
رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم سلمى جاد
سليم وهو مروح امبارح بعد ما وصلك البيت. عمل حادثة صبة أوي، والعربية انقلبت بيه.
سقط الهاتف من يدها عقب انتهاء أدهم من كلامه، وتجمدت ملامحها، بينما تحجرت الدموع في عينيها، تأبى السقوط من هول الصدمة.
همست ريحانة بصوت ضعيف:
— سليييييم!
كانت تركض، وعلامات الرعب والخوف واضحة على ملامحها. وصلت أخيرًا، لتجد الجميع متجمعين أمام باب الغرفة: أدهم وجميلة وسعد ودادة سميرة، بالإضافة إلى ياسين وآيات.
قالت ريحانة بخوف:
— بابا، إيه اللي حصل؟ وسليم فين؟
ربت أدهم على كتفها، وقال بملامح مقتضبة:
— عرفنا إنه عمل حادثة امبارح عشان كان سايق بسرعة رهيبة. العربية انقلبت بيه ونقلوه المستشفى.
أكمل ياسين، والحزن واضح على ملامحه:
— الدكاترة بتقول إنه للأسف الحادثة كانت صعبة، وحصله كسر مضاعف في العمود الفقري وارتجاج في المخ، ده غير الكدمات اللي في وشه. ولحد دلوقتي حالته لسه مش مستقرة.
شهقت ريحانة بصدمة، والدموع تترقرق في عينيها، بينما ذهبت جميلة وآيات تربتان على كتفها بمواساة.
قالت جميلة بحزن:
— اهدي يا حبيبتي، إن شاء الله يقوم بالسلامة.
قالت دادة سميرة ببكاء:
— ده كان زي الفل امبارح.
زاغت عينا ريحانة بعدم تصديق، ودموعها تتساقط كالشلالات، لتقول بهمس:
— أنا عايزة أدخله.
تحدث سعد:
— بلاش يا بنتي، هو لسه مفاقش أصلًا.
هزت رأسها نفيًا، وهي تضم شفتيها بشدة، محاولةً عدم الانهيار:
— لا، لازم أدخله.
اقتربت حتى وقفت أمام الباب، ثم مدت يدها ببطء ولمست مقبضه. سحبت نفسًا عميقًا، ثم أدارت المقبض ودخلت، تحت أنظار الجميع الذين تابعوا دخولها بحزن.
دخلت الغرفة وسارت بخطوات بطيئة، وهي تحبس أنفاسها. وكلما اقتربت أكثر، رأته بوضوح، راقدًا على السرير باستسلام تام، مما آلم قلبها بشدة، خصوصًا عندما وقعت عيناها على جسده الملفوف بالشاش الطبي من جميع الأنحاء. فعلى الرغم من أن صدره كان عاريًا، لم يظهر من جسده سوى أجزاء قليلة.
جلست بجانبه على السرير، في المساحة الصغيرة الفارغة، ثم رفعت يدها ولمست وجهه لثوانٍ، قبل أن تشهق وهي تبكي بعنف.
قالت ريحانة بألم:
— سليم، رد عليَّ يا سليم
لا رد.
قالت ريحانة بشهقات متتالية:
— سليم، قوم عشان خاطري، قوم وناكف فيا زي ما إنت عايز، وأنا مش هقولك حاجة.
مسحت دموعها التي تتساقط كالشلالات، وقالت بصوت يرتعش من البكاء:
— طيب، قوم ومش هزعلك تاني. والله مش هعاند تاني، وهعمل كل اللي إنت عايزه يا سليم، بس عشان خاطري متسبنيش. أنا... أنا...
صمتت وهي تغمض عينيها بألم، ثم همست:
— أنا بحبك... بحبك يا سليم، وعمري ما بطلت أحبك، وهفضل قلبي ينبض باسمك طول العمر.
صمتت وهي تشهق بعنف، وتبكي بحرقة، بينما تمسك بكف يده بين يديها، وتحتضنه بشدة، ثم تضعه على عينيها. لم يكن يقطع صمت الغرفة سوى صوت شهقاتها المتكررة.
لكن فجأة، شعرت بحركة خفيفة من أصابعه.
رفعت رأسها بعدم تصديق، وبعد ثوانٍ، ابتسمت بفرحة وهي تراه يفتح عينيه ببطء، وكان أول ما نطق به:
— ريحانة... إنتي هنا بجد؟
اقتربت منه وهي تضحك، والدموع تترقرق في عينيها:
— أيوة يا حبيبي، أنا جنبك.
ابتسم سليم بخفة، والإرهاق واضح في نبرة صوته:
— حبيبك؟
هزت رأسها بتأكيد:
— أيوة طبعًا، حبيبي وقلبي ونور عيني كمان.
قال سليم بذهول:
— أنا مش مصدق إني بسمع منك الكلام ده. أنا أكيد في حلم!
ابتسمت ريحانة بدفء:
— لا، إنت صاحي مش بتحلم، وأنا جنبك وبقولك إني اكتشفت دلوقتي إني عمري ما بطلت أحبك لحظة. كنت بكابر من جرح قلبي ومش قادرة أواجه مشاعري، لكن خلاص، مش هقدر أعاند قلبي أكتر من كده.
بلع سليم ريقه، وهو بالكاد يحاول استيعاب كلماتها:
— لا، براحة عليَّا الله يخليكي! أنا مش حمل كل ده. إنتي لحد امبارح بس كنتي بتعامليني أسوأ معاملة.
احتضنت كف يده بقوة، وهي تهمس بخفوت:
— حقك عليَّ يا حبيبي، بس أوعدك من النهارده مش هنضيع لحظة كمان. أنا مقدرش أعيش من غيرك.
نهض سليم فجأة، وهو يصرخ بفرحة:
— بجد؟! يعني خلاص سامحتيني وموافقة نرجع لبعض؟
قطبت ريحانة جبينها باستغراب عندما لاحظت نهوضه المفاجئ، أما هو فاتسعت عيناه بصدمة عندما أدرك ما فعله، ليعود ويفرد جسده، وهو ينظر إليها بتوتر.
مالت ريحانة برأسها، وهي تنظر إليه بتركيز، والشك بدأ يتسلل إلى داخلها.
اقتربت منه، وهي تمرر عينيها على الشاش والقطن الملفوف حول جسده، وفجأة، ومن دون مقدمات، مدت يدها تحاول فك الشاش لترى ما تحته.
فزع سليم، وهو يحاول إبعادها:
— بتعملي إيه؟!
قالت ريحانة بنبرة مرعبة، كأنها ستُصوّر قتيلًا:
— هتعرف دلوقتي
حاول سليم إلهاءها بالتمثيل:
— أخص عليكي يا ريحانة..إنتي بتحاولي تتغرغري بيا وأنا في الحالة دي، عشان عارفة إني مش هقدر أدافع عن نفسي
صرخت ريحانة بسخرية:
— والله؟! خلاص، بلاش أجرح حياءك، وهعمل حاجة تانية.
ثم التقطت مناديل ورقية من على الكومود الموجود بجانب السرير، وفجأة هجمت عليه، تحاول التأكد مما إذا كانت الكدمات الموجودة على وجهه حقيقية أم لا.
حاول سليم إبعادها بكل قوته حتى لا ينكشف الملعوب، لكن ريحانة كانت أسرع منه، إذ رفعت المنديل ورأته ملطخًا بالمكياج وألوان صناعية جعلت الكدمات تبدو وكأنها حقيقية.
صرخت بغضب:
— يا كدااااااااااااب!
نهض سليم من السرير بكل سهولة، وحاول الاقتراب منها:
— ريحانة، اهدي بس، وأنا هفهمك كل حاجة.
صرخت ريحانة بصوت عالٍ، وشرارات الغضب تنطلق من عينيها:
— أنا غلطانة إني صدقتك، الحق عليَّا إني رجعت وثقت فيك، صحيح ...ديل الكلب عمره ما هيتعدل
أمسك كتفها، محاولًا تثبيتها بينما تتحرك بين يديه بعنف.
— سيبني يا سليم
قال سليم بتوسل:
— ريحانة، أنا عملت كل ده عشان أتأكد إنك لسه بتحبيني. أرجوكي خلينا ننسى اللي فات، مش إنتي لسه قايلة كده من شوية؟
ضحكت بسخرية:
— أيوة، أنا فعلًا قلت كده، بس ده لما كنت فاكرة إنك متجبس ومفيش فيك حتة سليمة يا سليم
ثم صمتت للحظة، قبل أن تقول وكأنها أدركت شيئًا:
— ثواني كده... هو اللي بره عندهم علم بالتمثيلية دي؟
بلع سليم ريقه بصعوبة، ومسح على خصلات شعره الكثيفة بتوتر:
— أيوة، كلهم عارفين الخطة وساعدوني، خصوصًا أبوكي. هو اللي دبر دخولي للمستشفى وخلى الدكاترة يساعدوني في التمثيلية دي.
عضت ريحانة على شفتيها بغضب،ثم قالت :
_ماشي أنا ليا حساب معاهم كلهم
سليم ببساطه :
_ زمانهم مشيوا أصلا. ...انا متفق معاهم اول ماتدخلي الأوضه كل واحد يروح لحاله ،عشان دورهم خلص لحد كده.
سحبت ريحانة نفسًا عميقًا، تحاول السيطرة على أعصابها وقالت:
— بص يا سليم، اعتبرها آخر مرة هقولهالك: ابعد عنييييي
كادت أن ترحل بعد تلك الكلمات، لكن فجأة سحبها سليم من يدها بقوة، مما أدى إلى اندفاعها نحو صدره. ونتيجة لذلك، تراجع سليم خطوة للخلف، ومن دون قصد سقطا على السرير.
في مشهد منافٍ تمامًا للموقف، رفعت ريحانة عينيها ببطء لتتلاقى بعيني سليم، الذي ينظر إليها بشوق رهيب. فجأة، تغير الموقف كليًا؛ فمنذ بضع ثوانٍ كانا يتعاركان، أما الآن فهما في حالة صمت رهيب، لا مكان فيه للغة اللسان، بل لغة العيون هي المسيطرة في تلك اللحظة.
همس سليم بصوته الرجولي العميق:
— ريحانة، أنا مقدرش أعيش من غيرك. كفاية بقى بُعد وفراق لحد كده، أنا عارف إني غلطت غلطة كبيرة وكبيرة أوي، بس والله ندمت وخدت جزائي...
أكمل وهو ينظر إليها بألم:
— جزائي كان بُعدي عنك سنة كاملة. سنة كنت بتقطع من جوايا، وأنا حتى مش قادر أظهر قدامك، وما اكتفيتش بكده، أنا خدت عقابي لما رجعت وحاولت أصالحك، وإنتيِ وريّتيني الويل.
تنهد وهو يمرر إصبعه على وجنتها بخفة:
— كفاية بقى يا حبيبتي، العمر بيجري وإحنا مش مع بعض. إحنا نستحق نعيش في سعادة سوا.
كانت أنفاسها تتلاحق بسرعة، وقلبها ينبض كالأجراس، وهي تستمع إلى كلماته. أردفت بوجع، والدموع تترقرق بعينيها الفيروزيتين:
— سليم، إنت وجعتني أوي. أنا بسببك كرهت الحب وبطلت أصدق إنه موجود.
تنهد سليم بتعب:
— ريحانة، والله العظيم بحبك. أنا آسف... آسف... وهفضل أقولهالك لآخر يوم في حياتي لو عايزة. ريحانة، إنتي محتلة كياني من أول يوم ليكي في الدنيا. كنت عيل عنده عشر سنين، اتعلقت بيكي، وشوفت فيكي قشاية النجاة اللي هتنقذني من الوحل. شوفت فيكي براءتي اللي اتلوثت بالكره والانتقام اللي اتزرعوا جوايا من ساعة ما اتولدت.
أنا مش ببرر اللي عملته، ومعترف إني ستين مذنب، لكن... أنا كمان كنت ضحية، ضحية أب فاسد. أنا مختارتش أبويا. يمكن لو كان أبويا راجل كويس، كانت الظروف اختلفت، ويمكن كنا اتقابلنا بطريقة مختلفة، وحبينا بعض، وعشنا في سعادة من غير انتقام ولا كره.
همست ريحانة بصوت ضعيف، محاولةً السيطرة على دموعها:
— بس محدش يقدر يغير القدر يا سليم.
أردف سليم بلهفة:
— بس نقدر ننسى الماضي، ونقفل الصفحة دي من حياتنا، ونبدأ صفحة جديدة مليانة سعادة وحب. ريحانة، إحنا نستاهل نبقى مبسوطين.
نظرت له ريحانة بتوهان، تشعر بتخبط شديد في مشاعرها؛ جانب منها يريد مسامحته، وجانب آخر يرفض الاستسلام.
عندما لاحظ سليم صمتها، تنهد بألم، ثم حاول النهوض، لتبتعد ريحانة عنه وهي تعيد خصلة شاردة خلف أذنها بتوتر.
نطق سليم أخيرًا بعدما نهض من السرير ووقف أمامها، متحاشيًا النظر داخل عينيها:
— خلاص يا ريحانة، اللي إنتي عايزاه. بس افتكري إني عملت اللي عليَّا وزيادة، وفضلت متمسك بيكي لآخر لحظة، بس...
قاطعته ريحانة فجأة:
— يعني إنت جاي تفقد الشغف وتستسلم، بعد ما خلاص كنت هوافق؟!
اتسعت عينا سليم بصدمة، ورفع عينيه إليها ببطء، ونبضات قلبه تتسارع بجنون، محاولًا استنباط معنى كلماتها، لتقول بلهفة:
— قصدك إيه؟
ابتسمت بخفة، وهي تعتدل في جلستها:
— قصدي إن يادوب نجهز للفرح.
لم يستطع سليم تمالك نفسه، فجذبها فجأة لتقف أمامه، ثم حاوط خصرها وهو يحتضنها بشدة. ولم يكتفي بذلك، بل رفعها عن الأرض ودار بها عدة مرات، وصوت ضحكات ريحانة يعلو بالغرفة.
بعد ثوانٍ، ابتعدت عنه وهي تبتسم، لكن فجأة عضت على شفتيها بإدراك، وقالت بتمثيل:
— بس يا خسارة، أنا نسيت إنك طالع من حادثة وكنت بين الحياة والموت. شكلنا هنضطر نستنى سنتين تلاتة لحد ما تخف.
صرخ سليم بصوت عالٍ، ليقوم فجأة بسحب الشاش من حول صدره وخصره، ومن شدة لهفته كانت الأربطة تتقطع من سرعته.
شهقت ريحانة فجأة عندما ظهر الجزء العلوي من جسد سليم، وهو عارٍ بوضوح أمام عينيها، بعدما ألقى جميع الأربطة على الأرض.
قالت ريحانة بتوتر:
— خلاص، روح استر نفسك
أومأ سليم برأسه وهو يبتسم بخفة:
— حاضر.
التقط التيشيرت الخاص به من الخزانة الموجودة بالغرفة، ثم ارتداه، وعاد ليجد ريحانة تنظر إلى الأربطة والشاش الملقاة على الأرض بذهول:
— مش لازم كنت تتقمص الشخصية أوي كده؟ إيه كمية الشاش والقطن دي؟!
رفع رأسه بغرور:
— أومال يا بنتي، لازم الدور يبقى محبوك بذمتك، مش دخلت عليكي؟
عضت على شفتيها بغيظ:
— الصراحة دخلت، بس أموت وأعرف كانت فكرة مين ؟!
ابتسم سليم بمكر، وهو يتذكر:
— فكرتي... بعد ما وصلتك البيت امبارح، وطبعًا كالعادة سمعتيني ربع مشكل. جاتلي الفكرة، واتصلت بالعيلة كلها واحد واحد وفهمتهم الخطة، وكل واحد حفظ دوره. حتى دادة سميرة اشتركت معايا في الخطة بعد ما فهمتها كل حاجة.
لم تستطع ريحانة كتم ضحكاتها، وهزت رأسها بعدم تصديق:
— أنا مش مصدقة إنت أقنعت كل دول إزاي؟
رفع رأسه بغرور:
— أنا ليا أساليبي الخاصة.
ثم أكمل بنبرة غاضبة:
— ده أنا هطلع عليكي القديم والجديد عشان اللي كنتي بتعمليه فيا الفترة اللي فاتت.
حاولت ريحانة كتم ابتسامتها، لتقول وهي ترفع رأسها بكبرياء:
— أومال فاكر إني هسامحك بسهولة كده؟ كان لازم تتعذب شوية
اقترب سليم منها وهو يعض على شفتيه بنفاد صبر:
— ده أنا اتعذبت عذاب...
ابتسمت ريحانة برقة، ليكمل سليم بغضب:
— واللي اسمه مراد ده... قسمًا عظيمًا لو لقيته قريب منك، ولا بيعمل الحركات السهتانة بتاعته دي، لأشرب من د.مه
— لعلمك بقى، إنت ظالم، ده هو اللي حنّن قلبي عليك.
رفع حاجبه باستغراب:
— إزاي؟
سردت له ريحانة الحوار الذي دار بينها وبين مراد، وعندما أنهت حديثها، ظهرت ملامح الغيرة على وجه سليم، ليعقد ذراعيه أمام صدره ويقول بسخرية:
— والله كتر خيره
— اخص عليك يا سليم، أنا ما شوفتش منه حاجة وحشة. هو إنسان فعلًا محترم، ربنا يرزقه ببنت الحلال.
— ما تتعدلي إنتي كمان، أنا ما أحبش إن مراتي المستقبلية تمدح راجل غيري.
ظهرت ابتسامة خفية على وجه ريحانة إثر كلماته المتملّكة.
تنهد سليم، ثم قال:
— بس تصدقي، أنا عرفت مين الوحيدة اللي تنفع لواحد زي مراد.
نظرت إليه ريحانة بحيرة:
— تقصد مين؟
نظر إليها لثوانٍ، ثم قال وهو ينظر إلى أمه بمكر:
— مفيش غيرها... سهيلة.
رفعت ريحانة حاجبها باستنكار، وأردفت بغيرة واضحة:
— وإيه اللي فكّرك بيها دلوقتي؟
ابتسم سليم بخفة:
— إنتي بتغيري ولا إيه يا بطه؟
قالت ريحانة بضيق:
— سليم، أنا مبهزرش.
تنهد سليم، ثم قال:
— بعد اللي عملته في الشركة، أنا طبعًا رفضت تفضل السكرتيرة بتاعتي، بس وقتها ما رضيتش أقطع عيشها، وخليتها تشتغل في شركة تانية. ومن فترة كده، لقيت رقم غريب بيكلمني، ولقيتها هي. طلبت تقابلني ضروري عشان موضوع مهم، ولما قابلتها اتفاجئت إنها اتغيرت تمامًا. إنتي نفسك لو شوفتيها مش هتعرفيها. اعتذرتلي عن كل اللي عملته، وقالت إنها كانت طايشة وقتها.
المهم، أنا حاسس إن واحدة بشخصية مراد، الوحيدة اللي هتنفع معاه هي سهيلة. سهيلة، مهما كان، عندها خبرة وذكية في التعامل.
سألته ريحانة بحيرة:
— طيب، وإنت هتشغلها عند مراد إزاي؟
أجاب سليم:
— أنا هتصل بيها وأطلب منها تروح تبعت الـ CV بتاعها لشركة مراد، بحجة إن فرصتها في الشغل هناك أحسن من الشركة التانية. لكن مش هدخل في أي حاجة. لو ليهم نصيب مع بعض، كل حاجة هتمشي لوحدها.
ثم أكمل وهو يبتسم بحماس:
— سيبك إنتي من مراد وسهيلة، وخليكي فينا..أنا هعملك فرح متعملش قبله قبل كده. زهعوضك عن فرحنا القديم.
ابتسمت ريحانة بفرحة:
— بجد يا سليم؟ إنت بتتكلم بجد؟! يعني هتعملي فرح كبير بجد، زي ما كنت بحلم زمان؟
قرص خدها بخفة:
— بجد يا قلب سليم، أنا هعملك فرح أسطوري مصر كلها هتتكلم عنه...
_____________________________________________________________
**بعد مرور أسبوع**
كان يجلس في مكتبه بالغردقة، ينظر أمامه إلى شاشة الحاسوب، ووجهه مقتضب كعادته عندما يكون بالعمل. يضيق عينيه الزرقاوين من خلف نظارات القراءة، بينما يضع كف يده على ذقنه المنبتة.
قطع تركيزه دقات هادئة على الباب، ليقول بصوت هادئ:
«ادخل».
السكرتيرة بأدب: «مراد بيه، فيه بنت بره بتقول إنها جاية تقدم على وظيفة السكرتيرة».
عقد جبينه باستغراب:
«سكرتيرة إيه؟»
تنهد بضيق:
«دخليها أما أشوف حكايتها إيه».
أومأت برأسها وخرجت لتنادي الفتاة.مرت ثوانٍ، ليخلع مراد نظارة القراءة ويفرك عينه بتعب. وعندما رفع يده ليمررها بين خصلات شعره البنية، فجأة رأى فتاة تظهر من خلف الباب.
دخلت المكتب بخطوات بطيئة، وصوت كعب حذائها يصدر صوتًا إثر اصطدامه بالأرض. مرر مراد عينه عليها، ليجدها جميلة بشكل ملحوظ، ذات بشره قمحية وشعر أسود متوسط الطول، تضعه على جانب كتفها. جسد أنثوي متناسق ظهر من ملابسها، التي كانت عبارة عن جيبة سوداء تصل إلى ما بعد ركبتها، ويعلوها بلوزة باللون الأبيض.
وقفت أمامه مباشرة، وقالت بابتسامة بشوشة: صباح الخير يا فندم، أنا جيت أقدم الـCV بتاعي لوظيفة السكرتيرة».
عقد مراد جبينه باستغراب:
«بس أنا ما طلبتش سكرتيرة».
«بس الشركة كانت منزلة إنهم محتاجين سكرتيرة».
رد مراد بهدوء وهو ينظر إليها:
«أيوة، بس للأسف فيه بنت أخدت الوظيفة خلاص».
ضمت شفتيها بحزن وهي تنظر إلى الأسفل:
«آه، واضح إني فهمت غلط. أنا آسفة على الإزعاج، عن إذنك».
تأملها وهي على وشك المغادرة، فوجد نفسه يناديها بدون وعي:
«من فضلك استني».
استدارت برأسها وهي تنظر له بحيرة:
«نعم؟»
«إنتي اسمك إيه؟»
صمتت لثوانٍ قبل أن تجيب بابتسامة دافئة:
«سهيلة، اسمي سهيلة»..