
رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الثامن عشر 18 بقلم نسرين نادر
أشرقت شمس اليوم التالي على دوار العزايزة، حاملةً معها أجواءً مختلفة كليًّا؛ فمنذ ساعات الصباح الأولى، كان الدوار كله على رجل واحدة، حركة ودبيب لا يهدآن، والرجال في الساحة الكبرى يستقبلون كبار النجع وأعيان البلد الذين بدأوا يتوافدون تلبيةً للدعوة الكبيرة.
كانت الفرحة تملأ المكان، والزينة بدأت تتعلق في الأركان، والأصوات تتعالى بين مباركات وضحكات واستعدادات لليلة منتظرة، لكن وسط كل البهجة دي، كانت فيه قلوب شايلة غلًّا، وعيون بتراقب غالية في صمت، كأن رجوع الحق لأصحابه كان نارًا مشتعلة في صدورهم.
أما في الطابق العلوي، فكانت الغرفة تعج بحركة البنات والتحضيرات، بينما جلست الخالة حكمة بجوار غالية، تحمل طبقًا صغيرًا وتحاول إقناعها بتناول بعض الطعام بإصرار أمومي.
ـ يا بتي، لازم تاكلي لك لقمة! اليوم طويل، وهتحتاجي قوتك. إنتِ من إمبارح ما حطيتيش في بطنك حاجة تسندك!
هزت غالية رأسها برفض، وهي تحاول أن تبتسم رغم الإرهاق الواضح في عينيها.
ـ والله يا خالة ما عدت قادرة... معدتي مقفولة، وحاسة إن روحي في لساني!
تدخلت زينب وكريمة، تحاولان تهدئتها وإقناعها بتناول الطعام، لكن القلق كان ظاهرًا على وجه غالية، وكأن قلبها يسبقها إلى شيء لا تعرفه.
وقبل أن تشتد حيرة الجميع، طُرق الباب طرقتين خفيفتين، ثم انفتح لتدخل الحاجة صفية، أم يونس.
نظرت إليهن بنبرة هادئة وحازمة:
ـ يا حكمة، خدي البنات وانزلوا تحت شوفوا التحضيرات والرجالة اللي بدأت تيجي. سيبوني أنا مع غالية كلمتين.
تحركت حكمة وزينب وكريمة إلى الخارج، وأغلقن الباب خلفهن برفق.
التفتت صفية نحو غالية، وما إن وقعت عيناها عليها حتى ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها الطيب. كانت غالية كالقمر، ترتدي جلابية بيضاء بسيطة وراقية، يزينها تطريز فضي رقيق، وعيناها الواسعتان يزينهما الكحل العربي الأصيل، بينما زاد الخجل والتوتر من احمرار وجنتيها.
اقتربت منها صفية، وطبعت قبلة دافئة على جبينها.
ـ تبارك الله أحسن الخالقين يا بتي! ده القمر نفسه يغار منك. يوم السعد والهنا اللي جمعنا بيكي يا غالية قلبي... ألف مبروك يا عروسة النجع كلياته!
ابتسمت غالية بخجل، لكن صفية أمسكت بيديها، ونظرت إليها نظرة جادة، كأنها تريد أن تزرع كلماتها في قلبها قبل أن تنزل إلى الناس.
ـ بصي يا بتي، أنا عايزة أقول لك كلمتين تحطيهم في ودانك زين. إنتِ دلوك بقيتي بنت العزايزة، والبلد والنجع كلياته هينزل النهارده عشان يعرف ويشهد بالحقيقة دي. تنسي خالص إنك كنتِ بتخدمي في الدوار يوم من الأيام! إنتِ دلوك بنت رضوان العزازي، ومرّة يونس اللي هتكون ست الدار دي كليتها.
ثم رفعت ذقن غالية برفق، وأكملت بنبرة يملؤها الحزم:
ـ من هنا ورايح، ما تطأطئيش راسك لحد، وما تسمحيش لحد يفكرك بماضيك عشان يكسرك. اللي فات انتهى، واللي جاي إنتِ اللي هتحددي ملامحه. عايزاكي قوية، وذكية، وعادلة. قوية عشان تاخدي حقك من غير ما تظلمي حد، وذكية عشان تعرفي مين بيحبك بجد ومين بيقرب منك عشان يوقعك، وعادلة عشان يوم ما تقعدي مجلس الحريم وتتحط بين إيديك مشاكل الناس، تحكمي بالحق، مش بالغل ولا بالانتقام.
وضغطت على كفها، وأضافت:
ـ خدي حقك بذراعك ولسانك، لكن ما تخليش الظلم يغيّرك لواحدة شبه اللي ظلموكي. ما تهابيش حد غير ربنا، وما تقبليش الغلط أبدًا. سامعاني زين يا غالية؟ كلامي ده حلقة في ودانك!
نظرت غالية إليها بعينين امتلأتا بالامتنان، وأجابت بثقة بدأت تستعيد مكانها داخل قلبها:
ـ حاضر يا خالتي صفية، عهد عليّ ما أنسى كلمة من اللي جولتيه.
ابتسمت صفية وقبّلت رأسها، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها.
بقيت غالية وحدها للحظات، تستعيد كلماتها، وشعرت بقوة جديدة تسري في روحها. التقطت المشط وبدأت تسرّح شعرها المنسدل، تحاول أن تجمع شتات نفسها وتستعد لليوم الذي انتظرته عمرًا كاملًا.
لكن الفرحة لم تكد تستقر في قلبها، حتى انفتح باب الغرفة بعنف وارتطم بالحائط!
التفتت غالية بسرعة، وعقدت حاجبيها حين رأت سمر تدخل وتغلق الباب خلفها.
ـ سمر؟! إيه اللي جابك هني؟ عايزة إيه دلوك؟
بقلمي نسرين نادر
ابتسمت سمر ابتسامة باردة، وتقدمت خطوتين، ثم أخرجت من خلف ظهرها سكينة لامعة، وأمسكت بها وهي توجه نصلها ناحية غالية.
ـ جاية أبارك لك يا عروسة... وأقول لك إن الفرح ده مش هيتم!
تجمدت اللحظة بينهما، وانعكس بريق السكينة في عيني غالية، لكن المفاجأة لم تتحول إلى خوف. رفعت غالية رأسها، وظلت واقفة في مكانها، تتأمل سمر وكأنها لا تصدق أن الحقد وصل بها إلى هذا الحد.
ثم قالت ببرود:
ـ كنت عارفة إن ديل الكلب عمره ما هيتعدل، بس شكل القلم اللي أكلتيه من أبوكي ومن يونس ما كفاكيش. جاية تاكلي واحد تالت بإيدي أنا؟
اشتعل وجه سمر غضبًا، وانقبضت أصابعها حول مقبض السكينة.
ـ بقى بتكلميني أنا كده يا بت الكلب؟! ده أنا أقبض روحك دلوك وأخلّص منك، وأخلّي يونس يعرف إن مفيش واحدة هتاخده مني!
لمحت غالية الاضطراب في حركة يدها، وأدركت أن أي تراجع قد يمنحها فرصة للهجوم. وقبل أن تندفع سمر نحوها، تحركت غالية بسرعة، واشتَبكت معها في صراع خاطف، وتمكنت من الإمساك بشعرها وتثبيت رأسها بعيدًا عن السكينة، بينما حاولت سمر الإفلات منها.
صرخت غالية في وجهها:
ـ قبل ما تمدي إيدك عليّ، يا سمر، كنتِ فكرتي زين في اللي هتعمليه! إنتِ فاكرة إني لسه البت اللي كانت بتسكت على الذل وتخاف من صوتك؟! البت دي ماتت يا بنت عمي!
شدت غالية قبضتها، فصرخت سمر من الألم، بينما تابعت غالية بصوت ثابت:
ـ اللي واقفة قدامك دي غالية رضوان العزازي! بنت رضوان اللي اسمه لوحده يرعب كل واحد فاكر إن اليتيم ملوش ضهر. إنتِ جاية لخلوتي بسكينة عشان تقتليني، وبعدها هتعملي إيه؟! هتفرحي بيونس وهو عمره ما شافك غير واحدة بتجري ورا اللي مش من نصيبها؟!
حاولت سمر رفع يدها بالسكينة، لكن غالية أبعدتها عنها وهي تصرخ:
ـ نزّلي السكينة يا مجنونة، قبل ما تندمي ندم عمرك!
وفي اللحظة دي، انفتح الباب فجأة، ودخلت زينب وكريمة، وقد جاءتا لتأخذا غالية استعدادًا للنزول.
لكن أول ما شافتا المنظر، توقفتا في مكانهما.
سمر ممسكة بالسكينة، وغالية قابضة على شعرها، ووجهها لا يحمل ذرة خوف.
شهقت كريمة:
ـ يا ساتر يا رب! إيه اللي في إيدك ده يا سمر؟! وإنتِ جاية تعملي إيه هني؟!
صرخت سمر وهي تحاول الإفلات:
ـ بدل ما واقفين تتفرجوا، خلّصوني من إيد البت دي!
هزت غالية رأسها بقوة، ثم التفتت إلى زينب وكريمة:
ـ أختكم دخلت عليّ مخبية السكينة ورا ضهرها، وكانت جاية تقتلني! دي كانت عايزة تخلص مني قبل كتب الكتاب!
وضعت زينب يدها على صدرها، وارتجف صوتها من الصدمة:
ـ حصلت يا سمر؟! للدرجة دي الغل عماكي؟! عايزة تقتليها عشان يونس مش رايدك؟! إنتِ اتجننتِ رسمي؟! ما فكرتيش في عاقبة اللي بتعمليه؟!
أما كريمة فكانت تنظر إلى أختها بذهول لا تصدقه.
ـ يا خيتي، إنتِ وصلتي نفسك لحد فين؟! دي مش غيرة، ده بقى أذى ودم!
وقبل أن تجيب سمر، ارتفعت أصواتهن في الممر، فسمعتها نعمة وأسرعت إلى الغرفة. وما إن دخلت ورأت ابنتها ممسوكة من شعرها والسكينة في يدها، حتى اندفعت كالإعصار ناحية غالية.
ـ بعدي إيدك الوسخة دي عن بنتي يا بت إنتِ!
لكن كريمة وقفت في طريق أمها، وفتحت ذراعيها لتحول بينها وبين غالية، وقالت بوجع:
ـ يا أمه، استني وافهمي! سمر هي اللي جاية تقتل غالية، مش العكس!
التفتت نعمة إلى ابنتها، ثم نظرت إلى السكينة في يد سمر، قبل أن تستقر عيناها على غالية الواقفة بشموخ.
وفي لحظة انفجر غضبها، فرفعت يدها وصفعت كريمة على وجهها!
دوّى صوت الصفعة في الغرفة، وساد صمت ثقيل.
شهقت زينب واندفعت تحتضن أختها، بينما وضعت كريمة يدها على وجنتها، وامتلأت عيناها بدموع القهر. لم يكن وجع الصفعة وحده ما آلمها، بل إن أمها ضربتها لأنها حاولت منع جريمة!
أما غالية، فقد تغيرت ملامحها في لحظة. أطلقت شعر سمر، ودفعتها بعيدًا عنها، فاصطدمت سمر بأمها، واختل توازن الاثنتين وسقطتا قرب الحائط.
تقدمت غالية خطوة، وعيناها مثبتتان على نعمة.
ـ القلم اللي ضربتيه لكريمة ده، مش هعدّيه بالساهل يا نعمة! حسابكم معايا بعدين، مش دلوقت. أنا هكمّل فرحتي، لكن حق كريمة مش هضيّعه، ولا هسمح لك تمدي إيدك عليها كل ما تعوزي تفرغي غلك فيها!
ثم التفتت إلى زينب، وأمسكت بيدها، ومدت يدها الأخرى إلى كريمة برفق.
ـ يلا يا بنات.
خرجت بهن من الغرفة، ورأسها مرفوع، وتركت نعمة وسمر خلفها في ذل وقهر، بعدما انقلبت محاولتهما لكسرها إلى مواجهة لم تكونا مستعدتين لها.
وعند أعتاب الدرج العلوي، توقفت غالية.
لاحظت أن كريمة ما زالت تضع كفها على وجنتها، وأن الدموع لم تجف تمامًا في عينيها. اقتربت منها غالية، واحتضنتها للحظة، ثم قالت بحنان:
ـ حقك عليّ يا كريمة، ما تزعليش يا خيتي. والله ما هفوت اللي حصل لك.
ابتسمت كريمة رغم وجعها، وهزت رأسها.
ـ أنا مش زعلانة منك يا غالية. أنا متعودة على طبع أمي وقسوتها وياي من زمان. المهم إنتِ، دي ليلتك يا بت عمي! النهارده كل البلد هتعرف إنك بنت رضوان العزازي، وإنك صاحبة حق وأصل. عايزاكي تفرحي، وما تديش لحد فرصة يسرق فرحتك منك.
أمسكت زينب بيد غالية، ونظرتا معًا من فوق السور الخشبي إلى البهو والساحة الخارجية.
ـ شايفة يا غالية؟! الناس تحت كيف؟! ده غير الخلائق اللي مالين ساحة الدوار بره!
تطلعت غالية إلى الجموع والأضواء والزينة التي تملأ المكان، فازداد خفقان قلبها.
ـ بس أنا خايفة ومتوترة قوي يا زينب. حاسة إن الدنيا كلها هتبص عليّ، ومش عارفة هقدر أقف قدامهم إزاي.
ضحكت زينب بخفة، وربتت على يدها.
ـ يا شيخة! مش بعد اللي عملتيه مع سمر وأمها تقولي خايفة! ده أنا لسه مش مصدقة اللي شافته عيني. أول مرة أشوفك واقفة بالقوة دي، وأنا فرحانة بيكي من كل قلبي.
وأضافت كريمة بفخر:
ـ خلاص يا غالية، اللي فات فات. من النهارده إنتِ مش لوحدك، وإحنا كلنا ضهرك.
وقبل أن ترد غالية، تعالت همسات النساء في الأسفل، وبدأت الأنظار تتجه ناحية مدخل البهو.
كان يونس قد ظهر قادمًا من ناحية الساحة، وبجانبه أمه الحاجة صفية. يرتدي عباءته الصعيدية الفاخرة، وتحيط به هيبة العمدة الشاب. رفع عينيه إلى أعلى الدرج، وما إن وقعتا على غالية حتى توقفت خطواته للحظة.
كانت واقفة كالقمر، ووجهها يحمل مزيجًا من الخجل والقوة، وكأنها خرجت لتوها من معركة وقررت ألا تسمح لأحد بأن يرى أثرها.
تأملها يونس بفخر، وشعر أن كل ما مرّت به لم يزدها إلا قوة.
صعدت صفية إليها، وابتسمت وهي تقول:
ـ بسم الله ما شاء الله يا بتي! ربنا يحرسك ويحميكي من العين والشرور كلياتها.
رفعت كفيها، ومسحت برفق على رأس غالية وكتفيها، وهي تتمتم بأذكار وآيات من القرآن الكريم.
تعجبت غالية وابتسمت بخجل.
ـ بتعملي إيه يا خالة صفية؟
أجابتها صفية بحنان:
ـ بأحصّنك بذكر الله يا بتي. القمر اللي واقف قبالي ده يلزمه حصن من كل عين حاقدة ما تسمّيش.
ثم أخذت بيدها، وبدأت تنزل بها درجات السلم.
كان يونس ينتظرها عند أسفل الدرج، وعيناه لا تفارقانها. وحين اقتربت منه، ابتسم لأمه وقال:
ـ اللهم صلّ على النبي! حرستيها يا ياما زين؟
ردت صفية وهي تنظر إلى غالية بمحبة:
ـ حرستها بذكر الله يا ولدي، وربنا هو الحافظ من كل شر.
اقترب يونس من غالية، وخفض صوته حتى لا يسمعه من حولهما:
ـ احكمي طرحتك زين يا غالية، عشان ما تتفكش ويبان شعرك قبال الرجالة.
رفعت غالية يديها وعدّلت طرحتها، ثم نظرت إليه بثبات.
ـ ما تخافش يا يونس، محكومة زين. وراس بنت العزايزة دايمًا مرفوعة.
ظهرت ابتسامة فخر على وجهه، ومد يده إليها. وضعت كفها في كفه، ونزلا معًا إلى البهو.
كان الحاج نعمان واقفًا بجوار الحاج عبد الرحيم والحاج عبد الحميد، وحولهم رجب وحمزة ومنصور، وعدد كبير من كبار أعيان النجع والبلد، وعلى رأسهم الشيخ الكبير، شيخ النجع وقاضي العرف.
وما إن دخل يونس ممسكًا بيد غالية حتى خفتت الأصوات، والتفتت الأنظار إليهما. بدأ الهمس ينتشر بين الرجال، لكن غالية ظلت مرفوعة الرأس، لا تحاول الاختباء ولا تبحث عن نظرات الاستحسان.
كان يونس يشعر بتوترها، فشد على كفها برفق، وكأنه يقول لها من غير كلام: أنا هنا، ومش هسيبك لوحدك.
تقدم الحاج نعمان إلى صدر المجلس، ورفع صوته حتى يسمعه الجميع.
ـ يا رجال النجع، ويا شيوخ أصلنا وكبار بلدنا! جمعتكم النهارده مش بس عشان نفرح بعقد قران ولدي يونس، جمعتكم عشان أُشهد ربنا وأُشهدكم على حق كان غايب سنين، والنهارده رجع لأصحابه!
ساد الصمت، وتعلقت الأنظار به.
أشار نعمان إلى غالية، ثم أكمل بصوت امتزج فيه الندم بالفخر:
ـ البنت اللي واقفة قبالتكم دي، اللي عاشت بيناتنا سنين وهي محرومة من اسمها وحقها، مش غريبة ولا خدامة زي ما اتعاملوا معاها. دي غالية رضوان العزازي، بت أخوي رضوان الله يرحمه. بنت أصلنا ودمنا، وصاحبة حق في مال أبوها وميراثه، والنهارده حقها بيرجع لها قدام البلد كلياتها.
ثم نظر إلى غالية، وقد ظهر الندم على ملامحه.
ـ وأنا قدامكم كلكم بقولها: حقك يا غالية لازم يرجع كامل، ومكانك بين أهلك محفوظ، ومحدش له عندك منّة في اسمك ولا نسبك ولا ميراثك.
بقلمي نسرين نادر
ارتفعت همهمات الاستحسان، وتقدم الشيخ الكبير، ورفع يده بالدعاء.
ـ الحمد لله اللي بيرجع الحقوق لأهلها. الدم ما يبقاش مية، والأصل الطيب عمره ما يضيع. ونعم النسب يا بنت رضوان العزازي، ربنا يبارك لك في حقك وجوازتك، ويجعلك ست الدار بالعدل والحق.
ثم تقدم الحاج عبد الرحيم ووقف بجوار غالية، وقال بنبرة حاسمة:
ـ واللي يمس غالية بحرف من النهارده، يبقى مسّ رجال العزايزة كلياتها. محدش واصل هيجرؤ يقرب منها وهي بين أهلها.
ابتسم حمزة بفخر، وتقدم خطوة وهو يقول بمرح:
ـ مباركة يا بت عمي! منورة الدوار كلياته، وأهو أخيرًا بقى عندنا واحدة تعرف توقف أي حد عند حدّه!
ضحك بعض الحاضرين، وابتسمت غالية رغم توترها. أما يونس، فظل ممسكًا بكفها، يشعر أن اللحظة دي بترد إليها شيئًا من الكرامة اللي حُرمت منها سنين.
تنحنح نعمان، ثم رفع يده طالبًا الهدوء.
ـ ولسه الفرحة ما خلصتش يا رجالة! بما إن البهجة دخلت بيتنا، يطيب لي أعلن قدامكم جميعًا إن كتب كتاب ولدي يونس على بنت أخوي غالية، وكتب كتاب ابن أخوي منصور على بنتي زينب، هيكون الليلة إن شاء الله. أما الفرح الكبير والدخلة، فهتكون الأسبوع الجاي، والكل مدعو لليالي الملاح!
تعالت التهاني والتبريكات، وارتفعت أصوات الفرح في الدوار.
وفي وسط المجلس، لم يستطع منصور أن يتمالك نفسه. اندفع من مكانه، وظهرت الفرحة على وجهه، وقال بصوت مسموع:
ـ أخيرًا يا أبوي! أنا مش مصدق حالي والله! أخيرًا هتكون زينب مرتي!
انفجر المجلس بالضحك، بينما ابتسم عبد الرحيم وهو يربت على كتف ابن أخيه.
أما زينب، التي كانت تتابع المشهد من مكان النساء، فاحمر وجهها خجلًا، بينما لمعت عيناها بسعادة حاولت أن تخفيها خلف ابتسامة صغيرة.
لكن في الطابق العلوي، كانت نعمة تعيش عالمًا آخر تمامًا.
جلست في غرفتها تغلي من الغضب، بينما سمر بجوارها تمسح دموعها وتتحسس شعرها الذي شدّته غالية بعنف.
ـ إنتِ هتسكتي يا ياما على اللي حصل ده؟! دي مدت إيدها عليّ وشدتني من شعري وكسرتني قدام البنات! أنا مش هسيبها، والله ما هسيبها!
نظرت نعمة إليها بعيون مظلمة، لكن قبل أن تجيب، انفتح الباب ودخلت وصال بابتسامة ساخرة.
ـ الحقوا يا نعمة! الليلة دي شكلها هتبقى ليلة العمر بجد!
رفعت نعمة رأسها بحدة.
ـ مالك يا وصال؟! بتقولي إيه؟
اقتربت وصال، واستمتعت وهي تلقي الخبر الذي تعرف أنه سيشعل غضبها.
ـ المأذون هييجي الليلة، وكتب كتاب يونس على غالية، ومنصور على زينب. والفرحة تحت ما تتوصفش، وابنك منصور بيتنطط من السعادة قدام الرجال والشيخ، وإنتِ طبعًا آخر من يعلم!
انتفضت نعمة من مكانها، واشتعل الغضب في عينيها.
ـ كتب كتاب الليلة؟! ومن غير ما حد يشاورني؟! ماشي يا عبد الرحيم... ماشي يا منصور! بقى تعملوها من ورايا وتخلّوني آخر من يعلم؟!
خرجت من الغرفة مسرعة، تتبعها سمر، بينما بقيت وصال خلفهما، تبتسم ابتسامة من نجحت في إشعال نار جديدة داخل الدوار.
وفي البهو الكبير، كان الجميع مجتمعين في أجواء دافئة. صفية تجلس في المنتصف، وعن يمينها غالية، وعن يسارها زينب، وبجوارهما كريمة. أما يونس ومنصور وحمزة فكانوا يتبادلون المزاح، بينما يتناقش نعمان وعبد الرحيم وعبد الحميد في ترتيبات الليلة.
كانت حكمة تمر بين الجالسين، توزع كؤوس العصير، ورجب يجلس على مسافة منهم منشغلًا بهاتفه.
نهض نعمان وقال بحماس:
ـ يلا يا رجالة، نقوم نطلع ساحة الدوار ونظبط الزينة والأنوار قبل الليل ما يليل والمأذون يوصل!
وقف يونس ومنصور وحمزة، وقال منصور ضاحكًا:
ـ يلا يا أبوي! الليلة دي ما تتقدرش بثمن، والدوار لازم ينور من أوله لآخره!
التفتت صفية إلى البنات وقالت:
ـ يلا يا بنات، اطلعوا فوق جهزوا نفسكم. وراكم ليلة مباركة وكبيرة.
لكن قبل أن تتحرك غالية، دوّى صوت نعمة من خلف الأعمدة:
ـ استنوا هنا! رايحين فين؟!
التفت الجميع إليها، فتقدمت إلى منتصف البهو، وملامحها تشتعل غضبًا.
ـ بقى بتتفقوا على كتب كتاب ابني منصور من ورايا، من غير ما تشاوروني ولا تقولوا لي؟! خلاص عدمت أمه يا منصور؟! ولا بقيت ماليش كلمة على عيالي في البيت ده؟!
ساد الصمت، واختفت الابتسامات من الوجوه.
التفت عبد الرحيم إليها بملامح حادة، وتقدم خطوة.
ـ جرا إيه يا نعمة؟! جنيتي ولا عقلك اتلحس؟! الكلمة كلمتي أنا، وأنا اللي وافقت وباركت. ومنصور راجل كبير وعارف مصلحته، ومش عيل صغير عشان نقرر له حياته. انضبي وجبّي لسانك، وبلاش تعملي لنا فضايح قدام الرجال والضيوف!
لم تتراجع نعمة، بل حولت نظرها إلى منصور، الذي ظل واقفًا صامتًا، يحاول أن يمسك أعصابه.
بقلمي نسرين نادر
ـ وإنت ساكت ليه يا منصور؟! عدمت أمك؟! طب اسمعها مني: أنا مش راضية عن الجوازة دي!
شهق بعض الحاضرين من جرأتها، والتفتت زينب إلى منصور بقلق، بينما اشتدت ملامح يونس.
أما منصور، فظل ينظر إلى أمه للحظات، وكأن صبره الذي دام سنين قد وصل إلى آخره. تقدم خطوة، ووقف أمامها مباشرة.
ـ أمااا... اعرفي إنتِ بتجولي إيه! أنا مش عيل صغير عشان تقولي أكده.. أنا راجل وزينب هتكون مرتي سواء رضيتي أو لا، وأنا سبتك متكلمتش معاكي في أي حاجة جرت قبل أكده، وأنتِ عارفة زين.. لكن لحد أهنه وبس، بكفاياكي! عايزه تحضري أهلاً وسهلاً، مش عايزه خلاص، أنتِ حرة!
اتسعت عينا نعمة، لكنه لم يمنحها فرصة لمقاطعته.
ـ أمي المفروض تخاف على سعادتي، مش تيجي عليّ عشان ترضي سمر! وإنتِ عارفة زين إن قلب يونس مع غالية، ومع ذلك كنتِ عايزة تربطي سعادتي بسعادة سمر، وتخليني أعيش عمري كله تعيس عشان أرضيكي! كفاية يا ياما، أنا سكت كتير، لكن مش هسمح لك تكسري فرحتي بعد النهارده!
حدقت نعمة فيه بصدمة، وكأنها تراه للمرة الأولى.
ـ بتجولي أنا الكلام ده؟! أنا أمك!
رد منصور، وصوته يزداد قوة رغم الوجع الذي يحاول إخفاءه:
ـ أيوه، إنتِ أمي، وعشان إنتِ أمي سكت لك كتير. لكن الأم المفروض تخاف على سعادة عيالها، مش تكسرهم بإيديها! أنا رايد زينب، وهي رايداني، ومش هسيبها عشان أرضي حد، حتى لو كان الحد ده إنتِ يا أمي. فرحتي مش هتتوقف على رضاكي، ولا هسمح لحد يحرمني منها!
انقبض قلب زينب، بينما نظر عبد الرحيم إلى منصور بفخر، وكأن ابنه أخيرًا وقف في المكان الذي كان ينبغي أن يقف فيه منذ زمن.
أما نعمة، فقد ظلت واقفة لا تجد ردًا، وقد أوجعها أن ابنها الذي اعتادت أن تفرض عليه كلمتها وقف أمام الجميع ورفض الانصياع لها.
لكن سمر لم تحتمل أن يتحول الاهتمام كله إلى زينب، فانفجرت فجأة وهي تشير إلى غالية.
ـ بس اللي بتدافعوا عنها دي رفعت عليّا السكينة، ومسكتني من شعري، ووقّعت أمي في الأرض النهارده! وإنتوا بدل ما تحاسبوها، واقفين تحموها وتفرحوا بيها؟!
تغير وجه يونس، وتقدم خطوة، وقد نفد صبره من اتهاماتها.
ـ إنتِ بتقولي إيه يا سمر؟! وإيه حكاية السكينة اللي بتتكلمي عنها؟!
وقبل أن تجيب سمر، تقدمت زينب من مكانها، وقد فاض بها الغضب.
ـ كفاية كذب يا سمر! إنتِ اللي دخلتي على غالية وفي إيدك السكينة، وإنتِ اللي هددتيها بالقتل! إحنا دخلنا الغرفة وشوفنا السكينة في إيدك بعنينا، وشوفنا غالية بتحاول تحمي نفسها منك!
وتدخلت كريمة، وهي تحاول أن تثبت صوتها رغم أثر الصفعة الذي ما زال ظاهرًا على وجهها.
ـ أيوه يا سمر، أنا شفت السكينة في إيدك بعيني. غالية ما هاجمتكيش من غير سبب، إنتِ اللي دخلتي خلوتها وهددتيها بالقتل، ولما حاولت أمي تمنعك من اللي كنتِ بتعمليه، ضربتني أنا عشان وقفت مع الحق!
تبدلت ملامح المجلس في لحظة.
نظر يونس إلى سمر نظرة جعلتها تتراجع نصف خطوة، ثم قال بصوت منخفض، لكنه كان أشد وقعًا من الصراخ:
ـ إنتِ دخلتي على غالية بسكينة؟! كنتِ ناوية تقتليها فعلًا؟!
حاولت سمر أن تتكلم، لكن الكلمات تعثرت في حلقها.
ـ أنا... أنا كنت...
قاطعها يونس بحدة:
ـ كنتِ إيه؟! انطقي! إنتِ عارفة إني بحب غالية، وعارفة إن كتب كتابنا الليلة، ومع ذلك فكرتِ إنك تمدي إيدك عليها وتقتليها؟! هو الغل عماكي للدرجة دي؟! ولا فاكرة إنك لو شلتيها من طريقك، قلبي هيبقى ليكي؟!
اهتز صوت سمر وهي تقول:
ـ أنا بحبك يا يونس!
رد عليها دون تردد:
ـ الحب عمره ما كان سكينة في إيدك، ولا تهديد لروح بريئة! اللي يحب ما يقتلش، واللي عنده كرامة ما يحاولش ياخد اللي مش من نصيبه بالغصب!
كان وجه نعمان قد اشتد غضبًا، فتقدم من سمر وقال بصوت دوّى في البهو:
ـ اللي حصل ده مش خناقة بنات، ولا غيرة وعدّت! دي كانت رايحة تقتل بنت أخوي في خلوتها، قبل كتب كتابها بساعات! يا سمر، إنتِ مدركة إنك كنتِ ممكن تضيّعي روح بني آدمة؟!
ثم التفت إلى نعمة، التي وقفت صامتة لا تدري كيف تدافع عن ابنتها بعد شهادة زينب وكريمة.
ـ وإنتِ يا نعمة، بدل ما تسألي بنتك دخلت بسكينة ليه، كنتِ عايزة تضربي غالية! ولما كريمة وقفت تقول لك الحقيقة، ضربتيها هي كمان! هو ده اللي وصلنا له؟! بنتك تحاول تقتل بنت أخوي، وإنتِ تحاسبي اللي حاولوا يمنعوها؟!
تدخل عبد الرحيم، وملامحه لا تقل صرامة عن ملامح نعمان. لكنه هذه المرة لم يوجّه كلامه إلى نعمة، بل استدار نحو سمر، ونظر إليها نظرة أب مكسور من فعل ابنته.
ـ يا خيبتك يا سمر! إنتِ دخلتي على بنت عمك بسكينة؟! كنتِ عايزة تقتليها بجد؟! أنا مش مصدق إن دي بنتي اللي واقفة قدامي! بنتي أنا اللي ربيتها، وكنت فاكر إني علمتها الصح من الغلط، تطلع عايزة تبقى مجرمة بإيديها؟!
خفضت سمر عينيها، لكنها لم تنطق بكلمة، فاقترب منها عبد الرحيم خطوة، وقد اختلط الغضب بالحزن في صوته.
ـ والأدهى من المصيبة اللي عملتيها، إنك واقفة تدافعي عن غلطك، ولا كأنك كنتِ على وشك تضيّعي روح بني آدمة! بدل ما تعترفي بذنبك وتطلبي السماح، بتحاولي تقلبي الحق باطل وتتهمي البنت اللي دافعت عن نفسها! أروح منك فين بس يا سمر؟! هو أنا قصّرت معاكي في إيه عشان أشوفك بالمنظر ده؟!
ثم رفع يده إلى صدره، كأن الكلام خرج من قلبه قبل لسانه، وقال بصوت متهدج:
ـ حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا سمر... حسبي الله ونعم الوكيل! ده أنا أبوكي، وكنت أتمنى أشوفك أحسن بنت في الدنيا، وأفرح بيكي وأرفع راسي بيكي وسط الناس، مش أشوفك واقفة قدامي وقلبي مكسور منك بالشكل ده! يا خسارة تربيتي وتعب السنين، يا خسارة اليوم اللي أشوف فيه بنتي تمد إيدها بالسكينة على بنت من أهلها عشان راجل مش من نصيبها!
بقلمي نسرين نادر
ارتجفت شفتا سمر، وامتلأت عيناها بالدموع، لكن عبد الرحيم لم يترك لها فرصة للهروب من حقيقة ما فعلت.
ـ اسمعيها مني زين يا سمر، اللي عملتيه مش هيتغطى بدمعتين ولا بكلمتين. غالية ما اعتدتش عليكي، إنتِ اللي رُحتي لها برجلك وبسكينتك، وإنتِ اللي اخترتي الطريق ده. لو كنتِ بتحبي يونس بجد، كنتِ احترمتي اختياره، لكنك اخترتي الغل والأذى، ودي نتيجة اختيارك!
ساد الصمت في البهو، ولم يجرؤ أحد على مقاطعة عبد الرحيم. حتى نعمة وقفت عاجزة عن الرد، بعدما سمعت من أبي سمر ما لم تكن تتوقعه.
أما صفية، فنهضت من مكانها واقتربت من غالية، وأمسكت بيدها تتفقد وجهها وذراعيها بقلق.
ـ جرالك حاجة يا بتي؟! جرحتك؟! السكينة لحقت تأذيكي؟!
هزت غالية رأسها، تحاول أن تطمئنها.
ـ لا يا خالة، الحمد لله. ربنا ستر.
احتضنتها صفية للحظة، ثم التفتت إلى سمر وعيناها تلمعان بالغضب.
ـ يا خسارة التربية يا سمر! إنتِ كنتِ هتقتلي بنت عشان راجل مش بيحبك؟! هو ده اللي اتعلمتيه؟! بدل ما تحفظي كرامتك، رميتي نفسك في طريق الغلط، ومديتي إيدك على روح بني آدمة!
كانت حكمة واقفة في طرف المجلس، وقد وضعت الصينية جانبًا. اقتربت من غالية، ووقفت بجوارها كأنها تحميها بجسدها، ثم قالت بصوت متهدج من شدة القهر:
ـ أنا اللي ربيت البت دي في الدوار، وشفتها وهي بتكبر وسط الذل والوجع. عمرها ما رفعت إيدها على حد إلا لما اضطرت تدافع عن نفسها. إنما إن واحدة تدخل عليها بسكينة عشان تقتلها، وبعدها تطلع تتهمها؟! لا والله، دي ما تتسكتش عليها!
حاولت نعمة استعادة سيطرتها، فرفعت صوتها:
ـ إنتوا كلكم قلبتوا عليّ وعلى بناتي! محدش فيكم شايف غير غالية، وكأنها ما غلطتش في حق سمر!
استدار يونس إليها، وقد بلغ غضبه ذروته.
ـ غالية دافعت عن روحها يا نعمة، ولو كانت سمر أذت غالية، كنتِ هتعملي إيه؟! كنتِ هتوقفي تبكي عليها بعد ما تروح منك؟! ولا كنتِ هتدوري على حد تلوميه؟! كفاية تبرير للغلط، وكفاية إن كل واحد فيكم فاكر إن الغل والحقد يدوّه الحق يعمل اللي هو عايزه!
ثم التفت إلى سمر مباشرة:
ـ اسمعيني زين يا سمر، أنا حبي لغالية مش عيب فيها، ولا ذنب تتحاسب عليه. إنتِ حرة في مشاعرك، لكن مش حرة تهدديها ولا تمدي إيدك عليها. واللي حصل النهارده لو اتكرر، محدش هيقدر يحميكي من نتيجة أفعالك.
خفضت سمر عينيها للحظة، لكن الحقد ظل مشتعلًا خلف دموعها. لم تكن نادمة بقدر ما كانت غاضبة لأن خطتها فشلت، ولأن الجميع وقفوا في صف غالية.
أما منصور، فالتفت إلى سمر، والحزن باين في عينيه على اللي وصلت له، وقال بعتاب أخوي:
ـ ليه كده يا خيتي؟ ليه تمرمطي روحك بإيدك وتوصّلي نفسك للحال ده؟ إنتِ كده ما خلّيتيش حد فينا عارف يدافع عنك، وخلّيتي شكلك وحش في عيون الكل. راجعي نفسك يا سمر، إنتِ بنت أصول، ومش ده اللي اتربّينا عليه. بكرة ربنا يرزقك باللي يعرف قدرك ويصونك، وتحبّيه ويحبك. ارجعي لعقلك يا خيتي، ما تخسريش نفسك وناسك عشان حاجة مش من نصيبك.
تغير وجه نعمة، لكنها لم تجد ما تقوله أمام الجميع. كانت الكلمات تتجمع في صدرها، والعيون من حولها تراقبها، لكنها لم تستطع أن تنكر ما شهدته زينب وكريمة.
تقدم نعمان خطوة أخيرة، وقال بنبرة لا تقبل الجدال:
ـ كفاية لحد كده. الليلة دي ليلة فرح، ومش هسمح لحد يحوّلها لساحة حسابات. غالية بنت أخوي، ويونس راجل اختارها، ومنصور راجل اختار زينب. واللي عنده اعتراض، يقوله بالعقل والحق، مش بالسكينة والتهديد.
ثم التفت إلى غالية، وقد لان صوته:
ـ حقك عليّ يا بتي، إنك اضطريتي تشوفي كل ده في يوم المفروض يكون يوم فرحتك. لكن اعرفي إنك من النهارده مش لوحدك، واللي يقرب منك هيلاقينا كلنا قدامه.
نظرت غالية إلى الوجوه المحيطة بها. رأت صفية تمسك بيدها، وحكمة تقف بجوارها، وزينب وكريمة تنظران إليها بمحبة، ورأت يونس واقفًا أمامها كالسد المنيع.
للمرة الأولى، لم تشعر أنها مضطرة للدفاع عن نفسها وحدها.
رفعت رأسها، وقالت بصوت ثابت:
ـ أنا مش طالبة من حد يظلمني عشان يرضيني، ولا طالبة حد يظلم غيري عشاني. كل اللي عايزاه إن حقي يفضل ليا، وإن محدش يمد إيده عليّ أو على اللي بحبهم، ويفتكر إن السكوت ضعف. أنا سكتّ زمان عشان ما كانش ليا ضهر، إنما دلوك أنا عارفة أنا مين، وعارفة حقي فين، ومش هسمح لحد يضيّعه مني تاني.
شد يونس على يدها، ونظر إليها بفخر.
ـ وحقك محفوظ يا غالية، طول ما الحق معاكِ، وإحنا ضهرك.
لكن غالية لم تكن تعرف أن الخطر الحقيقي لم ينتهِ بعد، وأن ما حدث في الغرفة لم يكن إلا بداية لصراع أكبر.
تفرّق بعض الحاضرين بعد أن هدأت المواجهة، بينما ظل التوتر معلّقًا في أجواء البهو. نعمة وقفت بجوار سمر، تحاول أن تخفي غضبها أمام الجميع، لكن نظراتها كانت تقول ما لم يستطع لسانها قوله.
أما غالية، ففضلت واقفة في مكانها، مدركة إن اللي حصل النهارده مش نهاية الخطر... دي كانت بداية مواجهة أكبر.
رفعت نعمة عينيها ناحية سمر، وتبادلت معاها نظرة سريعة محدش خد باله منها، غير حكمة اللي حست إن فيه حاجة مستخبية ورا السكوت ده.
وفي وسط ما الكل كان مشغول بغضبه وعتابه، قربت سمر من أمها وهمست لها بصوت واطي، لكنه كان مليان حقد:
ـ يعني هنسيبها تكسب كل حاجة يا أمي؟!
نعمة ردّت عليها من بين أسنانها، وعينيها لسه معلّقة بغالية:
ـ لسه يا بتي... اللي جاي هو اللي هيفصل بينا وبينها، والفرحة اللي مستنياها مش شرط تكمل!
وفي اللحظة دي، رفعت غالية عينيها فجأة، وكأن قلبها حس بالخطر قبل ما تعرف مصدره... بينما يونس شد على إيدها، وكأنه بيعاهد نفسه إنه مش هيسمح لحد يقرب منها مهما كان الثمن.
لكن محدش فيهم كان يعرف إن الليلة اللي مستنيينها عشان يكتبوا كتابهم، ممكن تقلب كل الموازين، وتكشف سرًّا يغيّر مصير الكل!
---
🔥 رأيكم يهمني يا أحلى قرّاء ❤️
غالية أخيرًا رفعت راسها، ومنصور وقف مع الحق، لكن نظرات نعمة وسمر بتقول إن اللي جاي مش هيكون سهل أبدًا! 😮💨🔥
💬 قولولي رأيكم في الكومنتات:
1. تتوقعوا إيه السرّ أو المصيبة اللي مستنياهم ليلة كتب الكتاب؟ 👀
2. سمر ونعمة ناويين على إيه؟ وهل غالية ويونس هيقدروا يفرحوا أخيرًا؟
3. مين أكتر شخصية عجبتكم في الفصل ده، ومين كان موقفه مخيّب لآمالكم ؟
الفصل التاسع عشر من هنا