
رواية آلاء من الله الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم حنين سامي
(حبيب)
كنتُ أشعر أن الغضب يتجمع بداخلي، لكنني لم أكن أريد أن أتصرف بعشوائية.
خرجنا من الشقة، وأغلقنا الباب خلفنا.
وبمجرد أن ابتعدنا قليلًا، قال عمرو:
"حبيب ..."
نظرتُ إليه.
"أنا من رأيي تكلم آلاء وتقولها الحقيقة."
صمتُّ، فأكمل:
"الموضوع وصل لمرحلة إن لازم تعرف."
تنهدتُ، وأشحتُ بوجهي عنه للحظات، أحاول ترتيب أفكاري التي ازدحمت في رأسي منذ بداية اليوم.
قلت:
"عارف ... هحاول."
لكنني لم أكن أعرف كيف سأخبرها.
كيف أقول لها إن كل ما كانت تخشاه لم يكن مجرد وهم؟
وكيف أخبرها أن هناك أشخاصًا يحاولون هدم الشيء الوحيد الذي بدأنا نبنيه من جديد، بعدما بالكاد بدأنا نستعيد بعضنا بعضًا؟
كنتُ أعرف أن إخفاء الحقيقة عنها لن يحميها إلى الأبد، لكنني كنتُ أخشى أن تكون معرفتها بها بداية لوجع جديد لم تكن بحاجة إليه.
بعد أن انتهينا، ذهبتُ مع عمرو إلى المسجد لصلاة العشاء.
وقفتُ في الصف، لكن عقلي كان في مكان آخر.
كنتُ أحاول التركيز في الصلاة، وكلما أعدتُ انتباهي إليها، تسللت صورة آلاء إلى ذهني.
ضحكتها ... خوفها ... ذكرياتها التي بدأت تعود إليها شيئًا فشيئًا.
ثم هشام ونرمين والرسائل.
تداخلت الصور في رأسي، وشعرتُ بثقل لا أعرف كيف أتخلص منه. لم أكن أخشى ما قد يفعلانه بي بقدر ما كنتُ أخشى أن يصلا إليها، وأن تتحول محاولاتنا لبناء حياة هادئة معًا إلى معركة لا تعرف آلاء حتى أطرافها الحقيقية.
بعد الصلاة، بقيتُ جالسًا للحظات.
كان المسجد هادئًا، والناس يغادرون من حولي، لكنني لم أستطع النهوض فورًا.
رفعتُ يدي.
"يا رب ... أنا تعبت."
أغمضتُ عيني، وشعرتُ بأن كل ما حاولتُ كتمانه طوال اليوم يثقل صدري من جديد.
"إنت عالم بكل حاجة، وأنا مش عارف أعمل إيه ... يا رب خرجني من الهم ده من غير ما أخسرها ... واحفظها من أي حاجة ممكن تأذيها ... اللهم أخرجني من حولي وقوتي إلى حولك وقوتك."
ظللتُ على حالي للحظات، أتمتم بما استطعتُ من الدعاء.
لم أكن أملك إجابة، ولا خطة تضمن لي أن كل شيء سينتهي بخير، لكنني كنتُ بحاجة إلى أن أطمئن بأن هناك من يعلم ما أعجز عن قوله، ويرى ما لا أستطيع رؤيته.
شعرتُ براحة غريبة تسري في صدري.
لم تختفِ المشاكل، ولم تتغير الحقائق التي تنتظرني خارج المسجد.
لكنني شعرتُ أنني لم أعد أحملها وحدي.
نهضتُ أخيرًا، وخرجتُ من المسجد.
وصلتُ إلى البيت وأنا أشعر بإرهاق شديد، كأن اليوم لم ينتهِ بعد، بل ترك كل ما فيه فوق كتفيّ.
فتحتُ الباب.
وما إن دخلت حتى رأيتها.
كانت جالسة تنتظرني كعادتها، وقد وضعت الطعام على الطاولة.
وما إن رأتني حتى ابتسمت وقالت:
"حمدًا لله على سلامتك."
اكتفيتُ بابتسامة متعبة.
اقتربت مني، وتأملت وجهي لثوانٍ، ثم سألت:
"مالك؟"
لم أجب.
لم أكن أعرف كيف أشرح لها ما أشعر به، ولا كيف أبدأ حديثًا قد يجر وراءه أسئلة لم أكن مستعدًا للإجابة عنها.
وضعتُ يدي على كتفها للحظة، ثم قلت:
"أنا تعبان يا آلاء."
نظرت إليّ بقلق، وانعقد حاجباها قليلًا.
"تعبان إزاي؟"
"مش جسمي ... دماغي."
لم تسألني أكثر.
ربما شعرتُ في تلك اللحظة بأنها تريد أن تعرف، لكنها اختارت ألا تضغط عليّ.
فقط اقتربت مني واحتضنتني.
"أنا معاك."
أغمضتُ عيني، وتركتُ رأسي يميل قليلًا نحوها.
كان عناقها هادئًا، لا يحمل أسئلة ولا يطالبني بتفسير، وكأنها تمنحني مساحة أستريح فيها من كل ما عجزتُ عن مواجهته طوال اليوم.
"متقلقش ... مهما حصل أنا جنبك."
شدَدتُ ذراعي حولها قليلًا، وشعرتُ بشيء من التوتر الذي يسكنني يهدأ.
ابتسمتُ رغم إرهاقي.
لأول مرة منذ ساعات، شعرتُ أنني أستطيع التنفس.
هي لا تكرهني، وهذا وحده كان كافيًا بالنسبة لي.
لم أكن أعرف ما الذي سيحدث حين تعرف الحقيقة، ولا إن كانت ثقتها بي ستظل كما هي، لكنني في تلك اللحظة لم أرد التفكير في الغد.
أردتُ فقط أن أبقى قريبًا منها، وأن أصدق للحظات أن كل شيء قد يكون بخير.
جلسنا نتناول الطعام بهدوء.
كانت تضع الطعام في طبقي من حين لآخر، وتسألني إن كنتُ أريد المزيد، بينما كنتُ أجيبها بابتسامات مقتضبة.
لم أخبرها بشيء ... ليس الليلة.
(آلاء)
كنتُ طوال الوقت أراقب حبيب.
كان واضحًا عليه التعب الشديد.
ليس التعب الذي يأتي من يوم عمل طويل، بل شيء أعمق، شيء بدا وكأنه يستنزف طاقته حتى وهو جالس أمامي.
كنتُ أريد أن أسأله.
أن أعرف ماذا حدث، ولماذا يبدو وكأنه يحمل همًّا أكبر من أن يتحدث عنه.
لكنني تذكرتُ الاختبار الموضوع في غرفتي.
وضعتُ يدي على بطني دون أن يشعر.
أنا حامل.
ما زلتُ كلما تذكرتُ الأمر أشعر بأنني أعيش لحظة لا أستوعبها تمامًا. هناك حياة صغيرة بدأت تنمو بداخلي، وحبيب لا يعرف شيئًا عنها بعد.
كان السر ثقيلًا، لا لأنني لا أريد إخباره، بل لأنني كنتُ أتمنى لو أستطيع أن أشاركه فرحتي دون أن أضيف إلى تعبه عبئًا جديدًا.
لم أستطع إخباره الآن.
ليس وهو بهذا الإرهاق.
ولم أكن أعرف كيف أفتح الموضوع أصلًا.
كيف سأخبره؟ هل سأقولها ببساطة؟ أم سأتركه يقرأ الخبر في عينيّ قبل أن يسمعه مني؟
كنتُ خائفة ... وفرحانة ... ومرتبكة في آن واحد.
لكن شيئًا واحدًا كنتُ متأكدة منه:
أنا لا أريد أن أخسره.
صحيح أن الرسائل ما زالت تقلقني، وصحيح أن هناك جزءًا صغيرًا بداخلي لا يزال يريد إجابات، جزءًا لم يستطع تجاهل كل ما رآه وقرأه بسهولة.
لكنني كنتُ أثق بحبيب.
أو ربما كنتُ أتمسك بثقتي به لأنني لم أكن أريد أن أسمح للخوف بأن يسرق مني ما بدأ يعود إلى حياتي.
لذلك قررتُ أن أتجاهل الرسائل في الوقت الحالي.
خصوصًا الآن.
رفعتُ عيني إليه، فوجدته يحاول إخفاء إرهاقه خلف ابتسامة صغيرة.
وضعتُ طبق الطعام أمامه وقلت بابتسامة:
"كل كويس يا حبيبي."
ابتسم وقال:
"حاضر."
بعد أن انتهينا، جلستُ أراجع بعض دروسي.
كان أول امتحان لي في الصباح، ولم يكن أمامي وقت طويل.
حاولتُ التركيز في الكتاب، لكن ذهني كان يعود إليه بين الحين والآخر، أتأمل ملامحه وأتساءل عما إذا كان سيخبرني بما يضايقه.
وبعد فترة، عاد حبيب من المطبخ يحمل كوب عصير.
"خدي يا آلائي."
نظرتُ إليه وابتسمت، ثم قلت ممازحة:
"إيه الدلع ده كله؟ ده يا رب يكون كل يوم امتحان."
نظر إليّ باستنكار مصطنع وقال:
"يعني أنا مش بدلعك في العادي؟ إنتِ زي القطط فعلًا، بتاكليني وتنكرِي."
ضحكتُ وقلت:
"نعم يا عسل؟ أنا مشوفتش منك حاجة."
قال بضيق مصطنع:
"مش بقولك قطة."
ضحكتُ مرة أخرى، وشعرتُ بسعادة صغيرة تتسلل إلى قلبي.
كان هذا حبيب الذي أعرفه؛ الذي يجد دائمًا طريقة ليمازحني، حتى حين يكون متعبًا.
جلس بجانبي، ثم نظر إلى كتبي وسأل بجدية:
"بتذاكري كويس؟"
"بحاول، ربنا يستر."
بقي بجانبي بينما كنتُ أراجع، وأحيانًا كان ينظر إلى الكتاب، وأحيانًا أخرى كنتُ أشعر بنظراته تتجه نحوي، فأرفع عينيّ إليه وأبتسم.
وكان هناك شيء غريب في المشهد.
أنا أخفي عنه خبرًا سيغير حياتنا.
وهو يخفي عني شيئًا حدث معه اليوم.
كل واحد منا يحمل سرًا، ويظن أنه بذلك يحمي الآخر من القلق.
لم أكن أعرف أن الصمت الذي اخترناه بدافع الحب قد يجعل المسافة بيننا أكبر، رغم أننا كنا نجلس متجاورين.
ولا هو كان يعرف أنني أحمل بداخلي فرحة كنتُ أتمنى لو أستطيع إخباره بها الآن.
بعد فترة، أغلقتُ كتبي، وشعرتُ بأنني لم أعد قادرة على استيعاب المزيد.
قلت:
"كفاية بقى ... يلا ننام."
نظر إليّ وسأل:
"خلصتي؟"
"آه."
مددتُ يدي إليه وقلت بلطف:
"تعالى."
دخلنا الغرفة.
جلس حبيب على السرير، وبدا عليه الإرهاق الشديد.
اقتربتُ منه وجلستُ إلى جواره، ثم ربتُّ على فخذي وقلت:
"تعالى."
لم يتردد.
استلقى، وأسند رأسه إلى ساقي.
بدأتُ أمرر يدي بهدوء بين شعره الناعم، أُبعد الخصلات عن جبهته وأداعبها بأصابعي في حركات هادئة ومتكررة.
أغمض عينيه، ثم تنهد طويلًا.
وكأن كل ما حدث طوال اليوم يخرج مع تلك الزفرة.
نظرتُ إلى ملامحه، وإلى التعب الذي لم تستطع ابتسامته إخفاءه، وشعرتُ برغبة في أن أخفف عنه ولو قليلًا.
قلتُ بهدوء:
"حبيب، أنت عارف إني بحبك، صح؟"
فتح عينيه ونظر إليّ، ثم أومأ.
أكملتُ:
"وعارف إني معاك، وإن أنت مش لوحدك، صح؟"
أومأ وهو يبلع ريقه، وكأن كلماتي لامست شيئًا يحاول إخفاءه حتى عن نفسه.
انحنيتُ وقبّلته على جبينه، ثم قلت:
"لو في حاجة مضايقاك، ممكن تشاركني."
ظل ينظر إليّ للحظات.
رأيتُ التردد يمر في عينيه، ورأيتُ شفتيه تنفرجان كأنه على وشك الكلام، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة.
حاول أن يخفي ذلك، ثم قال:
"أنا مش بحب أخبي حاجة عليكي يا آلائي ... أنا كتاب مفتوح ليكي إنتِ بس."
ابتسمتُ بشدة.
كانت كلماته مطمئنة، ومع ذلك لم أستطع تجاهل التردد الذي سبقها.
لم أضغط عليه.
ربما سيخبرني حين يكون مستعدًا، وربما يحتاج فقط إلى بعض الوقت.
قلت:
"يا رب نفضل مع بعض يا حبيبي."
قال بحب:
"ربنا يديمك في حياتي يا كل حياتي."
ابتسمتُ وقلت:
"ويديمك ليا يا حبيبي ... نام شوية ومتقلقش من حاجة، أنا هنا."
استقرت عيناه على وجهي، وكانت نظرته ممتلئة بالامتنان، كأنه يريد أن يقول شيئًا آخر، لكنه لم يجد الكلمات المناسبة.
ثم أغمض عينيه من جديد.
واصلتُ تمرير أصابعي بين شعره، وظللتُ أنظر إليه حتى بدأت ملامحه تسترخي تدريجيًا.
وبعد دقائق قليلة، غلبه النوم.
توقفتُ عن الحركة للحظة، خشية أن أوقظه، ثم نظرتُ إليه بابتسامة هادئة.
وضعتُ يدي الأخرى على بطني دون وعي.
"هتبقى أب ..."
همستُ بها لنفسي.
ثم ابتسمتُ، وشعرتُ بفرحة دافئة تملأ صدري.
تخيلتُ للحظة كيف ستكون ملامحه حين يعرف، وكيف سينظر إليّ، وهل سيضحك أم سيعجز عن الكلام مثلي.
كنتُ أتمنى لو أخبره الآن، لو أيقظته وقلت له إن هناك شيئًا جميلًا ينتظرنا، شيئًا سيجعل حياتنا مختلفة إلى الأبد.
لكنني اكتفيتُ بالنظر إليه.
غدًا ربما يكون الوقت أنسب.
أو هكذا أقنعتُ نفسي.
---
استيقظتُ قبل الفجر بقليل.
أيقظتُ حبيب، وتوضأنا وصلينا معًا.
وبعدها دخلتُ المطبخ وأعددتُ له الفطور.
كان البيت هادئًا، ولم يكن هناك سوى صوت أدوات المطبخ الخفيف، بينما كنتُ أرتب الطعام وأفكر في امتحاني، وفي السر الذي ما زلتُ أحتفظ به لنفسي.
جلس حبيب أمامي وهو ما يزال يشعر بالنعاس.
نظرتُ إليه وقلت:
"أنا هروح الكلية النهاردة إن شاء الله."
رفع عينيه إليّ وقال:
"إن شاء الله هوصلك."
"ماشي يا عيوني."
ابتسم وقال:
"ربنا يوفقك وييسر أمورك ويجعل لك الصعب سهل وتطلعي مجبورة الخاطر."
ابتسمتُ بدفء.
"آمين."
كانت دعوته البسيطة كفيلة بأن تمنحني شيئًا من الطمأنينة قبل الامتحان.
لم يخبرني بما حدث معه.
وأنا لم أخبره بما حدث معي.
كلانا اختار أن يحمي الآخر بطريقته.
لكنني لم أكن أعرف إلى متى سنستطيع الاستمرار في إخفاء ما نحمله بداخلنا.
(حبيب)
أوصلتُ آلاء إلى الجامعة.
كانت تحاول أن تبدو هادئة، رغم أنني لاحظتُ انشغالها بامتحانها، فحاولتُ ألا أزيد توترها بأي شيء.
قبل أن تنزل، قلتُ لها:
"ركزي في الامتحان ومتشغليش بالك بأي حاجة."
ابتسمت:
"حاضر."
"وأول ما تخلصي كلميني."
"حاضر يا حبيب."
مالت نحوي وقبّلتني، ثم نزلت من السيارة.
ظللتُ أراقبها حتى دخلت، ولم أدرِ لماذا بقيتُ أنظر إلى مدخل الجامعة حتى بعد أن اختفت عن عيني.
ربما لأن جزءًا مني كان يتمنى لو أستطيع إبقاءها بعيدة عن كل ما يحدث، ولو لمرة واحدة.
لكنني كنتُ أعرف أن تجاهل الأمر لن ينهيه.
أخرجتُ هاتفي.
كان لدي عنوان واحد الآن.
هشام.
تبدلت ملامحي وأنا أنظر إلى اسمه، وشعرتُ بالغضب الذي حاولتُ احتواءه طوال الساعات الماضية يعود إلى صدري.
لم أعد أريد رسائل مجهولة، ولا تلميحات، ولا ألعابًا من خلف ظهري.
أردتُ أن أسمع منه ما الذي يريده بالضبط، ولماذا اختار آلاء لتكون جزءًا من هذا العبث.
أدرتُ السيارة واتجهتُ إليه، وأنا أشعر ببركان يغلي بداخلي.
كنتُ أحاول أن أسيطر على غضبي، لكن فكرة أن يكون قد اقترب من آلاء أو تسبب في خوفها كانت كافية لتجعل قبضتي تشتد حول عجلة القيادة.
هذه المرة، لن أكتفي بالبحث عن إجابات من بعيد.
(هشام)
كنتُ جالسًا في الشقة مع شهاب.
كان الصمت يسيطر علينا، لكن أفكاري لم تكن هادئة على الإطلاق.
قلت:
"لازم نغير الخطة."
نظر إليّ شهاب وقال:
"إنت عايز تعمل إيه؟"
"نضغط أكتر عليها."
هز رأسه، وبدا عليه عدم الارتياح.
"أنا شايف إن الموضوع كفاية كده."
نظرتُ إليه بسخرية:
"خايف ولا إيه؟"
قال بتردد:
"مش خايف ... بس الموضوع بدأ يكبر."
ضحكتُ بسخرية، وكأن كلامه لا يستحق أن آخذه على محمل الجد.
"وإنت فاكر إني هسيب اللي بدأناه؟"
سكت شهاب للحظات، ثم قال:
"أنا ماشي معاك بس عشان مش عايز أخسرك، لكن لو الموضوع قلب علينا ..."
قاطعته:
"مش هيقلب."
خرجت الجملة من فمي بثقة، لكنني كنتُ أعرف أن الأمور لم تعد تحت سيطرتنا كما كانت في البداية.
ومع ذلك، لم أكن مستعدًا للاعتراف بذلك، حتى أمام شهاب.
تردد قليلًا، ثم قال:
"بس متنساش إن حبيب مش سهل، وزعله وحش."
ابتسمتُ ابتسامة جانبية.
"عشان كده لازم نسبقه بخطوة ... متنساش إن في إيدينا ورق كتير ... نرمين والرسائل اللي بنبعتها لآلاء."
لم أكن أريد أن أمنح حبيب فرصة ليفهم ما يحدث قبل أن نكون قد جهزنا ما يكفي لإرباكه وإبعاد الأنظار عنا.
قاطع كلامي صوت رنين هاتفي.
أخذته، فوجدتُ اسم نرمين يظهر على الشاشة.
نظرتُ إلى شهاب بابتسامة ساخرة وقلت:
"أهي بتيجي على السيرة."
فتحتُ المكالمة، وشغلتُ مكبر الصوت.
"إيه يا مزة، عاملة إيه؟"
جاءني صوتها:
"الحمد لله يا اتش ... مفيش أخبار عن حبيب؟"
استندتُ إلى ظهر الأريكة وقلت بابتسامة:
"حبيب بقى لعبة في إيدنا خلاص."
ثم قهقهتُ وقلت:
"عشان يندم على اللي عمله معانا."
ضحكت بمياعة وقالت:
"آخر مرة لما روحت له الشركة كان حالته تصعب على الكافر ... قعد يقولي يا نرمين أنا بحبك ومتبعديش عني ... بس إنت عارفني، كرامتي قبل كل حاجة."
قهقهتُ بقوة، وكذلك شهاب، وقلت:
"أيوه طبعًا ... كرامتك آه ... ما إحنا عارفينها كلنا."
أبقيتُ الهاتف على مكبر الصوت، وأنا أعبث به بلا مبالاة، بينما كان شهاب يجلس أمامي صامتًا.
قلت لنرمين بعد تفكير:
"بقولك يا نرمين، إنتِ فين؟"
جاءني صوتها من الطرف الآخر:
"في البيت، في إيه؟"
"مفيش، بس بقالنا كتير متجمعناش."
ضحكت وقالت:
"وهنعمل إيه يعني؟"
ابتسمتُ ونظرتُ إلى شهاب، ثم قلت:
"تعالي عندي."
"دلوقتي؟"
"آه دلوقتي ... نتجمع زي زمان، أنا وإنتِ وشهاب ... نقعد شوية ونفكر في اللي حصل، ونضحك على الأيام القديمة."
ضحكت بمياعة:
"إنت لسه فاكر الأيام دي؟"
"أنساها إزاي؟ دي كانت أحلى أيام."
نظر إليّ شهاب باستغراب، لكنه لم يتدخل.
تابعت:
"وبعدين عندي كلام كتير عايز أحكيهولك."
"عن حبيب؟"
ابتسمتُ وقلت:
"يمكن."
ضحكت.
"خلاص ماشي ... هجيلك."
"مستنيكي."
"سلام يا اتش."
"سلام يا حلوة."
أغلقتُ المكالمة.
وضعتُ الهاتف على الطاولة، ثم نظرتُ إلى شهاب وقلت:
"شايف؟ قلت لك هتيجي."
نظر إليّ بقلق وقال:
"أنا مش مرتاح للموضوع."
ضحكتُ.
"إنت عمرك ما بتكون مرتاح."
"هشام ..."
"إيه؟"
"أنا حاسس إننا لازم نقفل الموضوع ده."
اختفت ابتسامتي للحظة، ثم نظرتُ إليه بسخرية:
"برده؟ بعد ما كل ده حصل؟"
"أيوه."
"مفيش فايدة فيك."
لم يجب.
كان صمته يضايقني أكثر من اعتراضه، وكأنه ينتظر اللحظة التي تثبت له أن كل ما حذرني منه كان صحيحًا.
وقبل أن أكمل كلامي ...
فجأة سمعتُ خبطًا على الباب.
توقفنا عن الكلام.
تبادلتُ النظرات مع شهاب، ثم قلت باستغراب:
"مين؟"
لم يجب أحد.
نهضتُ من مكاني، وتوجهتُ نحو الباب، بينما بقي شهاب جالسًا يراقبني.
اقتربتُ ووضعتُ يدي على المقبض، ثم فتحته.
وفي اللحظة نفسها ...
وجدتُ حبيب أمامي.
لم يمنحني فرصة للكلام.
فجأةً، وجّه إليَّ لكمةً قوية أصابت وجهي، حتى تراجعتُ عدة خطوات إلى الخلف وسقطتُ على الأرض.
شعرتُ بألم حاد في وجهي، ورفعتُ يدي إليه بصورة غريزية، بينما كنتُ أحاول استيعاب ما حدث.
ظللتُ أنظر إليه بذهول، غير مصدق أنه جاء إلى هنا، ولا مستوعبًا أن الرجل الذي يقف أمامي الآن هو حبيب.
حبيب نفسه.
الرجل الذي عرفته يومًا، وجلستُ معه، وضحكتُ إلى جواره، وكنتُ أظن أنني أعرف كيف يفكر، ومتى يغضب، وما الذي يمكن أن يدفعه إلى فقدان السيطرة.
لكن النظرة التي كانت في عينيه الآن لم تكن نظرة رجل جاء ليتحدث أو يطلب تفسيرًا.
كانت نظرة رجل نفد صبره.
توقفت أنفاسي للحظة، بينما كان ينظر إليّ باحتقار، وكأنني أصبحتُ في نظره عدوًا بعد أن كنتُ يومًا صديقه.
لم يقل شيئًا في البداية.
اكتفى بالنظر إليّ، وكان صمته أشد وقعًا عليّ من أي صراخ.
ثم اقترب مني بخطوات بطيئة، فوجدتُ نفسي أرجع إلى الخلف دون وعي، بينما كان شهاب قد نهض من مكانه، متسمّرًا في موضعه.
رفع حبيب عينيه إليّ، ولمحتُ في ملامحه غضبًا لم أره فيه من قبل.
ثم قال بنبرة مظلمة امتلأت بالسخرية والعداء:
"عامل إيه يا ... صاحبي؟!"
(يتبع ...)...
الفصل الثلاثون من هنا