ المشهد القديم ..
رجل يجلس أمام مكتبه، وامرأة تجلس أمامه، ثم يقترب منها ويقبّلها .
أمجد ...!
نفس الصدمة ..
نفس الاختناق ..
نفس الإحساس المرير بالخذلان ..
لكن هذه المرة لم يكن أمجد .
كان حبيب ..!
الرجل الذي ائتمنته على قلبي، وعلى روحي، وعلى كل ما تبقى لي من أمان .
شعرتُ بالأرض تهتز تحت قدمي .
تذكرتُ أمجد ، خطيبي السابق ، حين اكتشفتُ خيانته، وتذكرتُ كيف شعرتُ يومها .
والآن ...
كنتُ أشعر بالإحساس نفسه .
سمعتُ صوت حبيب يأتي نحوي مذعورًا : " آلاء ، بجد محصلش حاجة ... سيبيني أشرح لك ."
لم أنظر إليه .
كانت عيناي معلقتين بالمرأة أمامي .. أهذه هي المرأة التي كانت تتصل بحبيب كل يوم ؟!
كانت تنظر إليّ بابتسامة مستفزة ، وكأنها انتظرت هذه اللحظة طويلًا .
قلتُ بصوت حاولتُ أن أجعله ثابتًا رغم كل ما ينهار بداخلي : " انتي مين؟ وبتعملي إيه هنا؟"
ابتسمت بسخرية و قالت : " بالنسبة لأنا مين ... فأنا حبيبة حبيب قبل ما يتجوزك . وبالنسبة لبعمل إيه ، أديكي شايفة يا حلوة ."
شعرتُ بالغضب يتغلب على صدمتي .
نظرتُ إليها باحتقار و قلت : " آه ، جاية ترمي نفسك عليه يعني ؟ معندكيش كرامة يعني ."
اختفت ابتسامتها، ونظرت إليّ بصدمة .
لكنني لم أترك لها فرصة للرد .
" انتي قولتيها بعضمة لسانك " قبل ما يتجوزك" يعني انتي مجرد ولا حاجة بالنسبة لحبيبي ."
تقدمتُ خطوة .
" لو كان بيحبك بجد ، مكانش اختارني واتجوزني في الحلال ."
احمر وجهها غضبًا و قالت : " انتي اللي ضحكتي عليه و خدتيه مني ."
وقبل أن أجيب، جاء صوت حبيب حاسمًا : " نرمين ، كفاية ."
التفتت إليه .
اقترب مني حبيب، وأمسك خصري بثبات، وكأنه يريد أن يجعل موقفه واضحًا أمامها وأمامي.
قال بنبرة لم أسمعها منه من قبل : " أنا مش عيل صغير عشان حد يضحك عليا ."
ثم نظر إليها مباشرة و أكمل : " أنا بحب آلاء ومش عايز غيرها . أظن انتي خدتي إجابتك ."
وأشار نحو الباب .
" يا ريت تطلعي بره، ومشوفش وشك تاني ."
ظلت نرمين تنظر إليه بغل ، ثم إليّ و قالت من بين أسنانها : " ماشي يا حبيب ."
استدارت وغادرت، وكأنها بركان مشتعل.
أُغلق الباب خلفها.
وبمجرد أن اختفت من أمام عيني، شعرتُ أن آخر ذرة قوة كانت تحملني قد اختفت معها .
ابتعدتُ عن حبيب .
نظر إليّ بقلق و قال : " آلاء .."
لكنني لم أستطع سماعه .
استدرتُ وغادرت.
سمعتُ خطواته خلفي، وصوته يناديني : " آلاء، استني ."
لكنني أسرعت .
خرجتُ من الشركة، واستوقفتُ أول سيارة أجرة رأيتها، وصعدتُ إليها قبل أن يلحق بي.
كنتُ أعرف أنه سيلحق بي بسيارته السوداء .
لكنني لم أكن مستعدة لمواجهته .
ليس الآن .
كان رأسي يؤلمني بشدة، والصداع يزداد مع كل دقيقة، وكأن ذكريات الماضي تتصارع داخل رأسي.
لم أكن أعرف ماذا يؤلمني أكثر ...
ما رأيته بعيني ، أم ما شعرتُ به في داخلي .
كنتُ أريد أن أصدقه .
بكل ما تبقى بداخلي من ثقة ، كنتُ أريد أن أصدقه حين قال إن شيئًا لم يحدث .
لكن المشكلة لم تكن في نرمين وحدها ...
المشكلة كانت في كل شيء سبق تلك اللحظة .
الرسائل .
المكالمات التي كان يرفض الرد عليها .
نبرته الغاضبة كلما سألته .
وكلمته التي ظلّت تتردد في رأسي :
"مش حد مهم."
إذا كانت فعلًا لا تعني شيئًا ...
فلماذا أخفى الأمر عني؟
وضعتُ يدي على صدري محاولة تهدئة ضربات قلبي .
كنتُ أشعر أنني أختنق .
"لا ... حبيب مش أمجد."
قلتُها لنفسي أكثر من مرة .
وكأنني أحاول أن أُجبر قلبي على تصديقها .
حبيب لم يفعل بي ما فعله أمجد .
حبيب كان بجانبي حين كنتُ في أسوأ حالاتي .
احتواني حين كنتُ أخاف .
طمأنني حين كنتُ أرتجف .
وأشعرني أنني أخيرًا أستطيع أن أثق في شخص دون أن أخشى أن يطعني من الخلف .
فكيف يمكن أن يكون هو نفسه سبب الألم الذي هربتُ منه؟
لكن صورة نرمين وهي تقف أمامه لم تفارق عيني .
كلما حاولتُ طردها من رأسي ، عادت أقوى .
وكلما تذكرتُ عناقها له ، شعرتُ بذلك الخوف القديم ينهش قلبي من جديد .
ربما لم يحدث شيء فعلًا ...
ربما كانت تتعمد استفزازي .
ربما كانت كل تلك الرسائل مجرد لعبة قذرة منها .
لكن ...
ماذا لو لم تكن كذلك؟
ماذا لو كان هناك شيء لا أعرفه؟
ماذا لو كنتُ آخر من يعرف الحقيقة مرة أخرى؟
ارتجفتُ عند هذه الفكرة .
لا ...
لم أحتمل حتى تخيلها .
لقد عشتُ مرة من قبل شعور أن تكتشف أن الشخص الذي أحببته لم يكن كما ظننته .
عرفتُ كيف يمكن للحقيقة أن تسقط فوق رأسك فجأة ، دون أن تمنحك فرصة للاستعداد .
ولا أريد أن أعيش ذلك مرة أخرى .
كنتُ أريد أن أصرخ في وجه حبيب :
"قول لي الحقيقة حتى لو كانت هتوجعني."
لكنني في الوقت نفسه كنتُ أخاف من الحقيقة أكثر من أي شيء آخر .
لأنني إن اكتشفتُ أنني ظلمته ...
سأكون قد كسرتُ شيئًا جميلًا بيننا بسبب خوفي .
وإن اكتشفتُ أنه خدعني ...
فسأكون قد وثقتُ في الشخص الخطأ مرة أخرى .
وفي الحالتين ...
أنا الخاسرة .
أغمضتُ عيني بقوة ، وبدأتُ أتنفس ببطء .
"أنا تعبت ..."
خرجت الكلمة من فمي كأنها اعتراف لم أستطع منعه .
لم أكن غاضبة من حبيب فقط .
كنتُ غاضبة من نفسي أيضًا .
غاضبة لأنني أحببته لدرجة جعلتني أخاف من خسارته .
وغاضبة لأنني بدأت أشك فيه رغم كل ما فعله من أجلي .
كنتُ أريد الأمان ...
لكنني اكتشفتُ أن الأمان نفسه أصبح يخيفني .
لأنني هذه المرة لم أكن أخاف من رجل غريب .
كنتُ أخاف من الرجل الذي أحببته .
وحين وصلتُ إلى وجهتي ، أدركتُ شيئًا واحدًا فقط ...
أنني لم أهرب من حبيب .
كنتُ أهرب من احتمال أن يكون خوفي القديم قد عاد ليأخذ مني الشخص الوحيد الذي جعلني أصدق أنني نجوت.
وصلتُ إلى العمارة، نزلتُ بسرعة من السيارة وصعدتُ الدرج.
سمعتُ خطوات حبيب خلفي .
" آلاء ! استني !"
لم ألتفت .
دخلتُ الشقة، ثم أسرعتُ إلى الغرفة وأغلقتُ الباب بالمفتاح .
وبمجرد أن أغلقتُه، انهارت كل قوتي.
جلستُ على الأرض، وبدأتُ أبكي.
لم أبكِ بسبب نرمين وحدها.
كنتُ أبكي بسبب ذلك الشعور الذي عاد إليّ.
شعور الخيانة.
شعور أن الشخص الذي منحته قلبك هو نفسه من كسره.
عاد إليّ أمجد بكل تفاصيله.
وعاد معه الألم.
طرق حبيب على الباب بقوة و قال : " افتحي يا آلاء ... افتحي الباب خليني أفهمك ."
لم أجب.
لم يكن يخرج مني سوى شهقات متقطعة.
" آلاء ، والله ما حصل حاجة ! افتحي بس واسمعيني .."
وضعتُ يدي على فمي حتى لا يسمع صوت بكائي .
لم أكن أستطيع مواجهته .
لم أكن أستطيع حتى التفكير .
وبعد وقت لا أعرف كم طال ، نهضتُ من مكاني بصعوبة ، واتجهتُ نحو التسريحة.
أردتُ فقط أن أضع الأشياء التي في يدي مكانها .
لكن هاتفي سقط فجأة على الأرض .
انحنيتُ لألتقطه .
وعندها رأيتُ شيئًا لم أنتبه إليه من قبل .
درج ..
كان مغلقًا ..
حدقتُ فيه باستغراب ..!
لماذا هو مغلق؟
مددتُ يدي إلى المقبض، وحاولتُ فتحه، لكنه لم يتحرك .
بحثتُ بعيني حولي، حتى لمحتُ مفتاحًا صغيرًا في مكان قريب
.
التقطته و ظللتُ للحظات أحدق فيه ، ثم نظرتُ إلى الدرج .
لم أعرف لماذا شعرتُ بتردد غريب .
لكنني أدخلتُ المفتاح في القفل .
وأدرته .
صدر صوت خافت و انفتح الدرج .
مددتُ يدي ببطء ...
ثم توقفت .
اتسعت عيناي ..
تجمدتُ في مكاني ..
كان هناك شيء لم أتوقع رؤيته أبدًا ..!
( يتبع ...)...