
رواية مسك رؤوف الفصل الاول 1 بقلم صابرين شعبان
مقدمه
خرج من الفندق غاضبا متجها لسيارته الواقفة أمام المدخل مزينه بالورود و الشرائط الملونة أمسك بها و أخذ ينزعها و يلقي بها بعنف على الأرض و بغضب يسحقها بحذائه ..ورود بيضاء رائحتها عطره يعلم أنها تحبها كثيرا .. بعد أن نزع زينة السيارة الامامية اتجه للخلفيه و أخذ يشد الشرائط بعنف مما جعل أصابعه تألمه من شدة أصتدامها بالسيارة ..أنتهى من نزعها و أخذ يركل السيارة بقدمه عدة مرات يفرغ فيها غضبه سمع صوت من خلفه يهتف .."رؤوف" التفت خلفه بحده و رفع يده في وجه القادم ليصمت ..ثم اتجه لباب سيارته أستقلها و أنطلق بها بقوة أصدرت إطاراتها صوت مرتفع يصم الأذن مع سرعته و أحتكاكها بالأرض و الصوت يصرخ من خلفه .." رؤوف أستنى أرجوك أسمعني " أنطلق يقودها بجنون و هو يتخطى السيارات بتهور جعل سائقي السيارات يسبونه و يلعنونه .. أخذ يضرب الموقد بيده بعنف من وقت لأخر حتى ألمته يده .. بعد قليل وصل لمنزل كبير أشبه بالقصور القديمة ..لولا الظلام لرأينا قدمه و تشقق بناءه و تسلق النباتات جدرانه و صدئ بوابته و حديقته التي تشبه الغابة البكر التي لم تلمسها يد بشر أشجارها متشابكة و نباتاتها جافة و زهورها ذابله دخل من باب المنزل الخشب الثقيل يفتحه بقوة و رغم ذلك لم يفتح إلا قليلاً لثقل وزنه ليدخل جسده النحيف منه صعد لغرفته التي أعيد تجديدها و إعادة طلائها بلون وردي فاتح و إحضار غرفة نوم جديدة دفع الباب بقوة فأصتدم بالحائط و لولا دخوله مسرعا لصدمة في عودته ليغلق مرة أخري ..ظل ينظر حوله في الغرفة و عيناه حمراء من شدة غضبة وقع بصره على قميص شفاف أبيض على السرير بجانب منامته الحريريه الزرقاء ..اتجه إليه بخطوات سريعة يخطفه بيده يقربه من أنفه يتشممه و هو يغمض عينيه يشم عبيرها فيه و كأنها كانت ترتديه ..ضغط عليه بيده ثم أخذ يمزقه بعنف لقطع صغيره يلقي بها على الأرض و يسحقه بقدمه ..نظر أمامه وقع بصره على هيئته المشعسة و وجهه الشاحب و عينيه الحمراء في المرآة تقدم منها و أمسك بزجاجة عطر و قذفها في المرآة لتتحطم لأشلاء كما يشعر بنفسه الآن .. تقدم من مصباح خذفي علي شكل ملاك صغير جلبه لأنه كان يذكره بها أمسكه و حطمه على الأرض و ثورته لم تهدأ بعد ..ثم أخذ يحطم كل ما يقابله في الغرفة من زجاجات عطوره و مصابيح نزع غطاء السرير و ألقى به على الأرض الملئه بالزجاج المحطم .. اتجه لخزانة ملابسه فتحها و هو يقوم بالقاء كل ما فيها على الأرض من ملابس شفافه أختارها لها بنفسه وقع بصره على حذائها المفضل الذي كانت ترتديه طوال الوقت حذاء صغير رياضي ابيض بشرائط ذهبيه يناسب قدمها الصغيرة امسكه و قذفه على الحائط بقوة ..أصبحت الغرفة من حوله أشلاء و هو يلهث بقوة و يصرخ بجنون ..." بكرهك مسك بكرهك " سقط أرضا من كثرة التعب يشعر بالدوار يستند على الحائط يتنفس بقوة إلي أن سمع صوتها الملتاع عليه و ما وصل إليه هاتفه بصوت باك و هى ترى الدمار من حوله " رؤوف "
الفصل الأول
مر أمامها بسيارته ..كانت تقف تحادث الماره تمسك بيدها زجاجة عطر.. تعرض على الماره شم رائحتها .. ترتدي ملابس قصيرة تظهر ساقيها البيضاء و تترك شعرها القصير منسدلا يحيط بوجهها الصغير الوردي بفعل وقوفها تحت شمس الظهيرة الحارة ..تضع أحمر شفاه وردي جعل شفتيها كالورده الجاهزه للقطف.. يحيط بعينيها الخضراء رموش سوداء كثيفه .. قربت زجاجة العطر من أنفها الصغير تشتمها و هى تحادث سيدة عجوز وضعت القليل منه على يدها ثم قربتها لأنف تلك السيدة لتشمه أبتسمت في وجه المرأة و هى تصطحبها لمدخل ذلك المتجر الكبير لبيع العطور العالميه المعروفة أختفت ثوان معدودة ثم عادت للظهور مرة أخرى تقف لتعود ثانياً لمحادثة الماره و دعوتهم لدخول المتجر ..فتح باب سيارته كالمغيب و هو يتجه إليها يقف أمامها و كأنه يريد تجربة عطرها الذي تمسك به ..وقف يشرف عليها من علو فهى كانت قصيرة القامة ..كلعبه صغيرة صينيه بيضاء كالشمعة ..نظرت إليه بتسأل فأشار إلى ما بيدها من عطر ..فأبتسمت فأضاء وجهها جعله يغلق عينه ثانيه ثم فتحها ليرى أسنانها البيضاء الصغيرة .. قالت بصوت مثل تغريد العصافير على أذنيه فشعر بقشعريره لسماعه صوتها و كأن صوتها يلامس جسده ..« أسفه ده عطر حريمي يا أستاذ مش رجالي تقدر تتفضل في المحل جوه في قسم كبير للرجال تقدر تختار منه الي انت عاوزه »
أجابها بصوت أجش و هو ينظر لإسمها المدون على قميصها ..« مسك »
أرتفعت عينيها تنظر في عينيه السوداء القاتمة و هى لا تعلم لما شعرت بشيء غريب من طريقة نطقه لإسمها و كأنه يتغنى به .. رأى حيره. في عينيها فأجابها ..« ده أسمك مش كده » أومات برأسها بالإيجاب فقال و هو يقترب قليلاً ..« ممكن أشم ريحة البرفان إلي معاكي »
إجابته بأضطراب ..« يا أستاذ قولتلك ده عطر ...» قاطعها بحزم و هو ينظر لعينيها الخضراء بتفحص ..« اه عارف عطر حريمي ممكن أجربه عشان لو عجبني ممكن أشتري منه لأختي أصلها بتحب جميع أنواع العطور ..»
مدت يدها إليه بالزجاجة فحرك رأسه رافضا ..« لأ زي مبتعرضيه على الزباين هو إنتي بتديهم ازازة البرفان ولا بس بتخليهم يشموها »
خفق قلبها بقوة فهى تضع قليل منه على يدها و تقربها من زبائنها ليجربوها و لكن ..لكنهم نساء و ليس منهم رجال .. قالت بقوة حازمه ..
« اه حضرتك ممكن تجيب إيدك أرشلك عليها شويه و تقدر تعرف أن كان عجبك و لا لأ » نظر في عينيها و هو يحني رأسه قليلاً ..
« إنتي عايزه احط برفان حريمي و أنا رايح الشغل عشان يتريقوا عليا هناك » قالت بنفاذ صبر ..« طيب حضرتك عايز ايه دلوقت أعمل ايه عشان تعرف أن كان عجبك و لا لأ »
أجابها بهدوء لامبالي ..« أبدا زي مبتعملي مع الزباين بالظبط أنا مش مختلف عنهم »
أجابته بضيق ..« يا أستاذ أنت راجل و زبايني حريم إزاي يعني مش مختلف »
فقال بحده ..« إنتي بتجادلي كتير كده ليه يا ترى مديرك يعرف أنك مزعجه كده و بتدايقي الزباين إلي عايزين يجربوا البضاعة قبل ما يشترو ..»
أرتبكت و هى تسبه داخلها فهى لا تستطيع فقد وظيفتها الآن في ذلك الوقت الحرج مع وجود مرض والدها و قلق أمها و أخوتها عليه ..وضعت القليل من العطر على باطن يدها و هى تقربها إليه تكاد تعطيه بيدها علي وجهه الوسيم هذا ..وسيم .. أي وسيم .مسك أفيقي قبل فقدان وظيفتك يا غبية أنه يوم واحد في الأسبوع تقفي خارج المتجر لا بأس أجعليه يمر بهدوء بدون إثارة مشاكل من شخص مغرور مثله حتى لا يفقدك وظيفتك احنى رأسه قليلاً فهى تمد يدها بعيداً عن أنفه أمسك يدها يقربها من أنفه يشتم رائحتها العطره أغلق عينيه و هو يأخذ نفس عميق و هى تحاول نزع يدها منه بقوة و قلبها يخفق بعنف فهى لأول مرة تلمس أحد من الجنس الآخر غير أبيها و أشقائها الصغار
أرتفع صدرها و أنخفض بخوف و أضطراب فهذا الوقح يقترب منها يشم رائحتها ..يا إلهي أليس هناك أحدا لينقذها ..حاولت الإبتعاد عنه بعنف
« يا أستاذ ميصحش كده أبعد لو سمحت .. كان رؤوف يقترب منها كالمغيب لا يعلم ماذا يفعل لقد جن حتما ليفعل هذا مع فتاة في وسط الطريق ..فتح عينيه بألم و هو يصرخ ..« اه أنتي عملتي ايه يا غبية »
مسك بغضب ..« الغبي هو أنت يا قليل الأدب و لو ممشتش دلوقت حالا الضربه الجاية مش هتكون على رجلك أنت فاهم »
أبتعد عنها رؤوف و هو ينظر إليها بذهول لهذه الصغيرة التي لا تكاد تصل لكتفه انحنى يتحسس قدمة المصاب بألم ثم أعتدل ينظر إليها بعداء و غضب و هو يرى عينيها الخضراء لامعه بالتحدي تحذره أن يقترب أكثر أبتعد خطوة للخلف يتطلع عليها من رأسها ذو الشعر الأسود إلي قدميها الصغيرة في حذائها الأبيض الرياضي ذو الشرائط الذهبية ..ثم ما لبث أن أنفجر بالضحك تحت نظراتها الذاهلة و قد لمعت عينيه و هو ينظر إليها بتحد قبل أن يستدير و يرحل تاركا إياها في حيره من ما يحدث ..أستقل سيارته و مر من أمامها يلقي في وجهها قبل أن يبتعد ..« خليكي فاكره ..مسك لرؤوف »
نظرت للسيارة بذهول و هى ترى هذا المختل يرحل فجأة كما ظهر أمامها فجأة ...
عادت مسك للمنزل بعد العاشرة مساء بقليل فتحت والدتها الباب قائلة بقلق ..« أتأخرتي كده ليه يا مسك الساعة داخله على حداشر خواتك ناموا من بدري »
قبلتها مسك على وجنتها ..« معلش يا ماما جت لنا طلبيه و أضطرينا نفضل لحد ما تجهز »
أقفلت والدتها الباب و هى تخبرها ..« طيب بسرعة غيرى هدومك دي قبل ما بابا يخرج من أوضته و يشوفك كده أنا سيباه على كرسيه جوه »
أندفعت مسك لغرفتها ...« حاضر ثواني و هخرج »
دخلت غرفتها الصغيرة التي تتشارك بها مع طارق شقيقها الصغير
مسك فتاة في الثالثة و العشرون كانت تدرس في كلية التجارة و لكنها توقف عن الدراسة منذ مرض والدها فلم تحظي سوى بعامين فقط من الدراسة و توقفت.. لديها ثلاثة أشقاء صغار ..طارق في الثالثة عشرة ..أيمن في الخامسة عشرة .. سمير في السابعة عشرة .. و هو أخيها الكبير الصغير الذي يخاف عليها كثيرا و يصمم كل يوم إيصالها لعملها صباحاً و لكنه لا يستطيع أنتظارها كل مساء فلديه دروس كثيرة في أوقات متأخرة و أيضا لعدم أنتظام أوقات خروجها من العمل ... فمعظم الأيام يستدعي العمل أن تتأخر كما حدث اليوم .. دخلت المرحاض أغتسلت و توضأت و صلت ما فاتها ثم خرجت تتجه للمطبخ ..كانت والدتها تعد لها العشاء على طاولة الطعام في المطبخ فهى فقط من سيأكل إذا لم تجد داعي لوضع الأطباق في الخارج ..« حبيبتي أدخلى لبابا شوفيه و بعدين تعالى أتعشي عشان ميقلقش لأنك أتأخرتي النهارده بس أنا قولتله أنه كان نايم و محبتيش تزعجيه »
خرجت مسك من المطبخ تتجه لغرفة والدها كان يجلس على سريره يرتدي نظارة القراءة و يطالع كتاب عن الإقتصاد نظر إليها و على وجهه أبتسامه فرحه لرؤيتها ..« أتأخرتي النهارده أنا زعلان منك »
تقدمت منه تقبله على رأسه فواضح أنه سئم الجلوس على مقعده المتحرك فأنتقل إلي سريره ..هو يعلم ماذا تعمل و لكن لا يعلم أن العمل يستدعي أن ترتدي ملابس قصيرة مثلما تفعل و لكنها تحرص إلا يراها هكذا حتى لا يغضب و يجعلها تترك العمل و هى الآن في أمس الحاجة إليه ..متجر والدها الصغير للخردوات لا يدري عليهم ما يكفي لتأمين مصاريف دراسة و معيشه و علاج والدها و كأن الخير ذهب مع مرض والدها فهو لم يقصر معهم رغم أنه نفس مصدر رزقهم الذي يديره الآن الشاب العامل لدي والدها منذ زمن طويل ..« معلش يا بابا سامحني جالنا شغل ضروري و أضطرينا كلنا نفضل عشان نخلصه »
ضحك والدها بمرح ..« هى أمك مش هتبطل كذب بقى و تداري عليكي هى متعرفش أنك بتقوليلي علي كل حاجة »
ضحكت مسك و هى تحتضن والدها فهى حقا لا تخفي عنه شيئا سوى ذلك الأمر المتعلق بلباسها و لذلك تشعر بالذنب كثيرا تخشى أن يعلم والدها و يغضب و لا يسامحها ..« و متقولهاش خليه سر بينا »
ربت أبيها على وجنتها ..« طيب يلا قومي أتعشي و نامي زمانك تعبانه النهارده »
قبلته على رأسه و هى تقف لتنصرف ..« تصبح على خير يا حبيبي »
سالم بحنان ..« و أنت من أهله يا ريحة الورد »
دخلت المطبخ وجدت والدتها و قد حضرت الطعام جلست على مقعد المطبخ الصغير الذي تستخدمه والدتها عند العمل في المطبخ ..« روحي إنتي يا ست الكل اعدي مع سالم عشان ميقعدش لوحده و يدايق و أنا هخلص و هرتب كل حاجة قبل مانام »
ضحكت والدتها بحنان فهما أقرب الصديقين منهم الأم و أبنتها ..
« سالم كده حاف طيب يا مسك هقوله و أشوف هيقول أيه لما يعرف أنك من وراه بتقولي سالم من غير بابا »
ضحكت مسك فوالدتها تظن أنها لا تنادي والدها بأسمه إلا في الخفاء و هو لا يستمع اليها لا تعلم أنها تناديه هكذا بعض الأحيان لتمازحه ..
« كده يا ماما هتفتني عليا عند سلومتك دانا بنتك الوحيدة »
ناديه بمرح ..« بس يا بت بكش ابلفيني بكلامك ال يعني مش بسمعك و إنتي بتناديله سالم من ورايا »
مسك بمرح ..« هو مفيش حاجة تستخبى عليك يا ندوش ..طيب يلا بقى روحي عشان ميديقش لوحده و أنا هشطب كل حاجة هنا متخفيش »
خرجت ناديه من المطبخ ..« طيب متنسيش النور كعادتك »
مسك بهدوء ..« حاضر يا ماما تصبحي على خير »
ناديه بحنان ..« و إنتي من أهله يا ريحة الورد »
أبتسمت مسك فأبيها و أمها لا يناديانها إلا برائحة الورد و لا تعلم لماذا يقولون لها هذا الإسم و كلما تسأل يبتسمان و ينظران لبعضهما بمكر قائلين إنه سرهما الصغير .. أنهت طعامها و رتبت كل شئ قبل أن تغلق الإضاءة و تخرج لتتجه لغرفتها القت بجسدها على السرير تتنهد بإرتياح و هى تغمض عينيها لتحاول النوم فاليوم كان مرهقا حقا في العمل ظلت تتقلب في السرير علها تجد موضع راحه لها رفعت يدها أمام وجهها تشتم بواقي رائحه من ذلك العطر أقشعر جسدها و هى تتذكر ذلك البغيض الوقح اليوم و هو يقترب منها بوقاحة في وسط الطريق و هو يمسك بيدها شعرت بلمساته و كأنه مازال يمسك بيدها انزلها بجانبها تمسح بها على الفراش لتزيل ذلك الشعور الذي إنتابها حين أمسك يدها زفرت بضيق ..يا إلهي متى سأتخلص من ذلك العمل البغيض ..فقط لو أجد وظيفة أخرى مناسبه براتب جيد لتركت ذلك العمل فورا أطفات المصباح بجانبها و أستلقت على جانبها لتغرق في النوم .....