
رواية بين ظلال الماضي الفصل التاسع والعشرون 29 والأخير بقلم رودينا يوسف
الخاتمة
بسم الله الرحمن الرحيم
و بحي السيدة زينب كان الموقف كالآتي.....
أيمن يقف جهة اليسار جوار نعيمة الراقدة على سريرها في غرفة نومها ، أما جهة اليمين كان يجلس عادل الذي نظر له أيمن بانتصار بعدما أغلق المكالمة مع حازم و قد تأكد أنه صدَّق ما قاله ، ثم طمأنه بغمزة قائلاً: كده تمام و قد تمت المهمة بنجاح يا عادل بيه ...
و أكمل بافتخار : و الله انا ما عارف من غيري كنتم هتعملوا ايه ... يلا ربنا ما يحرمكم مني و لا من افكاري النيرة
ألقى عادل وسادة صغيرة بجانبه على أيمن و علَّق:
قصدك افكارك المنيلة... ربنا يستر و الموضوع مايتطينش بزيادة ...
زفر بتوتر موضحاً : أنت سمعت صوت حازم كان عامل إزاي ... ده هيطيح فينا أكثر ما هو طايح يا أبو الأفكار ... و تبقى طارت الجوازة للأبد ... ده غير خسارته ...
ضم سبابته على إبهامه فشكَّل دائرة صغيرة و فرد باقي أصابعه الخمس و هو يحرك يده بتوعد: و الله يا أيمن لو ما عدت على خير لانفخك ... و اطلع عليك همي كله عشان تبقي تتحفني بأفكارك تاني
ابتلع أيمن لعابه بوجل ثم قال محاولاً الثبات و تهدئة عادل في آن: بقولك إيه اهدى و كله هيعدي ماتقلقش و ماتوترنيش معاك.... خليك ريلاكس كده و فكر هتقوله ايه عشان توضح موقفك المهبب
ابتسم بهدوء و وجه نظره لنعيمه التي ترمقهما كالبُلهاء و جلس يضع يده على كتفها بثقة و هو يقول : ما تنساش احنا معانا الكارت الكسبان ....
أم محمود حبيبتنا و احنا اتفقنا و هي حفظت و هتساعدنا... مش كده يا نعناعتي ؟؟ .. قولي له
وخزته نعيمه بخفة في خاصرته ثم ردت : نعناعتي ايه يا قليل الحيا .... ياك يسمعك ابو محمود و يطين عيشتك ... وبعدين واقفين لبعض زي الديوك كده ليه ولا محترمين وجودي و لا نيله ... انتم جايين تقعدوا معايا ولا جايين تصدعوني يا واد منك ليه ؟؟؟
مال عادل برأسه للجانب قليلاً و هو يحدق في أيمن بمعنى ( أرأيت) ، فضم الآخر أصابع يده اليمنى و أشار بها له صعوداً و هبوطاً في حركة معناها ( تمهل / استنى) ، ثم اعتدل يجلس في مواجهة نعيمة وهو يربع قدميه قائلاً: ركزي معايا يا نعيمه الله لايسيئك و هنقول مع بعض من الأول ماشي ؟؟
أومأت نعيمه له بموافقة فأردف: بصي يا ستي ..انتي كنتي قاعدة في امان الله و عادل نزل يقعد معاكي و زعلان و على آخره .... و أنتي حنينه و قلبك كبير طبعاً ف ايييه... سألتيه مالك و اصريتي قوي يعني تمام كده معايا ؟؟؟
ردت نعيمة وهي تومئ برأسها: ايوة معاك يا ابني كمل
أيمن: راح هو فضفض معاكي ووسطك ... بس انتي زعلتي لأننا زي ولادك و مش عاوزة يكون في بينا زعل تمام ؟؟
نعيمه : اه طبعاً ولادي امال ايه ... ربنا ما يجيب زعل بينكم أبدا
أيمن : هايل ... بس فبعد ما مشي عادل قلبك وجعك جامد من الزعل علينا و خليتي عيل من اللي في الشارع يرنوا عليا يجيبوني على ملا وشي .. و انا جيت اشوفك و كلمت حازم لانك تعبانه قوي ... وعادل رجع عشان حس أنه ضايقك فحب يطمن عليكي ... حلو الكلام ؟؟؟
نعيمه : ايوة حلو قوي فهمت و بعدين؟؟
أيمن: بس يا ستي كده ... انا بس عاوزك تكلميه و تقولي له انا تعبانه و ما اقدرش اشوفكم زعلانين من بعض في آخر أيامي ريحني يا ابني و حته مدام أمينة رزق كده وانتي بتستموتي
ضربته نعيمة بوسادة أخرى بوجهه وهي تقول :
يا واطي يالي ما شفتش ربايه بستموت... عاوزني اموت يا ولا ... و بعدين هما مين دول اللي زعلانين
أيمن بعدما اقترب منها يقبل يدها سريعًا: ابوس ايدك يا نعيمة ركزي معايا شويه حبيبتي.... أنا عارف إني ضاغط عليكي بس ماعنديش حل غيرك ... و حازم مش هيعدي المرار ده اللي كده ... عاوز اتجوز يا نعيمه
أطلقت نعيمة زغرودة ثم قالت له بفرحة : يا حبيبي مليون مبروك هتجوز مين ؟؟ اوعى ما تعزمنيش يا ولا ده انا أمك ... ولا هتبقى زي ما بيقولوا ربي يا خايبه للغايبه و ما تعرفنيش حاجه إلا بعد ما تخلفوا عيلين تلاته
عادل بنفاذ صبر لأيمن : أنا كنت عارف و الله ... اتفضل قابل بقى
أيمن: يا عم اصبر إن شاء الله مش هتكسفني
عاد ينظر لنعيمة و رد محاولاً تثبيت الكلام بطريقة أخرى قبل مجئ حازم : لا يا نعناعه و أنا أقدر ... ده انتي قبل العروسه ... بس بصي هقولك على حاجه لازم نعملها أنا وانتي قبل الفرح ماشي ؟؟
نعيمه وهي تحاول الاعتدال: ماشي يا ولا .... بس قومني ادخل الحمام الأول و اجي لك تكمل رغي زي ما أنت عاوز
أيمن و قد بدأ في مساعدتها بالفعل : حاضر يا نعناعه حاضر ... يلا بينا
تحرك ايمن بها للخارج نحو الحمام بينما قال وهو يخرج : بطل توتر بقى و أقعد على جنب على ما نطلع و اهدى شويه هتعدي يا عم
خمس دقائق مرت... و تزامناً مع خروج نعيمة لأيمن الذي ينتظرها أمام باب الحمام ، دخل حازم الذي كان أول مَن ترجل من السيارة ليطمأن على نعيمة ، تحرك لغرفة نعيمة وهو يهتف باسمها بلهفه بينما سمعه أيمن القَلِق و بيده نعيمة و اللذان قد وصلا لنهايه الممر الصغير الواصل بين الغرف و الصاله ، و عندما لمح مرام بجانبه تستعد لدخول الغرف ، سلمها نعيمه في أقل من ثانيه و سبق بسرعة بديهة ليتحرك لغرفتها مغلقاً الباب على حازم المذهول من رؤيتهما و بشكل طبيعي حتى لا يخرج منها ، ثم قال من الخارج بصوت عالٍ : بص بقى لما تفهم و تسمع أبقى أفتح لك واطمن يا سيدي نعيمه كويسه و زي الفل كمان... بس ما عرفناش نتلم عليك إلا كده هه
ضرب حازم الباب بقدمه بعنف شديد من الداخل و هو يصرخ : قسماً بالله لاتشوف يا أيمن... هو الكلام ده فيه لعب عيال
زفر بضيق و هو يقف بمنتصف الغرفة واضعاً كفيه على خاصرتيه ، و ما إن وجد عادل أمامه على كرسي جانبي يضحك بسماجة و كأنه يقول له مفاجأة أليس كذلك ؟؟، توجه له ثم جذبه من ياقته بعنف و هدر به : كده رجاله انتم يعني ... يا أخي يلعن ابو اليوم اللي عرفتكم فيه ... إيه الطريقة دي يا جدع
و بالخارج كان مرام إيهاب و حنين يحاولون إقناع أيمن أن يفتح الباب ليتم النقاش بهدوء ، لكنه كان يجلس جوار نعيمة ببرود واثق لا أحد يعرف من أين قد تحلى به و هو يرد : هتخلص بينهم على خير ما تقلقوش انتم ... إحنا اخوات يا عم و عمر ما حد فينا يعرف يأذي التاني ...
نعيمة بتساؤل لأيمن: هو في ايه يا ولا هما ملمومين على ايه ... أوعى يكون هتعمل فرحك عندي يا منيل و المعازيم هتبدأ تهل علينا ... البيت مش هيكفي يا ولا و أنا لسه مروقه ... و كمان ماخدتش إذن أبو محمود و هو مالوش في الزيطة دي هيهد الليله على دماغك ... أنت حر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و بداخل الغرفة ....
وسط صمت الطرفين وهما في مواجهة بعضهما ، كان عادل مستسلماً ينظر داخل عيني حازم برجاء كي يعطيه فرصه أخيرة للحديث ، أما حازم فقد زاغت عينيه بعيداً لأنه بدأ أن يتأثر بالفعل مما يراه في عيني صديقه بل و أخيه الأصغر ، فتركه و هو يلفظ الهواء من رئتيه بضيق من الموقف برمته ، ثم ابتعد يوليه ظهره مستنداً بيديه على ظهر سرير نعيمة و قال : خلي الزفت اللي برا ده يفتح الباب يا عادل و كفاية لحد كده
اقترب عادل يقف خلفه و هو يضع يديه داخل جيبي بنطاله و عقَّب بإلتماس : طب عشان العشرة اللي ما بينا و سنين العمر و العيش و الملح و كل ذكرى حلوة أو مرة قسمناها مع بعض في يوم اسمعني يا صاحبي
التفت له حازم و نظر له نظرة مؤلمة سطع فيها تمزق روحه قبل قلبه و هو يقول بمرارة : ياااااه ... صاحبي ... هه و كل اللي بتقوله ده ليه ما شفعليش يا عادل و انت بتقرب من اختي كده ... ليه و انت بتغرز في ضهري سكينة الغدر ما خطرش في بالك كل اللي جاي تفكرني بيه دلوقتي.... أنطق لييييه ؟؟
نظر عادل أرضاً بخزي من حاله ثم خرج صوته بنبرة تقطر ندماً : و الله العظيم دي كانت ساعة شيطان انا لا حسيت و لا حسبت حاجه.... اقسم بالله كنت هطلبها منك في نفس اللحظه لو ماكنتش شوفتنا...
رفع عينيه يواجه عمق عيني حازم و هو يستأنف بصدق ظاهر : انت عارف إني من زمان و أنا مانع نفسي من أي ارتباط و قررت إني هعيش لأمي واختي و أشيل قصه الجواز دي من دماغي ... و انت بنفسك ياما كلمتني و حاولت معايا و كنت برضه بتشوف النتيجه ... انت عارفني انا لا ليا في الكذب و لا في التحوير
زوى حازم بجانب فمه بسخرية لاذعه و عقب : هه...أمال ليك في إيه ؟؟ ... و لا عاوز تفهمني إني اختي هي اللي فتحت عينك من تاني يا زاهد افندي
اتسعت حدقتي عادل من تأثير رد حازم عليه فهتف بنفس الصدق و قال بصوت مختنق : كفاية بقى يا حازم ...كفايه يا جدع ... انا وعزة جلال الله بحب اختك بجد و أشهد أنها خطفت قلبي بأدبها و جدعنتها و عدم رضاها بالغلط ...
خفتت نبرته و هو يتجه يجلس على طرف السرير بهم متابعاً: من يوم ما مشاعري اتحركت لها و انا في حرب دايرة بين قلبي و عقلي ... حبيتها و كل يوم اتشد زيادة واتسحل في عشقها بس بفكر فيك و في خوفي إني اظلمها من أثر تجربة فاتت ... و أقعد ألوم ف نفسي و أجلدها ... و ارجع و اقول أنا لاعملت عيب و لا حرام حبيت و هدخل البيت من بابه و البنت غير اللي كانت... متربية قدامك و طباعنا واحده ... و دوامه ماعرفتش أخرج منها و اخد قرار الا في اليوم الزفت اللي شفتني فيه و رجعت اتقفلت تاني كل البيبان....
استقام ثم أخرج مسدسه الميري يجهزه على الإطلاق ، و بعدها نظر لحازم المصدوم و الذي قد استشعر ما كان يمر به صديقه ، فعادل حديثه كان حقيقي معبر عما بداخله و مع شخصيته الجامدة الكتومة ، لم يتخيل حازم أنه سيأتي عليه يوماً و يكون أمامه كما هو الآن....
لم يعطِ فرصة للاستفهمام فقط جذب يد حازم ووضع المسدس بيده ثم سلط فوهة المسدس على منتصف رأسه مباشرة و قال معترفاً وهو ينظر له بتصميم :
انا بحب هنا يا حازم و مش هقدر اعيش من غيرها ....و في نفس الوقت انت صاحبي و كبيري و أخويا اللي مستحيل اخسره... و بما أن الحالتين الموت فيهم واحد يبقى خلص و ارتاح و ريحني
تجمد حازم غير مستوعب ما وصل إليه عادل و ما يقول ، و مرَّ بذاكرته كل ما جمعهما سوياً كشريط سينمائي ، فدفع يد عادل و قذف المسدس بعيداً مما جعله أصدر صوت طلقات نارية مدويه أصابت الجميع بفزع تام ......
اندفع الجميع نحو الغرفة برهبة متوقعين حدوث مجزرة بالداخل ، لكن استمروا أماكنهم ببلاهة و هم يرون حازم محتضناً عادل بقوة كبيرة و عادل يبادله بالمثل ، و ما لم يسمعه غير عادل هو همس حازم المتأثر في أذنه: حد يعمل كده يا ابن المجنونة
و أول مَن تحرك نحوهم بسعادة كان أيمن الذي قال و هو يضع ذراعي على كتف كلا منهما حتى أصبح بالمنتصف : يااااه يا ولاد ايوة كده ... أخيراً اتلم من تاني المتعوس على خايب الرجا ... مش عاوزكم تبالغوا في شكري و تقديري ... انا عارف إني خسارة فيكم و ف البلد كلها ....
حمحم بثقة ثم تابع : احم احم بالمناسبة السعيدة دي و بما أنك كده يبقى اكيد هتوافق على جوازة عادل باشا من هنا ... فانا كمان يا ابو نسب بالنيابة عن نفسي و بالأصالة عن أبويا اللي أن شاء الله هيجي من البلد كمان يومين بطلب منك ايد ... تنهد بوله و هو ينطق اسمها : چنااا
ابتعد عنه حازم و هو يقول : انت أهبل يلا انت كمان ولا ايه انتم خدتوا اخواتي شروة يا بقر و لا ايه
لوح أيمن بيده في الهواء و رد : براحه يا عم و انت يعني كنت هتلاقي لاخواتك البنات شباب زي الورد انا و الواد ده فين
أشار على عادل وهو يكمل بمزاحه المعتاد : ظابط طول بعرض قيمة وسيما تتفشخر بيه قدام نسايبك و انت حاطط رجل على رجل و يقدر يخلص لك اجدعها رخصه في غمضه عين... واسطة جامده يعني مش اي كلام
ثم عدل من هيئته و أشار على نفسه بفخر و استأنف:
وانا دكتور قد الدنيا برضه مركز محترم و الاهم هوفر كشف و علاج انت و عيلتك كلها ببلاش... ايه بقى وجه اعتراضك ... هو حد يا ابني لاقي عرسان اليومين دول
نظر له حازم بشر ثم تبادل النظرات مع عادل المغتاظ منه بعد فشل مخططه الاول، ثم أشار اثنيهما لبعضهما بموافقه و انطلقا كالبرق خلف أيمن الذي قد ألتقط حديث اعينهما و لاذ قبلهما بالفرار ، وسط ضحكات إيهاب الذي شعر بألفة غريبه بهذا الحي و أهله و مرام المعتادة على مثل هذه الأمور من المجانين الثلاثه ، و حنين التي حمدت الله لانتمائها لهؤلاء الناس ....
أما نعيمة فما إن شاهدتهم ينطلقون للخارج بهذه السرعه كمَن عادوا أطفالا يتشاجرون غير حاملين هما و لا حزنا ، أطاحت بنعلها المطاطي( شبشب) في الهواء عالياً و ألتقطه بمهارة أم لتلقيه عليهم قائلة :
هتهدوا البيت على اللي خلفونا يا ولاد ال..... ..... براحة يا شحط منك ليه هقوم لكم يا رمم ايه يا اختي ده
نظرت أمامها فإذا بالثلاث شباب يقفون متجهين للخارج خلف الآخرين فوجها حديثها لهم قائلة:
استني يا بت منك ليها ... هي وكاله من غير بواب و لا ايه ... انتم رايحين فين
مرام : طالعين عند أم حازم يا حبيبتي وراهم .. انتي محتاجه حاجه
نعيمة: اه يا بت خليني معاكم لحسن إيمان مجنناني من صباحية ربنا بريحه المحشي و الملوخيه اللي جايبه اخر الشارع ده
مرام بتساؤل: ما يمكن مش هي يا خالتي اللي عملاهم ؟؟
نعيمة بتأكيد: لا يا بت هي يا مزغودة و أنا هتوه عن أكل إيمان ولا إيه ... إيدك معايا انتي بس و طلعيني و أنا اوريكي ... بس مش هديكي منه مادام مش مصدقاني....
تحركت مرام و معها حنين تساعدان نعيمه على الصعود بعدما رفضت مساعده إيهاب الذي حاول أن يساندها قائلة : ابعد يا حليوة يا ملون انت ... هو اي لحمه هتمسك فيها و لا ايه ... انا يا اخويا ست متجوزة و أبو محمود لو سمع أن في راجل غريب لمس طرفي يقتلني و يقتله ... ابعد يا ولا ابعد
ابتسم إيهاب عليها و احترم رأيها و اتجه خلفهم للأعلى نحو شقة حازم و أسرته......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استقبلت إيمان كل زائريها بحفاوة شديدة و كيف لا ؟!! و بيتها كان دوماً عنواناً للكرم و جمع الأحباب ،
و التي حظيت بنصيب الأسد في الترحاب بالطبع كانت حنين ، فقد أغدقتها إيمان بالأحضان و المشاعر و لم يعلق أحد بل اكتفوا بإعجابهم على تلك العلاقة الجميلة بين حنين و والدة زوجها ...
سأل إيهاب إيمان بأدب: أمال فين حازم و الباقي احنا طلعنا وراهم بس مش شايف حد فيهم هنا
إيمان: أنا شفتهم و هما بيطيروا ورا بعض زي التيران ع السلم بس دول كملوا ع فوق اكيد طلعوا السطح في الاوضة بتاعتهم
حنين و قد همت بالوقوف مقترحة : طب نطلع ليتخانقوا تاني و لا حاجه
تعالت ضحكات مرام و إيمان و نعيمة التي قالت بأريحية : مشاكل مع مين ... يا اختي البقر دول مايسلوش بعض ... و هما طول عمرهم كده ... تقوليش حلة ولقيت غطاها ... انتي اقعدي كده وأرسي ما تخافيش .... مسم... قال على رأي المثل الحب بهدلة و خلى حالتي مشندلة
جلست حنين و هي تلملم خصلاتها خلف أذنها و تبتسم بلطافة على حديث نعيمة التي اعتادت عليه قليلاً بسبب المرات التي قابلتها فيها ، بينما ردت إيمان بحنان : ما تخافيش يا نور عيني هما دلوقتي ينزلوا بالغاغة بتاعتهم زي العادة ... ها اقوم أنا أحضر الغدا على ما ينزلوا ...
قامت حنين و مرام لتساعدانها و لكنها قاطعت حركتهما بكفي يدها التي وضعتهما أمامهما و هي تقول بإصرار: و الله ما واحده فيكم تيجي ورايا ... انا مخلصه كل حاجه كده كده ...و البنات جوه هيساعدوني في رص السفرة بس ... انتم جايين عشان نتعبكم و لا ايه
تدخلت نعيمة قائلة : شوف يا اختي الوليه... ما تخليهم يساعدوكي بدل ما يقعدوا زي البروطات كده .. مش كفايه وقفتك طول اليوم
إيمان بعتاب خفيف : لا مالكيش حق يا نعناعه دول زينة البنات.. و بعدين و أنا هقف لأعز منكم و لا أنتم عندنا كل يوم ده البيت نوّر بيكم
استأنفت موجهة حديثها لحنين : انتي رني على حازم عشان ينزل هو وأصحابه و لو ماردش
نظرت لإيهاب بطلب قائلة : هتعبك بقى يا ابني تبقى تطلع تنده عليهم من فوق
إيهاب : مافيش مشكله خالص بسيطه
تحركت إيمان للمطبخ و هتفت على ابنتيها لمساعدتها، بينما جلس الأربعة الآخرون في غرفة الصالون....
و قبل ذلك بدقائق....
وصل الأصدقاء الثلاثه لمكان تجمعهم المعتاد على سطح بنايه منزلهم وهم يلهثون من الجري خلف بعضهم ، و ما إن وقفوا نظروا لبعضهم البعض ثم انفجروا ضاحكين للحظات حتى هدأوا ، فاقترب عادل من حازم مؤكداً وهو يمد له يده : كده خلصانه و سماح يا صاحبي
حازم بعدما عانق يده برجولة: و ضهرنا ف ضهر بعض لآخر يوم في العمر يا صاحبي
أيمن وهو يرفع يده للسماء : الله اكبر و أخيراً... ثم نظر لهم و وضع يده على أحد جانبيه و قال : خلصونا بقى من فيلم أصحاب و لا بيزنس ده و خلونا في المفيد
عقد حازم ذراعيه أمام صدره و بدل نظراته بينهما بشر و قد فهم مغزى الحديث فعلَّق: امممم و ايه المفيد يا دكتور أيمن
هرول أيمن نحوه وفرد ذراعه على كتف حازم و قال : اللي لسه طالبينه منك تحت يا ابن الناس الكويسين... و حياة حلوياتك لتوافق يا شيخ ... و اللي انت عاوزه هنعمله و الله
وخزه حازم بقوة تأوه أيمن على أثرها ثم قال : ما انت لو تلم لسانك ده ... مش قلت ميت مرة بلاش حلويات دي يالا
أيمن: يا عم خلاص يعني غلطت في الملكة حتشبسوت ... هتكتم خالص بس انت وافق يا عم وريحني ده انا يتيم و عاوز حنان و أبويا راميني و مسافر علطول ف البلد و حالتي نيلة
ضحك عادل على طريقة صديقه فنظر أيمن له وأكمل : و اللي ماعندوش دم و بيضحك ده و كان هينتحر و يلبسنا كلنا مصيبه من دقيقتين ...أبوه ميت و غلبان و أخته على وش جواز و غلبانة برضه ... وافق بقى وريحنا
هز حازم رأسه بمعنى لا فائدة ثم رد : و الله مافيش مشكلة... انا ممكن اوافق مبدئياً بس في شروط كتير و مش هديكم كلمة إلا لما توافقوا عليها
عادل : انا موافق من دلوقتي على كل حاجه يا حازم مش هنختلف
أيمن: و انا قبله يا عم مادام هتوافق و في الآخر هتجوزها
حازم ببسمة لا تنذر بخير : طب مش تسمعوا الشروط الأول
نظر كلا من عادل و ايمن لبعضهما بتوتر و لم ينطقا ، بينما تابع حازم و هو يعدد على أصابعه: أولا انا لازم اخد رأي أمي و طبعاً اسأل البنات على رأيهم كمان ده شرع ربنا يمكن مش طايقنكم مثلاً
لمح بسمة كليهما المرتاحة من هذه النقطة ففهم أنهما يضمنا موافقة اختيه ، لذلك انتقل للشرط التالي قائلاً: ثانيا الفترة دي كلها هتبقى قراية فاتحه و ربط كلام فقط و مافيش خطوبة إلا بعد امتحانات الثانويه بتاعتهم و اكيد مش هوصيكم لا كلام و لا زيارات و لا حتى هتلمحوا طرفهم لحد ما يخلصوا امتحاناتهم و اطمن ع النتيجه ع الأقل
بدأ الامتعاض يظهر خفيفًا على وجهيهما فأكمل حازم : ثالثاً مافيش جواز قبل ما يخلصوا جامعاتهم
هنا نطق أيمن بصياح: لاااا ما ينفعش يا حازم اختك ناويه على طب... استناها لما تخلص سبع سنين مثلاً ...ده اكيد هزار طبعاً ...ده انا اكون قربت اسلم نمر ...اومال هجيب عيال امتى يا ناس..... لا لا لا شوف اي حاجه تاني
و كذلك قال عادل : صراحة معاه حق يا حازم خف كده علينا يا عم ده أنت بتحب وعارف و بعدين فترة الخطوبة مش حلو تطول قوي للدرجه دي يعني
رد حازم بتسويف : و الله وقتها بقى نبقى نشوف
المهم راب
تحرك أيمن له ووضع يده على فمه سريعاً : انا بقول كفاية كده و رحمة أبوك ما انت مكمل احنا موافقين و خلاص انت بس قول نقرأ امتى أم الفاتحة اللي هتطلع عين أهلنا عليها دي
حازم بعد دقيقه تفكير: بص كل واحد فيكم يجيب أهله و تعالوا نتكلم كمان يومين في باقي التفاصيل
أيمن : حلو ده يبقى سماح بقى في الشرط التاني لحد ما نقعد و نقرا ... مانا مش هفوت المحشي اللي ريحته قالبة السيدة كلها ده
حازم باشمئزاز مزيف لأيمن : قد ايه انت طفس ... عامة هشوف امي عاملة حسابكم و لا لا و بعدها أفكر
و عادل كان يضغط على شفته السفلى محاولاً أن يضبط أعصابه كي لا يتصرف بحماقة جديدة ، في حين تحرك حازم من أمامهما و هو يصفَّر باستفزاز بينما نظر له عادل و أيمن بتوعد مصطنع ، ثم نظرا لبعضيهما و قال عادل أولا بأمل : المهم بس أنه وافق نقرا الفاتحه و نخطب وهو بعد كده هيكون اتجوز وانشغل مع حنين و كل واحد فينا يعمل اللي عاوزه
أيمن بتمني : اه يا واد يا عادل لما ده يحصل و نستلم خالتك إيمان بقى و نقنعها و نتجوز و بعدها يا يبقى يقابلني سي حازم بقى
ضحك الصديقين و هما يتخيلان مستقبلهما مع اختيّ صديقهما ، ثم تحركا ليلحقا بالبقية في الأسفل...
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل حازم لشقته ثم اتجه للمطبخ و رأى أمه و أختيه يحضرن الغداء بهمة ، ألقى عليهن التحية بود و ما إن سمعته هنا حتى نظرت أمامها بحزن و خشيت أن تعقب كي لا تضايقه منها أكثر ، فقد انطفأت كثيراً في هذه الأيام و لم تعد بنفس جرأتها السابقة ، و هو ما ألم قلب أخيها عليها حتى قبل أن يهدأ من ناحيتها ، لذلك أراد أن يكسر هذا الحاجز الذي بُني في الأيام الفائتة و تكلم بمزاح خفيف :
ما شاء الله يا أمي على بناتك الحلوين الشاطرين واقفين كده و لا اجدع ستات البيوت و الله ... كبرتوا يا حلوين خلاص و بقيتوا عرايس
خجلت چنا و توردت وجنتيها بينما سقط أحد الاطباق من يد هنا أرضاً على مزحة أخيها الذي وأخيراً وجه لها مع اختها حديثاً ، في حين ردت والدته : يا سلام عرايس عشان بيرصوا معايا كام طبق على السفرة ... أمال لو هما اللي قاموا بيها بقى ... صحيح مين يشهد للعروسه
حازم : أخوها يا أم حازم
ثم نظر لهنا و أدهشها حين قال : هنا تعالي معايا عاوزك تعملي لي حاجه
و تحرك من المطبخ تاركاً هنا متسمرة مكانها للحظه قبل أن توجه نظرها لچنا بتساؤل ، فهزت لها چنا رأسها بخفه عدة مرات لتؤكد لها ما سمعت ، كما تحدثت إيمان التي تعطيهما ظهرها : ما تيلا يا بنتي شوفي اخوكي عاوز ايه عشان يطلع يقعد مع اللي برا دول على ما أنا أخلص
جريت هنا و كأنها تنتظر الإشارة باتجاه غرفة حازم ، وقفت أمام الباب ثم طرقت ببطء طرقتين سمعت بعدهما صوت إذن حازم القائل : ادخل
تقدمت هنا و هي تشجع حالها فما حدث كان كضوء أخضر لها كي تسترضيه عما بدر منها ، لذلك ابتلعت ريقها و بللت شفتيها و نطقت : حازم .. أنا قبل أي حاجه عاوزة اتكلم معاك أرجوك
اعتدل حازم و استند للخلف بكفيه على مكتبه ثم رد بهدوء : هو رغم أن مش لايق عليكي خالص دور الهادية ده ... بس انا سامعك يا هنا اتفضلي
هنا بندم حقيقي : و الله يا حازم انا ما كنتش اعرف ان هيحصل كده و لا طبعاً كنت اقصد من أصله ..... انا مش هنكر إني غلطت من البدايه لما اتكلمت مع عادل واحنا لوحدنا .. بس و الله العظيم اللي حصل كان مفاجأة و غير مقصودة ...
سالت دموعها العزيزة و هي تكمل : انا ماليش غيرك يا حازم ... و عمري ما اتمنى غير إني ارفع راسك و ما احطكش في أي موقف محرج ... انا مش هكدب انت و ماما عودتونا على الصراحه ... انا حبيت عادل من غير ما اقصد و كان بيخنقني الحالة اللي هو فيها ... انا طلعت و نيتي اواجهه مع نفسه عشان يرجع عن تفكيره مش اكتر ... و هو كان بيقاوم .. و يمكن ضغطي الزايد عليه هو اللي خلاه ينفجر و و
سكتت عن الحديث و قد وضعت عينيها أرضاً و هو ما لم يتحمله أخيها الذي كان يستمع لها تاركاً المجال لتفرغ كل ما بداخلها ، رغم ضيقه الذي وخزه من تخيله لما حدث للمرة الثانية ، وضع إبهامه أسفل ذقنها و رفع رأسها عالياً و هو يغرز نظراته القويه بمقلتيها قصداً ثم قال بنبرة حاسمه :
هنا محمد المهدي عمرها ما توطي راسها غير للي خالقها و بس ... هنا محمد المهدي لازم دايما تبقى مرفوعه الراس ....انا بعافر عمري كله من وانا صغير عشان محدش فيكم يوطي راسه لمخلوق و لا حتى انا... ما تحسسنيش إني خسرت يا هنا خسارتي فيكم مالهاش قومه
ارتمت هنا بأحضانه تتشبث فيه و هي تقول :
لا يا حازم احنا راسنا مرفوعه بيك يا ابويا و اخويا ... عشان خاطري سامحني
حازم و هو يبادلها العناق : مافيش حاجه يا حبيبتي خلاص... انا عاوزك بس تتعلمي تتحكمي في اندفاعك شويه يا هنا .. انتي لسه ياما هتقابلي .. انا عمري ما هسيبكم و لا هفرط فيكم ده أكيد... بس عاوزك تفكري في عواقب تصرفاتك يا حبيبتي... اتفقنا
اعتدلت هنا و مسحت دموعها بطفولة بظهر يدها و قالت : حاضر يا حازم و الله بس المهم انك خلاص مش زعلان مني
حازم بابتسامة: ما اقدرش ازعل منك يا عبيطة... انا ازعل علشانك و عليكي و بس
ابتسمت له هنا بامتنان و قالت بدعابة : طيب عشان قلبك اللي مافيش منه ده ...انا بقى هروح اظبط لك حته طبق محشي ماحصلش و لا هيحصل
حازم بشرط : انا و حنين ها و تعمليه بضمير و زمة كده .... ثم أردف و هو يلتقط طرف قميصه بإصبعيه : و انا هغير القميص اللي بهدلتيه بدموعك دي و جاي وراكي
ضحكت هنا بسعادة و هي تمثل بيدها تأدية التحيه العسكرية: علم و ينفذ يا كبيييير... ثم عادت تشاكسه بغمزة شقيه و قالت : و خد وقتك خالص الموزة برا ويهمنا تبقى و لا رشدي اباظه في زمانه واخد بالك معايا
مثَّل حازم أنها سيلحقها فاختفت من أمامه بسرعه و أغلقت الباب خلفها ، و بعد قليل اجتمع الكل على الغداء حتى أيمن و عادل و كانت الجلسة عائلية دافئة بامتياز ، مليئة بالدعابات و يسود عليها مشاعر الألفة بين الحاضرين.......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمر الأيام سريعًا كعادتها ، و تطوي بين ساعاتها أعمارنا ، تماماً كما مضى على أبطالنا سبعة أشهر ، امتلأت بمواقف حياتية عديدة قوَّت من روابطهم الأسرية و زادت من تقدير كلٌ منهم لوجود الآخر بحياته ، و على الرغم أن الحياة لم تكن مثالية ورديه طوال الوقت ، إلا أن مناوشاتها لم تزدهم إلا قرباً و تجميعاً....
فكرم و ناديه بعدما انقشعت غيمة سرهما الدفين و عرفت حنين الحقيقة ، استطاعا أخيراً أن يكملا حياتهما بأمان ، و خاصة عندما اطمأنا أن حنين قد تقبلت ماضيها و رحبت بهما في حاضرها ، من وقتها و اختفى أي خوف من حياتهما بل عاشا حياة أجمل...
و ناجي باحتواء عائلته و بالأخص أخيه تعايش مع واقعه ، و تعلَّم درس حياته لا ينكر ذلك ، لكنه الآن تغيَّر و أصبح أكثر إيجابية في حياته و عمله ، يحتفظ بندبة الماضي بين جنبات قلبه ، و يحاول أن يحيا الحاضر و يستمتع به مع ولده و زوجته مرام و لا ينسى زيارة ولده و معه إيهاب على فترات متقاربة ....
و عن راوية فقد طلقها ناجي بعد الوفاة بشهر تقريباً ، و حتى الآن تمكث بين جدران إحدى المصحات النفسية للعلاج ، وولدها يتكفل بكل شئ كما أنه كلما سُمِح له بزيارتها لا يتأخر ، لكنها ما زالت ترفض الاعتراف بالواقع ، وتنتظر عودة ولدها الراحل كما لو أنه لم يغادر يومًا ....
و بالنسبة لإيهاب و مرام فقد كتب كتابهما مع الخطبة منذ شهر ، و يجهزان لمنزل الزوجيه مع ناجي ، وقد تحسنت علاقتهما كثيراً ، و نستطيع أن نقول أن إيهاب قد اكتشف نفسه بين أعين حبيبته مرام ، و شعر حقًا بمشاعر حب أكثر صدقًا و عمقاً مما عاش قبلاً ، و هي زاد نورها عندما لمست عشقه و اهتمامه التي عاشت تحلم بهما كثيراً...
و لا ننسى هنا و چنا اللذينِ قد تمت قراءة فتحتهما على عادل وأيمن ، و هنا لكم أن تتخيلوا قرائي الأعزاء حجم المعاناة التي يعيشها الثنائي تحت رقابة حازم المشددة ...
أما حازم و حنين فاليوم هو يوم زفافهما المنتظر و الذي ظل الجميع يرتب له منذ فترة على قدم و ساق ، فبعد أن انتقل حازم لبيت مجهز بالقرب من كرم كما طلب منه ، و ذلك من ماله الخاص بعدما ازدهرت تجارته بشكل ملحوظ ، و قد حرص على أن يكون بيتين منفصلين بحديقة مشتركة لانه سيأخذ والدته و اختيه معه، بدأ حازم و ساعده المحيطين في إتمام ما يلزم ليعجل بالقرب من مالكة روحه....
و في عصر اليوم أيها السادة.....
تجهزت حديقة منزل كرم عثمان الواسعة بطريقة تخطف لُب مَن ينظر لها ، طاولات متوسطه منمقه توضع عليها مفارش بها صور العروسين المبهجة و فوقها شموع معطرة ، و أنوار صغيرة للإضاءة بين الطاولات على شكل قلب عليه صورة العروسين أيضاً ، و ساحة رقص محاطه بسلاسل الفل الأبيض في المنتصف ، و خلفها بمسافه ليست كبيرة مكان جلوس العروسين الملكي......
طرق ثلاث طرقات متتالية يستأذن الدخول ، ففُتِح الباب بعد دقيقة و خرج منه فتيات العائلة تباعاً يفسحون المجال للحظة والد العروس الخاصة ،
وبعد مباركاتهن له رد بلباقة و دخل كرم ليرى ابنة قلبه حنين ، كانت تنتظره في منتصف غرفتها ملاك في ثوبها الأبيض النقي و خلفها ناديه المتألقة في فستانها الذهبي تُعدل لها طرحتها بفرحة و تأثر ظهر على صوتها حين قالت : شايف حنين يا كرم مبهرة النهاردة ازاي ... انا خايفه تنزل وسط الناس و الله
تقدم كرم خطوة تلو أخرى بهدوء مرتعش نحو ابنته و هو يتفحصها بأعين تحبس الدموع ، يرى حنين و لكن يراها تلك الطفلة الصغيرة التي تعلق قلبه بها منذ أول لحظة وقعت عيناه عليه ، ثبت أقدامه أمامها و ابتسم بحنان عندما تعلقت عينيه بعينيها التي تدمع من رؤية تأثره الشديد بها مما جعلها تتحدث بتحشرج : بابي أنا مش ع
وقفت باقي الكلمات بحلقها و تسربت العبرات منها فرفعت منكبيها للأعلى و مالت برأسها قليلاً لتعبر عن عدم قدرتها على التفوه بالمزيد من كلمات الشكر والامتنان التي طالما جهزت لها في الفترة الأخيرة ...
و هو كان أكثر مَن يفهمها فقد تربت على يديه و شربت من طباعه ، أومأ لها بتفهم و مازالت البسمه لا تفارق شفتيه و قال برفق : هششششش... مش عاوزة اسمع اي كلام حبيبتي... مافيش كلام يعبر عن إحساسي و لا إحساسك دلوقتي يا بنتي ... أنا مش مصدق إني بنفسي خلال دقائق هسلمك لواحد تاني ... و بنفسي هسمح إنك تبعدي و تعيشي فبيت غير بيتك و قدام عينينا ....
حنين بدموع : انا عمري ما أبعد عنكم يا بابي .. حتى البيت جنبكم دقايق و نكون مع بعض .. صدقني ما اقدرش أعيش و انتم مش ف حياتي ... انا دايما كنت بشكر ربنا على نعمة وجودكم معايا ... عمركم ما قصرتوا و لا اترددتوا لحظه ف أي شئ يسعدني .. بالعكس من غير ما اطلب حتى كنتم بتقدموا لي الدنيا على طبق من دهب ... انتم عوض و رزق من ربنا ليا يا بابي ربنا ما يحرمني أبدا منكم و يقدرني إني اشرفكم دايما
ضمها كرم في حضن أبوي دافئ و قال و هو غمض العينين كي لا تخنه العبرات : و لا اي داعي للشكر يا عمر بابي ...الشرف كان لينا لما ربنا كتب إنك تبقي بنتي...احنا عملنا واجبنا و اللي هفضل اعمله لآخر نفس فيا ليكي و لمامي.. و ياريت أقدر أبعد عنكم أي حزن حبيبي...
اعتدل واضعاً يده على كتفيها ثم حمحم و استأنف بصدق : بقى عندك بيتين دلوقتي حبيتي ... و البيت ده بابه مفتوح ف أي لحظه و أي وقت ... و أنا بكل اللي أقدر عليه دايما معاكي و فضهرك عمري ما أفرط فيكي ... أنا عارف إني بسلمك لراجل وأنه بيحبك و هيعاملك بما يرضي الله و إلا عمري ما كنت أسلمه اغلى جواهري دلوقتي ... بس برضه عاوزك تعرفي إني برضه هفضل مضلل عليكي و لو احتجتي لي عمري ما أتأخر لحظه
التقطت حنين يده وقبلتها بتقدير بينما قبل هو الآخر يدها و تابع : و كل ده مايمنعش إني عاوز بنتي الحلوة تبقى قد مسؤولية الحياة الجديدة اللي هتبدأها زي ما عودتني دايما ...
ناديه بعدما مسحت دموعها و هي تهدهد على ظهر حنين بثقة : ما تخافش حبيبي أنا كلمتها و مش هسيبها بالنصح لو احتاجت لحد ما تتعود على كل حاجه ... وبعدين انا بنتي مافيش منها ف الدنيا هتبهرنا كلنا
كرم مد يده يسحب ناديه له ثم ضمها بحب و قبل رأسها قائلاً: عشان تربية ايدك بس يا نانا ربنا يخليكي لينا
ابتسمت حنين على هذه العلاقة الصحيه و التي ساهمت في جزء كبير من تكوينها و كانت سبباً في تعافيها من كل صدمات حياتها السابقة ثم قالت بمشاكسة : يا سلام يا سلام ايه الدلع و الكلام الجامد ده يا بابي
ضمها كرم أيضاً من الناحية الأخرى و هو يحمد الله على نعمه و أولها بالطبع عائلته الصغيرة ....
دق الباب و تعالت الزغاريد من خلفه و التي كانت من إيمان بالطبع ، فاعتدل كرم و اقتربت ناديه تطمئن على زينه حنين و شكلها ، بينما اتجه كرم للباب و فتحه فدخلت إيمان بزغاريد اعلى و خلفها مرام و بقية الفتيات ، و ما إن و قعت عيناها على حنين أخذت تكبر و تحوقل ثم قالت وهي تنظر لها : بسم الله ... تبارك الله يا بنتي ... قال أنا جايه استعجلك عشان الواد اللي رجله فقفقت تحت من الوقفه ... لا ده أنا مش هنزلك أحسن
تعالت الضحكات من حولها مع اقترابها و هي تكمل :
انا لازم ارقيكي قبل ما تنزلي ... لحسن حد ينشك عين مش ناقصين ... ربنا يسعد أيامكم يارب
و ما إن انتهت إيمان من الرقية حتى تقدم كرم و أسدل على حنين طرحتها ثم أمسك يدها يضعها بيده و يخطو معها للخارج كي يسلمها لحازم ، و مع كل خطوة كان كرم يرى أمامه لحظاتهما سوياً منذ الطفولة و حتى هذه اللحظة ، هبط و حنين درجة تليها درجة و دقات طبول الزفة تعلو وتعلو مع كل خطوة ، والورود تنثر من حولهما من بين يدي الأطفال ، و الأمير ينتظر في نهايه الدرج بشوق ...
فحازم كان كمَن يقف على جمر منذ فترة يسأل الجميع عن سبب تأخيرها و يعد اللحظات حتى يتسلمها ، و ما إن ظهرت أمامه حتى غطى صوت دقات قلبه على صوت الطبول ، واتسعت بسمته المغرمة بالحورية التي تدعس مع كل خطوة من قدمها على آخر قدرة للصبر والاحتمال لديه ، يود لو يستطيع أن يحملها و يطير حيث لا يراهما أي إنسان
وصل كرم أمامه و ثم سلم عليه و شدد على يده يوصيه: لو مش متأكد إنك هتصونها ماكانش هيبقى في بينا وقفة زي دي ... بس ده ما يمنعش إني اذكرك انت معاك روحي حافظ عليها بروحك و كون لها سند هتكون لك سكن
ابتسم له حازم بود و أجابه بإجلال و صدق : كلامك ف رقبتي يا عمي و اوعدك ماتنزلش دمعه من عيونها بسببي و اني هحافظ عليها بعمري
عانقه كرم براحة بعد كلامته ثم سلمه حنين و هو يقول : مليون مبروك يا حبايبي
اقترب حازم من حنين و رفع عنها مقدمة طرحة الزفاف بلهفة و نسي العالم من حوله ، فقد احتوى وجنتيها بين كفيه بحرص كأنها قطعة ألماس نادرة ، و عينه أخذت تجول بين خلجات وجهها الفاتن و الذي زاد فتنة بعد بسمة خجلها و ظهور غمازتيها الخاطفتين ، ثم لثم جبهتها برفق ، و عاد ينظر لها و دون سابق إنذار هبط بجسده و حملها يدور بها صارخاً: بحبااااااااااااااك
وهي كانت تضحك بسعادة حقيقية على كل ما تعيشه معه من مشاعر تعني لها الكثير بالفعل ،
كل ذلك كان وسط ضحكات المدعويين و همهماتهم على الحب المتجسد في أعين العروسين ، و بدأت الزفة الملكيه بعد أن أنزل حازم حنين و اتجه بها نحو مكان جلوسهما.
ــــــــــــــــــــــــ
مرت ساعات الحفل ببهجة و مرح ، و بإحدى الزوايا كانت طاولة متوسطه يجلس عليها نعيمة و عادل وهنا و جنا وأيمن و مرام ووالدتها ، أتت عليهم إيمان لتجلس معهم بعدما دارت مع ناديه و كرم ترحب بالمدعوين ، فاتخذت مقعداً جانب نعيمه و قالت بتعب و هي تجلس : ياااه تعبت و صدعت عماله اقابل ده و ارد ع ده .... ما شاء الله حبايبهم كتير
نعيمة : يا اختي سيبك من اللمة الكدابة دي و قولي لي انتم هتفتحوا البوفيه امتى
إيمان: انتي جعتي يا حبيبتي.. من عيوني هما هينزلوا على الترابيزات هنا أصناف بدل ما تروحوا و تيجوا ... دقيقه استعجلهم هما قالوا بعد رقصة حازم وحنين
نعيمة : يا اختي و هما ماشبعوش رقص ده ما قعدوش من اول الفرح ...عموما انا مش جعانه قوي يعني استنى عادي
نظرت للجهة الأخرى لوالدة عادل و سألتها: بقولك ايه انتي ماجبتيش معاكي اكياس لحسن نسيت
تحمحمت والدة عادل و ردت بهمس: بطلت الحاجات دي يا نعيمة مافيش كده و لو في مش هنا
لوحت نعيمة بيدها دون اكتراث و قالت : يا اختي مش هنا ايه هو احنا في البيت الأبيض... و بعدين انا ادوق ابو محمود ازاي دلوقتي... لازم اخد له معايا عشان ياكل من اللي كلت منه
ضحكت إيمان التي سمعتها و قالت لها بلطف : ده احنا عيونا لام محمود و ابو محمود... استني بس قبل ما تمشي هعملك احلى علبة وخديها له ولا تزعلي نفسك يا غاليه
نعيمة براحه : شايفة الجيرة الحلوة اللي تقدرك.. مش انتي عمالة تديني دروس و كأننا في حصة مدرسة
ــــــــــــــ
وعلى نفس الطاولة...
مال عادل على هنا و قال : ماتقوميش كتير و انتي زي القمر كده مش ناقص خناقات مع حد خلي الفرح يعدي على خير
هنا بجرأة: و ده مين يقدر يا ابني .. ده انا كنت خرشمته ... ماتقلقش وراك رجاله
عادل بنظرة ضيق مصطنع فهو يعشق قوة شخصيتها و جرأتها : رجاله ... هتجوز عبدو موته .. بس ده ما يمنعش إنك مش مخطوبة لقرطاس لب .. اتكني و اهدي و خلي حركتك جنبي و ياريت علطول جنبي
هنا ببسمة خجولة: مش متعودين على ده كله يا عادل بيه
عادل : اخوكي اللي مانعني و الله و كابس على نفسي ... عموما اتعودي من هنا ورايح يا قلب عادل بيه
وعلى الجانب الآخر من الطاولة ....
كان أيمن يتحدث مع چنا قائلاً: انا فرحان قوي قوي يا چنچونتي
جنا بهدوء : اكيد كلنا فرحانين عشان حازم و انتم اخوات ازاي ما تفرحلوش
أيمن بإدعاء اللا مبالاة: حازم مين و زفت مين .. انا أخيراً هعرف استفرد بيكي و اكلمك بدل مأمور الهدد اللي واقف زي اللقمة في الزور ده ... و يارب تكمل زي ما في دماغي و نحصله قوام قوام يااارب
چنا : أيمن ما تقولش على أبيه حازم كده ... كل اللي بعمله ده من حبه و خوفه علينا أصلا
أيمن: و انا قلت حاجه مانا عارف بس مش كده .. العقل حلو ما هو بيحب و مبسوط و لا يبقى اخويا هايص و انا لايص يا ناس
ضحكت چنا بخفة بينما تقدم إيهاب على رأس الطاولة و ألقى التحيه على الجميع ، فقد توطدت العلاقات كثيراً في الفترة الأخيرة لما لمسه من صدق و أصالة بين هؤلاء الناس ، ثم توجه جهة مرام و لثم وجنتها و همس جوار أذنها : ايه يا حبيبتي وحشتيني.... سيباني و قاعده بعيد ليه
مرام ببسمة رضا : أبدا يا هوبا ده يادوب مشيت من عشر دقائق لقيتك انشغلت مع عمو فجيت اشوفهم لحد يزعل
إيهاب بفهم : طب تعالي بقى كفايه كده رقصة العرسان هتبدأ تعالي نقف معاهم
استقامت مرام و هتف إيهاب ليسمعه الجميع : ما يلا نروح عشان نتصور مع العرسان يا شباب ده خلاص هيرقصوا و ماشيين....
قام كل ثنائي و تحركوا جهة العروسين ليلتقطوا الصور التذكارية والتي كانت رائعة كباقي الصور ثم انطلقت اغنيه الحفل و التي قد اختارتها حنين ،
تحرك معها حازم و الذي لم يفلت يدها من أول الحفل، وصعد بها على ساحة الرقص و ما إن ضم خصرها همست حنين له : كل كلمة في الأغنية طالعة من قلبي ليك يا حازم
و هو أهداها اعذب البسمات كرد عليها قبل أن يعلق :
للاسف اللي في قلبي ليكي و لا اغاني العالم تعرف تعبر عنه يا حنيني
و انطلقت نغمات أغنيه حبك رزق لتامر عاشور و التي أخذت تردد حنين كلماتها لحازم و كانت....
ايديك دي وهي لامساني
بحس براحة فوق الوصف
وجودك جنبي قواني
ومن غيرك بحس بضعف
ماليش في الدنيا دي غيرك
جيت وخطفت قلبي أنا خطف
وعمري في يوم ما أتوه عنك
بشوفك حتى لو بين ألف
حبك رزق جه في وقته
حلم بعيد وحققته
طريق من يوم ما أنا بدأته
وقلبي ارتاح
حبك فرحة جنونية
دفا وأمان وحنية
عوض من ربنا ليا
عن اللي راح
عيونك نوروا حياتي
بقالها حبيبي طعم وشكل
مفيش غيرك في حساباتي
يا أجمل حد طبع وشكل
بشاركك كل تفاصيلي
وبيك استكفى قلبي بجد
ملكت مشاعري وبقيتلي
أغلى أهم وأقرب حد
حبك رزق جه في وقته
حلم بعيد وحققته
طريق من يوم ما أنا بدأته
وقلبي ارتاح
حبك فرحة جنونية
دفا وأمان وحنية
عوض من ربنا ليا
عن اللي راح
كان التناغم بينهما يصل لأقصى الحدود ترى حركاتهما وميلهما و نظراتهما توقن بأنهما روح واحده متجسدة على هيئة شخصين ، و ما إن انتهت الأغنية و تعالى الصفير و التشجيع من حولهم ، ضم حازم حنين لصدره علَّ تهدأ تلك الدقات الصاخبة و تستكين هذه الأنفاس المتلاحقة من فرط الاشتياق ، ثم تمَّسك بيدها التي لم يتركها الليلة أبدا ، فهو يشعر بفوزه بالكنز كيف له أن ينشغل عنه و لو لحظه... فوالله ليس هنالك ما يوازي ما يملك اليوم ...
طلب الميكروفون من منسق الموسيقى و قام بتشغيله ثم قال بعدما انتبه له الجميع :
انا بشكر كل اللي شرفني بحضوره النهاردة و كل اللي ساعدني و كان جنبي لحد ما وصلت للحظه دي و قدرت احقق حلم بعمري بجوازي من اللي قلبي اختارها و عاش ليها وبس
نظر لطاولة كرم الذي يضم خصر ناديه بحب أثناء وقوفها بجانبه و وجه له الحديث : بشكر حضرتك يا عمي على كل حاجه عملتها لحنين و ليا ... بشكرك على تصديقك ليا و انك ما حرمتنيش من وجودي في اللحظة دي...
ثم حوَّل بصره لطاولة والدته و تابع : اهلي و اخواتي و حبايبي اللي ياما سندوا و دعموا و كانوا سبب بعد ربنا إني ابقى حازم المهدي اللي كلكم شايفينه ربنا ما يحرمني منكم حبايبي
خصَّ والدته بالذكر بكل عرفان و هو يقول : ام حازم... أمي أعظم نساء الدنيا ... لو قضيت عمري كله تحت رجلك ما هقدر اوفي تعبك معايا لحظه ... انتي نعمة يا أمي و ربنا عوضني بيكي و طبطب على قلبي لما خلاني ابنك انتي
عدَّل من وضع حنين لتكون في مواجهته ثم أهداها كلامه التالي قائلاً: و أنتي... يا راحة القلب بعد شقى السنين ... صراحة ماكنتش محضر لك حاجه بس مش هعرف افوت اليوم ده من غير ما أقولك ...
كم من ليالٍ سهر القلب فيها
كم من آلام كانت الروح تخفيها
كم كنت وحيداً داخل دوامة الأيام
كم تعب القلب من تيهه داخل دائرة الأحلام
حتى ألتقيتُك نوراً انبثق من رحم الذنوب و الآثام
نوراً عاد يحيني.. يمنيني... يراضيني و يبرأني من عذاب الأوهام
فكيف لا تكونين حبيبتي... و القلب قلبكِ ... و الروح ساكنتُك.... و العقل ملككِ .... و الفكر أسيرٌ عندِك ...
فما عدتُ أرى في العمرِ حلماً أجملَ من عينيكِ ولا وطناً سوى دفءِ يديكِ
و اليوم يقف الجميع شاهداً على تتويجي بقربك...
كما أُشهدهم إنكِ صغيرتي كنتِ البداية ... و الحلم ... و أصبحتِ أعظم هدايا القدر و رفيقة كل لحظاتي القادمة......
كان التصفيق حاراً من كل الحاضرين ، بل و تأثرهم وصل عنان السماء و دمعت أعين أغلب النساء كما حسدن حنين على هكذا زوج ....
و حنين كانت متعلقه بين أحضان فارسها ما إن انتهى من آخر كلماته و قد كان سبقها دموع الفرح و تضخم قلبها من رحيق العشق، توجه الأهل لهما و تبادل الجميع العناق و الدعوات لهما ثم انتهى الفرح بناء على طلب حازم ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يستغرق الأمر وقتاً ليصل العاشقان عشهما، نظراً لقرب المكان من بيت كرم ، ودعا الجميع على باب المنزل و دخلا بقدمهما اليمنى بعدما شربا اللبن كما أصرت إيمان عليهما لفعل هذه الطقوس......
و بعدها كادت حنين أن تتقدم حازم لكنها أطلقت صيحة خوف عندما وجدت نفسها تطير في الهواء بين يديه و هو يقول أثناء صعوده ليكسر أي قلق : انتي عاوزة تتعبي و تطلعي كل السلم ده لحد فوق عادي كده ... أمال أنا بعمل ايه هنا .... لا عيب في حقي الكلام ده و احنا لسه ف اول يوم كده
ضحكت بخجل ثم و ضعت يدها على عنقه تتمسك به و هي ترد برقتها: بس يا زومي انت ممكن تتعب كده الفستان تقيل و كبير
حازم و هو يدخل للغرفة : لا براحة على زومي و هو متلصم أصلا... ده ياريت كل التعب كده
أنزلها برفق في المنتصف ثم اقترب منها خطوتين عادت هي مثلهم وهي تنظر بتوتر حولها ثم قالت بتقطع : اااا ... أييه.. في ايه
ابتسم على توترها و قال بهدوء: مالك يا قلب زومي انا بس كنت هساعدك نشيل الطرحه و نفك الفستان التقيل الكبير ده عشان نصلي
ابتلعت ريقها و أومأت برأسها موافقة و هي تنظر أرضاً و تفرك يدها بتوتر متزايد ، فوضع حازم يد على خصرها يقربها بخفة و الأخرى تحت ذقنها يرفع رأسها له و نطق بلين : بصي لي حبيبي ... مش عاوز اشوف لحظه خوف واحده مني يا حنيني ... انا امانك و بس يا بابا .. عمري ما أذيكي أو اوجعك و و لا اعمل حاجه انتي مش حباها و ده عهد عليا ... انتي دلوقتي هتدخلي الحمام ده و تغيري و نصلي و اللي يخليكي مرتاحة هو بس اللي هعمله حتى لو على حسابي اتفقنا يا عمري
ابتسمت له براحة ثم أجابته بتفسير يشوبه الحياء : انا عمري ما خفت منك يا حازم و لا حتى دلوقتي خايفه .. هو .. يعني ... توتر عادي .. اكيد انت فاهم .. لكن أنا برتاح طول ما انت قريب مني و بحب
ابتلع حازم باقي كلامها من بين كريزتيها الورديتين عندما لم يستطع أن يتماسك أكثر أمام كتلة الرقة و الوداعة التي أمامه و هي تصرح بحبها له بكل تلك البساطة ، دون أن تحسب حساباً للمتيم قلبه ...
هدأ قليلاً ثم وضع جبينه على خاصتها و نطق بحشرجه : بصي انا فكيت الفستان تلت ثواني تكوني اختفيت من قدامي ... تغيري و تعالي نصلي و ما تتأخريش عليا يا حنين
أين حنين فقد انصهرت و ذابت كقطعة ثلج وضعت في فوهة بركان ، طارت من أمامه للتماسك و هو استنشق ربما هواء الغرفة بأكمله ثم زفره على مهل وتوجه ليبدل ملابسه و ينتظرها.....
دقائق و طلت عليه ملاك الرحمة في ثوب الصلاة ،
فاقترب يمسك يدها و ذهب بها للخلوة المخصصة للصلاة بأحد أركان الغرفة كما اتفقا معاً ، ثم أمَّها في أول صلاة تجمعهما ليبدآ حياتهما بطاعة الله و يلتمسا رضاه ، و ريثما انتهيا اعتدل يجلس أمامها و سأل بطلب : جاهزة يا حنين نكون لبعض سكن و سكينه ... جاهزة تبقي معايا بكل ذرة ف كيانك زي ما أنا ليكي بكل ذرة ف كياني ... موافقة حبيبتي نبدأ حياتنا بجد و فعلياً نبقى زوج و زوجه و نكون أسرة تهون علينا أي تعب في الحياة
لمس كل حرف شغاف قلبها الصغير ، لكن خجلها الفطري منع الكلام من الخروج ، فما كان سوى إماءة صغيرة بالموافقه كانت له إشارة للغوص معها و بها في حياة جديدة تجمع بينهما بما هو أعمق من الحب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت حنين تسير يد بيد مع حازم و باليد الثانية لكلٍ منهما طفلين في أعمار متقاربة سبحان مَن صورهما يحملان الكثير من ملامحه و ملامحها ، ضحكاتهم تنتشر في أرجاء هذه الحديقة الغنَّاء بسعادة...
جرى الطفلان نحو هذا الجالس باسترخاء على مفرش رحلات كبير بانتظار تحت إحدى الأشجار المثمرة ، موضوع حوله العديد من لوازم النزهة كالشطائر الصغيرة والمتوسطة و العصائر و الفواكه الطازجة ، و هذا الرجل لك يكن سوى الجد فريد....
احتضن الطفلان بحب و أخذ ينثر على وجهيهما القبلات بفرحة ، و كذلك تقدم حازم و خلفه حنين ، فاستقام فريد و اقترب يضم حازم بترحاب و هو يقول له : ازيك يا واد عامل ايه وحشتني
حازم : و انت اكتر بكتير يا خال
فريد و هو يربت على كتفه بحنو : ماتشوفش وحش في الدنيا يا ابني ... بس انا مبسوط إنك صاين الامانه و مبسوط اكتر واكتر عشان وفيت بوعدي فاكر يا واد
قهقه حازم برجولة و أجاب: طبعاً فاكر و دي حاجه تتنسي....بس أنا كمان صبرت و اتحملت لحد ما ربنا كرمني
أشار نحو حنين المبتسمة و الطفلين بعينه و تابع : شوفت كرم ربنا و عوضه فيها وفي ولادي ..... و الجبر كان اكتر مما خيالي جاب
فريد بتأكيد: حصل عشان أخلصت النيه ربنا رضاك و بزيادة يا حبيب خالك
تخطاه و اتجه نحو حنين و ضمها باشتياق ابوي و هو يقول : وحشتيني قوي يا قلب بابا
حنين : و انت كمان و الله .. كان نفسي تكون معايا عشان تكمل فرحتي
نظر لها فريد برضا كامل و رد : مانا دايما معاكي ... و مش لوحدي كل الحبايب حواليكي ... و دي نعمة كبيرة حبيبتي ربنا يديمها عليكم ... أن يكون معاكم ناس بتحبكم بصدق من قلوبها ... اوعوا تفرطوا فيهم
أكمل ببعض الشجن: صحيح كان نفسي اضمك يوم فرحك و انا اللي اسلمك بإيدي للعريس.... بس الحمد لله على كل حال... و برضه ربنا رحيم عوضك باللي يمكن احسن مني كمان
كادت حنين أن تتحدث لكن تعالت أصوات اللعب من حولهما فنظرا حيث حازم و الطفلين و هم يلعبون بالكرة باستمتاع فبدأ فريد كلامه قائلاً: تعالي تعالي لما نلعب مع ريم و هارون ... الواد حازم هيغلبهم ده حريف و انا عاوزهم يكسبوا ... تعالي تعالي
و سحبها حيث مكان اللعب لينضما للبقية ....
بدأت حنين أن تفيق بسبب تلك اللمسات الخفيفه على أنحاء وجهها البهي و التي كانت عبارة عن قبلات صغيرة متفرقة من حازم لها....
فكان قد استيقظ قبلها بوقت و أخذ يتأملها ما يقرب الساعة دون ملل ثم جهز لهما فطور خفيف و عاد يضعه في أحد جوانب الغرفة ، و عندما وجدها لم تستيقظ بعد ، عاد يتأملها و يتنفس من زفيرها و يحبس الهواء الخارج منها بين رئتيه باستمتاع شديد ، و عندما طال نومها العميق بدأ في نثر فراشاته على وجهها فهو أصبح لا يطيق انتظارها أكثر....
وهنا عادت حنين لأرض الواقع و رفرفت بأهدابها عدة مرات ثم رفعت نفسها للاعلى قليلاً و هي تنظر حولها لتجد أنها في مكان غير الذي كان منذ دقائق ، نظرت لحازم الذي مازحها بقوله: حبيبي متاخد ليه ... مش خاطفك و لا حاجه و الله....ده بيتك و أنا جوزك و اتعودي تصطبحي بالخلقة دي كل يوم من هنا ورايح
ضحكت حنين بلطافة و ردت بعد أن وضعت يدها اليمنى على وجنته تتلمسها برقة : دي أحلى حاجه إني أقوم كل يوم على وشك ده يا حبيبي
تعمق في عينيها محبوبتيه و سألها و هو يبتلع لعابه برغبة : طب انتي قد الحركة دي و لا كلمة حبيبي اللي بعدها دي... انا مش واخد على كده براحة على قلبي يا حنيني
حنين بدلال غير مقصود أطاح بعقل ذلك المتيم : سلامة قلبك يا قلبي أنا
و عندها و انتهى أي حديث آخر بينهما فقد سحبها حازم في رحلة فوق سحاب الغرام ، يُريها دنيا جديدة على طريقته الخاصة.....
و بعد وقت كانت حنين تخرج من الحمام بعدما ارتدت فستان ناعم من التل المبطن باللون الوردي ، فاعتدل حازم الذي كان ينتظرها و أشار لها أن تتقدم منه و فعلت لكن فاجئها بجذبه لها لتجلس على قدميه و هو يقول بنبرة لا تقبل نقاشاً: مكانك هنا طول ما احنا ف اوضتنا... انا عاوزك دايما معايا و جنب قلبي ... عاوز احاول أشبع منك و اعوض سنين البعد اللي كبرتيها و انتي بعيدة عني... ماشي يا حنيني
أومأت حنين بتأييد و أخبرته: و انا كمان مش عاوزة ابعد عنك لحظه يا عمري ... بس خد بالك بكرة ابقى حامل و اقلبظ و ابقى قد الفيل وقتها انت بقى اللي هتقولي تبعدي عني هو انا قدك هههههه
نفى حازم برأسه و تحدث رافضاً حديثها : أبدا و لو حتى حملتي ف عشر توائم و لا بقيتي قد ميت فيل وهتشوفي انا عمري ما كنت بتاع كلام
ثم أخبرها بتمني: ده انا الدنيا دي كلها مش هتساعني لما ربنا يكرمني منك بولاد ... و ياسلام لو يبقوا عشرة حداشر كده و كلهم شبهك يا قمرايتي
صدمت حنين من تفكيره ثم ردت باستنكار : عشرة ... حداشر مرة واحده ... اتنين حلوين قوي يا زومي
حازم و هو يقرص وجنتها بخفه : انسي يا قلب زومي مش هتنزل أبدا.... تعرفي اول بيبي نفسي قوي تبقى بنت و هسميها ريم
شردت حنين بتذكر لحلمها ثم سألت دون وعي : طب و لو ولد
حازم و هي تمتمت معه بنفس اللحظه : هارون
جعد جبينه و قال : عرفتي منين يا سوسة إني بحب الاسم ده ... انا مش فاكر إن قلت الموضوع ده قدامك قبل كده
لم ترد حنين فحرك حازم ظهره قليلا و سأل باهتمام : مالك يا نونه... روحتي فين.... و ايه اللي شغل بالك فجأة كده
نظرت له حنين ثم قصت عليه ما دار بحلمها ، فقربها من صدره يضمها باحتواء ثم قال : الله يرحمه حبيبي... دايما حاسس بينا ... ادعي له يا قلبي بالرحمه
ثم تحدث يمازحها : بس احلى ما في الموضوع أن في ريم و هارون لا و إيه في الصباحية هههههه
لكزته بخفة في صدره و هي تضحك على مزحته ، بينما رن هاتفه فنظر للمتصل و قال بتذكر : يا نهار ابيض ... شوفي نسيتيني اهلي و من اول يوم ازاي
حنين : ايه يا ابني في ايه
أمسكها لتقف ووقف معها ثم أبلغها: احنا لازم نلبس ونننزل حالا اهلي واهلك زمانهم وصلوا تحت عشان يسلموا علينا قبل السفر ... كلموني و انتي في الحمام بس نسيت أبلغك
حنين : و دي حاجه تتنسي برضه ... يلا طيب قبل ما يبقى شكلنا مش ظريف
و بالفعل تحركا و أخرجا ما يناسب من ثياب لاستقبال اهلهما ، و تحركا للحديقه و قد كان الجميع من العائلتين بانتظارهما ، تبادلوا المباركات و التهاني و الدعوات بالذريه الصالحه ، و جلسا ينعمان بهذا الجو الأسري السعيد و الذي لا يخلو من المداعبات و الضحكات السعيدة في دفء عاد لحياة الجميع بعد سنين ......
و ختاماً و بعد كل ما مرّ بهم
ربما لم تُمحَ آثار الماضي من قلوبهم ، وربما بقيت بعض الندوب شاهدة على ما عاشوه ، لكنهم تعلموا أن الماضي قد يترك ندوبًا لا تزول ، لكنه لا يمنع الإنسان من بناء حياة جميلة بعده...
وهكذا تسدل الأيام ستارها على حكاية أخرى من حكايات الحياة.... حكاية لم تخلُ من الألم... ولا من الفقد... ولا من العثرات التي ظن أصحابها يومًا أنها نهاية الطريق ، لكن الحياة بطبيعتها لا تتوقف عند لحظة انكسار ، ولا تُختصر في صفحة واحدة مهما كانت قاسية.....
تمت بحمد الله
لقراءة جميع فصول الرواية من هنا
وأيضا زرونا على صفحة الفيس بوك
وايضا زورو صفحتنا سما للروايات
من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك
كل جديد من لينك التلجرام الظاهر امامك
وايضا زورو صفحتنا سما للروايات
من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك