رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السابع والاربعون 47 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السابع والاربعون 47 
بقلم ليله عادل


"كل من ظن أنه أقوى من الأيام فهو أحمق؛ فكل من زرع شرا سيحصده يوما، مهما طال به الزمن، سيشرب من الكأس نفسها التي سقى منها غيره.... ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾" 
ليلةعادل✍️🌹

         الفصل السابع والأربعون🤫❤️

        [بعنوان: ما فعلته .. سيرد إليك يوما.]

فايزة بابتسامة واثقة: هالو، دكتور مصطفى.

رفع عينيه إليها، وتجمد للحظة، قبل أن يبتلع ريقه، ويقول بتماسك: أهلا وسهلا، اتفضلي..

جلست على مقعد أمامه، بيننا أمسك هاتفه بذكاء وفتح التسجيل دون أن تنتبه: اتفضلي، بتشتكي من إيه؟

وضعت قدما فوق الأخرى، وتأملته للحظات: سمعت عنك كلام كتير، وإنك دكتور شاطر.

ابتسم برسمية: شهادة أعتز بيها جدا يا فندم، بتشتكي من إيه؟

أشارت نحو معدتها: عندي وجع في بطني، خصوصا بعد الفطار.

أومأ بتفهم: طيب، ممكن تتفضلي معايا؟

دخلت غرفة الكشف وتمددت على الفراش، بينما توقف مصطفى للحظة يحاول إخفاء توتره: اتفضل يا دكتور.

دخل وبدأ يفحصها، بينما كانت تراقب كل حركة منه، وكأنها تتأكد أنه الشخص الذي تبحث عنه

قالت بخبث: قالولي إنك من إسكندرية، وإن سليم بنفسه هو إللي شغلك هنا ووصى عليك.

حرك السماعة بهدوء: سليم بيه؟ آه، عرفته عن طريق دكتور جلال، أنا أصلا من القاهرة، واشتغلت في إسكندرية لفترة.

ظلت تنظر إليه، تبحث عن أي ارتباك في ملامحه: أكيد عارف أنا مين يا دكتور!

رفع عينيه إليها للحظة، ثم عاد لفحصها بهدوء: بالتأكيد يا فندم، عارف حضرتك فايزة هانم.

ضيقت عينيها: ويا ترى عارف سليم من إمتى؟

رمش بعينيه، محاولا الحفاظ على ثبات ملامحه: تقريبا، أكتر من سنة.

كررت ببطء: أكتر من سنة؟

تحمحم: أمم... أيوة.

أنهى الكشف، ثم ابتعد عنها قليلا: كده خلصنا، اتفضلي.

عادت معه إلى المكتب، فجلس يكتب في الروشتة: هنعمل شوية تحاليل، وبعدها نشوف المشكلة بالضبط.

نظرت إليه طويلا، ثم ابتسمت ابتسامة غامضة: لا خلاص، مفيش مشكلة يا دكتور.

أخذت الروشتة وغادرت، وما إن اختفت حتى أطلق زفيرا طويلا، وأسند رأسه إلى الكرسي: يا نهار أسود!

أمسك هاتفه بسرعة، وتأكد من أن التسجيل لازال يعمل، ثم اغلقه واتصل بسليم فورا.

كان سليم يجلس في حديقة الفيلا برفقة ماسة ومكي وسلوى وحور، قبل أن يهتز هاتفه باسم مصطفي: إيه يا دكتور؟ عامل إيه

جاء صوته متوترا: فيه مصيبة يا سليم!

اعتدل في جلسته: في ايه، خير؟

مصطفي بتوتر: فايزة هانم كانت عندي دلوقتي، وشكلها عرفتني، كانت جاية وهي تقريبا متأكدة، وسألتني عنك وعن إسكندرية، انا سجلتلك المقابله وهبعتهالك. 

نهض سللن٦ بهدوء وتحرك عدة خطوات حتى وقف أمام النيل.

ألقى نظرة نحو ماسة وحور وسلوى ومكي، فوجدهم يتحدثون ويضحكون دون أن ينتبه أحد.

قال بنبرة ثابتة: ماشي يا مصطفى، متقلقش، محدش هيقرب منك، هكثف عليك الحراسة.

مصطفى بقلق: أنا مش قلقان علي نفسي، أنا قلقان عليك أنت وماسة، إنت هتعمل ايه؟

تنهد: مش عارف، المهم لو حصل أي حاجة تانية كلمني فورا.

مصطفى: حاضر

أغلق الهاتف، وظل واقفا للحظات قبل أن يرفع عينيه نحو السماء ويتمتم: واضح إن النهاية قربت.

ثم أجري اتصالا: فايزة هانم جت سألت عن الدكتور مصطفى؟

جاء الرد: مصطفى مين؟

هتف: دكتور مصطفى عبد الحميد بتاع الباطنة؟

رد: أيوة يا فندم، كانت بتسأل اتعين إمتى، ومين اتدخل في تعيينه، ومنين... وأخدت شوية معلومات عنه.

اومأ: أوك، سلام

خفض الهاتف، وزفر بضجر ثم بدا في كتابت رسالة لمكي: تعالى، بس من غير ما تبين إن فيه حاجة.

قرأ مكي الرسالة، فنظر إليه باستغراب، ثم وضع هاتفه في جيبه وانتظر دقيقة قبل أن يتجه إليه وكأنه يتحدث معه بشكل طبيعي.

اقترب منه وقال بصوت منخفض: في إيه؟

ظل صامتا للحظة، ثم قال: فايزة راحت لمصطفى.

اتسعت عينا مكي: عرفته؟

أومأ بتأكيد: امم عرفته

قطب مكي جبينه: ومع التسجيل إللي سمعناه إمبارح، كده خلصت يا صاحبي، لازم تواجههم، هما عرفوا كل حاجة.

ابتسم بسخرية: إنت عايزني أروح أقولهم أيوه، أنا اللي عملت كل ده؟

هز مكي رأسه: أيوة، علشان خلاص كل الخيوط بقت توصلهم ليك، الهانم اتأكدت إن مصطفى عايش وإنك مقتلتهوش، والباشا شبه متأكد إنك السبب، مستني إيه أكتر من كده؟

زفر سليم بضجر: وهستفيد إيه لما أواجههم؟ أحرق نفسي بإيدي؟ أديهم اعتراف وهما لسه مش ماسكين عليا دليل؟

مكي بتعقل: محتاجين دليل أيه أكتر من إن مصطفي عايش!

أومأ سليم بثقه: أنا اعرف أخرج منها عادي، أنا بس مستني أشوف الباشا ناوي علي إيه بعد ما يمسك دليل في إيده..

مال برأسه قليلا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة: ساعتها أنا إللي هقرر أعمل فيه إيه؟

مكي بقلق: بس خليك حذر ومتستهونش بقوة الباشا..

اومأ بثبات: مش مستهون، بس كلامه مع فايزة له احتمالات كتير، وأنا مش خسران حاجة، خليهم يلفوا حوالين نفسهم لحد ما يوصلوا للدليل.

صمت لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر حسما: وبعدها هعرف عزت ناوي يعمل إيه؟! وساعتها... أنا اللي هروحله بنفسي.. رد فعله هو اللي هيحدد اللي أنا هعمله.

أومأ مكي، فرفع سليم هاتفه مرة أخرى وأجري اتصالا، فجاءه صوت عرفان: أيوة يا باشا.

سأله: عرفت حاجة تخص صافيناز؟

عرفان: لسه.

رد بحزم: شوف صحابها، وخليك مراقب الفيلا بتاعتها في زايد، والمستشفي اللى فيها عماد كمان، اكيد هنظهر في مكان من دول...

عرفان: مفهوم يا باشا.

أغلق الهاتف، والتفت إلى مكي الذي كان يراقبه بعتاب: إنت ليه مش مدخلني في الحوارات دي؟

رفع سليم حاجبه: أنت ملكش دعوة بأي حاجة، فكر في جوازك وبس، ومش عايزك يكون ليك علاقة بأي حاجة بتحصل.

قطب حاجبيه: ماشي، بس برضو مفيش حاجة تحصل من ورايا، لازم أكون عارف.

تابع بغيرة: اصل أنا شايفك الفترة دي عامل دويتو جامد مع عرفان وعشري، ربنا يخليهملك.

ضحك سليم رغما عنه: أكيد، أنت مش مراتي علشان تغير عليا.

تبسم مكي: يا عم أنا خايف عليك بس.

ضحك سليم، ثم أشار نحو ماسة وسلوى وحور: تعالي نرجعلهم، علشان ميحسوش إن فيه حاجة.

اتجه الاثنان نحوهم، بينما أخفى سليم ما يدور في رأسه خلف ملامحه الهادئة.
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل.
عند صافيناز 

نظر إليها السائق من المرآة: هتروحي فين يا مدام؟

نظرت حولها بتوتر: هو إحنا فين دلوقت؟ 

أجابها: إحنا في وسط البلد، عايزة تروحي فين؟

اومأت: خلاص، ممكن تقف على جنب؟

توقفت السيارة بجانب الطريق، وظلت صافيناز جالسة للحظات، لا تعرف ماذا تفعل. لم تكن تمتلك أي أموال.
نظرت إلى يدها، فوجدت الساعة، فنزعتها ومدت إليه: ممكن تاخد دي؟ أنا مش معايا فلوس...أصل أنا هربانة من جوزي، كان بيضربني وحابسني، ومش معايا فلوس.

نظر إلى هيئتها التي بدا عليها الترفه، فأومأ بطيبه: خلي دهبك معاكي يا بنتي، ربنا يسهلك.

هزت رأسها: لا، حقيقي خدها... أنا بنت ناس والله العظيم، مش شحاته.

ابتسم السائق بطيبه: باين عليكي يا بنتي، شوفي بس عايزة تروحي فين، وأنا اوديكي لحد ما أنتِ عايزاه.

هزت رأسها: لا، ميرسي، هنزل هنا.

نزلت وظلت تمشي في الشوارع، وهي لا تعرف إلى أين تذهب، وبعد فترة، جلست على مقعد مقابل النيل، وظلت تفكر.

كانت تعرف أنها إذا ذهبت إلى أي مكان من الأماكن التي تمتلكها، فسيكون من السهل علي سليم إيجادها، كما إنها لا تستطيع طلب المساعده من فايزة فمقابلتها معها بالأمس لا تبشر بأي أمل لمساعدتها، لم تعرف إلى أين تذهب، وشعرت بأن الحياه ضاقت بها.

وفجأة، تذكرت أحدي صديقاتها، التي لا يعرف سليم عنها شيئا، تبسمت بأمل وكأنها وجدت أخيرا خيطا صغيرا يمكن أن تتعلق به، وبدأت تفكر في كيفية الوصول إليها. 

أوقفت أحد الأشخاص المارين: لو سمحت... ممكن أعمل مكالمة؟

نظر إليها الشخص من أعلى إلى أسفل، ثم اخرج هاتفه: اتفضلي.

اخذت تتذكر الأرقام بصعوبة، ثم اتصلت: ألو... ياسمين؟ أنا صافيناز، بقولك ممكن أبات عندك النهارده؟

جاءها الرد سريعا: أنا مسافرة الفترة دي يا صافي سوري.

اومأت باحباط: لا عادى.

أغلقت المكالمة، وهمت بالاتصال بأخرى، فاعترض الشاب: إنت قولتي مكالمه واحده يا أبله مش أتنين! 

خلعت ساعتها واعطتها له، فعلق بسماجه وهو يتأمل ثقل الساعه بين يديه: إذا كان كده أنا معاكي اليوم كله، بس اوعي يكون فالصو يا أبله.

رامقته من اعلى لاسفل باشمئزاز، ثم اعطته ظهرها وقامت بالاتصال بصديقتها، ثم بأخرى، وفي كل مرة كانت تجد حجة مختلفة للرفض.

أغلقت آخر مكالمة، وانفجرت غاضبة من بين أسنانها: يا حشرات... يا رعاع!

ثم أعطت الشاب هاتفه: شكرا... اتفضل.

اومأ: لا شكر علي واجب يا أبله، ولو محتاجة مكان، فيه أوتيلات...

قاطعته بعصبية: ملكش دعوة! مش خدت مقابل مساعدتك، يلا امشي.

امتعض وجهه: أنا غلطان.

ثم تركها ورحل.

ظلت واقفة مكانها للحظات، قبل أن تنهار وتجلس على الأرض تبكي بحرقة، فالجميع تخلى عنها.
كل شخص حاولت اللجوء إليه أغلق بابه في وجهها، ولم يعد أمامها مكان واحد تستطيع الذهاب إليه.
كانت تعرف أن العودة إلى القصر مستحيلة... فلو رآها عزت سيقتلها.

أغمضت عينيها، وبدأت ذكريات عماد تتدفق إلى رأسها، تذكرت كل ما فعلته معه، وكيف قابل كل هذا بالغدر والخيانة حتي انتهى بها الأمر هكذا بسببه.

ثم، دون أن تشعر، تذكرت سليم، فأخذت تتلفت حولها بخوف، وكأن مجرد التفكير فيه أعاد إليها خوفها من جديد.

منزل مي،5م 

جلست علي الفراش تضم ساقيها إلي صدرها، ودموعها تنهمر بصمت، وهي تحاول استيعاب الحقيقة التي قلبت كل شيء داخلها

لم تعرف كم مر من الوقت حتى فُتح الباب، ودخلت تقى: إيه يا بنتي فينك من بدري؟!

وما إن رأتها حتى توقفت بقلق: مي؟ مالك؟ بتعيطي ليه؟

رفعت عينيها إليها، وحاولت الكلام، لكن الكلمات اختنقت في حلقها.

اقتربت منها تقى وجلست إلى جوارها: فيه إيه بس؟ فهميني بالراحه، حصل حاجة؟

هزت رأسها، وتحدثت بصعوبة: أنا... عرفت حاجة النهاردة.

سألتها: عرفتي إيه؟

ابتلعت ريقها بصعوبة: أنا... أنا حامل يا تقى.

اتسعت عينا تقى: حامل؟!

أومأت وانخفضت عيناها: آه.

وضعت تقي يدها على فمها: طب إنتِ اتأكدتي؟

هزت رأسها، وانهمرت دمعة على خدها: عملت الاختبار ١٠ مرات، وكل مرة بيطلع إيجابي.

صمتت تقى لحظة، ثم سألتها: طب هتعملي إيه؟

هزت رأسها: مش عارفة.

ضغطت تقى على يدها: طب هتقولي لرشدي؟

رفعت عينيها إليها، وشبكت أصابعها بتوتر: مش عارفة يا تقى، أنا لسة مش قادرة أستوعب إني حامل أصلا، مخنوقة ومش عارفة أفكر.

زمت تقى شفتيها: طب كلمي شريف، يمكن يساعدك تفكري بهدوء..

صمتت تقى قليلا، ثم قالت بتردد: أو... اتخلصي منه.

رفعت عينيها بصدمة: اتخلص منه؟!

أومأت: أيوة، أوعي تنسي، لو فضل هيكون رابط بينك وبين رشدي للأبد، هل إنتِ هتقدري على ده..؟

مررت مي يدها في شعرها وتنهدت بضيق: مش عارفة يا تقى، أنا مخنوقة ومش عارفه افكر، بس اكيد برضو مش هقتل ابني بايدى!! ممكن أكلم شريف يساعدني فعلا، بس بالله عليكي متقوليش لأي حد لحد ما أشوف هعمل إيه...

أمسكت تقى بيديها: متخافيش مش هقول لحد حاجة، خدي وقتك وفكري براحتك، وأنا معاكي مهما كان قرارك.

المصحة،6م

كان رشدي جالسا في غرفته، وعيناه معلقتان بالحديقة من خلف النافذة، وكأنه شارد في شيء بعيد عنه.

بعد لحظات، دخلت فايزة.

رفع عينيه إليها بدهشة، وظل ينظر إليها بصمت للحظات، فاقتربت وجلست إلى جواره، رمقها بطرف عينه بسخرية: لسه فاكره تيجي؟

تنهدت بتوضيح: انا منستش وعدى ليك، بس حصلت حاجات كتير الفتره اللى فاتت... مراد ابن طه اتقتل و.

قاطعها بإشارة هادئة: عرفت.

نظرت إليه بدهشه: عرفت منين؟ 

نظر أمامه: عرفت وخلاص.

اومأت بصمت، ثم نظرت إليه معصمه الملفوف بالشاش: لما عرفت اللي حصل مصدقتش، مكنتش متخيلة توصل لكده، خصوصا بعد ما اتفقنا آخر مره إنك هتتعالج وتحاول تحسن من نفسك..

اشاح بوجهه، فاقتربت منه: المهم دلوقتي إنك تاخد علاجك زي ما اتفقنا، وحاول تبعد الأفكار دي عن دماغك، وخليك قوي، إحنا محتاجينك برة يا رشدي.

نظر لها بتعجب: محتاجيني أنا؟

أومأت: أيوة، محتاجينك.

ضحك بسخرية مريرة: بعد إيه؟

أومأت برأسها، وأمسكت يده: مش مهم بعد إيه! المهم إننا محتاجينك، خلينا نعوض اللي راح.

ظل صامتا، ومتعجبا من ذلك التغيير، لكنه لم يشأ في تصديق ما تقول.

بينما سألته باهتمام: قولي بقى، عامل إيه؟ بيتعاملوا معاك كويس هنا؟ في أي حاجة مضايقاك؟

أومأ برأسه: كل حاجة تمام، واتعرفت على ناس هنا.

ترددت للحظة، ثم سألته: سليم بيجيلك؟

صمت لحظه، ثم تساءل بهدوء: بتسألي ليه؟

هزت رأسها، وحاولت إخفاء قلقها: بسأل عادى!

شعر أن هناك شيئا تخفيه، فحاول التلاعب بالكلمات: بيجيلي أه، جالى كذا مره!!

بدا عليها الاندهاش، فتساءل: مالك مستغربه ليه!؟

اومأت: لا عادى هستغرب ليه، أنا بسأل عادى.

دقق النظر إليها، ثم قال بطريقته القديمة، محاولا استدراجها للكلام: عليا يا هانم، هتخبي عليا؟ طب ده إحنا عشرة من زمان... على قديمه يعني.

تنهدت طويلا، ثم عدلت جلستها: أصل عزت شاكك إن سليم له يد في كل الكوارث اللي حصلتنا، وأنا كمان بدأت أصدق، خصوصا بعد ما اكتشفت إن دكتور مصطفى لسه عايش.

ضيق عينيه باستغراب: مين مصطفى ده؟

أومأت بتوضيح: الدكتور اللي ماسة كانت مستخبية عنده في إسكندرية، وكمان كان مع ماسه يوم القضيه اللى دبرها عماد، سليم قالنا بعدها إنه قتله، بس يوم موت مراد لمحته في مستشفي، والنهارده اتأكدت إنه هو مصطفى، سليم مقتلوش، وكان بيكذب..

حك ذقنه، وقال بمراوغه: بس ده مش أسلوبه، سليم مبيلعبش في الظهر.

أجابته بيقين: بس كل حاجة بتوصل ليه في الآخر، إنت مي سابتك فجأة؟ بعدها يقول لطه علي خيانه مني ليه وإنها كانت بتحبه، اشمعنى التوقيت ده بالذات؟ ده غير حبسه لصافيناز وقال بيعالجها، أنا روحت لصافيناز وعرفت إنها بتتعاقب عشان الحادثة، هو بنفسه جه قالنا إنه عماد وصافيناز اللى ورا الحادثه، وبعدها المافيا حاولت تصفي عماد، أكيد سليم عرف..

صمت ولم يجد ما يجيبها به، بينما هي تابعت: دى غير إنه سامح ماسه وفجأه بعدها بقت حامل، وكمان ظهرت معاهم بنت صغيره كده..

انتفض علي ذكر حور: بنت ايه؟ اكيد ملهاش علاقه بيهم.

استغربت انتفاضته في البدايه ولكنها تابعت: هي ظهرت معاهم كذا مره، وشبه ماسه اوى، عزت شك فيها، وعملها DNA بس مطلعتش بنته، يمكن اتبنوها، بس أنت شايف إن كل ده طبيعي.

تعجب من كلامها فيما يخص حور فكيف اعطاها التحليل نتيجه سلبيه، ولكن لا يهم، فالأهم أنهم مازالوا ل يعرفون عنها شيء، فلتبقي بالنسبه لهم متبناه خيرا من أن يعرفوا بهويتها ويحاولوا إيذائها، فهو أحبها بصدق ولا يستطيع تحمل أن يصيبها مكروه، فأومأ محاولا تأكيد شكوكها: أكيد طبعا مش بنته! أزاي أصلا تشكوا في حاجه زى دى؟ ما أنت عارفه إن بنته ماتت من زمان، وعماد دفنها بنفسه، وسليم وقتها كان في الغيبوبه، هو فيه ميت بيصحي من الموت؟!

اومأت بصمت، فتساءل محاولا فهم ما تنويه لماسه: طب أنت ناويه علي أيه بعد ما عرفتي إن ماسه حامل؟

مدت شفتيها: لسه مفكرتش، بس أكيد يعني مش هقبل إن يبقي ليا حفيد من الخدامه الحشره دى.

زفر بملل: علي فكره الخدامه دى هو متجوزها بقاله سنين والناس بتقولها يا ماسه هانم دلوقتي.

اومأت بعجرفه: حتي لو الناس كلها نسيت، أنا عمري ما هنسي أصلها الحقير.

هز رأسه بعدم فائده، ثم نظر إليها وتساءل بتعجب محاولا جعلها تترك ماسة وشأنها: طب أنت منفسكيش يبقي عندك حفيد من ابنك المدلل، وريث العرش؟ ده بقاله أكتر من عشر سنين متجوز يعني.

أومأت بتأكيد متعنطز: أكيد بتمنى أشوف حفيد منه، بس من واحدة تليق بيه، تليق بالعيلة، مش من الخدامة بنت الخدامين دي.

أطلق زفرة قصيرة، وهز رأسه بعدم تصديق: إنتِ لسه يا شيخة؟ غيري بقى! 

رفعت ذقنها بعناد: هو إيه اللي غيري؟ أنت عايزني اقبل بيها؟ ماسة هتفضل طول عمرها خدامة، ومستحيل أقبل إن يكونلي حفيد من البنت الصعلوقة الحشرة دي.

تغيرت ملامحه، ودقق النظر فيها بتوجس: يعني هتعملي إيه؟ هتسقطيها تاني؟ ولا هتحاولى تقتليها؟

هزت كتفيها ببرود: لسه مفكرتش، بس اكيد ليها حل، كده كده هي لسه فاضل في حملها كتير فلسه معايا وقت..

ابتلع ريقه وتساءل: طب والبنت اللي معاهم دي هتعملي فيها إيه؟

نظرت إليه باستغراب، وكأن الأمر لا يعنيها: أعمل فيها إيه؟ أنا مالي بيها؟ دي واحدة متبناها، مع إني شاكه فيها، بفكر أعمل لها DNA، أصل عزت أنا عارفاه، قلبه طيب، ولو اتأكد إنها بنت سليم ممكن يخبي عليا.

مال برأسه، وازداد توجسه: وإنتِ بقى لو يعني، طلعت بنت سليم... هتعملي إيه؟ وبعدين ده فكره بعيده أوي.

ترددت لحظة: المشكلة إن شكل البنت قريب جدا من ماسة وهي صغيرة، بس لو طلعت بنتهم وكده محتاجه تكتيك تاني خالص. 

هز رأسه سريعا، محاولا إنهاء الفكرة من رأسها بمزاحه المعتاد: هتطلع بنته ازاي بس؟ ده فيلم هندي ده، هتلاقيهم بس دوروا لحد ما جابوا بنت شبه ماسة يعني...

تابع وهو يشير بيديه محذرا اياها: وبعدين شيلي الأفكار المجنونة دي من دماغك، أوعي تنسي إن الباشا دلوقتي مركز، وهو ميعرفش إنك شاركتينا، ولو عرف إنتِ اللي هتزعلي، ولو زي ما بتقولي سليم شاكك وبيلاعبكم، يبقى هو سابقكم بخطوات، مش خطوة واحدة، ولو حاولتي تأذي ماسه دلوقت أكيد هيعرف وهتبقي قدمتيله الدليل.

مال نحوها، وأضاف بجدية: علشان كده قبل ما تعملى حاجه، قوليلي ونفكر سوا، إحنا سوا سوا من زمان، ستر وغطا علي بعض.

نظرت إليه وكأنها وجدت فيه الشخص الوحيد الذي تستطيع التحدث معه: ماشي يا رشدي، بس المهم تتتعالج بسرعه وتخرج من هنا، وأنا أوعدك إني هديك أسهم صافيناز.

رفع حاجبه باهتمام، وتغيرت ملامحه فور سماع كلماتها، وقال دون تردد: لا، إذا كان فيها أسهم صافيناز، أنا معاكي جدا.

ابتسم ونظر أمامه، متقينا أنه وصل لما يريد؛ ففايزة لن تتحرك في أي خطوة إلا بعدما تخبره بما تنوي فعله، خاصة بعد سقوط الجميع من حولها، فلم يتبقي أمامها سواه تشاركه أفكارها السوداء.

توقفت فايزة فجأة، وقالت وهي تستعد للمغادرة: طيب يا رشدي، أنا همشي، وأكيد هجيلك تاني أنا وعزت.

أومأ: وأنا هستناكي!

اقتربت منه، وقبلت جبينه، ثم تحركت نحو الخارج، بينما ظل رشدي جالسا مكانه، يقضم أظافره بشرود، ويفكر في كل ما أخبرته به.

كان يشعر بخوف شديد على ماسة، وعلى حور بالأخص، فهو يعرف أن فايزة ما زالت تحمل في قلبها الكثير من الكراهية والتكبر تجاه ماسة، وحتى الآن لم تستطع تقبل فكرة أن يكون لها حفيد منها.

من المؤكد أنها ستحاول اجهضاها، ولو أجرت تحليل DNA وتأكدت أن حور ابنة سليم، فستكون كارثة.

اخذ يفكر في كيفيه الوصول لماسه وتحذيرها؟، فربما بأخبارها يشعر ببعض الراحة، ويثبت لنفسه أنه تغير حقا، وأصبح قادرا على رد جميلها معه، وربما التكفير عن بعض ما اقترفه في حقها أيضا!

لكن المشكلة أنه لا يملك أي أرقام تخص ماسة، ولن يستطيع التواصل معها.

فكر قليلا، ثم خطرت له فكرة الاتصال بسليم، نهض سريعا متجها إلي مكتب نوح.

طرق الباب ودخل، فنظر إليه نوح مبتسما: عامل إيه يا رشدي؟ أنا عرفت إن فايزة هانم كانت لسه عندك.

أومأ بتأكيد: أيوه فعلا كانت لسه عندي، أنا عايز منك خدمة.

تبسم نوح: اتفضل.

تنهد: عايز تليفوني، عايز أعمل مكالمة مهمة، وأرجوك مترفضش.

ازدادت إبتسامة نوح: لا مش هرفض، حاضر.

نهض واتجه إلى خزانة زجاجية تحتوي على بعض الهواتف والمتعلقات الشخصية للمرضى، فتح الدرج الذي يحمل اسم رشدي، وأخرج هاتفه ومده إليه.

رشدي بتهذب: شكرا.

خرج وفتح الهاتف، ثم انتظر حتى يعمل. 
وبعد لحظات، بدأ يتصل بسليم.
انتظر... انتظر
لا رد.
حاول مرة ثانية، ثم ثالثة.
لكن سليم لم يجب.
زفر بضيق، ثم بحث عن رقم مكي واتصل به، لكنه وجد هاتفه مغلقا.

ضرب حائط بيده بضيق، وفكر أن سليم يتعمد عدم الرد عليه، وهو يتفهم ذلك، ولكن الأمر لا يحتمل التأخير، فتح الباب ودخل مره أخري.

فنظر اليه نوح باستغراب، وسأله باهتمام: في حاجة يا رشدي؟

هز رأسها بتوتر: لا، لا... مفيش حاجة، ممكن بس تكلم سليم من تليفونك؟ أصل تليفوني مش مجمع!

أومأ نوح، وامسك الهاتف وبدأ بالاتصال بسليم، وظل ينتظر الرد.

في الجهة الأخرى.

كان سليم يجلس بجوار ماسة يشاهدان فيلما برفقة حور على شاشة كبيره.

كان هاتفه بجانبه يرن، لكنه كان على الوضع الصامت، لمح اسم المتصل، لكنه لم يرغب في الرد، فلم يكن يريد أي احتكاك مع رشدي أو الدخول في أي شيء جديد يخصه.

ألقى نظرة سريعة على ماسة، فوجدها منهمكة في متابعة الفيلم، فمد يده وقلب الهاتف على وجهه، متجاهلا الاتصال.

في مكتب نوح

ظل الهاتف يرن دون إجابة.

نظر نوح إليه بأسف: للأسف، مش بيرد.

زفر باختناق، ثم أومأ: طيب معلش يا دكتور، ابقي حاول تتصل بيه تاني، وقوله إني عايزه ضروري، خليه يجيلي، بعد إذنك.

خرج من المكتب، واتجه إلى الحديقة وجلس هناك، وما زال القلق ينهش داخله، لا يعرف كيف سيتمكن من الوصول إلى سليم.

في تلك اللحظه اقتربت منه هيا بحماسها المعتاد: عامل إيه يا مز يا صامت؟

رفع عينيه إليها وقال باقتضاب: كويس، أنتِ عامله ايه؟

جلست إلى جواره: كويسة الحمد لله.

سألها باهتمام: إيه، فينك بقالك يومين كده مختفية؟

أومأت تفسر بمرح: علوش يا عم سافر والشغل كتر عليا كتكوت صغنتوت زى، فمكنتش فاضيه أجي.

ثم مالت نحوه قليلا وقالت بمشاكسة: إيه؟ وحشتك؟

اومأ بتهكم: أه ملقتش حد يستغلني.

عدلت ياقة قميصها بغرور: علشان تعرف قيمتي.

هز رأسه بعدم فائده، ولكن عقله توقف عند نقطه معينه، فرفع حاجبه متسألا بتعجب: بس ثانية واحدة... هو أنتِ بتخرجي من هنا عادي؟

اومأت موضحه: أيوه، أنا اصلا خلصت علاجي من زمان، أنا باجي بس للزيارات، ولو في مثلا جلسات جماعية بحب أحضرها، وكمان عشان أطمن على أصحابي.

نظر أمامه، وبدأت فكرة تخطر في باله.
ثم التفت إليها بابتسامة: طب أنا عايز منك طلب.

ضيقت عينيها بمزاح: إنت هتبدأ تستغلني ولا إيه؟

ضحك بخفة: آه، بصراحة، أرد شويه من استغلالك.

رفعت يدها باعتراض: لا معلش، أنا بس اللي بستغل في المكان ده.

ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال بجدية: استني بس، اتكلمي جد شوية، أنا عايزك تروحي لحد، وتقوليله إني عايزه ضروري، وتخليه يجيلي هنا.

ضيقت عينيها باستغراب: حد مين ده؟ وعايزه في إيه؟

تنهد بتفسير: هتروحي فيلا سليم الراوي، أنا هديكي العنوان، وهتطلبي إنك تشوفي ماسة، وهتقوليلها إن رشدي عايز يشوفك ضروري...حاجة تخص حور، متقوليش أكتر من كده.

حدقت فيه باستغراب: إيه يا عم جو المفتش كرمبو ده؟

زفر بضيق: هيا، لو سمحتي، اتكلمي جد.

تبسمت وتحدثت بجديه: طيب، مفيش مشكلة، وبعدين أنا لسه شايفة واحده عندك شبه الملكة فوزية، كنت خليها تقولها طلما حاجه مهمه أوى كده...

هز رأسه: لو كان ينفع، كنت قولتلها، هتروحي ولالاء؟

تنهدت باستسلام: خلاص يا عم هروح، بس قولي مين دي اللي كانت عندك، هي قليطه آه بس مزه.

ضيق عينيه متعجبا: معرفتهاش؟

أومأت بتفسير بمزاح: لا، مبعرفش حد نضيف كده.

ابتسم بسخرية: غريبة، مشوفتيش صورها على السوشيال ميديا خالص؟ دي واحدة معروفة جدا، دي يا ستي تبقي فايزة هانم رأستم أغا... أمي.

فتحت عينيها بدهشة: مبتابعش أخبار رجال أعمال، بس بصراحة أمك قمر! جاية من العصور الوسطى، فاضل لها قبعه بس.

ضحك رغما عنه، فتابعت بمغازله وهي تضحك: الصراحه، طبيعي ماما تبقي نحله علشان تجيب العسل ده.

نظره لها من أعلى لاسفل: إفيهات قديمة اوي.

أومأت: طب ما تورينا انت الجديد يا عم بدل ما انت علطول كده عاملنا فيها زي مطلقات.

ثم أشارت: وبعدين يلا، اعزمني على حاجة بقى.

أشار لها بيده: روحي اطلبي اللي إنتِ عايزاه وأنا هدفع.

توقفت بحماس: هطلبلك معايا علي حسابك.

هز رأسه بيأس وهو يبتسم، ثم عاد ينظر أمامه، وقد بدأ يشعر للمرة الأولى أن هناك فرصة حقيقية للوصول إلى ماسة.

في أحد شوارع القاهرة.

كانت صافيناز تتحرك بلا هدف، لا تعرف إلى أين تذهب، بعدما تخلى عنها جميع أصدقائها، فقد حاولت التواصل معهم طلبا للمساعده، ولكن الجميع قابل طلبها بالتهرب، فلطالما كانت صافيناز شخصيه متعجرفه لا تقدم معروفا لأحد لتحصده في يوم كهذا، ظلت تتجول لبعض الوقت حتي تعبت قدميها، فجلست تسريح في أحد الأماكن، وهي تحدق أمامها بشرود وتفكر فيما آلت اليه حياتها.
♥️_______________بقلمي_ليلةعادل.

في احد اماكن التدريب،6م

توقفت السيارة أمام مكان واسع تحيط به الأشجار من كل جانب، وكان المكان أشبه بساحة تدريب كبيرة ومعزولة عن الخارج. امتدت في أرجائه ممرات ترابية متعرجة، تتخللها متاريس وحواجز خشبية مرتفعة، وأكوام من الرمال، بينما انتشرت الخنادق بين الممرات، تتصل ببعضها عبر مداخل ضيقة.
وفي بعض الزوايا وُضعت مجسمات وحواجز ملونة، وخلفها أهداف مختلفة الأحجام، بينما بدا المكان كله مصممًا ليمنح من بداخله إحساسًا وكأنه وسط معركة حقيقية، رغم أنه مخصص للتدريب، بينما كان رجال سليم منتشرون في المكان.

وقفت سلوى أمام المشهد للحظات، تتأمل المكان بدهشة واضحة.

نظرت حولها بملامح استغراب واضحة: هو في إيه هنا؟

ابتسم مكي بمكر، ثم مد يده إليها: مش إنتِ قولتي عايزة حاجة مفاجأة ومبهرة؟ وأنا هبهرك... تعالي.

أمسك كفها وأخذها إلى الداخل، حتى وصلا إلى مكان مخصص للعبة، توجد فيه ملابس واقية ومعدات الليزر والبنادق. 

نظرت سلوى إليها باستغراب: إيه دول؟

قال مكي وهو يناولها السلوبيت: البسي بس.

ساعدها مكي في ارتداء السترة الواقية، ثم وضع لها نظارة وقبعة حماية على رأسها.

نظرت إلى نفسها وضحكت: طب وبعد ما خليتني شبه مفتش كرومبو ها!

ضحك مكي: طب والله! مسكّرة..

ناولها البندقية فنظرت إليه بتردد: إيه ده؟

أشار بيده موضحا: دي بندقية ليزر، هنلعب بيها، وكل فريق ليه لون، ولما تصيبي الهدف الجهاز بيحسب النقطة.

رفعت سلوى حاجبها: هنضرب مين؟! 

ضحك مكي:. أنا وإنتِ فريق، ورجالتي فريق..

ابتسمت سلوى بحماس وهي تنظر إلى المكان:
أنا شوفت حاجة شبه دي في فيلم قبل كده!

أومأ بحماس: يبقى النهارده هتجربيها بنفسك.

نظرت إليه بتحدٍّ: بس متزعلش لما أكسبك.

ضحك مكي: إنتِ لسه ما بدأتيش واثقة إنك هتكسبيني؟

رفعت سلوى رأسها بثقة: طبعا.

أمسك مكي البندقية وقال: خلاص يا ستي... وريني شطارتك.

وبالفعل بدأت اللعبة.

في البداية كان الأمر بسيطًا؛ مكي يختبئ خلف الحواجز، ثم يظهر فجأة ليصيب الأهداف، بينما كانت سلوى تركض من مكان لآخر بحماس، تضحك وهي تحاول إصابتهم وإصابته أيضا.

أصابت مكي، في مؤخرته، اتسعت عينا والتفتت لها: مش أنا، هما هما، إنتِ حوله.

تمايلت وهي تضحك: أحسن أحسن.

مكي ضحك: طب يلا نشني عليهم.

اكملت اللعب بحماس، لكن شيئا فشيئا بدأ الأمر يتغير.

ارتفعت أصوات اللعبة، وبدأت الأهداف تظهر من أماكن مختلفة، وتنطلق كرات الألوان في كل اتجاه، بينما كانت سلوى تركض بين الممرات وتحاول الاحتماء خلف المتاريس، حتى شعرت وكأنها بالفعل وسط معركة حقيقية.

وفجأة ظهر أحد اللاعبين أمامها وأصابها.

صرخت سلوى بفزع، وألقت البندقية من يدها:
آاااااه! لا! دي وحشة أوي! دي مش لعبة!

ضحك مكي من بعيد: يلا يا سلوى! متبقيش مرقوعه!

نظرت إليه بغيظ وهي تختبئ خلف أحد الحواجز:
بتوجع اوي.

قال بمهادوه: يلا يا سلوى، هيكسبونا!

هزت كتفها للطفوله: لأ، أنا هستخبى مش لعبه.

ثم تمتمت وهي تنظر حولها بضيق: آه، أنا والله أستاهل... أنا بنت تييت عشان طلبت منك حاجة مختلفة! أنا هستنى إيه من بودي جارد لرئيس عصابة مافيا تايب؟ ده إنت خطفنتي قبل كده عشان تفاجئني في عيد ميلادي!

نظر إليها مكي وهو يضحك: ماينفعش مراتي تبقى طرية كده.

خرجت سلوى من مخبئها بانزعاج: أنا مش طرية!

وفجأة أصابتها كرة ألوان أخرى فالمتها فصرخت: اععععع! مش لعبه والله ما لعبه!

رمت البندقية على الأرض، وابتعدت بسرعة:
أنا ماشية!

ضحك مكي، ثم ركض خلفها: استني بس... تعالي هنا!

بدأت سلوى تخلع معدات اللعبة وهي تبكي بطفولة، وتمسح دموعها بيدها.

نظر إليها مكي باستغراب: إنتِ بتعيطي بجد؟

وهي تفرك ذراعها بضيق: بتوجع يا مكي والله!

قرصها من خدها بدلال: مش كنتي متحمسة؟

قالت بتزمر: راح الحماس... وحشة بجد!

تنهد مكي، ثم اقترب منها وربت على كتفها: طب ما أنتِ كنت عايزه أعملك حاجة مختلفة.

لوحت بيدها برفض: أنا مش عايزة حاجة مختلفة، عجبني الورد أبو شنطه، والمطاعم، انا ماتربتش والله عشان طلبت منك حاجة مختلفه.

ضحك مكي، ثم أشار إلى منطقة التدريب: طب تعالي أعلمك تدريب حقيقي.

هزت سلوى رأسها بسرعة: لا!

ابتسم مكي بثقة: لا إيه؟ هعلمك تعالي بس.

سحبها مكي من كتفها برفق، وأخذها إلى مكان مخصص للتدريب، حيث وُضع أمامهما هدف ورقي أسود.

وقف خلفها مع الحفاظ على مسافة مناسبة، وأعطاها المسدس: يلا، لازم تتعلمي... ماسة اتعلمت.

تنهدت سلوى باستسلام: يلا.

وقف مكي خلفها مباشرةً دون أن يلمسها، ومد يده إلى جانب يدها ليصحح وضعها، ثم أشار إلى الهدف أمامها.

كان قربه المفاجئ موترًا لسلوى، وجعل قلبها ينبض بسرعة. نظرت إليه بطرف عينيها، ثم أعادت نظرها إلى الأمام، بينما ظل مكي مركزًا تمامًا على التدريب، وكأنه لم يلاحظ ارتباكها، متعاملًا معها باحترافية.

قال بهدوء: بصي كده... ركزي على الهدف، وثبتي إيدك. يلا، اضربي.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم ضغطت على الزناد وأطلقت النار، حتى أصابت الهدف.

ابتسم مكي: شوفتي سهله؟ أهو كده يلا مره كمان.

ثم ترك يدها وتراجع خطوة، وأعطاها المسدس: جربي لوحدك.

أمسكت سلوى المسدس وحاولت إصابة الهدف، لكنها أخطأته وأصابت الرمال بجواره.

زمت شفتيها بضيق اوووف قولتك مش هعرف.

أومأ مكي برأسه بهدوء اقترب منها بابتسامة: عادي... بصي وركزي، إنتِ بس بتستعجلي.

اقترب أكثر، حتى كاد يلتصق بها. قرّب رأسه من رأسها، وببطءٍ مدّ يده ووضع كفّه فوق كفّها، كأنه يُثبّتها.
لامست أنفاسه الدافئة وجنتيها، فارتجفت، وسرت في جسدها قشعريرةٌ سريعة من أطرافها حتى قلبها.
وهو نفسه ارتبك، شعر بقلبه يخفق بعلوٍّ حتى خاف أن تسمعه، حاول أن يتماسك فلم يستطع. وحين خرج صوته، خرج خافتًا مبحوحًا:ثبّتي يدكِ.. وركّزي على الهدف، وبعدين صوّبي.

ضغطت على الزناد وأطلقت النار،  أصبتِ...

ظل مكي للحظة في مكانه، قبل أن ينتبه لقربهما فيبتعد خطوة، ويبتلع ريقه محاولًا استعادة هدوئه، ثم قال وكأنه يتعمد الانشغال بالتدريب: شوفتي إزاي سهلة؟

التفتت إليه، وكانت أنفاسها ما زالت متسارعة، بينما حاولت إخفاء ارتباكها: حاسة إني مش هعرف... وكمان مش حابة أتعلم ولا أمسك مسدس
أضافت متسائلة: مش إنت كمان كنت عايز ده؟

سكت لحظة، وظلت عيناه معلقتين بعينيها، ثم أومأ بهدوء:  إممم... بس الظروف بتتغير.

ابتسمت برقة: بس إنت هتدافع عني؟

اقترب خطوة، وصار صوته أخفض وأكثر صدقًا:  أكيد... طول ما أنا عايش، مستحيل حاجة تقرب منك.

تأمل ملامحها بعشق للحظات، وتبادلا النظرات في صمت كان شغفه واضحًا في عينيه، بينما وقفت هي بين الخوف والتردد والانجذاب. بدأ يقترب منها ببطء شديد، وكأنه يستأذنها بعينيه، ولم تكن سلوى تبدو مستعدة للابتعاد هذه المرة...

اقرب وجهه من وجهها كاد أن يقبلها 

لكن في آخر لحظة، كبح نفسه، ومال وقبّلها قبلة سريعة على جانب شفتيها؛ قبلة مرتبكة وحنونة، يملؤها الحب أكثر من الجرأة.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال محاولًا تغيير الجو: بقولك إيه؟ تيجي نروح نتغدى؟

ابتلعت سلوى ريقها سريعًا، ثم هزت رأسها وقالت: ماشي... أنا فعلًا جعانة جدًا
ابتسم لها، ثم أمسك بيدها وخرجا إلى الخارج، متجهين إلى وجهتهما

فيلا مصطفى،8م 

جلس في الحديقة، يدخن سيجارته بشرود، وهو يتذكر لقاءه بفايزة، فمنذ عودته، لم يخبر أحدا بما حدث حتى لا يسبب لهم القلق.

اقتربت منه آلاء وجلست إلى جواره: مسألتنيش عملت إيه في الامتحان النهاردة يعني؟ وقاعد لوحدك من وقت ما جيت؟!

قال باعتذار: معلش يا آلاء، دماغي مشغولة، طمنيني عملتي إيه؟

تبسمت: الحمد لله، حليت كويس، وتقريبا الامتحان كله كان من إللي إحنا ذاكرناه.

تنفس براحة: طب الحمد لله.

تأملته بقلق: بس شكلك مش كويس خالص؟

صمت قليلا: ده حقيقي، حصل موقف كده مقلقني.

عقدت حاجبيها: خير؟ إيه إللي حصل؟

أخذ نفسا عميقا: لقيت فايزة هانم قدامي النهاردة.

علقت بتعجب: مين فايزة هانم دي؟

أجابها: والدة سليم.

اتسعت عيناها: يا نهار أبيض! طب قولت لسليم؟

أومأ: وقالي متقلقش، بس مش عارف اطمن، زيارتها دي أكيد وراها حاجة.

حاولت طمأنته: لو كانت عايزه تعمل حاجه كانت عملتها، هي بس جايه تقولك إنها عرفت.

ظل صامتا والتوتر يغطي علي ملامحه: متفكرش كتير يا مصطفى، إنت كده كده بقيت بتظهر عادي، أنا مستغربة إنها لسه شايفاك دلوقتي، رغم إنك بقالك فترة بتخرج..

وأضافت: وبعدين إنت قولت لسليم، وقالك متقلقش، يبقى متقلقش.

هز رأسه، وحاول تغير الحديث: هما كلهم جوة، صح؟

أومأت: آها، حتى إيهاب جه.

ابتسم أخيرا: طب كويس، تعالي.

ترددت: مش اتفقنا إنك تستنى

نظر إليها باستغراب: هو إنتِ يا بنتي مجنونة؟ مش قولتي امبارح إنهم عرفوا؟ وقولتلك بكرة هقولهم وأهو إيهاب موجود يلا، مش عايزين نضيع وقت.

خفضت عينيها: مش عارفة ليه مكسوفة.

ابتسم يهز رأسه بقلة حيلة: يلا يا آلاء.

ثم توقف: الكلام إللي قولته يفضل بينا، مش عايزهم يعرفوا حاجة.

أومأت: مفهوم... متقلقش.

دخلا معا، فوجدوا الجميع يجلسون في غرفة المعيشة.

وما إن رأه إيهاب علق مازحا: إيه يا عم؟ ولا كأني وحشتك! أنا بقالي يومين في الشغل، وإنت قاعد في الجنينة من وقت ماجيت.

ضحك مصطفى: عامل إيه يا هوبا؟

تبسم: كويس الحمد لله.

جلس مصطفى إلى جوار آلاء، ثم نظر إلى الجميع: أنا كنت عايز أقولكم حاجة، بما إن آلاء بلغتكم إمبارح، بس حبيت أتكلم معاكم، خصوصا حضرتك يا خالتو إنهار.

عدلت إنهار جلستها باهتمام، بينما خفضت آلاء عينيها بخجل.

تابع مصطفى: طبعا حضرتك عارفة أنا وآلاء اتجوزنا إزاي؟! ويمكن مكنتش أتمنى جوازنا يتم بالطريقة دي، ولا إننا نتقابل بالشكل ده، بس أكيد ربنا كان له حكمه في كده.

أخذ نفسا عميقا ونظر إلى إنهار: فأنا، طالب إيد آلاء منك، وحابب جوازنا يبقى حقيقي، إيه رأيك؟

تبسمت بسعادة: طبعا موافقة، هو انا هلاقي لآلاء أحسن منك يا ابني.

تنفس براحة: خلاص... إن شاء الله هكلم محمود، وأجيبلها الشبكة، وبعد الامتحانات نعمل فرح، وهيكون ليها شقتها، متقلقيش على حقوقها.

هزت رأسها وقد اغرورقت عيناها بدموع الفرحه: أنا لو قلقت علي آلاء من الدنيا كلها، عمري ما اقلق عليها معاك ابدا، اهو دلوقت بس اقدر اموت وانا مطمنه عليها.

شهقت آلاء وقامت تجلس بجوارها: إيه اللى بتقوليه ده يا ماما، بعد الشر عليكي.

قبلت رأسها وعنقتها بقوه، فبادلتها العناق: دي سنة الحياه يا بنتي، أنا لو عشتلك النهارده، مش هعيشلك بكره، وكنت خايفه اوى ربنا يفتكرني قبل ما اطمن عليكي يا حببتي.

حاول إيهاب تغير الأجواء: إيه يا خالتي أنتِ قلبتيها دراما ليه كده، إن شاء الله تفرحي بأولادها وتربيهم كمان. 

ثم إلى مصطفى بمزاح: بس واضح إن الشغل شغلني عنك خالص، وحصلت حاجات كتير وأنا مش موجود.

ضحك مصطفى: كتير أوي يا إيهاب.

وقبل أن يكمل، قفزت عائشة من مكانها وبدأت تزغرد بسعادة: يااااااه! أخيرا! 

ضحك الجميع، فقالت بحماس: يلا بقى! نشغل الأغاني ونهيص شوية!

وانطلقت الزغاريد والضحكات في أرجاء المكان، وتحولت الجلسة إلى احتفال صغير بخطوبة مصطفى وآلاء.

المول،9م.

كانت نالا تسير بين ياسين ولوجين بسعادة واضحة، متفاعلة معهما بشدة، وكلما لفت انتباهها شيء كانت تشير إليه بحماس.

حاولت لوجين إسعادها قدر استطاعتها، فاشترت لها أشياء كثيرة، ثم دخلوا معا منطقة الألعاب في المول، وقضوا وقتا ممتعا قبل أن يخرجوا ويجلسوا في أحد الأماكن الهادئة.

جلست لوجين مع نالا على دكة جانبية، بينما كان ياسين قد ابتعد عنهما قليلا. أخذتا تأكلان الآيس كريم، ثم نظرت لوجين إليها بابتسامة: مبسوطة يا قلبي؟ 

هزت رأسها بإيجاب شديد: أوى أوى يا جوجا، كان يوم حلو خالص.

ابتسمت لوجين بحنان: عايزين نعمل كل شوية كده، نخرج سوا، حتى لو بابا مش معانا موافقه؟

هزت رأسها بحماس: موافقه.
ثم زمت شفتيها: كنت عايزاكي تقولى لبابي يوافق يجيبلي كلب صغنن، عشان هو مش راضي.

زادت إبتسامة لوجين: بس كده؟ حاضر، سيبي الموضوع ده عليا، أنتِ معاكي صورة للكلب؟

هزت رأسها بحماس: آه، عارفة شكله، شوفته على تليفون مامي، لونه أصفر وصغنن اوي.

ضيقت لوجين عينيها وهي تحاول التعرف علي نوعه، ثم أخرجت هاتفها وبدأت تبحث عن صور كلاب الجولدن: هو ده؟

أشارت نالا بحماس: آه، أهو!

ابتسمت لوجين: خلاص، أنا هخلي ياسين يجيبلك واحد.

وفي تلك اللحظة، جاء ياسين: إيه يا حلوين؟ عجبتكم القعدة هنا؟ مش هتخشوا الفيلم؟

نظرت لوجين إلى الساعة: لسه نص ساعة.

ياسين: خلاص، كلوا الآيس كريم ونروح.

أكملا الآيس كريم، ثم اتجهوا إلى السينما لمشاهدة فيلم ثلاثي الأبعاد.

كان اليوم مليئا بالضحك واللعب، والأهم بالنسبة لياسين أن نالا لم تعد تخاف من لوجين كما كانت من قبل، وأصبحت العلاقة بينهما أفضل بكثير.

حتى عندما عادوا إلى المنزل، وقال لها إنه سينام مع لوجين الليله، وافقت دون أي اعتراض، وكأن الأمر أصبح طبيعيا بالنسبة لها 

علي اتجاه آخر في أحد شوارع القاهرة،9م.

كانت صافيناز لا تزال في الشارع، لا تعرف إلى أين تذهب، بعدما حل الليل وأحاطها الظلام من كل جانب.

ظلت تتنقل من مكان إلى آخر، حتى انتهى بها الأمر جالسة أسفل إحدى الأشجار، ضامة قدميها إلى صدرها، تحتضن نفسها بخوف، ولا تعرف أين ستجد مكانا يأويها..

صافيناز الراوي، التي كانت تمتلك كل شيء، أصبحت الآن تائهة في الشوارع، تختبئ بين المارة وكأنها واحدة من المشردين، لا تملك مالا ولا مكانا تأوي إليه.

ظلت جالسة أسفل الشجرة من شدة التعب، تقاوم النعاس، لكن جسدها خانها، فغفت رغما عنها، بينما ظل الخوف يحيط بها من كل جانب.

وفجأة، اقترب منها أربعة شبان، ذوي ملامح إجرامية، نظر أحدهم إليها باهتمام وقال لرفاقه: بصوا... المزة اللي هناك دي.

نظر آخر إليها من أعلى إلى أسفل، بشهوانيه: دي مزة من الآخر... يلا.

اقتربوا منها أكثر، وانحنى أحدهم أمامها، ثم مد يده نحو وجهها، وقال بنبرة سوقيه: النومه دي متلقش بيكي يا حلوة.

استيقظت مفزوعة، وعيناها متسعتان من الرعب، تراجعت إلى الخلف تلقائيا، حتى اصطدم ظهرها بجذع الشجرة.

قال أحدهم محاولا طمأنتها بسخرية: متخافيش يا حلوة، إحنا مش هنعملك حاجة.

رفعت يديها أمامها، وهما ترتجفان بشدة، وقالت بخوف: ابعد عني إنت وهو! متقربوش مني!

ضحك أحدهم: قوليلنا بس، بتاخدي كام في الساعة؟ مية ولا اكتر؟

اتسعت عيناها من الخوف، وحاولت الهرب، فاعترض طريقها أحدهم، وامسكها هو يضحك بشكل مرعب: رايح فين بس يا جميل..

دفعته عنها بعنف، وصوتها تمزق وهي تصرخ فيه: ابعد عني!

حاولت الهرب مرة أخرى، لكن يدا غليظة امتدت إليها من الخلف وأمسكت بها بقسوة، قبل أن تلتف حول خصرها في محاولة لمنعها من الفرار، بينما شعرت بلمسة مقززة جعلت جسدها يرتجف من الخوف والاشمئزاز، وصوت لزج يهمس خلفها: على فين..؟

وفجأة وبكل ما تبقى فيها من قوة، ضغطت بكعبها على قدمه، فتأوه وتراخت قبضته، انفلتت منه لثانية، ظنت أنها نجت، وحاولت أن تركض، لكنها اصطدمت بجسد آخر يقف أمامها كجدار، يسد عليها طريق الهروب.

كانوا كدائرة تضيق حولها، يحاصرونها من كل اتجاه.

صرخت في وجوههم: ابعدو عني يا حيوانات!

اقترب آخر محاولا لمسها، فتراجعت إلى الخلف وهي تتنفس بصعوبة، قال أحدهم: ليه كده يا مزه؟ ما تخليكي حلوة معانا زي وشك القمر ده

دفعته بكل قوتها وهي تصرخ: ابعد عني.

ركضت بكل ما أوتيت من قوة، فركضوا خلفها.

كانت تصرخ وتستغيث: حد يلحقني يا ناااااس!

كانت تقاوم باستماتة حتى لا يتمكن أحد منهم من الإمساك بها، وظلت تصرخ بصوت عالي طلبا للنجدة في محاولة للإفلات منهم، لكن أيديهم طالتها في النهاية، فأمسكوا بها بقسوة وجروها بقوة إلى عتمة الأشجار، ثم اندفعوا نحوها مثل وحوش جائعة تنهش فريستها بنهم، وبدوا بتمزيق ملابسها بجنون مسعور، ثبتو جسدها الضعيف على الأرض بكل غلظة وقسوة، بينما كانت صرخاتها المستغيثة تملأ المكان، وهي تحاول الفكاك والهروب من بين أيديهم.. ولكن دون جدوى.

صرخت: حرام عليكم! حد يلحقني.

لكن أحدهم وضع يده على فمها، وثبتها بقوة، بينما أخرج آخر سكينا ووضعها عند رقبتها، وقال بلهجة تهديد: لو فتحتي بوقك، هشرحك.

ثم وقعت عيناه على السلسلة التي ترتديها، فمد يده وانتزعها بعنف، ثم نزع الخاتم من إصبعها، وهو يضحك بجنون.

بينما قام احدهم بفتح سرواله، ولكن سمعوا صوت سيارة شرطة يقترب من بعيد، فالتفت أحدهم بفزع وصاح: حكومه! اهربوا!

ركضوا مبتعدين، بينما بقيت صافيناز ملقاة على الأرض، وملابسها ممزقة وشعرها مبعثر، ترتجف من الخوف وتبكي بانهيار، نهضت بسرعة وركضت حتى وصلت إلى الطريق، حيث كانت السيارات تمر من حولها.
جلست إلى جانب الطريق، واحتضنت نفسها وهي تبكي بانهيار، ما زالت تحت تأثير الصدمة.
كانت بالكاد تستوعب ما حدث... فلقد كانت على وشك التعرض لاعتداء جنسي، ولم تعرف إلى أين تذهب أو ماذا تفعل.

لكنها ظلت في مكانها، فوجودها هنا وسط الناس والسيارات كان أفضل بمليون مرة من أن تجلس وحدها في مكان جانبي أو معزول.

ضمت ذراعيها إلى جسدها، تراقب المارة والسيارات بحذر، وكأن وجودهم حولها يمنحها بعض الأمان.
♥️________________بقلمي_ليلة_عادل.

عيادة النساء،8م

تمددت مي على سرير الفحص، بينما وقفت تقى ولمياء بجوارها، ظلت عيناها معلقتين بالشاشة، تراقب ذلك الشيء الصغير الذي لم تستوعب بعد أنه أصبح جزءا من حياتها

وبعد لحظات، ابتسمت الطبيبة: مبروك يا مي، إنتِ حامل فعلا.

أشارت إلى الشاشة: شايفة الكيس الصغير ده؟ هو ده النونو بتاعك.

اتسعت عيناها، ورفعت يدها تلمس الشاشه ببصء، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، رغم كل ما يحيط بها من خوف وحيرة، لم تستطع أن تمنع قلبها من الفرح؛ فهي في النهاية امرأة اكتشفت أنها ستصبح أما. 

وضعت يدها على بطنها، ثم نهضت وجلست أمام مكتب الطبيبة، وجلست تقى ولمياء بجوارها.

الطبيبة بعملية: أنتِ في بداية الشهر الثاني.

سألت بتوتر: والحمل كويس يا دكتورة، أصل أنا كان حصلي إجهاض من مده قريبه..

أومأت الطبيبة: متقلقيش، الحمد لله الحمل مستقر وكل حاجة كويسة لحد دلوقتي، بس محتاجة تاخدي بالك من نفسك، هكتبلك علي شوية فيتامينات، واهتمي بأكلك وحاولى تقللي المجهود الفترة دى.

أومأت بصمت، وتبادلت تقى ولمياء نظرة سريعة.

خرجت مي من العيادة و ركبت السيارة، وظلت صامتة حتى وصلن إلى مكان هادئ في حديقة الأزهر، وجلسن إلى إحدى الطاولات وسط الخضرة.

سألتها لمياء: هتعملي إيه؟

تنهدت وظلت تنظر أمامها بشرود: مش عارفة، حاسة كأن حد ضربني على دماغي، مش قادرة أفكر، مكنتش متوقعة إن ده ممكن يحصل، كنت فاكرة إني خلاص كل حاجة انتهت، بس للأسف كل حاجة بترجعني لنفس النقطة.

لمياء بحسم: أنتِ ليه واجعة دماغك؟ نزلي البيبي وخلاص.

التفتت إليها تقي بصدمة: إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟

لمياء بإنفعال: ده اللي لازم يحصل، مينفعش يبقى ليها أي طفل أو صلة برشدي، هيطلع زي أبوه، وزي العيلة القاتله دي! هو ده ينفع واحدة ترجعله؟ ده مسابش حاجة حرام إلا وعملها، ده لو إبليس نفسه كان استحى من إللي عمله.

اعترضت تقى بهدوء: والبيبي ذنبه إيه؟ وبعدين هو هيعيش مع مي، وهي اللي هتربيه.

لمياء باستهجان: طب ورشدي هتعمل فيه إيه؟! هتخبيه عنه؟ يعني هتفضلي طول عمرها خايفة إنه يعرف؟ وبعدين دي عيلته أيدهم طايلة، أفرضي حاولوا ياخدوه منها بالعافية؟ أو يستخدموه علشان يضغطوا عليها؟ أنا شايفة إن الطفل ده لازم ينزل، عشان ميبقاش في أي صله تربطها برشدي.

كانت مي تستمع إليهما، وكل كلمة تزيد النار المشتعلة داخلها، أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بصوت متعب: بس... اسكتوا، مش عايزة أسمع حاجة.

لمياء بنبرة أهدأ، بعدما رأت الدموع تلمع في عينيها: أنا مش قصدي أضغط عليكي، أنا بس خايفة عليكي.

وضعت مي يدها علي بطنها بعينين ممتلئتين بالدموع، وقالت بصوت مرتجف: أنا عارفة يا لمياء، بس هو ملهوش ذنب، مستحيل أقتله علشان أبوه كده، لو عملت كده، هبقى إنسانة قاسية ومجرمة.

سألتها تقى بهدوء: يعني قررتي تحتفظي بيه؟

أومأت، ومسحت دموعها: أيوه، بس أنا لسه بحاول أستوعب، علشان كده مش عايزة حد يضغط عليا أو يقولي أعمل إيه.

صمتت لمياء للحظة، ثم سألتها: طب ما تكلمي شريف؟

تنهدت مي: مسافر.

تقى بعقلانية: يبقى استني لما يرجع وأتكلمي معاه، بس دلوقتي خدي وقتك وفكري بهدوء، القرار ده لازم يكون قرارك إنتِ واحنا معاكي في اي قرار.

تبادلت الثلاث نظرات في صمت.

فيلا سليم وماسة، 10م.

انتهي الفيلم، فنظرت ماسة لحور: يلا يا حور، علشان تنامي الوقت اتأخر. 

حور برجاء: أنا عايزة أنام جنبكم النهاردة.

ابتسم سليم: ماشي يا قلبي.

نظرت ماسة إليه، ثم لحور: لا يا حبيبتي، النهاردة هتنامي في أوضتك على سريرك، علشان إنتِ شاطرة وشجاعة.

تشبثت حور بذراع ماسة: ماما، علشان خاطري، عايزة أنام جنبكم.

ربتت على شعرها: اسمعي الكلام يا حوريتي، بعدين أنتِ نمتي امبارح واول جنبنا.

عبست حور: بس أنا بحبك، ولو منمتش جنبكم هخاصمك يوم ويوم ويوم.

ابتسمت ماسة: وأنا كمان بحبك، بس لازم تتعودي تنامي في أوضتك.

نظرت حور إلى سليم وكأنها تبحث عن حليف: بابا...

فقال متأثرا: ما تسبيها تنام معانا يا ماسه.

رمقته بنظرة هادئة: لا يا سليم، مش كل مرة.

اقترب منها قليلا: ليه بس؟

همست بتوضيح: لازم تتعود تنام في أوضتها.

حاول البحث عن حل وسط: خلاص، هي النهاردة بس هتنام معانا، وبكرة هتنام في أوضتها، صح يا حور؟

أومأت بسرعة: صح يا بابا.

وضربت كفها بكفه بسعادة ومرح.

نظرت إليهم ماسه، وربعت ذراعيها بضيق: وانا قولت هتنام في اوضتها.

ثم نظرت لسليم نظرة طويلة، وكأنها تقول بعينيها: تعالى معايا.

فهم نظرتها، ونهض معها بهدوء.

وقفوا معا في الشرفه، فعلق سليم باستغراب: هو في إيه؟ ما تسيبي البنت تنام معانا النهاردة.

هزت رأسها: لا يا سليم، مش هتنام ومش هتنفذ اللي هي عايزاه كل مرة

تنهد: دي صغيرة يا ماسه، وبتحبنا وعايزة تعوض السنين اللي اتحرمت مننا فيها.

أومأت: وأنا عارفة، ومش عايزة أحرمها من الحنان أكيد، بس حور لازم تتعود إن لما أقولها لا يبقى لا، مش كل مرة تزعل وتقول «هخاصمك» علشان تنفذ اللي هي عايزاه..

نظر إليها بعدم اقتناع، فتابعت: إحنا كده بنبوظها من غير ما نقصد، لو كل مرة طلبت حاجة ننفذها علشان متزعلش، هتتعلم إن الزعل هو الطريق اللي يخليها تاخد اللي هي عايزاه.

اعترض بحده: وأنا لو مشبعتش بنتي حنان واحتواء، هتطلع معقدة ومحرومة من الحب، مش بعيد تبقى نسخة من رشدي أو صافيناز..

أضاف بضجر: وبعدين بنتي مطلبتش حاجة كبيرة، هي عايزة تنام جنب أبوها وأمها.

ابتسمت بتفهم، فهي تدرك تلك العقدة التي بداخله، وتحاول أن توصله إلى وجهة نظرها بهدوء: حبيبي، أفهمني، الحنان الزيادة بيبوظ، والرفض الزيادة برضو بيبوظ، وأنا ملاحظة، أنها بقلها كام مرة، بتستخدم الأسلوب ده معانا، تزعل وتكشر وتقول «هخاصمك يوم ويوم» علشان تنفذ اللي هي عايزاه، إحنا كده بنبوظها، صدقني..

أمسكت يده: إحنا دورنا نديها الاحتواء والحنان بس بحدود، بس مش لازم تنام جنبنا كل مرة تطلب ده، فيه طرق تانية كتير؛ نحضنها، نقعد معاها، نطمنها، نسمعها، ونقولها كلام حلو، كل ده احتواء.

صمت سليم، يستمع إليها دون اقتناع كامل.

ابتسمت له: وبعدين أنا مقولتش إننا هنمنعها من النوم معانا، مرة نوافق، ومرة نرفض، ومرة إحنا من نفسنا ناخدها تنام جنبنا، علشان تفهم إن ده مش حق مكتسب كل ما تزعل تطلبه، وفي نفس الوقت متحسش إننا بنبعدها عننا..

نظرت إليه بثبات: أنا بس عايزاها تتعلم إن كلمة «لا» مش معناها إننا مش بنحبها، زي ما كلمة «أيوة» مش لازم تكون علشان خايفين من زعلها..

أضافت بهدوء: إحنا مش هنحرمها من حاجة يا سليم، بس فيه حاجات ليها وقت، مينفعش تتعود إن كل رفض له مقابل..

ظل ينظر إليها بعدم مقتنع.

قالت: إنت مش مقتنع بكلامي، صح؟

أومأ: أنا بثق في رأيك، بس حاسس إننا لسه بدري على الكلام ده، حور مختلفة يا ماسة، حور عاشت خمس سنين بعيد عننا، وأنا شايف بدري أوي على اللي إنتِ عايزة تعمليه ده.

هزت رأسها: لا، مش بدري، كل ما اتعودت على حاجة غلط، هتحتاج وقت أكتر عشان تصلحها..

نظرت إليه: طب بص كلم ياسر، وشوف هو هيقولك ايه ونعمله! بصراحة مش هتنازل عن رأيي غير لما أعرف إني غلط.

صمت سليم لحظات، ثم أومأ: ماشي، هعمل اللي إنتِ عايزاه النهاردة، وبكرة هكلم ياسر، لأن الوقت أتأخر، إحنا لازم نروحله أصلا.

أومأت بايجاب، ثم عادا إلى حور.

ماسة بحزم: يلا يا حور روحي علي اوضتك.

نظرت الي سليم منتظره إنصافها، فانحني أمامها معلقا: يلا يا حببتي، اسمعي كلام ماما. 

اتسعت عيناها بعدم تصديق: حتى إنت يا بابا!

عبست وعقدت حاجبيها: أنا زعلانة منك، وزعلانة منك أنتِ كمان يا ماسة، أنتِ قولتيله إيه؟ أنتِ وحشة!

نظر إليها سليم بجدية، وقال بنبرة حازمة: هو ده ينفع؟ ينفع نكلم ماما كده؟

عقدت جبينها بضجر طفولي: ما هي قالتلك حاجة خلتك ترفض.

سليم بحزم: ايا كان السبب ميتفعش تكلمي ماما كده، اعتذري يلا، واياكي اشوفك بتكلمي ماما بالطريقة دي تاني، فاهمة؟

تنفست بضيق: أنت بتزعق ليه؟

سليم بحزم: قولي حاضر، واعتذري.

زمت شفتيها بزعل: حاضر... مش هكلمك إنت كمان.

تابع بحزم: واعتذري! 

دبدبت بقدميها بتذمر: أنا أسفه.

نظر إليها بحزم: اقفي بأدب واعتذري كويس.

نظرت لماسه بعينان دامعتان من شده الغيظ، وقالت بصوت متحشرج بالبكاء: أنا أسفه.

ابتسم سليم أخيرا: شطوره، يلا علي اوضته.

انهمرت دموعها وتحركت للخارج، وتبعها سليم وماسة إلى غرفتها.

أنامتها ماسة وسحبت الغطاء عليها: يلا نامي، تصبحي على خير.

ظلت حور تبكي، فلم يحتمل سليم تركها تبكي بهذا الوضع، فانحني يقبل خدها بحنان: كفايه عياط بقي يا وردتي، نامي يلا وبكره هخرجك خروجة حلوه واجيبلك حاجات كتير حلوه.

رفعت ماسه حاجبها: بس انت عندك شغل مهم بكره، خرجها يوم تاني.

ضحك بخفوت، وتوقف يهمس لها بخفوت: أنت عامله زى مرات الاب كده ليه يا ماسه؟ 

همست بغضب مكتوم: اسكت علشان انت هتبوظها بدلعك الزياده ده.

تابعت برسميه مقلده أياه: سليم لو سمحت من فضلك، اسمع الكلام وقول حاضر، علشان الكلام ده غلط علي البنت.

همس مازحا: ماشي يا سليم يا صغير.

ثم نظر إلي حور التي بدأ يهدأ بكاءها: بس أنا مش هقدر امشي واسيبها مفلوقه من العياط كده، أنا عملت اللى قولتي عليه، فسبيني اسكتها واراضيها.

ربعت ذراعيها واشحات بوجهها بتعبير صريح عن اعتراضها، بينما انحني سليم نحو حور مجددا، ومسح دموعها بحنان: خلاص بقي يا وردتي، قولت ليكي عندى خروجه حلوه اووى علشان انت شطوره وبتسمعي الكلام. 

ابتسمت أخيرا: هتوديني المطعم اللى بيلف؟ 

عقد حاجبيه: إيه اللى بيلف ده؟ 

اجابته: المطعم اللى بيلف في العماره الطويله اووى دى.

عقد حاجبيه أكثر محاولا فهم ما تقصد، حتي أستوعب أخيرا: آه قصدك المطعم اللى في البرج؟ 

اومأت بحماس: أه أه، رشدي قال عليه كده.

اومأ بابتسامه: حاضر هوديكي المطعم اللى بيلف، اي حته الأميره حور عايزه تروحها هوديها، يلا هاتي بوسه لبابي.

قبلته من خده بحب، ثم نظرت لماسه بغيظ: اما انت هخاصمك يوم ويوم ويوم.

تجاهلت ماسه حديثها، فعدل سليم الغطاء، واطفأ النور، وترك المصباح الصغير مضاءا.

في أحد شوارع القاهرة،12ص.

كانت صافيناز لاتزال تجلس على المقعد الحجري في أحد الشوارع، تضم جسدها وهي ترتجف من الخوف، وقد كانت حالتها مزرية؛ وملامحها شاحبة من شدة الإرهاق.

فقد ظلت طوال اليوم، بلا مأوى، كأبناء الشوارع، لكن لم يكن بإمكانها البقاء هكذا أكثر من ذلك.

رفعت يدها إلى شعرها وأعادته خلف أذنها تفكير ماذا تفعل لابد ان تختار مكان بعيد عن يد سليم، لامست أصابعها الحلق الذي ترتديه توقفت للحظة، ونظرت الامام بشرود

ثم لمعت في ذهنها فكرة يمكنها أن تبيع الحلق، وتأخذ ما يكفيها لتدبر مكانا تعيش فيه لفترة، حتى لو متواضعا، الأهم من ذلك، إلا يطلب منها الكثير من الأوراق، حتى لا يستطيع سليم الوصول إليها بسهولة فلا يمكنها ان تعيش في الشارع لحظه اخرى بعد ما حدث.

وبالفعل، نهضت واتجهت إلى أحد محال الذهب،
وبمجرد أن رأى الرجل الحلق، أدرك أنه ذهب نقي وثقيل، لكنه لم يقتنع بسهولة بأنها تملكهما بطريقة مشروعة، حاولت أن تشرح له، لكنها لم تكن في حالة تسمح لها بالدخول في نقاش طويل.

في النهاية، اضطرت إلى بيعهما بأقل بكثير من قيمتهما الحقيقية لم يكن المال يهمها وقتها...كل ما كانت تريده هو مكان تختبئ فيه.

في البداية اشترت هاتفا محمولا صغيرا، ثم اشتريت ملابس عادية من أحد المحلات، وغيرت ملابسها الممزقه، ثم اتجهت إلى بانسيون صغير في منطقة بعيدة عن الأماكن التي اعتادت الذهاب إليها.

كان المبنى قديما ومتهالكا، والمكان من الداخل لم يكن أفضل حالا؛ كراس متهالكة، وحوائط متقشرة، وأجواء توحي بأن المكان لم يعرف التجديد منذ سنوات.

وقفت أمام العامل خلف مكتب الاستقبال.
كان رجلا في منتصف العمر، يضحك بطريقة بلهاء، وشعره ملتصق بجانب وجهه، ويرتدي بنطالا مرتفعا فوق خصره وقميصا كاروهات، جعل مظهره غريبا.

نظر إليها من أعلى إلى أسفل: أنتِ عايزة أوضة؟

أومأت صافيناز: آه، بس معيش أوراق... اتسرقت.

هز رأسه رافضا: مش هينفع.

حاولت إقناعه، وقالت بتوسل: أنا ممكن أديك أعلى من أجر الأوضة، من فضلك، مش هقدر أعيش في الشارع.

ثم أخرجت المال من حقيبتها ووضعته أمامه.
كانت الغرفة في العادة بمئة جنيه في الليلة، لكنها دفعت له مئتي جنيه باليلة حتى ينهي الأمر ويعطيها المفتاح.

أمسك الرجل المال، ثم ألقى إليها بالمفتاح: الأوضة آخر الطرقة.

أمسكت المفتاح وصعدت الدرج ببطء، حتى وصلت إلى الغرفة وفتحت الباب.

كانت الغرفة صغيرة للغاية؛ سرير واحد، وطاولة صغيرة، ونافذة تطل على شريط القطار، وحمام ضيق تفوح منه رائحة كريهة.

ما إن دخلت حتى شعرت بالغثيان، واضطرت إلى التراجع وهي تضع يدها على فمها، كان المكان مقززا..

نظرت حولها بصمت، ثم أغلقت الباب خلفها.

لم تستطع تحمل المكان في البداية، لكنها أجبرت نفسها على الدخول.

جلست على طرف السرير، وضمت ذراعيها حول نفسها، وكلما حاولت التفكير في مدى سوء المكان، تذكرت ماحدث لها منذ عده ساعات، فبدا لها هذا المكان، رغم كل شيء، أرحم من العودة إلى الشارع.

أغمضت عينيها، وانسابت دمعة صامتة على خدها.
ثم تذكرت سليم وماسة.

اختفت ملامح الانكسار من وجهها تدريجيا، وحل محلها شيء أكثر قسوة، حقد صريح لم تحاول حتى إخفاءه.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، خالية من الرحمة، وقالت وهي تحدق أمامها: فاكر إنك انتصرت عليا؟ بص عملت فيا إيه؟ خلتني أقعد في المكان ده كأني واحدة شحاته، عشان ماسة الخدامة.

جزت على اسنانها الاماميه، ثم مسحت دمعتها بعنف، وكأنها غاضبة حتى من لحظة ضعفها، وأضافت بوعيد: والمصحف لاقتلهالك يا سليم، وهحرق قلبك عليها لو الثمن عمري مش مهم..

ثم أضافت بغل: بس أخلص من عماد الأول، وبعدها  أشوف ماسة تحت رجلي، وأشوف قلبك محروق عليها.

أخرجت الهاتف الصغير الذي اشترته، ثم قامت بكتب رقم احدى المستشفيات..

أجرت اتصالا: لو سمحت مستشفى دار الفؤاد؟ كنت عايزة أعرف، في مريض اسمه عماد فيصل زيدان عندكم؟

استمعت إلى الموظف على الطرف الآخر، ثم قالت:
طيب، أنا عايزة أعرف هو في أوضة كام... أنا صديقة ليه، اسمي دولي.

سكتت تستمع إلى الإجابة، ثم ابتسمت ابتسامة خبيثة: تمام ميرسي.

أغلقت الهاتف، وظلت تنظر أمامها للحظات.

قالت بصوت منخفض، وعيناها تحملان تصميما واضحا: كده عرفت هو فين؟! فاضل بس الطريقة اللي هروح بيها.

نظرت من حولها بضجر، ثم ضربت بيدها على السرير بعصبية.

قصر الراوي،10ص.

جلست فايزة في الحديقة، تحتسي قهوتها ببطء، بينما تدور في رأسها كلمات عزت ومقابلتها مع مصطفى، تحاول ربط كل الأحداث ببعضها، كل شيء... كل خيط... كان يقود إلى سليم.

ربما لم يعد هناك مجال للإنكار، سليم عرف الحقيقة، وعرف من كان وراء كل ما حدث له.

بعد دقائق، اقترب عزت: صباح الخير يا فايزة.

رفعت عينيها إليه: صباح النور.

جلس إلى جوارها ونظر إليها: مالك؟

أجابته وهي تنظر للإمام: شكلك كنت صح يا عزت.

انعقد حاجباه: في إيه؟

تنهدت: كل الشكوك اللي حاولنا ندفنها... اتضح إنها صح.

نظر إليها بتعجب، فقالت موضحه: سليم فعلا بينتقم...!

ابتسمت بمرارة وأضافت: وبالطريقة اللي تشبهنا، زي ما عملنا فيه بالظبط.

قال بتعجب: إيه اللى غير رأيك؟ إنتِ أول إمبارح كنتي بتنكرى إن له علاقة بأي حاجة؟

أومأت: مكنتش عايزة أصدق، بس امبارح اتأكدت.

عقد حاجبيه: وإيه اللى اتغير؟ 

اومأت بثبات: اللى اتغير إني اتأكدت إن دكتور مصطفي عايش!

قطب عزت جبينه: مين مصطفى؟

نظر لها باندهاش: أنت متأكده من الكلام ده؟ عرفتي أزاى؟ 

هزت رأسها: أيوه متأكده، شوفته في المستشفى يوم موت مراد، وامبارح روحت سألت عليه وقابلته واتأكدت إنه هو.

هز رأسه باعتراض: بس برضو مش إثبات قاطع إن سليم هو السبب في كل اللي بيحصل؟ يمكن مصطفي هرب منه بس كبرياؤه مسمحلوش يقول كده!

اجابته بضجر: يعني هرب منه وهيجي يشتغل في المستشفي بتاعتنا؟ 

مد وجهه: مش عارف، أصل سليم مش غبي علشان يعمل كده برضو؟ 

ضربت كفا بكف: عزت، كفاية بقى! متكذبش على نفسك أكتر من كده..

نظرت إليه بخوف: خلاص وضحت سليم عرف، ماسة اكيد اتكلمت، متكذبش على نفسك..

صمتت لحظة، ثم قالت بصوت مكسور: بس أنا مش قد المواجهة دى يا عزت، مش هعرف أتصرف..

خفضت عينيها، وقالت بمرارة: وفي نفس الوقت مش هقدر أسيبه يهدنا كلنا عشان خاطر الصعلوكة إللي اتجوزها..

نهضت وتحركت بضع خطوات، ثم توقفت ومسحت وجهها: أنا قاعدة من الصبح بفكر... وبقول يا رب أكون غلطانة، نفسي كل اللي بفكر فيه ده ميكونش حقيقي، ويطلع في حد تاني ورا كل اللي بيحصل.

نظر إليها طويلا، ثم نهض أمامها: قوليلي يا فايزة، تفتكري إيه اللي يوجع أكتر؟ إن سليم يكون السبب في خسارتنا؟ ولا إنه عرف اللي عملناه فيه؟

صمتت طويلا، وكأن السؤال أصاب مكانا لم تكن تريد الاقتراب منه.

ثم قالت بتبرير خافت: إحنا عملنا كل ده علشان بنحبه، علشان نفوقه..

ارتجف صوتها قليلا: أنا حاربت علشان كنت عايزاه يتجوز بنت تليق بيه، علشان لما يبقى عنده أولاد، يتباهوا بعيلتهم..

ابتسمت بمرارة: بس في الآخر، هي اللي فازت..

جزت على أسنانها وقبضت يديها: أنا بكره البنت دي، بكرهها، ونفسي أجيب قلبها وأعصره بإيدي، وأدوس عليها برجلي، علشان بسببها خسرت ابني.

نظر إليها بمرارة: كلنا خسرناه يا فايزة، إنتِ فضلتي تحاربي علشان تفرقي سليم عن ماسة، وكل حاجة كنتي بتعمليها كانت بتخليهم يقربوا من بعض أكتر..

خفض عينيه: وأنا علشان أمسح الجرائم إللي إنتِ وولادك عملتوها، غرقت أنا كمان في الوحل..

رفع عينيه إليها: بس مش هيفيدنا الكلام دلوقتي، عايز أفكر بهدوء وأتأكد، ومش عايز أفتح الموضوع ده تاني لحد ما أتأكد..

تنفس ببطء: لسه عندي 1% أمل، إنه ميكونش عرف، وإن كل إللي بنفكر فيه مجرد أوهام.

نظرت إليه بقلق، وأمسكت بكتفه: يا ريت يا عزت، اعمل المستحيل واتأكد.

أومأ بصمت، بينما ظلت فايزة تنظر إليه، متشبثة بذلك الـ1% من الأمل.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة