
رواية عشق ملوث بالإنتقام الفصل الثاني والثلاثون 32 والأخير بقلم ريتاج حبيب
تم دفن والده، وانتهت مراسم الجنازة،
وكان وائل يقف بجانب أسر، الذي كان لا يزال في حالة من اللاوعي. فعلى الرغم من كل ما فعله والده في البداية، فإنه في النهاية يظل والده..كان أسر يقف في العزاء الذي أُقيم أمام مسجد عبد الفتاح، يستقبل المعزّين ويسلّم على الناس، لكن عقله لم يكن معهم على الإطلاق. لم يكن يرد على أحد، بل كان يكتفي بالسلام في صمت، ثم يعود إلى مكانه ويجلس.
دخلت ليان، مرتديةً فستانها الأسود الذي أبرز جمال قوامها الفرنسي، بينما كانت تمسح دموعها التي سالت من شدة البكاء، إلا أن ملامح وجهها كانت تكشف أنها لم تتوقف عن البكاء بعد. فقد انهارت فور علمها بالخبر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما قرأت المنشور الذي كتبه أسر:
«إنا لله وإنا إليه راجعون، توفي والدي إلى رحمة الله. العزاء اليوم في العاصمة أمام مسجد عبد الفتاح».
انهارت ليان بمجرد أن وقعت عيناها على الكلمات، حتى إنها لم تستطع إكمال قراءتها بشفتيها من شدة تأثرها.
وقف أسر ومدّ يده لاستقبال أحد المعزّين، وبينما كان شارد الذهن، رفع عينيه فور شعوره بملمس يد أنثوية داخل كفّه. صُدم عندما وجدها آخر شخص كان يتوقع رؤيته في ذلك المكان، فقال دون وعي:
أسر: ليان!
رفعت يدها الأخرى وربّتت على كتفه، بينما تجددت الدموع في عينيها، وقالت بصوت منخفض:
ليان: البقاء لله يا أسر.
هزّ رأسه نافيًا، وظلت عيناه تتجولان بين ملامح وجهها باشتياق لم يستطع إخفاءه. ومن دون أن يشعر، شدّ على يدها، فتقدّم وائل خطوتين قبل أن يتوقف في مكانه، بعدما أدرك ما يحدث أمامه.
سحب أسر ليان خلفه إلى مكان بعيد خلف المسجد، لا يوجد فيه أحد. ظلت ليان صامتة ولم تعترض، بينما كان قلبها يخفق بعنف. وما إن ابتعدا عن أعين الناس حتى سمعته يتحدث بصوت ممتلئ بالخذلان والاشتياق، صوتٍ كان من الصعب عليها تحمّل ألمه.
رفع أسر يده وشدّها إليه بقوة، ثم اختطفها داخل أحضانه، وهو يقول:
أسر: وحشتيني... أوي.
أغمضت ليان عينيها رغمًا عنها، وهي تستنشق رائحة عطره التي اشتاقت إليها كثيرًا، ثم رفعت يديها لتبادله الحضن بخجل. ولكنها ما إن شعرت بشفتيه على رقبتها حتى دفعته بعيدًا بسرعة، وقد تملّكها الخجل والخوف منه في الوقت نفسه.
أمسك أسر بيدها، وقال بلهفة:
أسر: لأ يا ليان... متزقينيش. قربي، إنتِ أكتر. ده أول حضن بعد خمس شهور... مية وخمسين يوم وإنتِ بعيدة عن حضني وعيني، ولسه بتزقيني! قربي... قربي يا ليان.
ليان بارتباك: أ... أسر.
أسر: قربي.
كان لصوته الهادئ، ولمسته الرقيقة التي تسحبها نحوه برفق، ونظراته الممتلئة بالحب والاشتياق واللهفة تأثير مختلف تمامًا عليها. وجدت قدميها تسوقانها نحوه دون أن تشعر.
وما إن اقتربت منه حتى اختطفها بين ذراعيه وحملها، ثم دفن وجهه في عنقها، يستنشق رائحتها التي افتقدها طوال الشهور الماضية.
رفعت ليان يديها الاثنتين وربّتت على ظهره، بينما كانت دموعها تنزل في صمت. لقد نسي الاثنان كل شيء... نسيا المكان الذي يقفان فيه، ونسيا العزاء والموقف الذي جمعهما من جديد. لم يعد يشعر أيٌّ منهما بشيء سوى الدفء والاشتياق اللذين حُرما منهما طوال الأشهر الماضية.
كان أسر يستمتع بدفء حضنها، وقد خرج صوته مبحوحًا وهو لا يزال يحتضنها:
أسر: إزاي قدرتي تعملي فيا كده؟
ليان بصوت منخفض: إنت اللي عملت كده يا أسر، متحاسبنيش على رد فعلي على اللي إنت عملته.
غمس أسر وجهه في عنقها وقبّله برقة، ثم قال بأسف:
أسر: سامحيني.
أغمضت ليان عينيها، وقالت بألم:
ليان: خلاص، مبقاش ينفع يا أسر. إنت... إنت دمرت كل حاجة بينا، خلاص.
أبعدها قليلًا عن حضنه، وأمسك وجهها بين يديه، وقال بلهفة:
أسر: لأ...
لكن صوت امرأة قاطعهما بعدما رأتهما من بعيد.
المرأة: يــا مصــــيييــبتــي! إنــــتــوا بــتعــــملــــوا إيــــــه ورا الــجــــامــــع يــــا قــــليلــــة الــــأدب إنــــــتِ؟ و هــــــو إنتــــــوا اختــــــشــــوا علــــــى دمكــــــم! إحــــــنا فــــــي عــــــزا! صــــــحــــــيح اللي اخــتشــــوا ما...
قاطعها أسر بحدة:
أسر: شششش! اتكــــــتــــــمي يا وليــــــة! هــــــي بلاعة واتفتحت؟ غــــــوري بــــرة يلا!
غادرت المرأة المكان، وما إن وقعت عينا أسر على ليان حتى وجدها تضحك. ابتسم هو الآخر عندما رأى ضحكتها التي اشتاق إليها كثيرًا، ولم يستطع السيطرة على نفسه، فمال برأسه نحوها واندفع يقبّلها برقة.
استسلمت ليان له؛ فهي، في أعماقها، كانت تعتقد أنها ستراه للمرة الأخيرة. ولم تجد مانعًا من أن تودّعه بتلك الطريقة التي أحبها قلبه واشتاق إليها.
_________
بعد انتهاء العزاء، دخل أسر إلى شقته القريبة من المسجد، ودخلت ليان خلفه وهي تشعر بالغضب والتوتر. التفتت إليه وقالت بنبرة عصبية:
ليان: أســــــــر، مــــتنــــــدمنــــيــش إنــــــي جيــــــت، وسيبــــــني أمــــــشي بــــــقــــــى!
هتف أسر بهدوء، مستمتعًا بعصبيتها التي اشتاق إليها:
أسر: مفيش ماشيان في حتة! مطرح ما جوزك هيكون قاعد، إنتِ كمان هتكوني معاه.
توقفت ليان مصدومة من كلامه، وحدقت فيه بعدم تصديق.
ليان: يعــــــــني إيــــــه؟! إنــــــت فاكــــــر إنــــــي هقبل أعيــــــش مــــعاك تانــــي بعــــــد اللــــــي عــــملــــته فيــــا؟!
تقدّم منها أسر، وكان الغضب من نفسه يملأ قلبه، وقال:
أسر: ليان، إنتِ خدتي حقك مني خلاص... خلاص، عشان خاطري والله، كان غصب عني، معرفش...
قاطعته ليان بسخرية مريرة:
ليان: آه آه... كــــــــان غصــــــب عــــــنك ومتــــــعرَفش! إزاي يــــــعنــــــي حــــــصل كــــــده، وإنــــــك مكنــــــتش في وعــــــــيك، صــــــــح؟! إنــــــــت... إنــــــت مــــــش واعــــــي إنــــت بتــقــول إيــــــه! إنــــــت إزاي بتــــــعمل كــــــده؟ أنــــــــا مــــــــش قــــــــادرة أفــــهــــمك!
قالت كلماتها الأخيرة بانهيار، ثم جلست على الأريكة، وقد عجزت عن تحمّل المزيد.
ركض أسر نحوها، وأمسك يدها يقبّلها، وهو يقول بقلق:
أسر: اهدي، اهدي عشان خاطري. إنتِ مش لوحدك، إنتِ شايلة...
قاطعته ليان بسخرية مريرة، وقد اختلطت الدموع بالضحكات المؤلمة على وجهها:
ليان: شــــــــايلــــــــة، آه! شــــــــايلة بنــــــتي الــــلي أبوهــــــا كــــــــان بيتــــــهم أمــــــها إنهــــــا حامــــــل من راجــــــل تانــــــي! تخــــيل!
ليان: يــــــــــاااه! لــــــــــا، وــــمش بس كده، ده يا توتي راح اتجوز على مامي عشان يذلها ويعذبها!
ليان: الله يا أسوري! لا، وراجع دلوقتي تقولي: سوري، كان غصب عني!
ليان: مممم... المفروض طبعًا أقــــــــوم آخــــــدك بالحــضن وأبوســــــك من هنــــا ومــــن هنــــــا، وخــــــلاص يا بيبي، مــــفيــــــش مشــــكلة، صــــــــح؟!
تقدّم أسر منها خطوة، لكنها تراجعت خطوتين إلى الخلف، وقالت بحدة بسيطة:
ليان: ارجع... خليك مكانك يا أسر.
ليان: أظن إنك اتعودت على عدم وجودي خلاص. خمس شهور مش قليلين برضه، كفاية ينسّوك اسمي وتعيش مع الإنسانة اللي تسعدك.
هتف أسر بصوت مبحوح، وقد ظهرت آثار تعبه النفسي بوضوح على ملامحه:
أسر: مقدرش... ليان، متبقيش إنتِ والزمن وكل حاجة عليّا! كفاية بقى، كفاية كده! أنا مش عارف ألاقيها منين ولا منين!
أسر: ليان، أنا فعلًا مكنتش في وعيي. الحيوانة اللي اسمها ميرفت، هي والكلبة منة، هما اللي عملوا كل ده! هما اللي خلّوني يومها مش في حالتي الطبيعية، وعشان كده هما...
أسر: هما والله اللي شككوني فيكي! كل ده كان خطة منهم، وحياة ربنا!
أسر: ولما جيت لك، روحت نمت، ولما صحيت مكنتش فاكر حاجة. هما عملوا كل ده بمساعدة بابا.
قال الجملة الأخيرة بانكسار واضح، بينما كانت عيناه تفضحان حجم الألم الذي يحمله داخله.
شهقت ليان بصدمة، وبدأت دموعها تنزل بغزارة، وهي تتحدث بتقطّع وعدم تصديق:
ليان: بابا... و... و... طنط؟!
أومأ أسر بهدوء، وبدأ يقترب منها، لكنها ظلت تنظر إليه وكأنها تنتظر أن يخبرها بأنه يمزح.
ليان: إزاي... إزاي؟! إنت بتهزر؟! دول كانوا بيعاملوني كأني بنتهم، مش كأني حتى...
ليان: و... و... منة! منة أختي دي، مش صاحبتي! إنت بتهزر؟! عاوز كمان تكرهني في أهلي؟!
أمسك أسر يدها بهدوء، وهو يتحدث بحذر، مستعدًا للانفجار الذي توقع حدوثه منها، وعازمًا على احتوائها مهما حدث.
أسر: مش أهلك يا ليان... دول كانوا بيمثلوا.
جلست ليان على الأرض، وانهارت في البكاء. إلى هذه الدرجة لم تكن تعرف كيف تميّز بين الأشخاص الطيبين والسيئين؟ وإلى هذه الدرجة يمكن لأقرب الناس إليها أن يكونوا خائنين بهذا الشكل؟
ظل أسر يحتضنها، ويربّت على ظهرها، بينما كان التعب النفسي والجسدي ظاهرًا في صوته.
أسر: خلاص يا ليان، كفاية بقى. خلينا نعيش عمرنا اللي جاي مع بعض، عشان بنتنا حتى.
صمتت ليان دون أن تمنحه إجابة، وظلت تفكر بهدوء وسط دموعها، تحاول استيعاب كل ما اكتشفته في تلك اللحظات.
ظن أسر أنها لا توافق على العودة إليه، فرفع يديه عنها ببطء، ثم وقف وأغمض عينيه بألم، وكأنه يستعد لخسارة أخرى لم يعد قادرًا على تحمّلها.
لكن صوته توقف في حلقه عندما سمعها تقول وهي تمسح دموعها:
ليان: موافقة.
ركض أسر نحوها، واحتضنها بقوة، وهو يقول بفرحة لم يستطع إخفاءها:
أسر: مش هتندمي يا ليان... كنت مظلوم زيك.
رفعت ليان يديها الاثنتين وبادلته الحضن، ثم ابتسمت برقة وقالت:
ليان: خلاص، بلاش كلام في اللي فات.
في الصباح، استيقظت ليان على ضوء الشمس الذي داعب عينيها، وما إن فتحت عينيها حتى وقع بصرها على أسر، فوجدته ينظر إليها بعشق.
ابتسمت برقة وقالت:
ليان: صباح الخير.
قرّبها أسر منه، وقال بصوته ذي البحة الرجولية:
أسر: صباح الجمال.
شعرت ليان بالخجل، ثم قالت برقة:
ليان: إنت صاحي بدري ليه؟
ضمّها أسر إلى صدره، وأغمض عينيه وهو يقول:
أسر: مش قادر أصدق إنك جنبي خلاص.
داعبته ليان بأنفها، وقالت بنبرة مرحة:
ليان: لا، صدّق! خلاص، جنبك أهو أنا وتوتي.
ازداد أسر في ضمّها، وقال بصوت ناعس:
أسر: توتك؟ مممم...
نظرت إليه ليان بخبث، ثم قالت:
ليان: إيه؟ مش هتقوم بقى؟ أنا عاوزة أقوم.
فتح أسر عينيه، وقال بحدة مصطنعة:
أسر: تقومي فين؟ اترزعي هنا! تقومي فين؟!
كتمت ليان ضحكتها، وقالت برقة:
ليان: هقعد برة.
دفن أسر وجهه في منطقة الترقوة لديها، وقال:
أسر: مفيش الكلام ده! أنا عاوز أنام... منمتش من ساعة ما مشيتي يا أوزعة! اتخمدي بقى.
ليان بغيظ: أنا مش أوزعة!
رفع أسر رأسه، وقال وهو يغمز لها:
أسر: إنتِ؟ ده إنتِ ملكة!
شعرت ليان بالخجل فور سماع كلماته، بينما ابتسم أسر بخبث، ثم قال:
أسر: لا، إحنا لازم نشوف حل للكسوف ده!
جاء وائل إلى منزل أسر، ورفع يده ليطرق الباب، لكنه أنزلها قبل أن يفعل، بعدما لاحظ وجود ظرف عالق بالباب، نصفه ظاهر من الخارج والنصف الآخر أسفل عتبة الباب.
انحنى وائل والتقط الظرف، ثم فتحه، وما إن رأى الصور الموجودة بداخله حتى صُدم.
كانت الصور تخص منة، وقد التُقطت لها مع أسر وليان، لكنها عُدّلت باستخدام الجرافيك لتظهر في أوضاع غير لائقة. وكان مكتوبًا أسفل إحدى الصور:
«مراتك وصاحبك! أظن مفيش أقذر من كده... ميرفت».
اشتعل الغضب داخل وائل، فحمل الصور وتوجّه إلى مباحث الإنترنت، وأكّد لهم أن ميرفت استخدمت الصور وعدّلتها باستخدام الجرافيك لتظهر في أوضاع غير لائقة.
وبعد الفحص والتحقيق، عُرضت ميرفت على التحقيق، لكنها صُدمت عندما اكتشفت أن منة هي التي كتبت اسمها في الموضوع، بعدما أخرجت السلطات التسجيل الذي كانت منة قد سجلته.
واستدعت السلطات منة، وبعد التحقيق معها، تبيّن أن لديها قضية شروع في قتل، فتم القبض على الاثنتين وحبسهما.
_______________
أما عند أسر وليان، وتحديدًا في الساحل، فقد أمضيا شهر عسل كاملًا، وكأنهما يبدآن حياتهما من جديد.
كانا يجلسان على الشاطئ، والبحر أمامهما، بينما كانت ليان تنظر إلى أسر بتوتر واضح. ترددت قليلًا قبل أن تتحدث، ثم قالت بارتباك:
ليان: أسر... أنا عاوزة أقولك على حاجة.
كان أسر ينظر إلى هاتفه، فأجابها دون أن يرفع عينيه:
أسر: إيه يا حبيبي؟
أغمضت ليان عينيها، وقالت بسرعة وكأنها تريد التخلص من ثقل الاعتراف:
ليان: أنا اللي ولّعت في الشركة بتاعتك!
رفع أسر عينيه عن الهاتف، ونظر إليها بدهشة شديدة.
أسر: إيه؟!
ليان بخوف وتلعثم: أنا... أنا اللي ولّعت لك فيها.
أسر بصدمة: إنتِ... إزاي؟!
ليان: أنا... أنا خليت سيف اللي... هو يعني... خطيبي القديم، ساعدني. جاب صحابه، وإحم... ولّعوا فيها بقى، وقامت... وووو... حريقة كبيرة أوي!
ظل أسر ينظر إليها لثوانٍ، غير مستوعب اعترافها، ثم قال:
أسر: ششش... وووو إيه يعني؟! إنتِ في الآخر يا ليان مش الكلبة اللي كانت صاحبتك... تمام؟
قال ذلك وهو ينهض من مكانه، ثم بدأ يمشي بسرعة كبيرة.
جرت ليان خلفه، وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها من شدة الخوف، وهي تناديه:
ليان: أسر... أسر، استنى والنبي! أنا... كنت عاوزة أخد حقي منك! أسر... آاااه!
صرخت من شدة الخضة عندما وجدته يلتفت إليها فجأة، ثم انفجر ضاحكًا وحملها بين ذراعيه، وقال بخبث:
أسر: براحتك يا بطل، المهم تكوني مبسوطة!
نظرت إليه ليان بدهشة، وأخذت تضرب بقدميها في الهواء وهي تسأله:
ليان: بجد؟! يـ... يعني إنت مش زعلان؟
أنزلها أسر على الأرض، ثم أخذ يعدّل شعرها برفق، وقال بصوته الرجولي:
أسر: المهم تكوني فرحانة، أو حسيتي إنك خدتي حقك... أي نعم إنك ضيعتي شقى السنين، بس براحتك!
رفعت ليان نفسها واحتضنته بكل حب وعشق، وقد شعرت بالراحة لأنها استطاعت أخيرًا أن تعترف له بالحقيقة، وأن تجد منه ذلك الاحتواء الذي لم تكن تتوقعه.
عاد أسر وليان أخيرًا من الساحل، وفي اليوم التالي، جاء وائل وأخذ أسر معه، بينما كان أسر مغمض العينين ومغطى بالشاش.
تذمّر أسر وهو يسير بجانبه:
أسر بضيق: يا بني، إنت عاوز إيه؟ فك الهبابة اللي على عيني دي!
ضحك وائل، ثم وقف خلفه وبدأ يفك الشاش من حول عينيه.
وائل: آها... بخ!
فتح أسر عينيه، وما إن رأى ما أمامه حتى اتسعت عيناه من شدة الصدمة.
كانت شركته تقف أمامه من جديد، بل أصبحت أفضل مما كانت عليه في السابق!
اقترب وائل منه، وقلّد رد فعل أسر نفسه، ثم قال مازحًا:
وائل: يا للهول!
ظل أسر ينظر إلى الشركة، وكأنه لا يصدق ما تراه عيناه.
أسر: ده بجد؟! إنت رجّعتها إزاي كده يا وائل؟!
هزّ وائل كتفيه بفخر، وقال:
وائل: عادي يا زميلي! من وإنت مكسّح... إحـم، من وإنت نايم في المستشفى، أنا بدأت أشتغل عليها.
وائل: وقسمًا بالله يا أسر، لو ما ادتنيش كل مليم أنا صرفته على أم الشركة دي، لأروح أجيب بخمسة وعشرين جنيه جاز وأولّع لك فيها، وساعتها تزعل بقى وتتفلق، إنت حر!
لم يجد أسر أي ردّ يعبّر عن مشاعر الفرحة التي اجتاحته. لم يستطع أن يقول شيئًا يوازي ما فعله وائل من أجله، فاكتفى بأن جذبه إلى حضنه بقوة.
أسر: شكرًا يا وائل... مش عارف أقولك إيه بجد.
وائل: تجيب الفلوس، عشان مولّعش فيها! وتزعل بقى؟ تتفلق، إنت حر!
مرّت الأيام والشهور سريعًا، حتى جاء اليوم الموعود.
كانت ليان داخل غرفة الولادة، تصرخ من شدة الألم، بينما كان أسر يقف في الخارج، ينتظر خروجها بقلق شديد.
ليان من داخل الغرفة: آآآآآآآآآآآه! مش قادرة!
كان أسر يسير في الممر ذهابًا وإيابًا، بينما كان وائل يسير خلفه بالطريقة نفسها. كلما صفق أسر بيديه، صفق وائل خلفه، وكأنه يقلّده في كل حركة.
أسر بقلق: يا رب، جيب العواقب سليمة!
وائل: جيب العواقب سليمة يا رب!
أسر: ما تمشي يا بني آدم من وشي! وسّع كده! عمال تقول زيي ليه؟!
وائل: الله! الحق عليّا بعيش معاك اللحظة!
أسر: بكرة تتجوز وتعيشها يا...
قطع كلامه صوت بكاء الطفلة الصغيرة، فشعر وكأن قلبه توقف للحظة من شدة الفرحة والقلق معًا.
لم تمرّ خمس دقائق حتى خرجت الممرضة وهي تحمل الطفلة الصغيرة بين ذراعيها، ثم اقتربت من أسر وقالت بابتسامة:
الممرضة: خد يا أستاذ، تتربى في عزك إن شاء الله. بنوتة زي القمر!
مدّ أسر يديه وأخذ الطفلة منها بحنان شديد، ثم رفعها برفق وبدأ يكبّر في أذنها، بينما كانت مشاعر الفرحة تسيطر عليه بالكامل.
وبمجرد أن انتهى، دخل إلى ليان بسرعة، وهو يقول بلهفة:
أسر: حبيبتي، حاسة بإيه؟
كانت ليان متعبة من الولادة، لكنها ما إن رأته حتى بدأت تبحث بعينيها عن طفلتهما، وسألته بحب:
ليان: بنتي... فين يا أسر؟
نظر أسر إليهما معًا بحب، ثم اقترب منها وأراها الطفلة، وقال بابتسامة واسعة:
أسر: أهي يا حبيبتي، زي القمر... شبهك.
نظرت ليان إلى طفلتهما بحب شديد، ثم رفعت عينيها إليه وقالت:
ليان: لأ، زيك.
في تلك اللحظة، دخل وائل إلى الغرفة، وهو يحمل علبة الحلويات ويأكل منها بكل أريحية، ثم نظر إليهما وقال بجدية تامة:
وائل: ورحمة أمي كدّاب! هي البت ظهر لها ملامح يا شوية منافقين يا ملزقين!
ثم التفت إلى أسر، ووجّه إليه سؤالًا بنبرة جادة:
وائل: وإنت!
نظر إليه أسر باستغراب، وقال:
أسر: إيه؟ إنت أنا شغال عندك؟!
أخذ وائل قطعة أخرى من البسبوسة، بينما كانت أصابعه ملتصقة بالعسل، ثم أشار بها نحو الطفلة وقال:
وائل: لما البت بنت الكلب دي تكبر، ابقى جوزهالي!
اتسعت عينا أسر من شدة الصدمة، وكاد لا يصدق ما سمعه.
أسر: بنت إيه؟!
انتبه وائل إلى ما قاله، فتلعثم بخوف وهو يحاول تدارك الموقف:
وائل: أ... آ... بنت... بنت الكلب! وأنا هخاف؟! أنا يا حبيبي رجّعت لك الشركة وصارف دم قلبي، يا عيلة حربية، وإنت مش عاوز تديني حاجة!
نظر إليه أسر بغيظ، ثم أشار إليه بيده وقال:
أسر: طب غور، وهنتكلم بعدين!
اتجه وائل نحو الباب، وهو يلوّح بيده ويصرخ بصوته العالي:
وائل: يا خاااااارج من باب المستشفى، وكل خرج عليه خوووووخة!
ظل أسر ينظر إليه بدهشة، ثم تمتم مستغربًا:
أسر: خوخة؟!
عاد أسر إلى ليان، فوجدها تكاد تموت من كثرة الضحك، فقد كانت تعشق علاقتهما الغريبة ومشاجراتهما التي لا تنتهي.
اقترب أسر منها، ثم قبّل رأسها بحنان وقال:
أسر بحب: ألف حمد الله على السلامة يا ليان.
ليان بحب: الله يسلمك يا بابي توتي.
رفع أسر رأسه ونظر إليها باستغراب.
أسر: توتي؟!
ليان: مممم... أمال هنسميها إيه؟
نظر أسر إلى الطفلة بجدية، ثم أجاب دون تردد:
أسر: ريتاج طبعًا! ودي عاوزة كلام.
و توتي توتي خلصت الحدوتي.
[[[حابة أوضح كام حاجة مهمة بخصوص رواياتي، وبالأخص رواية «عشق ملوث بالانتقام».
أولًا، أنا مش مع المرأة الضعيفة خالص، ولا بحب أظهرها بالشكل ده في رواياتي، ولا أحب إن رواياتي تكون متشابهة مع بعضها أو مع أي رواية تانية. والحمد لله، كل رواياتي مختلفة عن بعضها، وكل رواية ليها طابعها الخاص وأحداثها وشخصياتها اللي بتميزها عن غيرها.
أما بالنسبة لليان، فأنا رجعتها لأسر بعد ما أخدت حقها منه بالكامل، لأن أسر نفسه كان مظلوم زيها، والحقيقة اتكشفت، وكل واحد فيهم عرف مين كان السبب في اللي حصل له. وده مش معناه إن ليان ضعيفة أو إنها تنازلت عن كرامتها، بالعكس، هي واجهت اللي حصل لها، وأخدت حقها، ومارجعتلوش غير لما بقت عارفة الحقيقة كاملة.
ثانيًا، الرواية ليها أكتر من هدف ورسالة، ومن أهم الرسائل اللي حبيت أوصلها إن مش كل الناس اللي حوالينا بيكونوا زي ما إحنا فاكرين، وإن الثقة العمياء ممكن تخلينا نشوف الناس على حقيقتها متأخر جدًا.
وأهم نقطة بالنسبالي هي الصحاب، لأن ساعات أقرب الناس لينا بيكونوا أكتر ناس قادرين يخدعونا، وممكن الشخص اللي بنعتبره أقرب حد لينا يكون لابس أكتر من وش، ويعرف يمثل دور الصاحب الجدع والمحب، وهو في الحقيقة بيخطط لإيذائنا من ورا ضهرنا.
وعشان كده، مش كل رواية فيها رجوع بين اتنين تبقى بطلتها ضعيفة، ومش كل نهاية فيها حب تبقى معناها إن البطلة تنازلت عن نفسها. لازم نبص للأحداث كلها، ونفهم الشخصيات، ونعرف كل شخصية مرت بإيه، وإيه اللي وصلها للقرار اللي أخدته.
وفي النهاية، من حق أي قارئ يحب شخصية أو يختلف معاها، ومن حقه كمان ينتقد الأحداث، لكن الأهم إنه يفهم إن كل تفصيلة في الرواية ليها سبب، وإن مش كل حاجة بتكون بالشكل اللي باين من بره.]]]..
تمت بحمد الله