
رواية ذكراه الفصل التاسع عشر 19 بقلم رولا هاني
.أسير نجدتها
"لما إنتَ في قلبك حنية مش ترحم ذلي في هواك"
-يا فايتني وأنا روحي معاك.
*********
صباح اليوم التالي.
-قاعدة لوحدك ليه؟
-بحب أقعد في البريك لوحدي.
-أشمعنى؟
-عادي أنا بحب كده.
-إنتِ عارفة إني كمان وأنا صغيرة كنت بحب أقعد لوحدي في البريك.
-زيي، بس إنتِ كبيرة.
-الموضوع مفرقش لما كبرت، بحب أقعد في الشغل لوحدي بردو.
-الدوشة رخمة.
لاح على ثغرها شبح ابتسامة، ثم تساءلت في هدوءٍ:
-اسمك إيه؟
تنهدت الصغيرة وأجابتها في حماسٍ طفولي بعدما استحسنت الكلام معها:
-"حلا يحيى صفوان".
ثم استطردت بفضولٍ:
-إنتِ مس هنا؟
هزت رأسها نافيةً، فخمنت "حلا" مجددًا:
-بتشتغلي هنا.
هزت رأسها نافيةً مرة أخرى، ولكنها ردت توضح بعضًا من معلوماتها المبهمة:
-بس عارفة؟... أنا وبابا صحاب أوي.
عقدت الصغيرة حاجبيها بتعجبٍ، وراحت تحدق فيها بذهولٍ هاتفة:
-بس أنا عمري ما شوفتك.
ثم تابعت باستفهامٍ:
-هو إنتِ اسمك إيه؟
تنهدت بعمقٍ قبل أن تضع ساقًا فوق الأخرى؛ لتكون أكثر أريحية في جلستها، ثم ردت مجيبة إياها بنظرةٍ خاطفةٍ:
-"فاتن".
-"حلا" يلا البريك خلص بقاله عشر دقايق.
تعالى صوت المعلمة من الجهة الأخرى بتلك الكلمات، فهبت الطفلة من مكانها، وألقت نظرة أخيرة على تلك المرأة وهي تردد:
-لازم أمشي دلوقت، أما أشوفك تاني هنحكي سوا.
ركضت الصغيرة مبتعدة بالفعل عنها، ولكنها ظلت تتابعها بنظراتها القاتمة، حتى ظهرت فجأة تلك المرأة الخمسينية التي تقدمت ناحيتها ببسمة بشوشةٍ وهي تخاطبها في احترامٍ:
-"فاتن" هانم أنا فكرت حضرتك مستنياني في المكتب مكنتش أعرف إن حضرتك هنا.
رمقت "فاتن" مديرة المدرسة بنظراتٍ فاترةٍ، ولم تبلغ الابتسامة عينيها وسط قولها:
-حبيت ألقي نظرة على المدرسة، أصل قريبتي اللي بفكر أقدملها دي غالية أوي عندي.
-ده شرف لينا يا "فاتن" هانم إن قريبتك تيجي هنا عندنا في المدرسة، أتمنى تكون عجبتك.
ضمت شفتيها تكتم سخريتها من تلك الغبية، وراحت تقلب نظراتها بالأرجاء قبل أن تنطق على عجالةٍ وسط نهوضها من مجلسها:
-مش بطالة هبقى أفكر، أنا مضطرة أمشي عشان ورايا اجتماع مهم.
أومأت المرأة بلا نقاش لكلماتها، ثم ودعتها بصوتها العذب:
-أتمنى تشرفينا تاني، انبسطت بجد إني شوفت سيدة أعمال مهمة زيك و..
-حبيبتي أنا اتشرفت بيكي أكتر، أستأذنك بقى عشان مشغولة.
قاطعتها "فاتن" بتلك الصورة شبه الفجة قبل أن تنسحب من المكان بأكمله بخطواتها الثابتة، بينما من خلفها المديرة التي اندلعت نيران الاهتياج بداخلها بسبب ذلك الأسلوب، فتمتمت بصوتٍ خفيضٍ:
-قمة قلة الذوق بجد.
************
لطخت شفتيها بأحمر الشفاه، وألقت نظرة رضاء على حالها بالمرآة، فقد بدت قمة في الإغراء من أسفل العباءة بملابسها شديدة الضيق تلك، وبالطبع لم تنسَ مستحضرات التجميل المبالغ فيها لتكمل هيئة فتاة الليل التي اعتادتها، وكل ذلك استعدادًا لزبونها الذي اعتاد طلبها صباحًا؛ بسبب طبيعة عمله الليلية.
التفتت "نجوان" بمجرد أن لمحت طيف شقيقتها أمام الغرفة، فخرجت راكضة خلفها بخطواتٍ مزعجةٍ؛ بسبب صخب كعبها العالي، ثم دلفت للمطبخ معها لتستعتبها بصورةٍ طفيفةٍ:
-إنتِ هتفضلي مخاصماني كده كتير؟
سحبت "شاهندة" أنفاسها، وحبستها لوهلة قبل أن تطلق سراحها، ثم ردت بصوتها الخفيض المعهود:
-مش مخاصماكي، الامتحانات بس قربت وأنا متوترة شوية.
قوست شفتيها بدهشةٍ، ثم علقت باستهجانٍ:
-متوترة!... بس الامتحانات فاضلها أكتر من شهر، ده إحنا لسه في أول شهر خمسة.
بدأت "شاهندة" في إعداد شطيرة الجبن الخاصة بها، ثم صبت كوبًا من اللبن، وأجابتها وسط انشغالها:
-بردو وقت قليل.
اقتربت "نجوان" منها، ومسدت على جانب ذراعها بحنوٍ:
-أنا عارفة إنك شايلة مني وبتخبي، حقك عليا صدقيني ما كنت أقصد.
صوبت ناظريها عليها أخيرًا، ووجهت لها نظرات لوم قاسية، فاسترسلت "نجوان" موضحة:
-إنتِ عارفة أنا قلبي أبيض إزاي، وعمري ما كنت وحشة معاكي، متزعليش مني عشان خاطري.
أومأت في قلة حيلة ورددت بتنهيدةٍ طويلةٍ:
-حصل خير يا "نجوان".
رفعت حاجبيها، وهتفت بمشاكسةٍ وهي تضرب كتفها بخفةٍ:
-يا سلام، ده إيه التُقل ده؟... طب ولو هجيبلك فراولة وأنا راجعة؟
ضحكت رغمًا عنها، ونبست في جديةٍ زائفةٍ:
-ونعملها عصير باللبن؟
-ونعملها عصير باللبن.
-يبقى كده اتصالحنا.
قالتها وهي تسحب كوب اللبن والشطيرة، ثم سارت من جانبها للخارج وهي تكمل على عجالةٍ:
-هجري أنا بقى أكمل مذاكرة، ساعة الصبح دي بتكون هادية والواحد بيعرف يركز.
أومأت "نجوان" في صمتٍ، ولاح على ثغرها بسمة ارتياحٍ ملحوظةٍ، فأخيرًا تخلصت من شعور الذنب المهلك، والذي يراودها في أي شيء سيء تفعله -سواء عن قصد أو لا- مع شقيقتها الوحيدة، فقد كانت تشكل لها العائلة بأكملها، تشكل لها أغلى الناس وأعزهم؛ لذا خصومتها معها -هي خصيصًا- لم تكن بهينة ذات يوم.
***********
شتت تركيزها المنصب على الأوراق العديدة التي تموضعت على مكتبها ولوج والدتها المباغت بملامحها الواجمة، فتهفمت في الحال وجود مصيبة ما ستحل على رأسها، فلطالما اعتادوا إلقاء كوارثهم على عاتقها، وكأنها رجل العائلة!
خلعت "فاتن" نظارتها الطبية، ثم صوبت ناظريها على أمها هاتفة بسأمٍ:
-مصايب العائلة الكريمة اللي مبتخلصش، قولي يا غالية.
جلست "راضية" على الكرسي الموضوع أمام المكتب، ورددت في ارتياعٍ وهي تترك العنان لدموعها الغزيرة:
-هي فعلاً مصيبة يا "فاتن".
ضيقت "فاتن" عينيها تحاول سبر أغوارها، فتوقعت بنسبة كبيرة سبب مجيء والدتها بتلك الهيئة المفزعة، ولكن ما نال اكتراثها في تلك اللحظة هو الباب الذي تُرك مفتوحًا؛ لذا نهضت من على كرسيها الخاص واتجهت بخطاها الوئيدة تجاهه، ثم أوصدته بحرصٍ؛ تجنبًا لدخول أي من موظفي الشركة ولأي فضائح، وعادت مجددًا لها لتجلس قبالتها مستفسرة بجهلٍ مصطنعٍ:
-مصيبة إيه دي بس يا ماما؟
واصلت "راضية" بكاءها وهتفت من وسط نهنهتها:
-"سلمان" الكلب.
حجبت بسمتها اللئيمة بكف يدها الذي وضعته أمام ثغرها تصطنع السعال، ثم خاطبتها بلهجة مهدئة وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
-طب بس اهدي ووضحيلي واحدة واحدة.
سيطرت بصعوبةٍ على شهقاتها، ثم أفصحت عما خبأته منذما عرفت بتلك الفاجعة:
-"سلمان" الكلب بيخون أختك يا "فاتن".
جحظت مقلتاها بصدمةٍ ظاهريةٍ، وبداخلها تضحك كالمختلة، فظنها كان صحيحًا... من رأى المقطع "راضية" أو "سلمان"؛ لذا شعرت أيضًا بالراحة، فمعرفتها هي بالمقطع لن تخرب الأمر مثلما كان سيعرف ذلك الأحمق.
وبعد صمت دام لعدة لحظات قالت " فاتن" بحدةٍ:
-إيه الكلام ده يا ماما؟
وضعت كفها المرتجف على موضع قلبها، وحاولت تنظيم أنفاسها المشتتة قبل أن تخبرها بالمزيد والمزيد عما عرفته عن ذلك الحقير:
-لما كنا في المستشفى أختك جالها رسالة من رقم غريب، رسالة فيها فيديو قذر ليه مع واحدة، ولما واجهته بجح فيا، وبان إنه مش هامه حاجة.
هزت رأسها بأسفٍ مستفزٍ، وراحت تتحدث في بساطةٍ:
-يبقى تتطلق منه يا ماما.
ازدردت ريقها وسيطرت على بكائها قبل أن تحتج برفضٍ:
-أختك لسه خارجة من صدمة مينفعش نقولها حاجة زي كده.
نظرت لها شزرًا بعدما بدا لها كامل وجهة نظرها، فهاجمتها بنزقٍ:
-لما أختي تبقى عايشة مع واحد سافل زي ده يبقى تعرف كل حاجة أحسن ما نفضل نخبي، والأيام هتداويلها الصدمة اللي بتقولي عليها كده كده.
تنهدت بتحيرٍ، واستفسرت في قلقٍ وهي تفرك كلا كفيها بتوترٍ:
-يعني إنتِ شايفة إن ده الصح؟
وضعت ساقًا فوق الأخرى ونطقت في ثقةٍ:
-ده صح الصح كمان.
**************
تقدم نحو سيارته بخطاه السريعة يحاول الإنجاز في كل شيء؛ ليصل لعمله في موعده، ضاعف من سرعة خطواته تجاه سيارته التي صعد إليها وهو ينوي إدارة المحرك في الحال، ولكنه توقف بجمودٍ تامٍ من هول الموقف بعدما وجد "سلمان" يصعد من أسفل كرسي السيارة الأمامي المجاور له وهو يجلس بمنتهى البرود بجانبه، فاستشاط غضبًا، ومع ذلك سيطر على انفعالاته، ثم تساءل من بين أسنانه المطبقة:
-دخلت عربيتي إزاي؟
تنفس بعمقٍ، وصوت أنفاسه يصدر بالمكان كله بصورةٍ مستفزةٍ، ثم أجابه في استخفافٍ:
-سؤال غبي منك، تفتكر واحد زيي صعب عليه يدخل عربية مقفولة يعني يا "وحوح".
حملق فيه "يحيى" بغيظٍ، ثم هدر به في احتدامٍ:
-أخلص أنا مش فايق لعبطك ده على الصبح، عايز إيه؟
اختفت ابتسامة التسلية من على ثغره، ثم خاطبه بقتامةٍ وهو يرمقه بزرقتي عينيه المهتاجتين كالموج الغاضب:
-بتنكش ليه يا "يحيى"؟
ثم أضاف في لهجة تحذيرية وجهت له تهديدًا مبطنًا لا تهاون فيه:
-إنتَ مش عارف إن اللي بيلعب معايا بيزعل؟
أعاد "يحيى" ظهره للخلف أكثر، وجلس على الكرسي بأريحيةٍ تملكته بالكامل بعدما رأى خصمه يتلبسه حالة من الاضطراب هكذا، وفتح ذراعيه وهو يضع كفيه خلف رأسه، ثم ردد بابتسامة عريضة:
-إنتَ اللي بادئ النكش، وأنا في النكش مقولكش.
ثم تابع بوقاحةٍ وهو يرمقه بتشفٍ:
-أما المدام تطلب الطلاق قولي نشوفلها عريس في وقتها، حرام المدام صغيرة بردو.
فتح "سلمان" باب السيارة استعدادًا للخروج، ثم توعده في عصبيةٍ وعروق نحره تبرز بصورةٍ ملحوظة من كم الغضب الذي أبى إظهاره قدر المستطاع:
-يبقى إنتَ اللي اختارت تفتح الجحيم على حياتك كلها... قابل بقى عشان أنا مبسيبش حقي.
راقبه بحدقتيه وهو يخرج ليضرب باب السيارة غالقًا إياه بعنفٍ، فقال وقتها برويةٍ:
-كده اللي شاف الفيديو "سلمان".
ثم استطرد بضحكٍ وهو يدير محرك سيارته:
-كده نبعته تاني، عيني عليك يا "سلمان"، قريب أوي مش هنقولك يا جوز الست.
************
دلف بخطاه التي لم تكن مثقلة كما كانت مرته الأولى، فتلك المرة لم يحمل بجعبته أمورًا محرجة كالمرة الماضية، تلك المرة هو استطاع أن يخطو أولى خطوات النجاح في التحكم في زمام غضبه.
صوب "براء" بصره على "عزام" الذي أقبل عليه، ثم رحب به ببشاشةٍ:
-أهلًا يا "عزام"، اتفضل اقعد.
جلس قبالته بالفعل وبلا مقدمات صاح:
-أنا عملت اللي قولتلي عليه.
وضع القلم بين أصابعه، وأصبح على أتم الاستعداد لتدوين ملاحظاته، ثم علق في هدوءٍ:
-كويس أوي، احكيلي حصل إيه؟
-أول يوم لما مشيت من عندك كلامك كله كان داير في دماغي، فحاولت حرفيًا أنفذه من وقت ما خرجت من عندك.
-ده شيء هايل، كمل.
تنهد بعمقٍ، ثم سرد ما حدث في ترقبٍ لرده:
-يوميها خرجت أنا ومراتي وابني، حسيت الفترة الأخيرة الدنيا كانت مضغوطة وإحنا محتاجين ده.
-حصل موقف خلال الخروجة؟
حك ذقنه بأطراف أصابعه، ثم ردد بضيقٍ بائنٍ على ملامحه من تذكره الموقف:
-كنا في الملاهي وأنا ومراتي كنا بنتفرج على ابني وهو بيلعب، و.. والناحية التانية كان في شباب واقفين، تقريبًا كان معاهم طفلة بتلعب هي كمان.
-وإيه خلاك تلاحظهم؟
كز على أسنانه وتحدث في غيظٍ:
-كانوا بيبصوا ناحية "إنجي" مراتي.
صمت "براء" لوهلة، ثم تساءل في تركيزٍ:
-إنتَ متأكد؟
تردد للحظة قبل أن يجيبه:
-ي.. يعني آه.
-شوفتهم وهما بيبصولها؟
-كانوا بيبصوا على الطفلة، وأحيانًا علينا على ما أعتقد.
-فإنتَ إنتِ فسرت ده على إنهم بيبصوا عليها؟
أومأ له عدة مرات، بينما هو يدون في مفكرته عدة أشياء قبل أن يسترسل في اكتراثٍ:
-أما شوفتهم وحسيت كده، إيه أول فكرة جات في دماغك؟
نطق الكلمة بثقلٍ وهو يزفر بامتعاضٍ:
-إنها عاجباهم.
-كمل، أكيد في تاني.
-أكيد هي خدت بالها، و...
-وإيه؟
نبس في حدةٍ وهو يزيغ بنظره عنه:
-معرفش.
-حاول تفتكر.
-ح.. حسيت إنها ممكن تكون مبسوطة ببصاتهم ليها.
-هي عملت حاجة تخليك تفتكر كده؟
-ب... بصراحة لا.
سحب "براء" أنفاسه، ثم أطلق سراحها على مهلٍ قبل أن يهتف في إيضاحٍ:
-طيب خلينا نرتبها، إنتَ شوفت مجموعة شباب واقفين في مكان عام، ومش متأكد إذا كانوا أصلًا بيبصوا لمراتك ولا لا، وبعدها افترضت إنهم معجبين بيها، وبعدها بردو افترضت إنها لاحظت إعجابهم، بل وكمان إنها ممكن تكون استحسنت ده... مظبوط؟
اكتفى بإيماءة من رأسه، فتبع ذلك تعقيب الطبيب:
-لو تلاحظ الغضب حصل قبل ما تعرف هي كانت بتفكر في إيه أصلًا... دي النقطة اللي عايزك تركز فيها.
أكمل "براء" كلماته ببساطةٍ وهو يتفحص تعابير "عزام" بحرصٍ:
-المرة اللي فاتت قولنا إننا هنفرق بين اللي حصل فعلًا وبين اللي عقلك قالهولك، ودي أول فرصة حقيقية نجرب فيها... كتبت الموقف؟
أخرج "عزام" الورقة من جيبه، ووضعها أمامه، فالتقطها هو ليقرأها بصمتٍ قبل أن يطويها واضعًا إياها على مكتبه مجددًا، ثم راح يستفهم بأسئلتها، وكأنه لم يقرأ أجوبتها منذ قليل:
-إيه اللي حصل؟
تعجب "عزام" من الأمر، ولكنه أجابه في النهاية:
-شفت الشباب.
-إيه اللي افتكرته؟
-إنهم بيبصولها وإنها ممكن تكون مبسوطة بده.
-وإيه اللي حسيت بيه؟
-غيرة... غضب... خوف.
توقف "براء" عند كلمته الأخيرة واستفسر:
-خوف من إيه؟
هرب ببصره منه وأجابه في إيجازٍ؛ لعله يستطيع التهرب من سؤاله:
-معرفش.
-لا، حاول.
عض على شفتيه وهو يحاول كشف أكبر مخاوفه، فنبس بصوتٍ خفيضٍ وهو يطرق رأسه:
-إني أخسرها.
فضل الطبيب في تلك اللحظة ترك المساحة الكافية له ليكمل بنفسه، وبالفعل لحظات ووجده يتابع في أسىٍ:
-أو... إنها تلاقي حد أحسن مني.
-وهل حصل ده؟... أو هل "إنجي" قالتلك إنها عايزة تسيبك؟... هل شوفت منها خيانة؟
هز رأسه نافيًا، فصاح الطبيب وقتها ببساطةٍ:
-يبقى في الموقف ده، إيه الحاجة الحقيقية الوحيدة اللي كانت موجودة؟
-شباب واقفين... و"إنجي" كانت واقفة جنبي.
-وبتعمل إيه؟
-بتتفرج على ابننا.
-يبقى كل الباقي كان توقعات.
-أيوة.
-كويس.
رفع "عزام" عينيه تجاهه واستنكر:
-كويس؟
-آه... مش لأن الشك كويس، لكن لأنك المرة دي قدرت تشوف الفرق بنفسك، ودلوقتي أنا عايز أعرف لما حسيت إنك هتفقد أعصابك عملت إيه؟
-دخلت الحمام.
-ليه؟
-عشان كنت خايف أعمل حاجة.
-كنت خايف تضربها؟
تشنجت قسماته قليلًا ورد في تحرجٍ:
-ممكن.
-حصل قبل كده إنك حسيت بنفس الإحساس وبعدها ضربتها؟
-كتير.
-كان بيحصل إيه؟
-مش بنسحب، كنت بواجهها، وبنتخانق، و..
تساءل الطبيب يلح عليه بصورة غير مباشرةٍ ليعترف بها:
-وبعدين.
التقط كوب الماء الموضوع أمامه، وارتشف منه عدة رشفات، ثم همس في نبرةٍ نادمةٍ:
-بضربها.
-يبقى اللي عملته المرادي مختلف.
-يعني أنا كده اتحسنت؟
-إنت عملت خطوة في الاتجاه الصح... متستعجلش وتسميها تحسن كامل.
بدا على وجه "عزام" شيء من الإحباط، وخاطبه باستهجانٍ:
-ليه؟
-لأنك لسه مصدق الفكرة.
رد "عزام" معللًا:
-بس أنا المرادي معملتش حاجة.
-وده ممتاز، لكن هدفنا مش بس إن إيدك متتمدش عليها، إحنا عايزين نوصل لمرحلة إنك لما تشوف موقف زي ده متعتبرش مراتك مذنبة لمجرد إن عقلك حكالك قصة عنها.
تغيرت ملامحه لوهلة بعدما شعر بكامل الذنب الواقع على كاهله، وراح يكمل تبريراته:
-بس أنا مش بعمل كده عشان أأذيها.
-أنا عارف ده.
-أنا بخاف عليها.
-وأنا مصدقك، بس لازم نفرق بين إنك تخاف على حد، وإن خوفك يخليك تتحكم فيه.
عقد "عزام" حاجبيه بحنقٍ بعد عدم استحسانه لكلمة الطبيب، فكررها بتعجبٍ:
-أتحكم فيها!
بدون مقدمات استفهم "براء":
-بتبدي رأيك في لبسها إزاي؟
صمت قليلًا ليستجمع شتات ذاكرته، ثم بدأ في سرد آخر مرة حدث فيها شيء مرتبط بملابسها:
-يوم ما كنا خارجين كانت لابسة جيبة أنا كنت شايف إنها قصيرة.
-وهي كانت شايفة إيه؟
-قالت إنها لحد ركبتها.
-وإنت عملت إيه؟
-عدلتها بنفسي.
-ليه؟
-قولتلك عشان كانت قصيرة.
-بالنسبالها ولا بالنسبالك؟
-أكيد بالنسبالي.
-طيب هي وافقت؟
-متكلمتش آه.
-عشان اقتنعت؟... ولا عشان خافت منك؟
مسح على وجهه بكلا كفيه، ثم أفصح عن الأمر بعد تردد:
-هي اتخضت لما قربت منها.
-وأما لاحظت ده، مسألتش نفسك ليه؟
بدأ في فك أولى أزرار قميصه بعدما شعر بثقل الأسئلة عليه، ومع ذلك وضح بإصرار؛ لعل كل لحظة غير محتملة يتقبلها من أجلها تصلح ما خربه بينهما:
-خافت لا أضربها.
تبع جملته مباشرةً تفسير الطبيب:
-جسمها بيقرأ قربك منها على إنه تهديد، حتى لو إنت في اللحظة دي مش ناوي تضربها.
-عارف.
-لما بتشوف الخوف في عينيها بتحس بإيه؟
-بزعل من نفسي.
-بتغضب؟
-لا.
-بتخاف؟
-ممكن.
-أقدر أعرف من إيه؟
همس بصوتٍ خافت التقطه "براء" بتعسرٍ:
-إنها تكرهني... أو تبعد عني.
كرر الطبيب تدوين بعض الملاحظات، ثم خاطبه متسائلًا:
-لما بتحس إنها ممكن تبعد عنك بتعمل إيه؟
-بحاول أقرب منها.
-حتى لو هي محتاجة تبعد؟
لم يجد منه ردًا، فاستكمل وقتها كلامه:
-"عزام" مراتك محتاجة تحس إن البيت مكان آمن، مش مكان بيحوي ذكريات مليانة ضرب وعنف وخوف، محتاجة تعرف إنها تقدر تقولك لا، وتختلف معاك، وتلبس حاجة إنت مش لازم تحبها، وتتخانق معاك منغير ما تخاف من رد فعلك.
انعقد حاجباه باعتراضٍ واحتج بنزقٍ:
-لا أنا مقدرش أقبل ده.
حاول الطبيب احتواء غضبه الذي تفاقم عند جمله الأخيرة، فتحدث في نبرة هادئة:
-إيه اللي متقدرش تقبله؟
-مقدرش أشوفها ماشية بلبس مش مناسب وأقول عادي هي حرة، أنا راجل وبغير ومستحملش الوضع اللي بتقوله ده.
-وإيه بيحدد كون اللبس مناسب أو لا؟
-أنا أكيد، طبيعي يكون ليا رأي.
-يبقى رأيك مهم، بس هل رأيك ده قرار؟
-لو ده هيخلي الرايح والجاي يبصلها يبقى سميه قرار.
-طيب خلينا نفترض إنك قلتلها إنك مش مرتاح للبس معين.
-تمام.
-وهي سمعتك وقالتلك أنا فاهمة إنك مش مرتاح، بس أنا مرتاحة فيه ومش شايفة فيه مشكلة.
-مش هقبل.
-ليه؟
-عشان أنا جوزها، وأنا اللي أملك كامل الأحقية في إني أقولها تلبس إيه ومتلبسش إيه.
-أنا فاهم إنك جوزها، بس هل كونك جوزها ده بيديك الحق تقول رأيك؟... ولا بيديك الحق تتحكم في جسمها ولبسها؟... ثم إن عندي سؤال، إنتَ أما اتجوزتها يا "عزام" كان لبسها بنفس الطريقة؟... ولا هي اتغيرت فجأة؟
فرك كفيه بارتباكٍ ورد على مضضٍ:
-نفس الطريقة.
ثم تابع والعبوس يتشكل على ملامحه بوضوحٍ:
-ونفس الانفتاح ونفس كل حاجة.
-يعني كل ده كنت شايفه قبل الجواز، وشايف إنه مش مناسبك، ومع ذلك كملت.
ازداد تجهمه، فتفهم الطبيب رفضه للرد على ما قال؛ لذا فضل تغيير مجرى الحديث ونطق في إيضاحٍ أكبر:
-إنتَ المرادي مضربتهاش، ودي خطوة مهمة، لكنك قربت وعدلت لبسها بإيدك.
دافع "عزام" عن نفسه فورًا:
-أنا معملتلهاش حاجة، أنا بس نزلت الجيبة.
-عارف.
-وبعدين الموضوع مش كبير أوي، هي وافقت.
-هي وافقت قبل ما تعدلها؟... ولا إنت عدلتها من نفسك منغير ما تتناقش معاها؟
-أنا مكنتش قاصد أتحكم فيها، أنا كل ده بيحصل مني بدافع الخوف والغيرة.
-النية مهمة، لكن مش هي الحاجة الوحيدة اللي بنبص عليها. ساعات الإنسان بيعمل تصرف وهو مقتنع إنه بيحمي اللي قدامه، والطرف التاني مبيشوفش غير إنه مجرد تحكم... خصوصًا لو الطرف ده بقى بيخاف من رد فعلك.
-بس أنا طمنتها وقلتلها متخافيش.
-هل الخوف بيختفي عشان إحنا قلنا للشخص متخافش؟
شعر "عزام" باليأس يتملكه، فصاح بتأففٍ:
-خوفها ده بسبب حاجات كتير متراكمة، زي الخناقات والضرب وغيره وغيره، معرفش المفروض أعمل مع ده إيه.
-يبقى لما تقرب منها وهي متوترة، هي مش بتشوف "عزام" اللي ناوي يتعامل بهدوء، هي في الغالب بتفتكر "عزام" اللي أذاها قبل كده.
-طب تفتكر ده هيتغير؟
-ممكن بس مش بمجرد إنك تقرر النهاردة إنك مش هتضربها تاني، الثقة بتتبني بتصرفات متكررة وعلى وقت.
تملكه الانفعال مجددًا بعدما مر أمر ملابسها على ذاكرته مجددًا، فتحدث في اغتياظٍ:
-يعني أنا أسيبها تعمل اللي هي عايزاه؟
-لا.
-لا!
-أنا مقولتش كده... فيه فرق بين إنك تقول لمراتك
أنا مش مرتاح في اللبس ده وعايز أتكلم معاكي فيه، وبين إنك تقول أنا مش مرتاح يبقى لازم تغيريه.
تأمل "عزام" كلمات الطبيب لبرهة، ثم نبس مستفسرًا:
-بس لو أنا فعلًا شايفه غلط؟
-ممكن تقول إنك شايفه غلط.
-ولو هي مش شايفاه غلط؟
-يبقى عندكم اختلاف.
-وبعدين؟
أعطاه الطبيب بسمة خفيفة قبل أن يرد عليه بعقلانيةٍ:
-الاختلاف مش لازم ينتهي بانتصار حد.
رمقه بعدم اقتناع، ثم تهكم قائلًا:
-ما الكلام سهل أصلي.
-ده صحيح وبديهي، الفعل محتاج مننا نشتغل على نفسنا عشان نوصله.
-وإن الناس تبص عليها وأنا أبقى شايف ده، ده سهل يعني.
ترك الطبيب قلمه وفرقع أصابعه وهو يرد عليه برزانةٍ:
-خلال النقطة دي أنا عايزك تسأل نفسك سؤال واضح وصريح لما حد بيبص عليها هي ذنبها إيه؟
-ممكن تكون هي السبب.
-ممكن.
-يعني أنا مش دايمًا غلط.
-أنا مقولتش إنك دايمًا غلط... ممكن حد يبص على مراتك وهي واقفة ساكتة، وممكن حد يبص عليها وهي لابسة حاجة إنت مش بتحبها، وممكن حد يبص عليها لأي سبب تاني مالهاش علاقة بيه أصلًا؛ لأن لا اللبس ولا كل ده هو اللي هيحدد الناس هتبص ولا لا، ده لو حد كان بيبص بالفعل زي ما بتقول.
-بس أنا مش هرتاح.
-عدم راحتك مفهوم.
وضع القلم مجددًا بين أصابعه، وأشار به ناحيته هاتفًا:
-بس عدم راحتك مش دليل على إنها عملت حاجة غلط.
بدأ في تدوين بعض الملاحظات الجديدة، ثم استفهم:
-المهم قولي، تحكمك فيها بيخفف خوفك من إنها تبعد أو تسيبك؟
-وقتها؟
-أيوة.
-بحس إني أهدى.
-وبعدها؟
طال صمته قبل أن يرد في استياءٍ:
-بيرجع تاني.
-يبقى التحكم مش بيحل الخوف، إنت بتسكن الإحساس شوية، لكن بعد فترة بتحتاج تطمن نفسك تاني، صح؟
-ده صحيح.
-وده اللي محتاجين نشتغل عليه، مش إننا نقنعك إنك متغيرش، ولا إننا نقولك إن كل حاجة بتعملها غلط، إحنا محتاجين نفهم إيه اللي بيحصل جواك قبل ما الغيرة تتحول لخوف، والخوف يتحول لمحاولة سيطرة، وبعدها لغضب.
-طب ولو أنا فعلاً عندي حق؟
-ساعتها هنتعامل مع الحاجة اللي حصلت فعلًا.
-ولو اكتشفت إنها بتخوني؟
صمت "براء" للحظة، ثم رد موضحًا:
-وقتها هيبقى عندك مشكلة حقيقية محتاجة قرار، لكن برضه مش هيبقى العنف هو الحل.
أعاد "عزام" رأسه للخلف، وحدق في نقطة فارغة وهو يردد:
-أنا حاسس إن الموضوع أصعب مما كنت فاكر.
-عشان إنتَ مش بتحارب "إنجي" يا "عزام".
التفت إليه وهو يشعر بمساسه بماضيه الذي دفنه بداخله، ثم تحدث في توترٍ:
-أمال بحارب إيه؟
-ده اللي لسه بنحاول نفهمه.
شرد بالنقطة الوهمية بصورةٍ مضاعفة، فتأمل الطبيب ردود أفعاله بحرصٍ، وكأنه يدرسها حرفيًا؛ لذا وبعد سكون خيّم على المكان لمدة ليست بقليلة نطق "براء" في جديةٍ:
-"عزام" أنا شايف ترددك وخوفك، وشايف وعارف إن في حاجات كتيرة شكلت شخصيتك دي، وجايز إنتَ مش حابب تتكلم عنها دلوقت، وشايف كمان مدى حبك لمراتك، وده اللي مخليك جاي المكان ده مخصوص برجليك، بس أنا هقولك حاجة اتقالتلي زمان، ودي اعتبرها كلمة من صاحب ليك مش الدكتور بتاعك لو تسمحلي.
أومأ "عزام" بترقبٍ، فتشجع "براء" واسترسل:
-أحيانًا محاولاتنا العديدة في إننا نحافظ على حاجة بتكون هي الطريق الصحيح لخسارتها مش لمكسبها، المحاولات المشتتة واللي بتقودنا لأسهل الحاجات زي الخوف والغيرة اللي هما مشكلتك، فـ عشان ميبقاش كل ده سبب خسارتك لمراتك كمل.
استكمل "براء" بعدها مباشرةً؛ ليترك له حرية التفكير فيما قاله:
-عشان منطولش أكتر من كده، عايز التلات أسئلة اللي إنتَ متعود تجاوب عليهم مع كل موقف تزود عليهم سؤالين.
-إيه هما؟
-إيه الحاجة اللي كنت خايف تحصل؟... إيه التصرف اللي كنت عايز أعمله بسبب الخوف ده؟
-هو إمتى هعرف أنا عندي إيه؟
-أما أعرفك أكتر.
اتسعت بسمة الطبيب، ثم قال بابتسامته اللطيفة:
-انبسطت جدًا إن أنا شوفتك إنهاردة يا "عزام"، وإن شاء الله أشوفك بعد ٤ أيام زي المرة اللي فاتت.
أومأ له عدة مرات، ثم نهض وغادر في صمتٍ وكلمات الطبيب بأكملها تدور في ذهنه، لتساوره وقتها مخاوف ليست بهينة، ماضيه سيُجبر على الاعتراف به ذات مرة، وهو... هو لا يملك رفاهية العودة عن ذلك الطريق الذي سلكه لأجلها، لا عودة بعد الآن!
********
بالمساء.
-مالها "سنا" يا خالتو؟
قالها "يحيى" بتوجسٍ ما إن دلف لشقة خالته، والتي ردت عليه في الحال وهي تغلق الباب مجددًا:
-معرفش يا "يحيى"، مش طبيعية أبدًا وكل ما أدخلها ألاقيها بتكلم نفسها، ده غير شكلها، دي مبتسيبش أوضتها يا "يحيى"، حتى البنت ولا تعرف عنها أي حاجة وامتحاناتها قربت، وشغلها مبتروحوش نهائي، منين ما يكلموها في الشركة متردش.
ثم استطردت في وجلٍ حقيقيٍ:
-أنا أول مرة أخاف عليها كده، أنا قولت أجيبك تاني يمكن اللي هي فيه سببه الخلاف اللي بينكوا وإنها سايبة البيت بقالها كام يوم، ما إنتَ لازم تحاول تحل بردو يا "يحيى"... إنتوا ملكوش إلا بعض يا حبيبي.
-"حلا" فين؟
-نامت من بدري.
صوب ناظريه تجاه غرفتها المغلقة، ثم طلب في احترامٍ:
-طب ينفع يا خالتو تسيبينا خالص، وأنا هحاول أدخل أفهم فيها إيه.
-آه طبعًا، أنا كده كده هدخل أنام عشان عندي شغل بكرة بدري، البيت بيتك طبعًا يا "يحيى" إنتَ مش غريب.
أومأ لها في صمتٍ، وتابعها وهي تتوارى عن أنظاره داخل غرفتها، ثم عاد بحدقتيه تجاه غرفة زوجته، سحب أنفاسه العميقة، وحررها على مهلٍ وهو يحاول أن يكون على أهبة الاستعداد لمواجهة أي مشاحنة كلامية قادمة، فمواجهتهما الأخيرة لم تكن بهادئة إطلاقًا.
سار بخطى منهكة، بخطى مل منها، بخطى يعلم أنها ستُرد بأذيال الخيبة التي يجرها خلفه في كل مرة حاول معها فيها، وضع كفه على المقبض وأداره فاتحًا الباب، ثم دلف وهو يبحث عنها بناظريه، فوجدها بصعوبةٍ بسبب الإضاءة الخافتة التي لطالما فضلتها، ومع ذلك لم يرد إزعاجها وتغيير الإضاءة، فقط أقبل عليها، وفي تلك اللحظة خرجت من شرودها لتراه، فهمست بنبرةٍ ضعيفةٍ:
-"يحيى"!
جلس إلى جوارها على الفراش، ثم شملها بنظرة فاحصة قبل أن يتساءل في اكتراثٍ:
-مالك يا "سنا"؟... جرالك إيه؟
فغرت فاها تحاول إيجاد كلمات مناسبة تجيب بها، ولكنها لم تجد، بالإضافة إلى أنفاسها التي سُحبت منها، فوجدت في لحظتها صعوبة في التنفس بانتظام، وفي عدة لحظات أجهشت بالبكاء المرير وجسدها يرتجف بعنفٍ، بينما هو يتابعها بصدمةٍ من تدهور حالتها التي لم يكن يتوقعها، فاقترب منها في ترددٍ وسحبها إلى صدره يضمها في رفقٍ، وهي... هي لم تكن تشعر بأي شيء من حولها، فقط انهيار، خذلان، فقدان، شوق، حنين... مزيج من مشاعر مشتتة شتت حياتها كلها.
راح يهدهدها بحنوه المعهود، وعانقها بحذرٍ وكأنه يخشى كسرها:
-اهدي يا حبيبي، اهدي أنا جمبك.
تعالى نحيبها وبلا وعي تشبثت بملابسه، فظنها دعوة صريحة لاحتواء روحها الهشة؛ لذا ربت على كتفها عدة مرات، وغمر رأسها بقبلات لطيفة تبعتها تمسيده على شعرها وكأنها طفلته الصغيرة، فقد تبخر كامل غضبه منها ومن أفعالها ما إن رآها في تلك الحالة.
التقط كفها القابض بقوةٍ على قميصه، وقبل باطنه بحنانٍ وهو يهمس بجانب أذنها:
-فيكي إيه يا نور عيني؟
خرج صوتها خافتًا من وسط شهقاتها:
-خ.. خايفة.
نظر لتعابير وجهها المرتاعة، ثم جفف عبراتها بظهر كفه وهو يستفهم بهدوءٍ طمأن قلبها إلى حد ما:
-من إيه يا حبيبي؟
ردت عليه باندفاعٍ غير مراعية لأي شيء:
-عليه، إنتَ هددتني هتأذيه.
دفعها بعيدًا عنه، فتراجع جسدها للخلف حيث طرف الفراش، وبأعجوبة تحكمت في توازنها ولم تقع، ثم نظرت لملامحه المهتاجة نقيض ما كان عليه منذ قليل، فارتعدت دواخلها وتفاقم ذعرها، بينما هو يهدر بها بانفعالٍ:
-كل اللي عاملاه في نفسك ده عشان خاطره.
انكمشت على نفسها وطالعته بهلعٍ، بينما هو يكمل كلماته بقهرٍ:
-بتحبيه لدرجة مش مستحملة عليه التهديد حتى!
اقترب منها وقبض على ذراعيها صائحًا في غلٍ:
-بتعرفي تحبي وتبقي حنينة للدرجادي!
بكت كما لم تبكِ من قبل، وحاولت التملص من بين قبضتيه التي شددهما عليها صارخًا في احتدامٍ:
-مهانش عليكي ولا مرة تبقي حنينة عليا زيه، أو تحبيني زيه، مهانش عليكي ولا مرة!
بغتةً خرجت منها صرخة مدوية هزت كيانه، فتركها في الحال وهو يراها بعينين متحجرتين، يراها تتابع صراخها باكيةً بلا توقف، يراها تبتعد عنه لآخر الفراش، يراها تحدجه بنظرات الخوف والفزع، يراها في حالة لم يرها من قبل، وكل ما شغل عقله في تلك اللحظة ذلك الحقير، ذلك الحقير الذي يتفاقم حقده وبغضه له في كل لحظة تمر عليه.
ولجت "بثينة" إلى الغرفة، واندفعت راكضةً ناحية ابنتها التي احتضنتها وهي تلوم "يحيى" بقسوةٍ:
-يظهر إني غلطت أما طلبت تيجي هنا تاني، ياريت تمشي وأما حالتها تتحسن هبقى أكلمك.
هبَّ واقفًا، ولاح على ثغره بسمة جانبية مريرة قبل أن يردد بنبرةٍ كسيرةٍ:
-لو تعرفي تخبيها من قلبي زي ما هتخبيها عندك هنا أعمليها.
حملقت فيه بتعجبٍ من رده المفاجئ، وتابعته وهو يغادر المكان بأكمله، لتعود ببصرها تجاه ابنتها التي خفَّ نحيبها، ولم يتبقَّ منه سوى بعضٍ من الشهقات العنيفة؛ لذا تزاحم رأسها بالعديد من الأسئلة التي لم ولن تجد لها أية إجابات.
************
باليوم التالي.
-افتكرت إن ليك أم أخيرًا؟
قالتها "رجوى" باستهزاءٍ ما إن فتحت الباب ووجدت ابنها ببسمته السمجة تلك، فرد عليها في الحال بنبرته السخيفة:
-صدقيني كان معايا كمية دراما على أكشن، الدنيا مكانتش أحسن حاجة عشان أجيلك وكده، وبعدين إنتِ عايزاني أشيلك همي يعني و...
قاطعته بنفاد صبر وهي تلوح بيدها في وجهه:
-بس اسكت هو راديو وفتح، اتنيل أدخل.
دلف "سلمان" إلى الشقة وهو يتنهد بتعبٍ حقيقيٍ، فالأحداث الأخيرة كانت مرهقة بحقٍ لعقله، التفكير والتخطيط وغيره وغيره، فقد حاول قدر المستطاع اتخاذ احتياطاته بعدما شعر أن انهدام كل شيء أصبح وشيكًا.
ارتمى على الأريكة وتساءل في فتورٍ:
-طلبتي تشوفيني كتير، في إيه؟
جلست قبالته، وخاطبته بجديةٍ:
-أختك.
-"إنجي"؟
-لا "مديحة".
استراح بجسده على الأريكة، وتمدد عليها بأريحيةٍ وهو يهتف باستخفافٍ:
-طب ودي خلفتيها إمتى دي؟
انكمشت ملامحها بانزعاجٍ صائحة:
-يا تُقل دمك.
-مالها "إنجي"؟
-كان في مشاكل كبيرة بينها وبين جوزها.
دار ببصره بالمكان بمللٍ ونطق في تهكمٍ:
-وإيه الجديد؟
-اقتنعت إنها تتطلق منه أخيرًا، قام البيه في الآخر خطفها وكان شغل قلة أدب، وقال إيه دلوقت أختك مرتاحة معاه ومكملة.
اعتدل في جلسته وتحدث بلا مبالاة، كرسالة صريحة إليها عن عدم مسؤوليته تجاه الأمر:
-طب واحد ومراته اتخانقوا شوية ودلوقت بقوا كويسين، أجي أنا يعني دلوقت أعكر عليهم حياتهم.
نهض بتكاسلٍ واضحٍ في حركته، وسار ناحية الشرفة صائحًا بصوته المزعج:
-قومي إنتِ بس اعمليلي فنجان قهوة، وأنا هقعد جوا أشم شوية هوا.
ولج الشرفة متجاهلاً تمامًا سبابها الذي وجهته إليه، ثم جلس على الكرسي الخشبي المتواجد بالمكان، وارتكزت نظراته بغتةً على الشرفة المتواجدة أمامه، فلاح بذاكرته دفعةٌ من الذكريات الدافئة التي عاشها معها من قبل، على الرغم من تفضيله لوضعه الحالي، واختياره -بكامل إرادته- لتخليه عن حبه لها لأجل مصالحه المادية، إلا أنه بين حينٍ وآخر يشتاق لراحة البال التي كان يعيشها معها. "فتون" كانت امرأةً جميلة، ذات نفوذ وسلطة، حققت له كافة أحلامه دون عناء السعي إليها، ولكنها لم تشبع عاطفته، أو ربما هو دفن تلك العاطفة عن عمدٍ منذ زمن بعيد!
أراد الانغماس في الذكريات حتى لو لوقت قصير، فرأسه لم تتخلص من تلك الزوبعة سوى بها؛ لذا أخرج هاتفه من جيبه وضغط عليه عدة ضغطات، ووضعه أمامه على المنضدة، فصدر خلال لحظات صوت مطربه المفضل "عبد الحليم حافظ"، ودندن معه بمزاجٍ صافٍ لا يعكره شيء:
-سواح وماشي في البلاد سواح، والخطوة بيني وبين حبيبي براح، مشو...
قاطعه عن دندنته بغتةً ظهورها من العدم بغرفتها التي رآها من خلال الشرفة المقابلة له، فجحظت مقلتاه بصدمةٍ لوهلةٍ قبل أن يتدارك نفسه سريعًا ويعود لحالته الطبيعية، ثم راح يراقبها بحدقتين متربصتين، وفي نفس اللحظة أدرك وجود خطبٍ ما بها، كانت ملامحها باهتة، وجهها شاحبًا، عيناها دمويتان وكأنها بكت لسنواتٍ متواصلةٍ.
ولسوء حظه التفتت "سنا" تجاه شرفته فجأةً، فرأته لتتبدل قسماتها في ثوانٍ، احتل ملامحها الحنين العجيب، وكأنها صارت فاشلة في مواراة عشقها له، وكأنها فقدت عقلها خلال تلك الأيام العصيبة الأخيرة!
تبادلا النظرات المشتتة للحظاتٍ لم تكن بقليلة، هو كان يمعن النظر فيها بلا ملل، يحاول دراسة كل رد فعل تبديه على رؤيتها له، وهي... هي تطالعه في ألمٍ ممزوجٍ بالتيه، وكأنها لا تثق بعقلها، تشعر وكأن وجوده ذلك وهم، "سلمان" لن يعود كما كان، لن يعود "سلمان" الذي كان يتلهف لرؤيتها من شرفته الخاصة، لن يعود العاشق المتيم مجددًا، ولكنها مازالت عالقة عند تلك اللحظات تستغيث بالكل؛ لعل أحدهم ينقذها، ولكن لا فائدة.
وعند مرور تلك الكلمات برأسها تهاوت الدموع من كلتي عينيها، والتي تابعها هو بتركيزٍ جمٍ، وداخله مشتت أضعافها!
"وصيتك وصية يا شاهد عليا تحكيله ع اللي بيا واللي قاسيته في لياليا.
وسنين وأنا دايب شوق وحنين!"
**************
دفن وجهه بين أحضانها بارتياحٍ، وترك لنفسه مساحة التمتع بنعيم قربها، أصبح يطلق عليه نعيمًا بعدما ظل عمره بأكمله يرى ما يشابهه ليس إلا خيانة، كم كانت الحياة عبثية!
وكم من جرم نفر منه المرء وفي النهاية ركض إليه بكامل إرادته!
كانت أحضانها بمثابة مسكن قوي المفعول لآلامه العديدة، مسكن يخمد التفكير المفرط وضجيج رأسه، مسكن أدرك قوة مفعوله، فصار يركض إليه في كل مرة تتعثر فيها قدمه.
استنشق أنفاسه بعمقٍ يحاول حفر رائحتها اللطيفة داخل عقله، أسند رأسه على صدرها، أطبق جفنيه بهدوءٍ، فقط أراد أن يشعر بكفها الناعم الذي مسد على رأسه بحنوٍ.
-طب ما تتطلقوا.
قالتها "نجوان" بصوتٍ حافظت عليه خفيضًا؛ حتى لا تفسد عليه مزاجيته، وتململت قليلًا بانزعاجٍ على الفراش؛ بسبب ثقل جسده الذي رماه عليها، بينما "يحيى" يرد برفضٍ قاطعٍ، وكأن كلمتها جعلته يستفيق:
-أسباب كتير تمنعني أعمل ده، أولهم عندي بنت عايز أربيها، عمرك شوفتي اتنين متطلقين أولادهم سويين نفسيًا.
عقدت حاجبيها بدهشةٍ من حكمه العجيب، وصححت له مفهومه:
-أكيد اللي بتقوله مش صح، يعني هو وجودها بينكم وإنتوا علاقتكم بالشكل ده هيخليها سوية نفسيًا!
لاحظت صمته، وعدم رده على اعتراضها عما قاله، فظنت بفكره سوءًا وهتفت في تلهفٍ:
-أوعى تفهم إني عايزة أخرب بيت أو أعمل حاجة شبه كده يا "يحيى"، أنا بس بتكلم من نقطة إن لا إنتَ مرتاح، ولا هي حتى مرتاحة باللي إنتَ حكيتهولي ده!
سحب كفها ووضعه على رأسه مجددًا بعدما أبعدته، ثم همس بصوتٍ رخيمٍ:
-متدوشيش راسي يا "نجوان" عشان خاطري، أنا عايز أفصل دماغي.
داعبت خصلات شعره مرة أخرى، والتزمت الصمت كما أمرها بصورةٍ غير مباشرة، حتى شعرت بتلك العبرة التي بللت صدرها، فخفق قلبها بألمٍ وتساءلت بصوتٍ مختنقٍ:
-طب إنتَ بتعيط ليه دلوقت؟
دفن وجهه بملابسها يكتم نحيبه، وراح جسده يهتز من فرط بكائه الذي حاول السيطرة عليه، ثم رفع وجهه إليها ليهتف باغتمامٍ:
-إنتِ عارفة أنا عملت إيه عشانها!
ثم استطرد بصوته المبحوح وهو يعترف لها بفعلته الشنعاء، بينما هي تستمع له بلا تصديق وتعابير وجهها تنكمش بصدمةٍ:
-أنا مش بس صورت فيديو للكلب اللي اسمه "سلمان"، أنا شبه شاركت في إن مراته تجهض طفلها اللي فضلت سنين تتمناه.
جحظت مقلتاها ووضعت كفها المرتجف على شفتيها، ثم همست بتلعثمٍ:
-"يحيى" إ.. إنتَ ب... بتقول إيه؟
أكمل اعترافه لها بالرغم من رد فعلها، ولكنه كان يثق بها تمام الثقة، هي لن تصدر أحكامها المجحفة عليه، ستتفهم دوافعه مهما فعل:
-أنا عملت كل ده بمساعدة أخت مرات "سلمان"، وأما روحتيله كان بخطة مني أنا وهي، هي كمان مش عايزاه في حياتهم وعايزة تخلص منه، وقتها مراته حملت، وهي قالتلي إنها هتخليها تسقط، وأنا وقتها متدخلتش رغم إنه كان في إيدي وسكت عشان كل حاجة في حياته تخرب.
تابعت كلماته المشتتة وأنفاسها تتلاحق بلا هوادة، ثم همست بخذلانٍ:
-إنتَ عملت كده يا "يحيى"!
ابتعد عنها فجأة كمن لدغه عقرب، ثم صاح برفضٍ هستيري:
-لا لا إنتِ أكيد مش هتعملي معايا كده، أكيد مش هتحكمي عليا، أكيد فاهمة أنا عملت كده ليه، مش كده... صح يا "نجوان"؟
أومأت له عدة مرات بمهاودةٍ، فحالته النفسية لا تسمح بمعاتبته أو محاسبته على ما فعله؛ لذا سحبته مجددًا بين أحضانها، وضمته في حنانٍ، وقد قررت التغاضي عما قاله منذ قليل، التغاضي عن أي شيء تفعله روحه الكسيرة، ورأت أن لا لوم على قلبه المكلوم؛ لذا عانقته بصورةٍ مضاعفةٍ وهي تحمد ربها أن مجيء شقيقتها من دروسها ليس بقريب، فوجوده هنا معها لن يصيبها إلا بمشاحنات كلامية لانهائية مع "شاهندة"، ووسط تغاضيها ذلك شعرت بالاستهجان الشديد، كيف له أن يفعلها؟... كيف يخرج من حنون القلب ذلك فعلة كهذه؟
شعرت بانتظام أنفاسه، ففهمت في الحال ذهابه في سباتٍ عميقٍ؛ لذا تأملت ملامحه المتعبة بأريحيةٍ تامةٍ، وراحت تتمتم بحيرةٍ:
-واخدني معاك لحد فين يا "يحيى"..!
*************
-دي الحقيقة يا "فتون" اللي إنتِ مش قادرة تقتنعي بيها، ده مجرد شخص خاين وزبالة، وإنتِ دخلتيه في وسطينا لمجرد إنك بتحبيه.
قالتها "فاتن" بنبرةٍ شيطانية موجهةً كلماتها لشقيقتها التي شاهدت المقطع الذي وردها من رقمٍ غريبٍ لا تعرفه، شقيقتها التي رأت خيبتها في زوجها للمرة التي لا تُحصى؛ لذا - حفظًا لكرامتها - همست بدموعٍ أبت أن تنهمر:
-أنا لازم أتطلق منه...
الفصل العشرون من هنا