رواية الرحلة الملعونة الفصل الحادي عشر 11 والأخير بقلم ماريه عبدالله مسعود

رواية الرحلة الملعونة الفصل الحادي عشر 11 والأخير بقلم ماريه عبدالله مسعود


ليست كل الرحلات تنتهي بالوصول، فبعض الرحلات تنتهي بجرحٍ يبقى في القلب.


ظننتُ أن تلك الرحلة كانت ملعونة بما رأيته فيها من خوفٍ وكوابيس، لكنني أدركتُ متأخرة أن لعنتها الحقيقية لم تكن في المدينة المهجورة ولا في الشرانق، بل كانت في حبٍ صامتٍ عشتُه وحدي لست سنوات، حبٍ لم أجرؤ يوماً على البوح به، فظللتُ أرى من أحببته كشيءٍ بعيد، كنجمٍ في السماء، أراه ولا أبلغه.


عدتُ إلى الخرطوم أحمل شهادتي التي حلمتُ بها، وقلبي مكسورٌ من حبٍ من طرفٍ واحد، فاحتفل بي أهلي، وبدأتُ خدمتي، ثم تزوجتُ ورضيتُ بنصيبي، ظناً مني أن القصة قد انتهت.


إلى أن عدتُ إلى الخرطوم مرة أخرى، فالتقيتُ به، وقد تغيرت ملامحه، وكثت لحيته، وفي يده خاتم زواج يلمع، وبجانبه زوجةٌ تشبهه في هدوئه وطباعه.


حينها فقط، أدركتُ أن بعض اللعنات لا تُفك إلا بلقاءٍ أخير، يخبرنا أن ما لم يكن لنا، لم يكن ليكون لنا أبداً.


****************************************************

بعد ما مشيت مع المجموعة عشان نستكشف المكان ونشوف المدينة المهجورة، وعرفت قصة المدينة وفتحت الشرانق وشفت الجواها، يادوب حسيت بالطمأنينة، وعرفت إنو الشفتو كان مجرد حلم وكابوس.


رجعنا المخيم، واتحركت على مجموعتي وساعدتهم في الطبخ، وكنت كل شوية بعاين لي مهند الكان واقف مع الشباب وبساعد فيهم في الأكل.


ومرت الأيام في الرحلة، مع الونسة والضحك والصور والفيديوهات والأغاني والرقيص والاستكشاف، حتى إنو حفظنا المكان، حفظنا أي جبل فيهو وأي شجرة، وحتى المدينة المهجورة حفظنا أي حاجة فيها.


كنت بعاين لي مهند من بعيد لبعيد، وكل ما أحاول أقرب منو بخجل وبتوتر ، وكل ما عيوني تقع في عيونو قلبي بضرب شديد، وبتخيل  نفسي انو  مشيت وقفت جنبو وقلت ليهو: يا مهند أنا بحبك من ستة سنين، من أول يوم شفتك فيهو في الجامعة. 


كنت بقيف جنبو وانا مرتبة الكلام في عقلي وبقول خلاص حعترف ليو لساني في اللحظه ديك بتقل و الكلام كان بموت جواي قبل ما يطلع، ما قدرت أعترف ليهو، الكلام كان بقيف في طرف لساني وما بقدر اقولو كل ما أقيف جنبو لساني بتربط  وبتوتر شديد 


عشان كده الرحلة بقت في نظري رحلة ملعونة، ما عشان المدينة المهجورة ولا الشرانق، ملعونة عشان عرفت إنها حتكون آخر مرة أشوفو فيها، وتاني ما حقدر أشوفو ولا حقدر أعرف أخبارو.


رجعنا الخرطوم، والباص كلو غنا وضحك وصور، إلا أنا كنت ساكتة وبعاين بالشباك وقلبي واجعني شديد، وكنت كل شوية بعاين لي مهند الكان هادي وملامحو غامضة، وكل ما نقرب للخرطوم قلبي بوجعني زيادة.


وصلنا الخرطوم ووقفنا جنب الجامعة ونزلنا وودعنا بعض، ولما جيت وقفت جنب مهند عشان أودعو اتوترت شديد وما عرفت أقول ليهو شنو، قال لي وهو مبتسم: هنا انتهت رحلتنا الدراسية يا دكتورة نورس، ومبروك عليك التخرج وعقبال الدكتوراة. وبعدو ودعني ومشى، ودي كانت أول وآخر مرة يناديني باسمي وهو بقول لي: أشوف وشك بخير ونتقابل في ساعة خير يا نورس. حرفياً انهرت ودموعي نزلو وأنا براقب فيهو وهو ببعد.


بعدها بي يومين سافرت لي أهلي وأنا شايلة الشهادة الكنت بحلم بيها طول عمري، شايلاها في شنطتي ورافعة راسي، لكن قلبي كان مكسور شديد، مكسور من حب كان من طرف واحد، حب عشتو براي وكتمتو براي.


وصلت بلدي وقريتي، وأهلي أول ما شافوني قلبو الدنيا، الزغاريد ملت الحلة والجيران جو يباركو، عملو لي حفلات وذبايح وأهلي  الكانو فخورين بي شديد وبقولو  دكتورتنا  الرفعت راسنا. وأنا كنت بضحك معاهم، لكن جواي كنت موجوعة شديد وحاسة إني مكسورة وقلبي واجعني شديد.


بعدها طوالي قدمت للخدمة في مستشفى من مستشفيات بلدنا، لبست اللابكوت الأبيض وبديت أخدم، شوية شوية الجرح بدا يلتئم، وبقيت أنسى أو عاملة نفسي نسيت.


لحد ما اتقدم لي ود خالتي، زول طيب وهادي وكنت بشوف فيهو الأمان، وافقت واتزوجتو، وهسه عايشة معاهو سعيدة ومبسوطة.


*وبعد سنتين* اضطريت أرجع الخرطوم تاني عشان أجدد تسجيلي في المجلس الطبي وأخلص ورق التخصص، وأنا طالعة من المجلس وشايلة ملفي سمعت صوت وراي: دكتورة نورس؟


لفيت، وكان مهند.


لكن ما ياهو مهند الزمان، شكلو كان متغير شديد، لحيتو بقت كثيفة وملامحو اتبدلت، بقت أنضج وأهدأ وفيهو هيبة بتاعة زول شايل مسؤولية.


سلمت عليهو ويدي بترجف وعيني وقعت طوالي على يدو، كان فيها خاتم زواج. عاين فيني وأنا بعاين في يدو وقال لي وهو مبتسم: أنا اتزوجت، من حكاية شهر كده.


في اللحظة دي جات ماشة علينا زوجتو، كانت منقبة ولابسة عباية سوداء، و من عيونها واضح إنها جميلة شديد، جمال هادي وراقي، وسبحان الله بتشبهو في الهدوء والطباع كأنهم مخلوقين لبعض. سلمت علي، ومهند عرفنا على بعض.


قعدنا دقايق في كافتيريا المجلس، قال لي هو شغال في مستشفى خاص في بحري وإنو استقر.


وأنا كنت بعاين ليهم وببتسم، والغريبة قلبي ما وجعني، حسيت براحة غريبة، كأنو الحاجة البعيدة الكنت بشوفها في السما أخيراً شفتها قريبة وعرفت إنها ما مكتوبة لي.


اتونست معاهم وبعدو ودعتهم ومشيت، وطوالي مسكت تلفوني وضربت لي راجلي قلت ليهو: أنا خلصت، وراجعة البلد .


عرفت وقتها إنو الرحلة ما كانت ملعونة عشان ما شفت مهند تاني، الرحلة كانت ملعونة عشان خلتني متعلقة بزول ما مكتوب لي، والليلة لما شفتو لابس دبلة وجنبو مرة بتشبهو عرفت إنو اللعنة اتفكت


وهكذا انتهت الرحلة الملعونة.


لم تكن ملعونة لأننا تهنا في الوادي، ولا لأننا بتنا في مدينة مهجورة، ولا لما رأيناه من شرانق وسوائل سوداء، بل كانت ملعونة لأنها جعلتني أتعلق بوهمٍ بعيد، وأحمل في قلبي حباً لم يكن لي.


تعلمتُ أن ليس كل حبٍ يُقال، وليس كل حبٍ يكتمل، فبعض الحب نعيشه وحدنا، ليعلمنا كيف ننضج، وكيف نرضى، وكيف نعرف أن النصيب أحنُّ علينا من قلوبنا.


عدتُ بشهادتي التي حلمتُ بها، واحتفل بي أهلي، وخدمتُ في مستشفى بلدتي، ثم تزوجتُ بمن رأى فيَّ الأمان، فمنحته قلبي، وعشتُ معه سعيدةً مطمئنة.


وعندما رأيتُ مهند في آخر مرة، بلحيته الكثيفة وخاتم زواجه وزوجته التي تشبهه، لم أبكِ، بل ابتسمتُ، لأنني أخيراً أدركتُ أن اللعنة قد فُكت، وأن القلب إذا رضي بنصيبه، سكن.


كانت رحلة ملعونة في وقتها، لكنها كانت سبباً في هدايتي إلى حياتي الحقيقية.


                      تمت بحمد الله 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 


وأيضا زرونا على صفحة الفيس بوك 


وايضا زورو صفحتنا سما للروايات 

 من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك

 كل جديد من لينك التلجرام الظاهر امامك


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة