
رواية يا ساكن الليل الفصل الرابع عشر 14 بقلم آيلا
_طب ما أديني بحاول أهو...
نطق عمر، عينيه بتطالع عيوني بثبات، شفت فيها الرجاء و الأمل، ممزوج بسنة بسيطة من الخـ.ـوف، مش واضح، بس لسه موجود هناك، و أنا قدرت استشعره..من نبرة صوته اللي خرجت مهزوزة غـ.ـصب عنه، من صـ.ـدره اللي طلع و منزلش تاني و كأنه نسي ازاي كان بيتـ.ـنفس، كان ببساطة..خـ.ـايف و قلقان حتى لو حاول يظهر عكس كدا.
_أنا الشخص دا؟
نطقت أخيراً، مجاوبش عليا ، رمش مرتين بسرعة و كأنه بيحاول يبلع ذكرى أنا معرفش عنها حاجة، و في النهاية اكتفى بإيمائة بسيطة.
_أنا...كنت أعرفك زمان؟
سألت تاني، برضو مردش، هز راسه بالإيجاب و انا كملت:
_لأي مدى؟!
مكنتش محتاجة أسمع الإجابة عشان أخمن بالفعل إن كان بينا حاجة أعمق بكتير من مجرد معرفة عادية، قصدي...لطالما حسيت بكدا جوايا، من أول مرة شفته فيها كنت دايماً بحس ناحيته بمشاعر إنجـ.ـذاب غـ.ـريبة، مش إعجاب لا، حاجة أعمق..حاجة زي ما تكون روحك كانت غريبة و تايهة عن أرضها لمدة طويلة و فجأة لقيت المستقر، منطقة الأمان اللي كانت بتدور عليها طول عمرها، كل ما أبقى جنبه بحس براحة نفسية عجيبة، كأن حتى لو عقلي نسي..فروحي لسه فاكرة و حافظة...رافضة تنسى مستقرها و أمانها.
سحب نفس عميق، بدأ يقـ.ـرب مني، يده اليمين اتمدت براحة لغاية ما لامست أطراف صوابعه الباردة بشرة خدي الدافية.
_كنتي أقرب ليا من نفسي يا وتين...
همس و أنا حسيت بقشعريرة بتسري في جسمي كله.
_و...و ليه مقولتليش قبل كدا؟!
_عشان الدكتور قال منضـ.ـغطش عليكِ، كنت مستنيكِ تفتكري لوحدك، لكن طولتي عليا جداً يا وتين، طولتي جداً..
سكت، مش عارفة أقول ايه، أو على الأصح..خايـ.ـفة، خايـ.ـفة أقول إني مش فاكرة، ازاي هنطقها قدام عيونه اللي بتتـ.ـوسل ليا برجاء أفتكرها، ازاي أجـ.ـرؤ أطفي لمعة الأمـ.ـل اللي فيها؟
بس الظاهر إن حتى السكوت مكانش الرد المناسب، لأن اللمعة في عيـ.ـونه بدأت تبهت بالتدريج، سحب يده بشويش و نزل وشه في الأرض.
_أنا...مبقتش قادر.
نطق أخيراً بعد فترة، و أنا حواسي كلها تنبهت فجأة، ق..قصده ايه؟!
رجع رفع عيونه ناحيتي تاني و بدأ يتكلم بانفعـ.ـال:
_مبقتش قادر أستحمل معاملتنا مع بعض زي الأغراب، مبقتش قادر أستحمل بُعدك عني، مبقتش قادر...
سحب نفس عميق و نبرته بدأت تلين، بدل الغضـ.ـب و الانفعـ.ـال غـ.ـزاها الحـ.ـزن و الانكـ.ـسار.
_مبقتش قادر أشيل حمـ.ـل الذكريات لوحدي...الحمل تـ.ـقيل، لا قادر أنسى و لا قادر أتخطى، انتِ هنا بس أنا لسه هناك...أنا واقف عند نفس النقطة من ست سنين يا وتين!
_ست سنين!
كررت وراه بصـ.ـدمة قبل ما أكمل باستدراك:
_دا..دا معناه إننا كنا نعرف بعض قبل ما تبقى دكتور مشهور حتى؟!
طالعني بذهول، اتجمد في مكانه، حواجبه معقودة باستنكار واضح و كأني نطقت بحاجة مكانش ينفع أقولها، حاجة مكانش متوقعها و مش وقتها أبداً...
_ايه؟ م..مالك؟!
سألت بحذر و هو بدأ يتراجع لورا ببطئ و هو بيهز راسه بالنفي.
_وتين...متكمليش، متقوليش حاجة تاني!
_ليه؟ أنا قلت ايه غلـ.ـط؟!
_كل حاجة قولتيها غـ.ـلط!
صـ.ـرخ بانفعـ.ـال.
_بس يا عمر أنا محتاجة أعرف مالك، لو مقولتيش ازاي هـ---
مكملتش، سكت فجأة لما لمحت دمـ.ـعة هـ.ـربت من عينه، وقفت مصـ.ـدومة، كانت دي أول مرة أشوف فيها عمر بيـ.ـبكي!
جريت عليه بسرعة.
_عمر! مالك؟ أنا آسفة، أنا عملت حاجة غلـ.ـط طيب؟!
_كل حاجة غـ.ـلط يا وتين.
كرر تاني، المرادي بيـ.ـأس.
_ايه؟!
سألت بعدم فهم.
_أنا قولتلك متكمليش..يا ريتك كنتي سكتي!
بصيتله بحيرة، مش فاهمة حاجة، و هو مدانيش فرصة أفهم، رفع الشـ.ـال الأسـ.ـود اللي كان حاطه على كتافه و غطى بيه وشه قبل ما ينـ.ـط من الشباك الكبير في الأوضة، هـ.ـرب...كالعادة، و سـ.ـابني وحدي طول الليل
بسأل سؤال واحد..."ليه؟!"..بس...ملقتش إجابة.
______________________
في فندق ال****، الساعة تدق الحادية عشر إلا الربع، و في الممر الخلفي في الطابق الثاني تجمهر عشرات الرجال المسـ.ـلحين حول شخص واحد أعـ.ـزل...كان أدهم!
لا مجال للهـ.ـرب، كتفه الأيسر ينـ.ـزف بغـ.ـزارة، أصـ.ـيب بشـ.ـد عضلي في ساقه اليمنى نتيجة الجري و الهـ.ـرب لخمس عشر دقيقة متواصلة بينما اختبأت كـ.ـدمة زرقاء كبيرة خلف قميصه فوق معـ.ـدته المسطحة، لم يكن يعرف بوجودها أصلاً، أو كيف حصل عليها حتى، لكنه يدرك للتو فقط كم كانت مـ.ـؤلمة و لا تطـ.ـاق بجانب الألـ.ـم الحـ.ـارق في سـ.ـاقه و كتفه.
رفع الأخير يديه يعلن اسـ.ـتسلامه بينما يشاهد فوهـ.ـات المـ.ـدافع الآلية متوجهة ناحية رأسـ.ـه.
_طيب، كسبتوني.
اقترب منه رجلان و قاما بتـ.ـقييد ذراعـ.ـيه من الخـ.ـلف بينما تقدم منه رجل ثالث كان من الواضح أنه أعلى منهم رتبة و شأناً.
ابتسم الرجل بجانبية و من ثم قام بفـ.ـرقعة مفاصل رقبته و كفيه معاً قبل أن يلـ.ـكم أدهم في وجهه بأقـ.ـسى قـ.ـوته.
_أحييكِ، أنا مبتعصـ.ـبش بسهولة، كنت ناوي أتساهل معاك و أقتـ.ـلك علطول...بس للأسف، انت عصـ.ـبتني!
تحدث قبل أن يقوم بلـ.ـكمه مرة ثانية، و ثالثة..و عاشرة، حتى صار وجهه بالكامل مدمـ.ـياً و متـ.ـورماً من كل اتجاه، بصـ.ـق أدهم بعض الدمـ.ـاء من فمه و رغم قـ.ـوة اللكمـ.ـات إلا أنه ظل هادئاً تماماً و كأنه مستـ.ـسلم لمصـ.ـيره.
رفع الأخير سلاحـ.ـه و ألصـ.ـقه في جـ.ـبهة أدهم.
_أي كلمات أخيرة قبل ما أخـ.ـلص عليك؟!
رفع أدهم عينيه باتجاهه، ناظره بحـ.ـدة و عنـ.ـاد، و من ثم بصـ.ـق في وجهه قبل أن يبتسم بجانبية و كأنه أكثر شئ طبيعي في العالم.
شهق الباقون بصـ.ـدمة في حين مسح الرجل جبينه بطرف قميصه بكل هدوء قبل أن يعاود إلصـ.ـاق السـ.ـلاح في رأ.س أدهم.
_حلو..أنا قلت كدا برضو.
ضغط الزنـ.ـاد، دوى صوت إطـ.ـلاق النـ.ـار، تفجـ.ـرت الدمـ.ـاء و تطـ.ـايرت الأشـ.ـلاء بينما امتلأ الجو برائحة البـ.ـارود و المـ.ـوت.
في الواقع...لم تكن رصـ.ـاصة واحدة، بل عدة رصـ.ـاصات، و لم تكن دمـ.ـاء أدهم من تناثـ.ـرت على الأرض الباردة..لقد كان هو، ذلك الرجل وحوالي ٤٦ رجـ.ـلاً من رجـ.ـاله سقطوا صـ.ـرعى إثر طلقـ.ـات نـ.ـارية من سـ.ـلاح FN p90 يحتوي في الأصل على خمـ.ـسين طلـ.ـقة فقط مما يعني معدل تصويب قيـ.ـاسي و مـ.ـرعب!
فتح أدهم عيناه بذهول و هو لا يستوعب ما يجري حوله، الدمـ.ـاء تتطاير حوله في كل مكان، و صوت الصـ.ـراخ من الغرف المجاورة يرتفع بينما يندفع جسد ضخم يركض باتجاه و هو يصـ.ـرخ بصوت مرتفع:
_غطي راسك!
_أنس؟!
نطق باستغراب ما إن اتضحت ملامح وجهه أمامه.
_قلت...غطي راااسك!
لم يناقش، لم تكن لديه فرصة للمناقشة أصلاً، فبمجرد أن نفذ حتى تفاجئ بجسده يُسـ.ـحب و ينـ.ـدفع بقسوة عبر زجـ.ـاج النافـ.ـذة من الطابق الثاني!
سقـ.ـط الإثنان معاً، و عم الهدوء فجأة...
.
.
.
.
.
كان كل من أدهم و أنس مستليقان على ظهرهما في حـ.ـاوية القمـ.ـامة.
_أدهم..انت كويس؟!
اعتدل أنس أولاً سريعاً ليطمأن عليه، قبل أن يلمح جـ.ـرح ذرا.عه لذا قام بتمـ.ـزيق قميصه و ربـ.ـط كتـ.ـف أدهم النـ.ـازف به.
كان الأخير لا يزال في صـ.ـدمة، لا يستطيع استيعاب كل ما حدث خلال عشر ثوانٍ فقط.
رمش عدة مرات قبل أن يستدير و يرمق أنس بنظرات حـ.ـادة.
_انت...مجنـ.ـوون؟!
تنفس أنس براحة:
_اه كدا اتطمنت عليك، حمد الله على السلامة!
_ايه اللي عملته دا؟!
صـ.ـرخ أدهم مجدداً.
_كان الحل الوحيد عشان الذخيـ.ـرة خلصت و كان لسه في تاني.
أجاب أنس بعدم مبالاة و على الفور انتفض أدهم.
_ايه؟!
_الذخـ.ـيرة خلصت.
_لا، قلت ايه بعدها؟!
_كان لسه في تاني؟!
نطق بحيرة قبل أن يوسع عينيه بذهول ما إن استوعب كلماته، كان لا يزال هناك المزيد من الرجـ.ـال المسـ.ـلحين خلفهم!
فجأة سمعا صوت إطـ.ـلاق نـ.ـار يصدر من الخلف.
_بسرعة...العربية راكنها قريب.
تحدث أنس في حين تـ.ـأوه أدهم بألـ.ـم بينما ينهض خلفه:
_أنس.. أرجوك متمـ.ـوتش، عشان بعد ما نروح أنا هقـ.ـتلك بنفسي.
_دا لو انت عـ.ـشت الأول عشان تمـ.ـوتني!
.
.
.
.
.
.
.
.
بعد مـ.ـطاردة دامت لساعة و نصف، كان الإثنان في شركة عم ريان بعد إصرار أدهم على عدم عودتهم إلى المقر دون التمثـ.ـال.
ألقى بالعقد أمام الرجل المسن على المكتب قبل أن يتحدث بصرامة:
_اتفضل، يا ريت توفي بوعدك زي ما قلت.
أخذ العجوز الورقة ليطالع الإمضاء برضا قبل أن يصفق مرتين لتحضر سكرتيرته نورا بحقيبة سوداء لامعة.
سحب أنس الحقيبة ليفتحها و يتأكد من وجود التـ.ـمثال الأصـ.ـلي بها و ما إن تأكد حتى هز رأسه بالإيجاب لأدهم.
ابتسم العجوز:
_متقلقش، مش أنا اللي أخـ.ـون وعودي أبداً.
زفر أدهم بسخـ.ـرية.
_انت آخر واحد تتكلم عن الخيـ.ـانة يا جدو!
قال و كانا على وشك المغادرة قبل أن يوقفهم العجوز:
_استنوا...خدوا دي كمان.
ألقى بسلسلة سوداء يتدلى منها حجر أحمر لامع.
_مكنتش ناوي اساعدكم أكتر بس صعـ.ـبت عليا.
تحدث في حين رفع أدهم حاجبه بحيرة.
_ ايه دا؟
_دي هدية، اعتبرها تعويض مني عن اللي حصل فيك.
_شكرا، خليها ليك، مبلبسش سـ.ـلاسل!
كان على وشك إلقائها باتجاه الرجل مجدداً لولا أن تحدث الأخير:
_البسها المرادي، صدقني هتحتاجوها قريب، انا لو منك أقبلها.
و على الرغم من أن عم ريان العجوز لم يكن محلاً للثـ.ـقة على الإطلاق إلا أنه لم يكن يكـ.ـذب أبداً.
قبض أدهم على السلسـ.ـلة المعدنية داخل كفه دون أن يجادل أكثر و توجه برفقة أنس إلى الخارج.
_________________
استيقظت وتين فجراً على صوت طرقات حـ.ـادة لكنها مألوفة، فتحت الباب لتتفاجئ بعمر يقف أمامها و على الفور تمسكت بذراعه.
_عمر، رحت فين؟ ليه سبتني؟ انت وعدتني إنك مش هتسيبني أبداً!
أبعدها عمر عنه قبل أن يتحدث:
_وتين، أنا آسف، عارف إني كان المفروض آجي أعزيكي امبارح بس كان ورايا شغل مهم.
عقدت وتين حاجبيها معاً بحيرة.
_ب..بس انت جيت؟!
_جيت؟ جيت امتى؟!
_عمر متهزرش! مش معقول إني كل دا كنت بحلم يعني!
سحب نفساً عميقاً قبل أن يتحدث:
_أنا عارف إنك معجبة بيا يا وتين، و أنا...آسف إني تجـ.ـاهلت مشاعرك و خطبت صاحبتك، بس..بس أنا كنت مضطر صدقيني!
طالعته وتين بعدم استيعاب:
_عمر! ايه اللي بتقوله؟ ليه بتفتح الموضوع دا تاني دلوقتي؟ افتكرت إنه خلص من زمان؟!
حك عمر خلف رقبته بتـ.ـوتر:
_اه أكيد، أنا و هي فركشنا من زمان صح نسيت أقولك.
_أنا مسألتكش عن الموضوع دا لأني مش فاهمة انت خطبتها ليه و مش عايزة أفهم و مش مهتمة، كل اللي مهتمة أعرفه دلوقتي انت اتضايقت ليه فجأة و مشيت و سبتني امبارح!
_وتين ، أنا فاهم إنك زعـ.ـلانة مني، بس أنا مجتش امبارح صدقيني يا قلـ.ـبي.
كشـ.ـرت وتين ملامحها بضيـ.ـق.
كان عمر هذا مختلفاً، بدئاً من نبرة صوته البـ.ـاردة و هالـ.ـته طريقته في الحديث، و حتى عيناه..لما عاد لارتداء تلك العدسة اللاصقة و إخفاء لون عينه الرمادية مجدداً؟
لا، بل الأهم من ذلك... كيف تغير بتلك السرعة بين ليلة و ضحاها؟ كيف عاد إلى كونه ذلك الشخص المقـ.ـزز الذي كـ.ـرهته؟!
تنفست بعمق و أجبـ.ـرت نفسها على الهدوء قبل أن تتحدث:
_عمر، أنا عارفة إنك متضـ.ـايق مني، قول أنا عملت ايه غلـ.ـط و أنا هصلحه، لكن إنك تهـ.ـرب و تتجاهل الموضوع و كأنه محصلش دا مش هيحل حاجة!
_ايه دا؟ انتِ عرفتي إني متضـ.ـايق منك؟ بصراحة اه، كنت متضـ.ـايق شوية بسبب إننا بطلنا تصوير سوى و ريتش القناة وقع بس متقلقيش...أهم حاجة عندي انتِ يا روحي.
نطق بينما امتدت يده بهدوء لتسحبها من خصـ.ـرها باتجاهه.
جفلت وتين بعدم استيعاب ثم ما لبست أن دفـ.ـعته بعيداً عنها.
_انت اتجـ.ـننت ؟ ايه اللي بتعمله دا؟!
صرخت و من ثم وضعت يدها على رأسها بعد أن أحست بصـ.ـداع مفاجئ، لقد كان الوضع يزداد تعقيداً بينما هي عاجزة تماماً عن فهم ما يجري حولها.
_اطلع برا يا عمر!
نطقت أخيراً بعد أن تمالكت نفسها.
______________________
في مكان آخر بعيد و قارس البرودة:
حانة صغيرة على أطراف إحدى القرى الإيطالية، لا يميزها شئ سوى رخص ثمن المشروبات، رائحة الخـ.ـمر المتعـ.ـفن المنبعثة منها دائماً، و كونها مفتوحة لأربع و عشرين ساعة طوال أيام الأسبوع و بالطبع...نادلاتها الحسناوات.
_بكم الليـ.ـلة أيتها الجـ.ـميلة؟!
_إنه ليس محلاً للدعـ.ـارة أيها العجوز، اشرب فحسب و أغلق فمك القـ.ـذر!
أجابت الفتاة بلهجة إيطالية ممتازة رغم عدم كونها لغتها الأم بينما تصب للرجل كأساً آخر من البيـ.ـرة الرخيـ.ـصة.
_اوه سينيوريتا..لا تكوني بتلك القسـ.ـوة، سأدفـ.ـع لكِ كل ما تريدين يا عزيزتي!
نطق الرجل قبل أن يغـ.ـمز نهاية حديثه بثقة.
_أنت؟!..اوه رجاءً! سـ.ـدد ما عليك أولاً أنطونيو، يا لك من وغـ.ـدٍ مغـ.ـرور!
قهقه الرجل بصوت مرتفع في حين قلبت الفتاة عينيها بملل و تجاهلته تماماً بينما تتوجه نحو طاولة أخرى مختلفة لتقدم المزيد من المشروبات.
استمر العمل طوال الليل، تتنقل بين طاولة إلى أخرى، بشعر أحمر طبيعي قصير بالكاد يصل إلى كتفها، كانت هي تحرص على قصه دائما حتى تتفادى مغـ.ـازلات الرجال بقدر الإمكان، بينما عيناها الزرقاوتين تلمع تحت الإنارة الخافتة للمكان، تتناسب جيداً مع قميصها الأزرق السماوي الرقيق فوق بنطال جينز بني واسع.
لم يشـ.ـك أحد في عدم كونها إيطالية من قبل أبداً و كان ذلك يخدمها بشكل كبير.
أنهت مناوبتها المسائية حوالي الساعة السادسة صباحاً لتعود إلى شقتها المهتـ.ـرئة.
_إدريس! إدريس اصحى...
نادت بينما تقوم بخلع معطفها و حذائها على عتبة الباب.
نهض الفتى ليسير بخطىً متعـ.ـرجة نحو الخارج ، عيناه لا تزال مغمضتين و بالكاد يرى أمامه.
_سيو؟ روحتي؟!
_شايف ايه؟ البس هدومك بسرعة منا ما أجهزلك السندوشات.
كان على وشك التوجه ناحية الحمام لكنها قبـ.ـضت على ذراعه فجأة لتسحبه ناحيتها، دققت النظر في عينيه للحظات قبل أن تتحدث بغـ.ـضب:
_إدريس! انت كنت سهـ.ـران طول الليل تاني؟!
ابتسم بتـ.ـوتر:
_ههه، من؟ أنا؟!...بالطبع لا، لم أفعل...
ضيقت عينيها ناحيته بشكٍ واضح.
_انت بتتكلم إيطالي لما بتـ.ـكدب!
ابتلع بصمت عاجزاً عن الإجابة لثانية قبل أن يصـ.ـرخ فجأة بينما يخلص نفسه من بين يديها:
_يا خبر ! بصي الساعة بقت كام؟ اتأخرت!
قال و ركض مبتعداً عنها ليدخل الحمام و يغلقه خلفه سريعاً في حين صرخت شقيقته الكبرى من الخارج:
_إدريس! كام مرة أقولك تنام بدري و متروحش عند البحـ.ـر بالليل؟ ماشي هنبقى نتحـ.ـاسب لما تروحلي النهاردا!
كانت بصدد التوجه للمطبخ عندما رن جرس الباب فجأة.
ذعـ.ـرت و تجـ.ـمدت في مكانها بخـ.ـوف، فلم تكن تسكن تلك الشقة سوى برفقة شقيقها و لا يعرفهم أحد نهائياً في تلك المنطقة، فمن يكون هذا يا ترى؟!
سارت ببطئ على أطراف أصابعها لتنظر عبر الحدقة بالباب و سرعان ما توسعت عينيها بصـ.ـدمة ما إن لمحت ثلاث رجـ.ـال ضخـ.ـام الجـ.ـثث يقفون خلف الباب.
_افتح الباب! احنا عارفين إنك موجود جوا!
تراجعت للخلف و قد صار قلبها ينبـ.ـض داخل صدرها بعـ.ـنف أكبر خاصة بعد أن سمعت تلك اللهجة المصرية الصريحة.
خرج إدريس من الحمام لتشير إليه أخته أن يصمت و يتبعها نحو غرفته.
و ما إن دخلا و أغلقت الباب خلفهما بهدوء حتى همست بغضـ.ـب:
_إدريس، انت عملت ايه؟!
_لو مفتحتش الباب هنكـ.ـسره ، سامع! افتح بالأد.ب أحسنلك!
ازدادت حدة صـ.ـراخ الرجال بالخارج.
تحمحم إدريس:
_سيو، ا..اهدي خالص، أنا هشرحلك كل حاجة...
نطق في نفس اللحظة التي دوى فيها صوت تحـ.ـطم الباب في الخارج.
تبادل الاثنان نظرة مرتعـ.ـبة و قد أدركا تماماً ما يعنيه هذا.
_إدريس...لو قدرنا نهـ.ـرب منهم افتكر إنك معـ.ـاقب طول حيـ.ـاتك متروحش البـ.ـحر تاني أبداً!
___________________
يتبع...
الفصل الخامس عشر من هنا