
رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل العشرون 20 ج2 بقلم سلمى جاد
فتحت عينيها العسليتين ببطء، وبعد ثوانٍ نظرت حولها باستغراب، فهذه ليست غرفتها، لكن بعد ثوانٍ بدأت ذكريات الليلة الماضية تتدافع داخل عقلها.
عضت على شفتيها بخجل عندما أدركت أنها الآن في بيت زوجها، ونظرت بجانبها لتجد السرير فارغًا، وياسين ليس بالغرفة.
نهضت ببطء وخرجت من الغرفة. مرت أولًا على الغرفة التي كان ينام فيها إياد، لكنها وجدت الغرفة فارغة أيضًا، فقطبت جبينها باستغراب.
بدأ القلق يتسرب إلى قلبها، لكن فجأة سمعت أصواتًا قادمة من نهاية الطرقة، وعندما اقتربت من مصدر الصوت، وجدت كلًّا من ياسين وإياد يقفان بالمطبخ؛ ياسين يجهز الفطار، ومعه إياد يجلس على رخامة المطبخ.
وقفت تستند إلى الباب، وهي تتأملهما بفرحة. ياسين يرتدي مريول المطبخ ويجهز الإفطار، وفي الوقت نفسه كان يُطعم إياد قطعًا من التفاح.
كان أول من لاحظ وجودها إياد، الذي صاح بحماس:
«هييييه، ماما صحيت»
التفت ياسين، وبعد ثوانٍ ابتسم بحب عندما وجدها تقف تتأملهما بصمت، ترتدي روبًا أبيض وتعقد ذراعيها أمام صدرها، وابتسامة رقيقة على وجهها.
اقتربت منهما آيات، قائلة برقة:
«صباح الخير.»
قال إياد:
«صباح الخير إيه يا ماما، إحنا داخلين على الظهر! إنتي أول مرة تصحي متأخر كده. أنا صحيت قبلك، وأنا وبابا روحنا نجهز الفطار.»
ابتسمت آيات وهي تداعب خصلات شعره:
«حقك عليَّا يا دودو، أنا صحيت أهو، وهساعدكم في تجهيز الفطار.»
ثم ذهبت نحو المبرد وأخرجت جبنة وخضارًا، وبدأت بتقطيع الخضار على الرخامة.
لاحظ ياسين انشغال إياد في اللعب، فاستغل الفرصة واقترب من آيات، التي كانت تعطيه ظهرها، ثم قبَّلها على غفلة من وجنتها.
همست بخجل:
«ياسين!»
همس بهيام:
«يا قلبه.»
ثم سألها بحنان:
«إنتي كويسة؟»
أومأت برأسها بخجل، ليقول ياسين:
«أنا مش رايح العيادة النهارده. بعد ما نفطر، هننزل أنا وإنتي وإياد نتفسح ونعمل شوبينج.»
التفتت آيات برأسها وقالت بحماس:
«بجد يا ياسين؟»
نظر إلى وجهها متأملًا إياه بعشق:
«بجد يا قلب ياسين.»
لكنه فتح عينيه بصدمة عندما اقتربت آيات فجأة ولفت يدها حول عنقه، وهي تقول بدلع:
«ربنا يخليك لينا يا ياسو.»
عض على شفتيه وقال:
«آه يااني ...هو أنا ناقص رقتك الطبيعية لما تدلعي زيادة؟ ابعدي عني، الله يخليكي، أنا دكتور ومحتاج تركيزي.»
ضحكت آيات برقة، ليهز ياسين رأسه بتنهيدة وهو يبتعد عنها، بينما تعالت ضحكات آيات أكثر وهي تراه يكمل تجهيز الفطار، وهو يستغفر بصوت عالي.
_____________________________________________________________
في الشركة، كان سليم قريبًا جدًا من ريحانة، يحاوط خصرها بشدة، بينما أنفاسه الدافئة تهبط على وجهها كالسيوف.
قال سليم بصوت خشن:
«حاسبي يا ريحانة.»
همست ريحانة بتوهان:
«أنا... أنا...»
ابتسم بجانب فمه بخفة.
«إنتي إيه؟»
ابتعدت عنه فجأة، وهي تُبعد خصلة شاردة خلف أذنها، ثم قالت بنبرة متوترة:
«إنت إيه اللي جابك هنا؟»
رفع حاجبه باستهجان، ثم عقد ذراعيه.
«خطفتيها من على لساني والله، خليني أنا أسألك السؤال ده يا ريحانة هانم.»
اتسعت عينا ريحانة عندما وجدته يقترب أكثر، حتى بات لا يفصل بينهما سوى بعض السنتيمترات.تنفست بتوتر عندما رأته يرفع يده ببطء، ثم أمسك خصلة من شعرها ولفها حول إصبعه، قائلًا بمكر:
«إيه اللي دخلك مكتبي يا ريحانة؟»
ابتسم بخفة، وهو ينظر داخل عينيها بمراوغة، وأكمل:
«إيه، وحشتك ذكرياتنا فيه؟»
نظرت له ريحانة بتوهان، تسبح داخل عينيه السوداوين ذواتَي اللمعة الغريبة. كانت أنفاسها تتسارع من التوتر، ودقات قلبها تنبض بشدة لمجرد قربه المهلك منها.
لكنها فجأة أدركت حالتهما، فدفعته من صدره فجأة، وهي تقول بغضب:
«جيت أكتشف كدبك»
نظرت للمكان حولها بسخرية، ثم قالت:
«غريبة يعني، مش شايفة أي تجديدات، المكتب زي ما هو! إيه؟ إنت جددت المكتب، بس سبت كل حاجة زي ما هي؟»
ابتسم سليم ببرود، قاصدًا استفزازها.
«آه، أصلي مش بحب التغيير.»
رفعت حاجبها بسخرية، وقالت:
«لا والله؟»
أجاب بكل ثقة:
«والمصحف.»
ضمت شفتيها بغضب من بروده الذي استفزها، ثم قالت:
«سليم، أنا بجد مش عارفة هتبطل حركاتك دي إمتى! يعني كابس على نفسي بقالك كام يوم، وقاعد في مكتبي، وأنا عمالة أقول معلش، استحملي، أصل معندوش مكتب يقعد فيه.وبعد كل ده، طلعت مغفلة كالعادة، وإنت بتضحك عليَّا!»
تنهد سليم بهدوء، وهو ينظر إليها من أعلى لأسفل، لدرجة أربكت ريحانة، فبدأت تتفقد ملابسها بتوتر، ظنًّا منها أن هناك شيئًا غريبًا بملابسها يلفت انتباهه.
ابتسم بسخرية على حركاتها، ثم تحرك من أمامها وقال:
«أنا كنت ماشي دلوقتي عشان الاجتماع اللي في شركتك. تعالي يلا نروح سوا.»
شهقت ريحانة اعتراضًا.
«نعممم؟ ده بعدك.أنا مش هروح معاك.»
تنهد بتعب.
«ريحانة، هو إنتي بتعاندي لمجرد العند؟ قلتلك تعالي أوصلك بعربيتي، إحنا رايحين نفس المكان.»
رفعت رأسها بكبرياء، وقالت:
«عفكرة، أنا كمان معايا عربيتي، ومش محتاجة لخدمتك.»
بعد دقائق، كان سليم يقود سيارته بهدوء، وحرك رأسه لينظر إلى الجالسة بجانبه. وبعد ثوانٍ، ابتسم بخفة وهو يراقب ملامحها المتضايقة وعبوس وجهها.
قالت ريحانة بغضب:
«أنا بجد مش عارفة إيه اللي خلاني أركب معاك»
أومأ سليم برأسه، متظاهرًا بالهدوء.
«عشان إنتي عاقلة يا حبيبتي.»
نظرت له بجانب عينيها شزرًا، وهي ترفع طرف شفتيها قائلة:
«إنت فاكر إن الناس كلها بتشتغل عندك؟ من هنا ورايح، لازم أحط حدود. مش كل مرة هتمشي كلامك عليَّا.»
قال سليم بابتسامة خفيفة:
«معلش، إن شاء الله تقدري تعملي كده المرة الجاية.»
قالت ريحانة بانفعال:
«مفيش مرة جاية! بعد كده أنا اللي هاخد القرار، وإنت اللي هتسكت. سامعني؟»
ابتسم سليم، وهو مستمتع بالحالة التي أوصلها إليها؛ فكانت كتلة مشتعلة من الغضب، وفي نفس الوقت في قمة اللطافة.
وصلا أخيرًا إلى الشركة، ليتوقف سليم بالسيارة وينزل منها، وتتبعه ريحانة. كان يسير بخطوات واثقة داخل الشركة، وبجانبه ريحانة، والجميع ينظرون إليهما ويتهامسون.
وصل سليم أولًا إلى المكتب، وعندما كان على وشك الدخول، أوقفته ريحانة، وهي تركض إلى الباب بسرعة حتى وقفت أمامه ومنعته من الدخول.
رفع حاجبه باستغراب.
«فيه إيه يا ريحانة؟»
ابتسمت ريحانة بعناد.
«رايح فين يا سليم بيه؟»
قال ببرود:
«داخل المكتب. يلا وسعي، عايزين نراجع ملف الصفقة قبل ما الاجتماع يبدأ.»
ضحكت بسخرية.
«ده كان زمان، دلوقتي انسى إنك تدخل المكتب ده تاني»
ثم أشارت بإصبعها في وجهه بتعالٍ، لتكسر غروره والإيجو الخاص به.
«عفكرة، تقدر تقعد في أي مكتب في الشركة، ما شاء الله الشركة واسعة زي ما إنت شايف.»
ثم لوحت له بيدها، وعلى وجهها ابتسامة سمجة.
«باي باي، أشوفك في الاجتماع يا سليم بيه.»
ولم تعطه فرصة للاعتراض، حيث أغلقت الباب فجأة في وجهه.
عض سليم على شفتيه بغضب، وهو ينظر إلى الباب المغلق أمامه بتحدٍّ، ويهمس:
«ماشي يا بنت السويسي.»
استدار متوجهًا إلى غرفة الاجتماعات، لكنه توقف فجأة وهو يسمع صوتًا مألوفًا جدًا. رفع رأسه ببطء، واتسعت عيناه من الصدمة، وجزّ على أسنانه بغضب، وهو يرى أمامه مراد يقف عند مكتب السكرتيرة.
قال مراد بابتسامة:
«لو سمحتي، فين مكتب ريحانة السويسي؟»
أجابته السكرتيرة:
«المكتب اللي في آخر الطرقة يفندم، بس أقولها مين؟»
«قوليلها مراد، مراد المحمدي.»
رفع مراد رأسه بالصدفة، لتلتقي عيناه بعيني سليم الذي يقف على بُعد خطوات منه، ويرمقه بغضب. قابل مراد هذا الغضب بابتسامة تحدٍّ ومكر، قائلًا:
«أهلًا سليم بيه، عاش من شافك»
_____________________________________________________________
كانت تجلس في مكتب الديكور الخاص بها، تنظر للسقف بشرود، فقد مر أكثر من أسبوع وما زال يزن مخاصمها.
نزلت دمعة شاردة على وجنتها عندما تذكرت حديثه في آخر مكالمة بينهما، فقد شعرت بانكسار قلبها. تنهدت بحزن دفين، ونهضت لتعد مشروبًا ساخنًا تشربه ليهدئ أعصابها.
كانت تعد كوب الشوكولاتة الساخنة المفضل لها. صبت الماء الساخن في المج، ثم قلبته بالملعقة، وأمسكت الكوب تتحسس دفأه.
كل ذلك كان تحت أنظار ذلك الواقف خلفها، يتأملها بشوق وحنين، ويبتسم عليها بخفة وهي منشغلة في تذوق الهوت شوكليت، لتنزل خصلة شاردة على عينيها. كادت أن ترفع يدها لتبعدها
لكنها انتفضت عندما شعرت بأحد يضمها من الخلف. تجمد جسدها من الرعب، وسارت البرودة في أوصالها،عندما خطر في بالها ذلك اليوم المشؤوم.
كادت أن تبتعد، لكن فجأة سمعت صوته الحنون وهو يهمس في أذنها:
«شوكولاتة بتشرب شوكولاتة؟»
التفتت بصدمة والدموع تلمع في عينيها الزرقاوين، وهمست بعدم تصديق:
«يزن؟»
لم يعطها يزن وقتًا أكثر، حيث سحب منها الكوب ووضعه على الطاولة، ثم ضمها فجأة داخل أحضانه. كان عناقًا معبرًا عن شوقه ولهفته طوال الأيام الماضية، بينما فتون لفت يدها حول عنقه بشدة، وهي تضحك وتبكي في آن واحد.
ظلا على هذا الحال ما يقارب الخمس دقائق، كلاهما غير قادر على الابتعاد. جبر يزن نفسه على الابتعاد، لكنه ما زال يحاوط جسدها داخل أحضانه، وهمس بعشق وهو يلمس وجنتها:
«وحشتيني يا فوتي.»
مدت شفتيها بعتاب حقيقي.
«وحشتك؟ بجد؟ كنت فاكرة إن خلاص مبقتش أفرق معاك.»
تنهد يزن ولم يُجب، لكنه فعل شيئًا آخر، لتشهق فتون فجأة عندما حملها يزن بغفلة ووضعها على الطاولة خلفها.
يزن بابتسامة دافئة، وهو يتحسس وجنتها بأصابعه:
«أنا آسف يا فوتي، حقك عليا يا قلبي.»
ضمت الأخرى شفتيها وهي على وشك البكاء.
«يزن، أنا عارفة كويس إني غلط، وغلطي كبير كمان، بس ده مش معناه إنك تقول الكلام القاسي اللي قلتهولي في الموبا...»
فجأة أوقفها يزن عن الكلام بطريقته الخاصة، ثم ابتعد ليجدها تفتح عينيها بصدمة، ليضحك بشدة على منظرها، بينما هي نظرت له بغضب ممزوج بخجل.
تنهد يزن وهو يعيد خصلة شاردة خلف أذنها، ويهمس بعشق دفين:
«أنا غلطان وستين غلطان، حقك عليا يا فوتي. يا رب كنت أموت قبل ما أقول الكلام ده.»
وضعت يدها على شفتيه بخوف.
«بعد الشر عنك يا يزن.»
ابتسم بدفء، ثم قبّل إصبعها الموضوع على فمه، وقال:
«يعني سامحتيني؟»
أومأت برأسها بابتسامة.
«هسامحك، لأني غلطت في اللي عملته، لكن...»
فجأة تغيرت ملامحها وهي تمسكه من عنقه بشدة.
«بس عارف، لو عدت الكلام ده تاني، هعمل فيك إيه يا ابن السويسي...»
يزن بتمثيل الرعب:
«لا، والنبي، ده أنا على وش جواز، جاية تموتيني دلوقتي؟»
ابتسمت بسخرية ممزوجة بألم.
«جواز؟ أنا حاسة إني نحس، كل ما خلاص فرحنا يقرب، حاجة تحصل ويرجع يتأجل تاني.»
ابتسم يزن بجانب فمه وقال بكل ثقة:
«ومين قالك إنه هيرجع يتأجل المرة دي؟»
قطبت جبينها باستغراب.
«إزاي؟»
يزن موضحًا:
«هو المفروض آخر ميعاد كنا محددين إيه؟»
نظرت لأعلى بتفكير.
«المفروض بعد أسبوعين، ده كان قبل اللي حصل. لكن طبعًا طول الأسبوع اللي فات معملناش أي حاجة من اللي كنا مخططين لها.»
حرك يزن رأسه ببساطة.
«خلاص، يعني فاضل أسبوع كمان، نكمل الترتيبات كأن مفيش حاجة حصلت.»
فتون بصدمة:
«يزن، أنت بتقول إيه؟ أنت متخيل إننا هنلحق نخلص في أسبوع؟»
أومأ برأسه.
«آه، هنلحق، وهتشوفي. بصي، أنا قتيل المرة دي، ولو حصل إيه مش هنرجع نأجل. حسي بيا بقى يا حبيبتي، أنا قربت أخلل من كتر الانتظار.»
ابتسمت فتون وهي تنظر له بحيرة، ليربت يزن على يدها باطمئنان، ويقول:
«ثقي فيا.»
_____________________________________________________________
بعد مرور أسبوع من ذلك اليوم، بدأت الترتيبات الجادة لحفل زفاف يزن السويسي، فبعد أن أخبر أهله بقراره المفاجئ، لم يكن هناك وقت للتأجيل، فقد بدأ الجميع العمل على قدم وساق لعمل زفاف يليق بابن أدهم السويسي.
أما سليم وريحانة، فلم يحدث بينهما الكثير في هذا الأسبوع، فظلت علاقتهما كما هي، بمشاكلهما المستمرة، وإن زادت بسبب ظهور مراد وعمله كممول لإحدى الصفقات الخاصة بالشركة.
ياسين وآيات، علاقتهما مستقرة ولا أروع في بيتهما الدافئ المليء بالحب.
في إحدى القاعات الضخمة التابعة لأحد الفنادق بالقاهرة، أُقيم حفل الزفاف.
كان المكان راقيًا وفخمًا، يليق بحجم المناسبة، بنظام الأوبن إير، حيث تتواجد السماء الواسعة بالأعلى مباشرة، وتظهر الألعاب النارية بألوانها الزاهية في السماء الليلية.
بدأ المعازيم بالتوافد، وأدهم وعلي يقفان عند باب القاعة ببدلهم الأنيقة، يستقبلان الضيوف بترحاب.
فقد حضر الفرح الكثير من رجال الأعمال وأكبر المستثمرين في البلد، بالإضافة إلى رتب عالية في الداخلية، بسبب مكانة يزن المرموقة.
في الجناح الخاص بتجهيز العروسة، كانت فتون تجلس أمام المرآة، ومعها خبيرة التجميل، تضع لها اللمسات الأخيرة، ثم ابتعدت وقالت بابتسامة:
«ما شاء الله يا آنسة فتون، إنتي مش محتاجة ميكب خالص، جمالك مميز.»
ابتسمت فتون بخجل، لتقترب ياسمين وهي تزغرد بفرحة.
«تسلم إيدك يا حبيبتي، عقبال فرحك.»
اقتربت جميلة وهي تبتسم.
«بسم الله ما شاء الله، إيه الجمال ده يا فوتي؟»
فتون بخجل:
«شكرًا يا طنط، عيونكاللي حلوة.»
ليأتي صوت من خلفهن يقول:
«يا بنتي، متأكدة من القرار؟ حد عاقل يدخل الفقص برجليه؟»
نظر الجميع خلفهم ليجدوا ريحانة تجلس على السرير وتضع طلاء أظافرها.
ضحكت فتون.
«آه، متأكدة جدًا، حتى لو طلع قفص، كفاية إن يزن هيكون معايا في نفس القفص.»
رفعت ريحانة طرف شفتيها العلوية بامتعاض، قائلة:
«إيه يا بت المحن ده؟ ماتجمدي شوية.»
تنهدت جميلة وقالت:
«ده عين العقل اللي فتون بتقوله. عقبالك إنتي يا آخرة صبري.»
ضحكت ريحانة بسخرية، وهي منشغلة في وضع طلاء الأظافر على قدمها، وقالت:
«يا مامي إنتي بقيتي طموحة أوي الأيام دي»
هزت جميلة رأسها بتعب، بينما ياسمين، عندما لاحظت توتر الموقف، ذهبت لتجلس بجانب ريحانة، قائلة بابتسامة:
«أنا واثقة يا ريري إنك هتعمليها قريب، وقريب أوي كمان.»
ثم أكملت:
«بس إيه الجمال ده يا ريري؟ الفستان خرافي عليكي»
ابتسمت ريحانة وهي تقبل ياسمين.
«تسلميلي يا سوسو، إنتي اللي طالعة زي القمر.»
قطع حديثهن دقات الباب، فانتفض الجميع.
قالت جميلة:
«أكيد يزن.»
فتون بتوتر:
«لا، متخليهوش يدخل، أنا حاسة إن الميكب باظ.»
ربتت جميلة على وجنتها.
«يا قلبي، الميكب زي الفل. قومي يلا عشان تشوفي عريسك.»
أومأت فتون برأسها بخجل.
ذهبت ريحانة لتفتح الباب، لتجد أمامها يزن، وهو يرتدي بدلة سوداء أنيقة من ماركة توكسيدو، ويلف بيبيونة حول عنقه، ويسرح خصلات شعره البنية بأناقة، ويمسك بيده بوكيه ورد.
ابتسمت ريحانة فور رؤيتها لهيئته.
«إش إش، إيه الجمال ده يا بوص؟»
رفع يزن رأسه بتكبر.
«يا بنتي، دي أقل حاجة عندي.»
ثم أكمل بحماس ممزوج بتوتر:
«أومال فوتي فين؟»
أشارت ريحانة بيدها للداخل.
«جوا... تعالى، ادخل.»
دخل يزن الجناح، وهو يدور بعينيه يبحث عنها، حتى وجدها تقف في ركن الغرفة، تعطيه ظهرها، وفستانها الأبيض منفوش حولها برقة.
اقترب ببطء، ودقات قلبه تنبض بسرعة مع كل خطوة، حتى وصل خلفها مباشرة.
يزن بصوت هادئ:
«فوتي.»
استدارت فتون ببطء شديد حتى أصبحت في مواجهته. ارتسمت على وجه يزن علامات عدم التصديق عندما وقعت عيناه عليها، ينظر إلى جمالها الأخاذ في فستان الزفاف الأبيض. كانت هيئتها الملائكية قد أشعلت العشق في قلبه.
ظل ينظر إلى عينيها الزرقاوين بوله، بينما كانت تنظر إليه بفرحة ممزوجة بخجل. كلاهما لا يصدق أنهما أخيرًا وصلا إلى تلك اللحظة، بعد كل تلك السنين.
اقترب منها أكثر، وقبّل جبينها بعشق دفين، ثم ابتعد وهو يرفع البوكيه قائلًا بهمس لم يصل إلا إليها:
«الورد هيخجل يبقى موجود في إيدك من جمالك.»
ثم تنهد تنهيدة تحمل تعب السنين الماضية من الانتظار لهذه اللحظة.
«بحبك يا فتون.»
اقتربت منهما جميلة.
«ألف مبروك يولاد، يلا يلا بقى ننزل، زمان كل المعازيم وصلوا.»
وقف يزن بجانب فتون، ووضع يدها على ساعده، ثم خرج بها، وخلفهما الباقي.
في الأسفل، كانت القاعة مزينة بشكل فخم، وموسيقى هادئة في الخلفية تعبر عن رقي المكان.وفجأة، تعالى صوت الطبول معلنًا عن وصول العروسين.
أُغلقت الأنوار فجأة، وبعد ثوانٍ عادت الأنوار ليظهر يزن الذي يقف في نهاية السلم، ينظر للأعلى وهو يرى فتون تنزل برفقة والدها علي.
تعالت أصوات الموسيقى.
<<القمر غالي عليها والنجوم واقفين صافيين.
زينة العرايس دا اللي أبوها السعدي وعدي
والليلة دي الوعد وعدي ومحروسين من كل عين
وصلت فتون أخيرًا إلى السلمة التي يقف عليها يزن. اقترب يزن من علي واحتضنه بقوة، ليربت علي على ظهره وهو يهمس ببعض كلمات التوصية .
ابتعد علي عنهما ليقف بجانب ياسمين، التي تمسح دموعها من الفرحة، ليحاوطها بحب.
أما عند يزن وفتون، فقد مد يزن يده، يمسك بيد فتون ويرفعها لفمه ويقبلها بوله، ثم رفع رأسه لها قائلًا:
«حلم الطفولة اتحقق أخيرًا يا فوتي.»
ثم اقترب أكثر واحتضنها بحب، تحت أصوات الزغاريد والتصفيق الذي ملأ القاعة.
<<واهو بشهادة الكل ورد ولقي عالكل..
حلو المود والطقس
على الصوت والرقص،
قالوا اللقاء مش سهل
والله وبقينا أهل،
والله وبقينا أهل وخمسة علينا.
وصلا إلى ساحة الرقص ليبدآ أول رقصة تحت نغمات رومانسية هادئة، ويزن يحاوطها بحنان وينظر لها بهيام وعشق ليس له مثيل.
على بعد خطوات من ساحة الرقص، كانت ريحانة تقف تنظر لهما بابتسامة فرحة، فهي قد شهدت على علاقة حبهما منذ الصغر، لتنتفض فجأة من الخضة عندما سمعت صوته الرجولي من خلفها:
«عقبالك.»
استدارت بصدمة وهي تكذب أذنها، لكن ما سمعته كان صحيحًا، فقد رأت سليم يقف أمامها بابتسامة ثقة، يرتدي بدلة كحلي أنيقة زادت من وسامته أضعافًا، وينظر لها بمكر.
ضمت شفتيها بانفعال.
«إنت إيه اللي جابك هنا؟»
هز سليم كتفه ببرود.
«معزوم.»
ضحكت بسخرية وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها.
«ومين بقى اللي عزمك؟»
اقترب بوجهه منها، ثم همس ببطء ليغيظها:
«حمايا.»
نفخت بغضب وتركته، وجلست على إحدى الطاولات، ليبتسم عليها ثم يذهب ويجلس على الكرسي بجانبها.
حركت رأسها بدهشة.
«إنت بتعمل إيه؟»
سليم بعدم اهتمام،لدرجة لم يكلف نفسه عناء النظر إليها :
«إنتي شايفة إيه؟»
سحبت ريحانة نفسًا عميقًا تحاول التحكم بأعصابها، فلن تسمح له أن يعكر مزاجها في ذلك اليوم بالتحديد.
كادت أن تنهض وتجلس على الطاولة مع أهلها، لكنها تفاجأت بأن سعد يجلس معهم، ولم يتبقى لها كرسي على الطاولة، لتقول بنفاد صبر:
«لو سمحت، قوم بهدوء واقعد على أي ترابيزة تانية.»
ضم شفتيه بأسف، وهو يحرك رأسه قائلًا بخيبة أمل مزيفة:
«يخسارة يا ريحانة.»
رفعت حاجبها باستنكار.
«هو إيه اللي خسارة؟»
«كنت فاكرك عارفة آداب الذوق، يعني المفروض تركني خلافاتنا على جنب وتستقبليني بترحاب، والابتسامة من الودن للودن. ده أنا حتى جاي أنقًّطكم.»
نظرت له شزرًا وهمست بصوت منخفض، لكنه وصل لسليم الذي كتم ضحكته بصعوبة:
«قصدك جاي تنقِطنا.»
قبل ثوان،اقترب سعد من الطاولة التي يجلس عليها أدهم وعلي برفقة زوجتيهما. كان أول من لمحه هو أدهم، الذي نهض ورحب به:
«أهلًا يا سعد، نورت.»
اقترب سعد بإحراج، فهذه أول مقابلة بينهم منذ سنة، ومع ذلك فقد وصلته بطاقة دعوة الزفاف من أدهم.
ربت أدهم على ظهره وهو يبتسم له، بمعنى أن ما حدث أصبح من الماضي.
بدأت أجواء الفرح تزداد حماسًا، فقد تغيرت الأغنية الرومانسية إلى أغانٍ شعبية ذات إيقاع سريع وعالٍ. يزن وفتون يرقصان بفرحة على الاستيدج، وحولهما الأقارب والأصدقاء.
كانت ريحانة تنظر لهما بابتسامة وهي تصفق بحماس، وبجانبها سليم يتأملها بعشق واضح.
نزل بعينيه إلى فستانها الفيروزي، نفس لون عينيها، يتدلى برقة على جسدها، وينزل دون أكمام ويتسع ليصل إلى ركبتيها، فتظهر ساقها الناعمة، وارتدت في قدمها حذاء بكعب فضي.
جعلت خصلات شعرها على هيئة كعكة فوضوية، زادتها جمالًا ورقة، وأكملت طلتها بطقم من السوليتير الأبيض، يتكون من قلادة تحاوط عنقها الناعم، وحلق وسوار، أضافت المزيد من الفخامة والسحر لطلتها.
وأثناء انشغالها بالنظر إلى الاستيدج، استغل سليم الفرصة واقترب منها، ثم همس في أذنها:
«شكلك يجنن النهارده.»
بلعت ريحانة ريقها بتوتر وهي تنظر له بدهشة، ليظل لقاء عينيهما مستمرًا لثوانٍ، قبل أن يتوقف صوت الأغاني فجأة ويعم الصمت القاعة.
قال الدي جي:
«نستأذن والد العريس يطلع على الاستيدج.»
توجهت الأنظار نحو أدهم، الذي نهض بهدوء، يسير بهيبة وكاريزما لم تتغير بمرور السنوات، بل يزداد وقارًا. وصل إلى الاستيدج ليبدأ الجميع بالابتعاد حتى وقف في منتصفه،حتى يزن ترك فتون وذهب لمنتصف الاستيدج ليقف أمام أدهم، والجميع مترقبون لما سيحدث.
وفجأة، تعالت أصوات الطبول والموسيقى، ودوى صوت الأغنية:
<<الواد طالع لمين ؟الواد طالع لأبوه
وبيمشي ماشية مين ؟يمشي ماشية أبوه
أدهم يرقص بحركات شبابية، وللعجب لم يفقد هيبته أبدًا، بل ازداد جاذبية، وأمامه يزن يتحرك معه بموازاته، يضحك بمرح وهو يرقص مع أدهم ندًا لند.
<<ينزل عمره ما بيتوه .. يعطش ما يقولش أمبو
يخطف عين اللي شافوه .. كل الناس بيحبوه
طالع جامد زي أبوه .. ثابت مهما يهزوه
من صغره الناس عرفوه .. بقا نمبر وان مش تو
وقفت ريحانة وسليم مع الجميع حول الاستيدج. الجميع يصفقون بحماس رهيب، وجميلة تقف مصدومة وتصفق بعدم تصديق، بينما علي يضحك بشدة ويصفر بحماس.
<<ويدوم العز على ابن العز
يقوم في العز وينام
والناس بتجز من إبن الوز
ما هو إبن الوز عوام
انتهت الأغنية باحتضان أدهم ليزن، الذي بادله الحضن بشدة، والجميع يصفقون من حولهما بحماس.عاد الجميع إلى أماكنهم، ليعلن الدي جي أن كل كابل في الفرح سيأتي للمشاركة مع العروسين في رقصة سلو.
كان يزن يحاوط فتون ويرقص معها، بينما لم تكن قادرة على التوقف عن الضحك حتى الآن.
«أنا مش قادرة! مش مصدقة إن خالو أدهم يطلع منه كل ده»
ضحك يزن.
«والله أنا كمان انصدمت. أنا كنت بطلبها منه على استحياء إنه في فرحي يشاركني الرقصة على الأغنية دي، واتصدمت إنه وافق. بس فكرت إنه هيقف يسقف وخلاص، بس طلع مش سهل وولع الدنيا.»
ضحكت فتون برقة، ليقترب منها يزن ويلثم وجنتها بحب، ثم يقول:
«يا لهوي على العسل اللي أنا متجوزها»
فتون بخجل:
«يزن، بس!»
ابتسم بعشق وضمها أكثر داخل أحضانه، وهو يتمايل بها.
بينما على بعد بضعة أمتار منهما، كانت ريحانة تتجه لإحدى الشرفات المطلة على النيل، حيث وقفت تتنفس بعمق بعيدًا عن الأصوات العالية داخل القاعة.
نظرت إلى السماء الممتلئة بالألعاب النارية، التي تنعكس ألوانها على مياه النيل، مع نسمات الهواء النقية التي تطاير خصلات شعرها بخفة.
كل ذلك كان يتابعه سليم، الواقف خلفها، يتأمل جمالها الساحر وهي ترفع رأسها للسماء وتنظر إليها، وعلى وجهها ابتسامة دافئة.اقترب بهدوء حتى وقف بجانبها. لكنه لم يرد أن يتحدث أو يضايقها، بل ظل صامتًا ،يستد بكوعه عالسور، وينظر إلى النيل بهدوء.
قطبت جبينها من تصرفه الغريب، فهي عندما شعرت بوجوده ظنت أنه جاء ليعكر مزاجها كعادته، لكنها فوجئت بصمته هذه المرة، فسألته:
«إيه؟»
نظر لها بهدوء.
«إيه؟»
«أصل غريبة واقف ساكت، مش عوايدك.»
نظر لها سليم بهدوء
«عايزاني أقول إيه؟»
هزت كتفيها ببساطة.
«تمارس روتينك العادي، تحرق دمي وتستفزني.»
ابتسم بخفة واقترب منها أكثر، وهو يستند إلى السور.
«إنتِ بجد بتتضايقي مني لما بعمل كده؟ يعني لما برخم عليكي، بيبقى من جواكي زعلانه مني؟»
صمتت بدهشة من حديثه العميق، ولم تستطع الرد، ليكمل حديثه قائلًا:
«طيب، أنا المرة دي مش هرخم عليكي، بس هقولك حاجة واحدة كان نفسي أقولها من ساعة ما دخلت القاعة وعيني وقعت عليكي.»
بلعت ريقها بصعوبة.
«حاجة إيه؟»
نظر داخل عينيها بعمق، يبدل النظر بينهما، بينما شعرت هي بارتفاع دقات قلبها لمجرد النظر داخل عينيه العميقتين، بلونهما الأسود ذي اللمعة الغريبة، خصوصًا مع ذلك الصفاء بهما، لدرجة أنها رأت انعكاس صورتها داخلهما.
نطق سليم أخيرًا بصوته الرجولي العميق، ومع ذلك خرج صوته مرهق من أثر المشاعر:
«بحبك يا ريحانة.»
لمعت الدموع في عينيها. لماذا تسبب لها هذه الكلمة بالتحديد كل تلك الأحاسيس المربكة؟ فهو قالها أكثر من مرة، في أكثر من مكان، وفي أوقات مختلفة، وفي كل مرة تتأثر وتشعر بارتفاع دقات قلبها لدرجة أنها شكت أنها وصلت إلى مسامعه.
قاطع صمتهما صوت رنين هاتف سليم، فنفخ بضيق من انقطاع اللحظة. أخرجه بهدوء وأجاب دون أن ينظر إلى الشاشة:
«ألو.»
تغيرت تعابير وجهه وارتسمت الصدمة على ملامحه، ليرفع الهاتف عن أذنه ببطء قائلًا لريحانة:
«ملفات الصفقة اللي شغالين عليها بقالنا أسابيع ... اتسرقت كلها»...
الفصل الواحد والعشرون من هنا