
رواية جحيم آل مارينتوس الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم سارة بركات
- حينها ستكون قد خسرتني للأبد، ستيفانو.
ظل ستيفانو ينظر إليها بهدوء فهو لم يتعجب مما تقول .. هي مُحِقة ولكنه تحدث باستفسار:
- لماذا جلوريا؟ أخبريني بوجهة نظرك؟ لماذا كان هذا ردك الوحيد؟
زفرت ببطء واقشعر جسدها وتحدثت بتأثر وهي تنظر إلى الفراغ أمامها:
- الأمر له علاقة بالثقة ستيفانو، لنتخيل أننا هكذا.
ثم وضعت يدها على موضع قلبه وتابعت وهي ترفع عينيها نحو اتجاه صوته:
- قريبين للغاية وأحببتك كثيرًا على أنك ستيفانو حبيبي شخصٌ أعلم كل شيءٍ عنه كما أن كل ما هو بيننا دافئ وجميل بشكلٍ لطيفٍ للغاية.. ثم فجأةً أكتشف أنك تكون شخصًا غير الذي أحببته واعتدت عليه لتُصبح شخص آخر لا أعلم عنه شيئًا لأشعر ببرودة مُفاجئة في جسدي كأن ذلك الأمان اختفى وحل محله الخوف.
انهمرت عبراتها دون أن تشعر، وتابعت بغصة:
- لماذا كل هذا ستيفانو؟ كيف يمكن أن تنتقل من كونك أقربُ شخص إلى قلبي، إلى الشخص الذي ينبغي علي أن أحذر منه في النهاية؟
وضع يده على يدها الموجودة على موضع قلبه وأمسكها بحُب، وأردف بصوتٍ خفيض:
- ربما لأنني لم أستطع فعل شيء سوى ذلك، وربما لأن الأمور جرت على هذا النحو جلوريا.
ارتعش جسدها وازدادات شهقاتها وأخذت تبكي كالطفلة الصغيرة لأنها لوهلة قد تخيلت أن هذا الأمر حقيقي، ثم تحدثت بذهول وهي تنظر إلى الفراغ:
- ماذا؟ ماذا تقول ستيفانو؟!!
هز ستيفانو رأسه ثم قبل يدها المُرتعشة بينما مسح عبراتها الساكنة على وجنتيها بيده الأخرى، ثم ضمها بقوة بين ذراعيه ليقول بصوتٍ خفيض:
- لا شيء حبيبتي.. لا شيء.
أغمضت جلوريا جفنيها وهدأت بين ذراعيه تُعيد دفء جسدها إليها، وبعد ثوانٍ قليلة رفعت رأسها بينما مازالت بين ذراعيه، قرَّب ستيفانو مقدمة رأسه من خاصته بينما تحدثت جلوريا بارتعاش:
- أنا أحبك يا ستيفانو، ليس لدي أحدٌ غيرك من فضلك لا تجعلني أخاف منك يومًا ما.. اجعلني أظل دائمًا آمنة بين ذراعيك؛ فأنت بيتي وموطني وكل ما أملك.. أنت... أنت كل شيء.
شق البرق عتمة السماء أعقبه دوى الرعد وانهمرت الأمطار بغزارة حيث كانت قطراتها ترتطم بالأرض بعنف من حولهما.. بينما ظل ستيفانو ينظر إليها بحُب .. وقعت عينيه على شفتيها ليقترب بشتفيه نحوهما ويلتقطهما في قُبلة عبر من خلالها كم يحبها بشدة.. كم هو لا يستطيع الإبتعاد عنها.. اشتد دوى الرعد وأصبحت الأمطار تنهمر بغزارة أكثر حتى ابتل الإثنان بالكامل.. ابتعد عنها ستيفانو برأسه ولكنها مازالت بين ذراعيه ينظر إليها بنظراتٍ عاشقة..
همس بصوتٍ أجش:
- تعالَّي معي، جلوريا.
أومأت بينما أغرقتها الأمطار بالكامل حيث التصق شعرها المبتل بوجنتيها.. أمسكها من يدها وأخذ يركض ليجعلها تركض خلفه، صرخت برعب:
- ستيفانو، إلى أين تأخذني.. أنا لا أري شيئًا.
التفت إليها للحظة ثم أجابها:
- ثقي بي.
عاد الإثنان من جديد إلى متجر المخبوزات المُغلق.. وفتح ستيفانو باب المتجر بالنسخة التي يمتلكها، ، ثم أغلقه خلفهما لينعزلا عن ضجيج العاصفة بالخارج.. ساد صمتٌ غريب داخل المكان كان لا يقطعه شيء سوى صوت أنفاسهما المتسارع وأيضًا صوت قطرات المطر المتساقطة عن ثيابهما، استدار إليها واقترب منها ورفع يده ليبعد خصلاتها المبتلة عن وجهها متأملاً إياها للحظاتٍ ثم اقترب يوجهه منها وقبلها مجددًا وهذه المرة كانت قبلته أكثر شغفًا، ضمته جلوريا بقوة مستسلمة له معتقدة أن عالمها الوردي والبريء هكذا قد اكتمل!
توقف رومان بسيارته أمام مطعمه الفاخر والذي أصبح له شعبية مؤخرًا في روما، بينما كانت كارلا جالسة بجانبه تنظر للخارج من خلال النافذة بينما كان هُناك خطٌ أسود مستقيم مرسوم فوق وجنتيها.. لم تتوقف عن البكاء قط، كانت شهقاتها مستمرة.. كان يراقبها في صمتٍ تام بينما كانت قطرات مياه الأمطار تضرب السيارة بعنف..
- كارلا.
همهمت دون أن تنظر إليه:
- دعينا ندخل المطعم، إن بقينا في السيارة هنا سنتجمد.
استفاقت على إثر كلماته تلك وأومأت بهدوء، بينما خلع رومان سُترته ووضعها فوق رأسها تعجبت من فعلته تلك ولكنه خرج من سيارته واستدار للجهة الأخرى بسرعة بسبب المطر الذي أغرق شعره البُني وقميصه الأبيض الذي برز عضلات جسده، فتح بابها وأمسك بيدها يُخرجها من السيارة وبمجرد أن خرجت، تقابلت نظراتهما في نظرة قصيرة ولكنها كانت طويلة بالنسبة إليهما أو إليها كما اعتقدت، لم تستطع التحدث بكلمة إذ أحاطها من الخلف بذراعيه يجعلها تتقدم عنه، ودلفا داخل المطعم بسرعة، زفر رومان ببطء ثم التفت نحو كارلا.. التي تراقبه بهدوء.. حيث كانت خصلات شعره المبتلة تتقاطر مياهها على الأرض بجانبه وأيضًا ثيابه بالكامل.. وحينما انتبهت أنها قد ركزت في تفاصيله لتلك الدرجة احمرت وجنتيها وابتعدت بعينيها عنه، بحث رومان حوله ووجد أن العاملين في المطعم كادوا أن يغلقوه:
- اتركوا المطعم لي.. انتظروا قليلاً حتى ينتهي المطر ثم ارحلوا كيف شئتم.
نفذ العاملين أمره بينما كانت كارلا لا تعلم ماذا تفعل هنا ولما يُلقي عليهم الأوامر، استفاقت من شرودها عندما أمسك رومان بيدها يسحبها خلفه بهدوء.. توقف بداخل المطبخ وأخذ يبحث عن شيء حتى وجده، اقترب من المنشقة المُعلقة والتقطها يقوم بتجفيف شعره المُبتل واقترب نحو كارلا بانشغال بينما كانت تراقبه بدقات قلبٍ مُرتفعة .. والخجل والإحراج كانا يتملكانها.. تحدث رومان بانشغال:
- لقد أتى الشتاء عنيفًا تلك المرة.
أومأت بهدوء بينما ألقى المنشفة فوق رأسها لتتعجب من طريقته تلك ولكنه تحدث بهدوء:
- لقد ابتل شعرك، قومي بتجفيفه.
نفذت أمره وأزالت سترته عن جسدها لدرجة أنها شعرت في تلك اللحظة بالبرودة، لقد كان دفء جسده الموجود في سترته يُساعدها في التماسك في هذا البرد القارس.. رفعت يدها نحو المنشفة المُلقاة فوق رأسها وأخذت تُجففه بشرود، تفكر فيما حدث.. ماذا علم السيد رومان؟؟ ولماذا كان هناك؟ .. استندت بظهرها نحو الرخام وراقبته وهو يبحث داخل المطبخ عن شيءٍ ما ثم ارتدى مريولاً قد وجده.. وأخذ يتجول بعد ذلك بداخله يبحث عن بعض المكونات.. والتقط بعضها..
- ماذا تفعل سيدي؟
قالت تلك الكلمات بارتعاش بينما التفت رومان نحوها قائلاً بابتسامة لطيفة:
- سأعد لكِ الشوربة الساخنة لكي لا تُصابي بالزكام، لقد بكيتِ كثيرًا كارلا.
لم تتحدث لأن لُطفة لمس قلبها، وأخيرًا هناك أحد في هذا العالم يهتم لأمرها.. ولكن مع الأسف الفرحة لا تكتمل؛ فهذا مديرها في العمل وأيضًا كان أستاذها في الجامعة من قبل.. ومن الطبيعي أن يهتم لأجل طبيعة العمل بينهما.. وقف رومان أمام رخام المطبخ بجانبها وبدأ بتقطيع الخضراوات إلى شرائح بحِرَفية جعلت كارلا تتفاجأ من ذلك..
- كيف؟
همهم رومان بانشغال قائلا:
- ماذا؟
- كيف تقوم بتقطيعها هكذا سيد رومان؟
توقف لحظات والتفت برأسه نحوها بابتسامة:
- نحن خارج العمل كارلا، نادِني رومان.. هل فهمتِ؟
أومأت بهدوء بينما ابتسم من جديد لها واستأنف ماكان يفعله قائلاً بانشغال:
- هوايتي هي طهي الطعام، وبالمناسبة أنا أكون مالك هذا المطعم.
تعجبت مما قاله! هل هذا حقيقي؟ ولكنها ابتسمت بهدوء وهي تراقبه هكذا حيث كان قريبًا منها للغاية، يقوم بتجهيز الطعام لأجلها بينما كانت عضلات ذراعيه الظاهرين من خلال قميصه الأبيض والذي أصبح شفافًا بفعل الأمطار تنقبض وتنبسط بناءًا على حركات يده.. ولكن سُرعان ما اختفت ابتسامتها حينما سأل رومان بانشغال:
- أخبريني كارلا، لماذا كنتِ تبكين خارج مكتب السيد سايلِس؟
ابتلعت كارلا ريقها بصعوبة، هل ستستطيع أن تخبره بتلك القصة؟ وهل سيصدقها أحد من الأساس؟؟ حاولت البحث عن إجابة وأردفت قائلة بصدق:
- كنت أعطيه هدية، ولكنه لم يقبلها.
توقف رومان للحظات ثم تحدث:
- أكمِلي.
رمقته بتعجب قليلاً ثم ابتلعت ريقها بتوتر واستأنفت:
- حطمها لأشلاء..
عادت تتذكر تلك اللحظات من جديد بينما تابعت بغصة:
- فقدت الأمل في أن يتقبلني..
توقف رومان عما كان يفعله ثم التفت بعينيه نحوها، بينما انهارت باكية:
- في الحقيقة، كنت أتمنى أن يبتسم وأن أرى في عينيه الاشتياق واللهفة مثلي، ولكن كل ماوجدته كان السخط!.. كنت أتمنى أن أصرخ في وجهه وأخبره أنه أخي.. أنه هو نفسه الشخص الذي أنتظره منذ سنوات.. ولكنني لم أجرؤ على فعلها.
ودون أن تشعر أسندت رأسها على ذراع رومان تبكي ليترك السكين من يده والتفت يضمها بهدوء ويربت على ذراعها..
- إهدأي، كارلا.
ولكنها لم تكن تُنصت بل كان جرحها أكبر بكثير.. زفر رومان بخفوت وأبعدها عنه مسافات قليلاً ولكنها شهقت بفزع عندما رفعها لتجلس فوق الرخام أمامه.. كان عاقدًا حاجبيه بضيق ويرمقها بنظرة غريبة لم تفهمها..
- أنا لا أعلم كيف أنتما أخوين.. ولكن سأجيبكِ كصديقٍ لكِ، كوني عازمة على الوصول إلى ما تريدين.. إذا كنتِ تريدين أن يعود أخيكي إليكِ.. فاصبري، كل شيء له وقته.
تحدثت بصوت متحشرج:
- كيف وهو لا يتقبل هذا الأمر؟
أجاب رومان بإصرار:
- سيأتِ الوقت المناسب وقتها وحينها ستستطيعين فعلا، فقط لا تستسلمي.
كانت نظراته لها واثقة بينما ابتسم بهدوء وابتعد من أمامها وقام بوضع بعض الشاي الساخن داخل كوبين.. واقترب نحوها من جديد..
- اشربي القليل حتى أنتهي.
رمقته بهدوء ثم أخذت منه الكوب الساخن بحذر.. بينما هو وضع كوبه بجانبه واستأنف ما كان يفعله.. تحدثت كارلا بهدوء وهي تٌشير نحو ثيابه المُبتلة:
- ألن تُبدل ثيابك بأخرى جافة؟
أجاب بانشغال:
- لا أملك ثيابًا بديلة.. ثم لا تقلقي.. كلها دقائق وستجف لقد قمت بتشغيل المدفأة بالفعل بعدما دخلنا.
أومأت بهدوء وأخذت ترتشف القليل من الكوب، صمتت للحظات ثم تحدثت وهي تنظر إليه:
- ألن تسألني كيف بدأت القصة؟
ابتسمت رومان بانشغال وظهر لها جانب وجهه الجذاب...
- أخبريني حينما تكونين جاهز، وأنا كلي لكِ آذانٌ صاغية.
اشتعلت وجنتيها خجلاً بينما تابع رومان ما يفعل بتركيز... لم تكن تتوقع أنها في يومٍ ما ستكون قريبة منه هكذا! وليس هذا فقط بل يتحدثان سويًا بشكلٍ غير رسمي..
كانت جوداء تنظر للمطر الذي قلت حدته أكثر من خلال النافذة بشرود، تفكر بذلك الرجل الذي أرهق قلبها وعقلها.. تتساءل أين هو الآن؟ وماذا يفعل؟ ارتعش جسدها بسبب البرد الذي اجتاحها على الرغم من ارتداءها ثيابًا ثقيلة.. همست بشرود:
- أين أنت ديميتري؟
ولكنها للحظة توقفت تستوعب ماتفعله بنفسها، كيف تعلق نفسها به هكذا وهي من أرادت منه أن يبتعد؟ تحدثت إلى نفسها.
"تذكري جوداء أن سبب طلبكِ للإبتعاد هو اختلاف ديانتكما فقط ليس إلا وهذا امرٌ عظيم جاهدي واصبري"
هزت رأسها بيأس وحاولت أن تتظاهر بداخلها أنها لا يهمها أمره ولكن لسوء حظها عينيها تفضحانها بشدة.
تمتمت هامسة:
- هذا يكفي، ما الذي أفعله بنفسي!
ابتعدت من أمام النافذة ثم عادت لغرفتها تستعد للنوم.. وعلى الجهة الأخرى كانت سيلفانا تتحدث مع سايلِس عبر الهاتف داخل غرفتها...
- متى ستنامين؟
تحدثت بانشغال وهي تقوم بتجهيز ثياب عملها التي سترتديها غدًا:
- دقائق قليلة وسأنام.
همهم سايلِس بهدوء بينما كان جالسًا خلف مكتبه داخل قصره الراقي، الفارغ والبارد أيضًا .. يبحث في شيءٍ ما على حاسوبه المحمول، سألته سيلفانا بانشغال:
- وأنت؟ ماذا تفعل؟
سايلِس بانشغال:
- لدي بعض الأعمال.
عقدت سيلفانا حاجبيها ثم تحدثت بحيرة:
- ألن تنام؟
- لا، سأسهر قليلاً..
- متى تنام سايلِس؟
قهقه سايلِس بخفة ثم تحدث وهو يُريح جسده على ظهر الكرسي:
- سيلفانا، أنا لم أصل لكل هذا بسهولة.. كنت أنام قليلاً وأعمل أكثر.
صمت قليلاً ثم تابع بمشاكسة:
- ثم إنني سأنام كثيرًا حينما تكونين بين ذراعي.
تجمدت مكانها ولم تستطع أن تنطق بكلمة.. تعجب سايلِس من صمتها ذلك ونظر لشاشة هاتفه يتأكد أنها لم تُغلق المكالمة.. ثم أعاده من جديد إلى أذنه ليتحدث باستفهام:
- سيلفانا؟
زفرت ببطء ثم تحدثت بهدوء:
- أنا أسمعُك.
تساءل بقلق:
- ماذا هناك؟ هل أنتِ بخير؟
هزت رأسها ثم تحدثت:
- أجل، أنا بخير.. أحتاج أن أغلق الآن، نلتقي في صباح الغد حسنًا؟
ابتسم سايلِس وتحدث بهدوء:
- حسنًا، سنتقابل بالغد.. ولكنني سأتأخر قليلاً.. حسنًا؟
عقدت حاجبيها بحيرة:
- لماذا؟
صمت سايلِس للحظات ثم تحدث:
- لدي أمرٌ هام أقوم به.. لذلك سأتأخر.
تحديت بهدوء:
- سأنتظرك بالمكتب.
أغلقا سويًا بينما زفر سايلِس ببطء وأخذ ينظر لهاتفه قليلاً يقرأ أحرف اسمها.. ثم قام بفتح الدردشة بينهما على أحد تطبيقات وسائل التواصل الإجتماعي .. وأرسل لها رسالة ثم أغلق المحادثة وحاول أن يركز من جديد ليُكمل ماكان يفعله.. كانت عبراتها تنهمر بينما كانت تقوم بتجهيز ثياب الغد.. وحينما انتهت اقتربت نحو فراشها وهي تحاول ألا تنهار باكية.. استلقت بجسدها فوق الفراش وحاولت أن تُشغل نفسها قليلاً ثم أخذت تتصفح هاتفها قليلاً، لكنها انتبهت على رسالة سايلِس، فتحت المحادثة بينهما لتقرأ كلماته البسيطة لها:
"أنا حقًا أنتظر ذلك اليوم"
ضمت الهاتف بقوة إلى صدرِها وحاولت أن تتحكم في نوبة البكاء التي اجتاحتها تلك ولكنها لم تستطع.. مر الوقت وتوقف ستيفانو أمام المنزل وهو ممسكٌ بيد جلوريا..
- هل أنتِ بخير؟
هزت رأسها بابتسامة لطيفة بينما كانت تنظر إلى الفراغ أمامها.. وضع يده على وجنتيها الحمراء وتحدث هامسًا:
- اليوم أصبحتِ عالمي كله جلوريا، أصبحتِ جزءًا لا يتجزأ مني.
ابتسامة عشق ارتسمت على وجهها، بينما رفعت يدها تُداعب أنفه ثم استقرت بعد ذلك على إحدى وجنتيه .. رفعت نفسها قليلاً وقبلته فوق وجنته حيث موضع يدها.. أحاط ستيفانو خصرها لتشهق جلوريا فجأة بسبب ذلك التصرف.. بينما تحدث ستيفانو وهو ينظر في عُمق عينيها:
- أعدكِ أنني لن أترككِ هكذا.. سأفعل كل ما في وسعي ليعود بصركِ إليكِ.
تأثرت ملامحها لتتحدث بصوتٍ هادئ:
- كيف ستفعلها؟ نحن لا نملك المال ستيفانو.
صمت ستيفانو قليلاً والتمعت عيناه وتحدث:
- سأعمل ليل نهار، لكي أوفر لكِ ماتريدين.. وسنبدأ بأمرعمليتكِ الجراحية.
عقدت جلوريا حاجبيها بعدم فهم:
- ماذا تقصد؟ لم أفهمك.
حمحم ستيفانو لأنه كاد أن يقع بالكلام:
- أقصد أنني سأعمل جاهدًا لكي أجد لكِ قرنية.
صمت للحظات ثم تابع بإصرار موضحًا:
- لن أنتظر أن يأتِ العلاج بفائدة.. لن أنتظر رأي الأطباء الذين يقومون بمتابعة حالتك.. لقد رأيت ملفك بالكامل بالمشفى وسألت طبيبًا...أعرفه... أخبرني أنكِ فقط تحتاجين للتبرع أو أن يشتري أحدهم قرنية لكِ لكي تقومي بعملية جراحية ونسبة نجاحها عالية جدا.
صمتت قليلاً وهي تنصت لكلماته تلك، ثم قهقهت بخفة وهي تتحسس وجنتيه بيديها ومازالت بين ذراعيه:
- حسنًا إذًا، بالتوفيق لك عزيزي.
ثم هزت رأسها بيأس بعد ذلك وكادت أن تبتعد عنه ولكنه أعادها إليه من جديد وتحدث بتعجب:
- هل تسخرين مني، جلوريا؟
صمتت قليلاً ثم تحدثت:
- لا ستيفانو، ولكن يجب أن نهبط لأرض الواقع قليلاً.. نحن حالتنا المادية متوسط لا أستطيع أن أقول أننا فقراء.. فأنا أملك مبلغٌ تأميني وأنت عاملٌ بسيط في مخبز.. هل من الممكن أن نوفر المال لأمرٍ مثل ذلك؟ لو كُتِبَ علي أن أبقى هكذا فلن أحزن، صدقني..
صمتت قليلاً والتمعت عيناها بالعبرات قبل أن تقول:
- وإن كنت ثقيلةً على كاهلك أخبرني فقط سأ.....
هز ستيفانو رأسه نافيًا وقال بسرعة وهو يقاطعها ويكوب وجهها بين يديه:
- بالطبع لا .. لا تقولي ذلك، جلوريا أنا لا أستطيع العيش بدونك.. فقط سنجد حلاً.. أنا كل ما أريد فعله هو أن تكوني بأفضل حال.
انهمرت عبراتها ثم تحدثت:
- أنا أفهمك ستيفانو، ولكن أشعر أن الأمر فوق طاقتنا بكثير.
هز ستيفانو رأسه نافيًا ثم تحدث بهدوء:
- جلوريا أريدكِ أن تعلمي أنني أحبك وسأفعل أي شيءٍ لأجلك.
ابتسمت جلوريا بهيامٍ في المُقابل وأغمضت عينيها تستشعر دفء راحتي يديه ثم زفرت بارتياح..
- يجب أن تدخلي للمنزل، سأراكِ في الغد حسنًا؟
- أجل.
أمسك بيدها وساعدها ليُدخلها للمنزل.. وحينما توقفا أمام الشقة قام ستيفانو بالضغط على زر الجرس.. ينتظر أن يفتح لهما أحد..
- أين مفتاحكِ جلوريا؟
تحدثت بهدوء:
- لم آخذه معي، اعتمدت على وجود جوداء معي فهي كانت تمتلك مفتاحها.
هز رأسه ببطء وانتظر ثوانٍ قليلة حتى ضغط زر الجرس من جديد..
- يبدو أنهن قد غفون!
ذلك ماتحدث به ستيفانو بحيرة، بينما زفرت جلوريا بقلق وهي تُمسك بيده أكثر.. ولكن مرت ثوانٍ قليلة حتى فُتِحَ الباب وظهرت سيلفانا أمامهما وهي عاقدة حاجبيها..
- يا فتاة لماذا تأخرتِ هكذا؟
ثم وقعت عينيها على ستيفانو الذي كان يرمُقها بهدوء، ثم تحدث بنبرةٍ غريبة:
- من الواضح أنكِ سيلفانا!
عقدت حاجبيها قائلة:
- أجل، أنا هي.. من تكون؟
حمحمت جلوريا ثم تحدثت قائلة:
- هذا يكون خطيبي ستيفانو يا سيلفانا، لقد تحدثت عنه معكِ.
همهمت سيلفانا وهي ترمُقه بهدوء بينما ابتسم ستيفانو بهدوءٍ قائلاً:
- مرحبًا بكِ يا آنسة.
تحدثت باقتضاب:
- مرحبًا بك سيد ستيفانو.
ثم التفتت بعينيها نحو جلوريا:
- هيا ادخلي جلوريا.
اقتربت منها تُمسك بيدها بينما لم يُزِح ستيفانو عينيه عن سيلفانا، دلفت جلوريا داخل الشقة ثم التفتت الأولى لتتقابل عينيها مع خاصتيه ولكنها عقدت حاجبيها قائلة برسمية:
- عِمتَ مساءًا سيد ستيفانو.
أومأ بهدوء ثم التفتت ورحل بينما أغلقت سيلفانا الباب واقتربت نحو جلوريا التي جلست على أول أريكةٍ قابلتها لتجلس سيلفانا بجانبها:
- هل أنتِ بخيرٍ يا فتاة؟ هل فعل ذلك المتوحش لكِ شيئًا؟
قهقهت جلوريا ثم تحدثت قائلة:
- لا سيلفانا، اليوم كان أروع يومٌ لي على الإطلاق.
عقدت سيلفانا حاجبيها بحيرة ثم أردفت قائلة:
- كيف؟ هل تقصدين بسبب المطر؟
هزت جلوريا رأسها نافية ولكنها ظلت صامتة وخجلة كثيرًا، انتبهت سيلفانا على إحمرار وجنتيها تلك وقالت:
- ماذا هناك؟
قالت جلوريا نافية بابتسامة لطيفة:
- لا شيء... لا شيء.
تساءلت سيلفانا بحيرة:
- هل تناولتِ الطعام؟ أم أقوم بتحضير العشاء لكِ؟
- لا تناولته مع ستيفانو.. شكرًا.
رمقتها سيلفانا قليلاً ثم هزت كتفيها بلامبالاة:
- حسنًا.. سأساعدكِ في العودة لغرفتكِ.
هزت جلوريا رأسها .. أما في الخارج، توقف ستيفانو خارج منزل الفتيات حينما آتاه إتصالٌ هاتفي عاجل، أو هو هكذا بالنسبة إليه.. أجاب على الهاتف وقال للطرف الآخر بهدوء:
- أخبرني بما لديك.
تحدث الآخر برسمية:
- سيد ستيفانو، لقد وجدنا القرنية المُناسبة للتحاليل الطبية التي أرسلتها إلينا منذ مدة.. ولكن السعر مرتفع قليلاً إن........
عقد ستيفانو حاجبيه وتحدث بأمر وهو يقاطعه:
- إفعل مابوسعك، حتى لو الأمر كلفني ثروتي بالكامل! سأدفع ثمنها.. هل فهمت؟
- حسنًا سيدي.
ثم أغلق المكالمة الهاتفية وأغلق عينيه بينما أخذ يدلك المنطقة بين حاجبيه وزفر ببطء وحينما فتحهما مُجددًا وجد سيارة تتوقف على الطريق المُقابل للمنزل..
توقفت سيارة رومان أمام منزل الفتيات والتفت نحو كارلا التي ارتسمت الإبتسامة على وجهها وهي تحتضن حقيبةً قد أعطاها إياها..
- إذا أردتِ أن تأخذي يوم غدٍ عُطلة لا بأس بذلك.. فقط أخبريني.
التفتت نحوه وهزت رأسها نافية ثم تحدثت بشغف:
- لا، لن آخذ عطلة.. سأكون بالشركة في الغد، وسأعمل بجد...
صمتت قليلاً ثم تحدثت بامتنان:
- شكرًا رومان على وجودك بجانبي اليوم، لقد دعمتني نفسيًا كثيرًا... وأيضًا..
أشارت نحو حقيبة الطعام المغلقة التي أعطاها إياها:
- شكرًا على الشورية اللذيذة، سأُكملها قبل أن أنام.
ابتسم رومان وهو يُطالعها بينما تحدثت كارلا:
- لم أكُن أعلم أنك طاهٍ بارع هكذا.. لقد أعجبتني حقًا.
- بالهناء والشفاء، كارلا.
ظلت تنظر إليه لثوانٍ بتردد ولكنها هزت رأسها بالنفي كأنها كانت تتحدث مع نفسها داخل عقلها، ثم حملت حقيبة يدها وخرجت من السيارة.. وحينما استقرت قدماها على رصيف المنزل تقابلت مع ستيفانو وقامت بتحيته بابتسامة لطيفة:
- سيد ستيفانو، مرحبًا بك.
ابتسم ستيفانو بهدوء:
- مرحبًا بكِ آنسة كارلا.
هزت رأسها له بتحية بسيطة، ثم دخلت المنزل تاركة إياه ينظر لصاحب السيارة الذي كان يُتابع صعودها للمنزل ولكن بعد ذلك تقابلت عينيه مع خاصتي ستيفانو الذي عقد حاجبيه وهو ينظر إليه.. بينما ابتسم رومان باتساع وغمز له ثم تحرك بسيارته عائدًا لمنزله تحت أعين ستيفانو الذي كان يتابعه بعينيه المُظلمتين حتى اختفى من أمامه..
بعد منتصف الليل، كان سايلِس مازال جالسًا في قصره خلف المكتب يعمل بتركيزٍ تام ولكن قطع تركيزه ذلك طرقات بسيطة على باب الغرفة التي هو بها.. دخل أحد رجاله ووقف أمامه يتحدث برسمية:
- سيدي، يوجد رجل توصيل يقف أمام بوابة القصر، يقول أنه يحمل هدية لك بمناسبة ذكرى مولدك.
عقد سايلِس حاجبيه وتحدث بهدوء:
- هل الهدية تحمل إسم المُرسل؟
- أجل سيدي، لهذا جئت بنفسي لأخبرك بهذا الأمرلأهميته.. إن الهدية تكون من السيد ديميتري مارينتوس.
رمش سايلِس باستيعاب لأن ديميتري أخيرًا ظهر!
تحدث سايلِس بأمر:
- خذوا الهدية ودعوا الرجل يرحل.
أومأ الرجل بهدوء ثم خرج من الغرفة بينما اعتدل سايلِس وتوقف ليسير قليلاً حتى أصبح واقفًا في منتصف الغرفة ينظر أمامه بشرود يفكر، لماذا ديميتري قد يُرسل له هدية! هل أرسل له شيئًا يقتله؟ .. لا، ديميتري لن يلعب مثل تلك الألاعيب معه فهو واضحٌ وصريحة .. طُرِقَ الباب مجددًا ثم دخل الرجل من جديد يحمل صندوقًا صغير الحجم.. وقدمه له، التقطه سايلِس وقام بفك عقدة الشريط المُلتف حوله ثم رفع غطاء الصندوق ليجد مظروفًا صغيرًا بداخله.. عقد سايلِس حاجبيه ورفع ذلك المظروف، ثم أعطى الصندوق الفارغ للرجل قائلاً:
- ارحل أنت.
نفذ الرجل أمره بينما كان سايلِس يُمسك المظروف يُقَلِّبه بيده يبحث عن شيءٍ مكتوب به قبل أن يفتحه ولكن لا يوجد... زفر ببطء ثم فتح المظروف ليظهر بداخله ورقة أخرجها سايلِس وبدأ بقراءتها.. عقد حاجبيه عندما وجده تحليل حمض نووي.. ابتلع سايلِس ريقه بهدوء حينما كان يقرأ النتيجة المكتوبة أمامه..
"نسبة تطابق عينة التحليل حمض النووي الخاصة بديميتري مارينتوس متوافقة بنسبة تسع وتسعون بالمائة فاصل تسعة مع روزالين ألبيرتي"
أظلمت عيناه وهو ينظر لتلك النتيجة التي سعى جاهدًا أن يُخفيها عن ديميتري لمدة عشرون عامًا كاملةً، استفاق من شروده ثم وقعت عينا سايلِس على عنوان المشفى الموجودة بالورقة... قهقه بخفة.. ثم تحدث مُنبهرًا بحدة ذكاءه:
- لقد علم ديميتري أنني لن أستطيع أن أفرِضَ سيطرتي داخل تلك الدولة، فذهب لإجراء اختبار تحليل الحمض النووي هُناك!
صمت للحظة ثم أضاف بنبرةٍ مُظلمة وهو ينظر أمامه بشرود:
- لقد أصبحت اللعبة بيننا أكثر وضوحًا ديميتري.
في دولة مصر بمحافظة الجيزة، كان ديميتري يقف بشرفة غرفته بفُندُقٍ يُطِلَّ على الأهرامات الثلاثة وتمثال أبي الهول، يُمسِكُ كأسًا بيده بينما كان ينظر لتلك المناظر الخلابة التي أمامه.. الأضواء التي تُحيطُ بتلك الآثار المُهيبة جعلتهم أكثر جاذبية عما كانت عليه في الصباح.. كان شاردًا في الوقت ذاته ويفكر بالكثير مما سيفعله حينما يعود لإيطاليا ولكنه خرج من موجة أفكاره تلك حينما سمع رجلاً من رجاله يدخل الشرفة:
- سيدي، هل نقوم بتجهيز الطائرة لكي نعود لإيطاليا بالغد؟
ارتشف ديميتري قليلاً من كأسه ثم أجاب بهدوءٍ شارِد:
- نعم، سنعود.. لقد انتهى يومي هُنا.
- حسنًا سيدي.
ظل ديميتري شاردًا حتى بعد خروج الرجل، ثم وقعت عينيه على القمر الساطع فوقه ثم تحدث بهمسٍ خفيض:
- اشتقت إليكِ جوداء، اشتقت أن أراكِ.. سيتم حل كل شيءٍ بيننا عما قريب، أجل سأترك العالم كله يحترق، ولكنني لا أستطيع ترككِ لحال سبيلكِ حبيبتي...
الفصل الثلاثون من هنا