رواية جمعية حب الفصل السادس والاربعون 46 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل السادس والاربعون 46 بقلم شمس محمد بكري



|| بكل أسفٍ موتٌ غير رحيمٍ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||

 اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________

المرء لا يُدافع عن الحقِ لأنه حقه..
بل لأنه صاحب فكرة تستحق الدفاع والقتال لأجلها
فالمرء الذي يُنازع لأجل حقٍ كأنه يُشير لكل الناس على حقوقها، حقٌ ملكه ويعود له لكن أتى غيره واستباحه واستولى عليه..
لكن المُذهل حقًا أن صاحب الحق حين يغضب يتهموه الناس بالتبجح، حين يخرج عن صمته يُتهم بجحود القلب..
وحين يصرخ في وجه المعتدي يصفونه بإرهابيّ
وحين يمد ذراعيه ليسمك حقه يصبح أمام الناس هو السارق..
المرءُ لا يُدافع عن الحق لأنه حقه بل لأنه صاحب الفكرة..

        <"أمام الناس صاحب الحق يكون فاجرًا">

العدو حين يُباغتك بضرباته لا تتريث في مداهمتك..
 فمن لم يرحمك وأنتَ في ضعفك لا ترحمه وأنتَ في قوتك، 
هي مرة واحدة انظر خلالها في وجه العدوِ
والمرة الثانية استرد حقك بما يُتيح لك استرداده..

وأخيرًا أتى الدور لـ "آدم" كي ينفجر فهدر فيه بعنفٍ لم يُحجمه:

_أنتَ متصل تستعبطني يا منتصر !! عامل نفسك مش داري يعني باللي حصل؟ بسيطة أقولك أنا، مراتك ..أخوك المحترم ضربها وعراها وكشف لحمها وعرضك قدام الناس ونزل ضرب فيها لحد ما أجهضت وجالها نزيف وكانت هتشيل الرحم، ومش بس كدا دا كمان لما حلمي راح يلحقها أخوك كان هديبحه وشق ضهره وأيده، عاوز تعرف إيه تاني؟ آه حالة ورد؟ بين الحيا والموت ومسألة وقت مش أكتر بعد النزيف والكسور اللي جسمها، أنا بس عاوز أفهم أنتِ محسوب على صنف الرجالة إزاي؟ اللي علمك الرجولة ماعرفكش غير رجولتك وأنتَ الأوضة معاها بس؟ لكن تبقى راجلها اللي بيحميها دي أنا ماشوفتهاش من وش أهلك، بأمارة أمك اللي راحت عملت محضر سرقة دهب لأختي واتهمتها بالسرقة علشان مانقدرش نعمل محضر إحنا كمان، تصدق أنتوا عيلة صنفكم زبالة يا منتصر !!.

لم يُمهد له لأنهم لم يمهدون له كارثة أخته، هم اعتدوا وهو يعتدي بمثل ما اعتدوا، هو لا يرحم كما لم يُرحم، لا يتهاون كما لم يتهاونوا معه، هو ترك كل الأسباب له وأوضح النتائج لعله يستدل بنتيجةٍ واحدة فقط من النتائج المتواجدة نصب عينيهم بكل بشاعةٍ…

استمع الآخر لصرخاته التي أخذت تعلو وانفجاره الحاد فهدر هو الآخر بغير استيعابٍ لما يسمع:

_أنتَ بتقول إيه يا آدم؟ إجهاض إيه ورحم إيه؟ وإيه اللي بتقوله دا؟ أنا مباقيتش عارف أصدق مين وأسمع من مين، كل واحد فيكم بيرميلي كلمة ويسكت؟ ورد فين دلوقتي؟.

_بقولك بتموت، ورد بتروح مننا ومش عارفين إيه حصل تاني، الدكتور بيقول إن مفيش أي إشارات دلوقتي تقول إنها بخير، ولسه تحت الملاحظة، وعاوزين يشيلوا الرحم ليها وهيكون تحت مسؤوليتنا إحنا أي ضرر، ليه يا منتصر؟ ليه يا أخي ماهي كانت عندنا وحاطينها في عينينا كلنا؟ ليه تخليها تمشي وتستغل حبها ليك؟ أنا ليوم الدين مش هقدر أسامحك.

كان يجلده بسوط لسانه، يرميه بجمر الكلمات فتضرب قلبه كما يضرب الحجر قعر الصوان، اندلعت النيران في قلبه وأول شيءّ بدر لذهنه هو الرحيل لها، لن يجلس ويستمع فقط من كل الأطراف، سوف يذهب لها ويعرف ماذا حدث وأيًا كان من أذنب لن يرحمه، لن يصمت عن حقها..

في شقة "مُرسي"..

كانت الحرب مندلعة كما هي، وقد كانت "عُـلا" تُكشر أنيابها عن "خيرية" بل وتستعد لما هو أصعب من القادم، ومع رفض الأخرى وتعنتها نطقت هي من جديد تترك لها فرصة الخيار الأخيرة قبل أن تتحول لأبشع صورةٍ لها، وقد رمقتها "خيرية" ببغضٍ ونطقت بإصرارٍ:

_أعلى ما خيلكم أركبوه، الناس كلها عرفت مين الفاجرة ومين اللي مرافقة واحد من ورا جوزها، وكلمة كمان منكم أنا اللي هرقع بالصوت وألم الناس عليكم وأقولهم جايين يجبرونا نتنازل للفاجرة بنتهم.

تقدمت منها "عُـلا" ومدت ذراعها ونطقت بشجاعةٍ وثباتٍ:

_أعملي كدا، يلا أعملي كدا مستنية إيه؟.

وقف يتابعها بعينيه المصدومتين، وقد بدا الذهول جليًا فوق ملامحه وهو يرى عُقالها ينفلت هكذا والشر يتلبس عينيها البريئتين بينما هي أضافت بذات الشر وإن كان تفاقم أكثر:

_قولتي إيه سمعينا تاني يلا، هتعملي الهبل دا وتشوفي نتيجته بنفسك ولا هتتنازلي ونخلص؟ ولا نخليها محضر قصاد محضر؟.

وبنفس الطريقة اندفعت "خيرية" بصرخاتٍ عالية وأردفت بعداءٍ صريحٍ:

_مش هتنازل، ورحمة أبويا وأمي مش هتنازل، وجودكم هنا دا أكدلي إنها فاجرة وعملت كدا بجد، ولأجل حق ابني وشرفه مش هسكت.

هي لا تتحدث، حقًا لا تتحدث بل هي ترمي جمرًا يندفع لقلب "أدهـم" الذي تمالك أعصابه قدر ما استطاع قبل أن تموت على يديه وتزيد الجرائم باسم أولاد العائلة، وقد هدر "مُرسي" بانفعالٍ معبرًا عن غضبه:

_محضر !! أنتِ لما نزلتي إمبارح وقولتي هتجيبي العلاج كنتِ رايحة تعملي محضر للبت الغلبانة؟ ينتقم ربنا منك يا بعيدة، حسبي الله ونعم الوكيل فيكم، أقول عليكِ إيه بس؟ ربنا ينتقم منك.

لمحته "عُـلا" ولأجل عجزه تعاطفت معه لوهلةٍ، ولأجل غضبه لِخاطر "ورد" أيقنت أنه خلافٌ للعائلة، فشخصت بعينيها نحوه تتفحصه وتستبين صدق ملامحه وقالت بشفقةٍ واعتذارٍ له نوعًا ما:

_حقك عليا يا عم الحج بس مراتك هي اللي وصلتني لكدا، وجوزي كان هييجي لوحده بس المثل بيقولك لو عاوز تقل من راجل وقفه قدام ست، وأنا لا عاش ولا كان اللي يفكر يقل من جوزي، ونخليها كلام ستات لبعض أحسن، بس قولي أنتَ كلمة حق ترضي ضميرك قدام وجه كريم، ورد تعمل كدا؟ تزني وتسرق؟ وكمان تتفضح قدام الناس بالباطل؟ دا حق ربنا في عرض ولية غلبانة كانت شايلاكم فوق راسها؟.

تحولت كلماتها للقهر، تدافع عن امرأة واحدة وفي الوقت نفسه تدافع عن كلِ النساء، لمحها "أدهـم" الذي وقف بصمتٍ فلمح انكسارها في عينيها، في عبراتها التي تنضح من عينيها لتتحرر، وأدرك أنها جابهت الشيء ذاته في حياتها، لذا هي تصرخ، تصرخ  كأنها تصرخ باسم كل النساء، تصرخ وتناضل لأجل الحق المسلوبِ وكأنها ترى كل المجتمع يغتصب حقها..

تركت كلمة الحق لـ "مُرسي" الذي طأطأ رأسه للأسفل يحزم أمره، ويحسم قرارهِ وفي النهاية أدرك خلاص المسكينة كيف يكون فتولى هو الحديث بقوله الذي خرج عاجزًا ومقهورًا:

_والله العظيم يابني لو ورد نفسها وقفت قدامي وقالت إنها عملت كدا أنا مش هصدقها، لو حطت عينها في عيني كدا وقالتلي انها خانت الأمانة اللي سابها ابني فوق كتافها والله ما هصدقها، ورد طول عمرها مثال الشرف والأخلاق، ولولا عجزي وقعدتي دي كنت قومت بنفسي جيبت حقها منهم، بس أنا عارف حقها هييجي إزاي.

حديثه جعل "خيرية" تشخص بعينيها نحوه وتستقر بنظراتها المذعورة فوق ملامحه فوجدته ينطق بثباتٍ مرةً أخرىٰ ويعلن تحديه لزوجته:

_خدني يا أدهـم يابني ونطلع على القسم وأنا هشهد معاك ومع ورد وأقول إن مفيش حاجة من دي حصلت، ولو عاوز تعمل محضر أنا هشهد معاك.

وهنا صرخت هي بملء صوتها القوي الحاد تهدر فيه غاضبةً:

_أنتَ اتجننت ولا إيه يا مُرسي؟ بقى عاوز تسجن ابنك وتسجني علشان الفاجرة دي؟ ياخويا هي بالفاك أنتَ وابنك بإيه؟ ضحكت عليكم ولا عملت ليكم إيه تخليكم كلكم تاخدوا صفها كدا؟ طب أعمل كدا علشان أمشي وأسيب البيت ووريني بقى مين هيقعد معاك.

حدجها بعينيه الحادتين ثم التفت ونظر في وجه "أدهـم" ونطق بقوةٍ وثباتٍ يرد بها على أفعالها وطريقتها وصراخها:

_شوف يابني لو هي مش هتتنازل عن المحضر أنا هاجي دلوقتي معاك وأشهد، يا إما الحق يرجع لأصحابه والشقة دي تتكتب باسم ورد ويبقى حقها وملكها كل حاجة فيه، ودا يبقى رد اعتبارها قدام الكل، وقسمًا بالله لو المحضر الزفت فوق دماغك أنتِ وابنك دا ماتنازلتوش عنه أنا الليلة دي هكتبلها البيت كله باسمها ووريني بقى هتعملي إيه أنتِ والحيلة ابنك.

كان يعلم تمام العلم نقطة ضعفها، يُدرك حبها للمالِ والمادة وكيف تحولت لهذه البشاعةِ بعد حادثته، يُدرك أن حبها للمال والأملاك والذهب يسيطر عليها حتى يكاد يطير عقلها ويصيبها الجنون إذا مس أملاكها أي ضررٍ..

توسعت عيناها ونظرت بعينين خاويتين في وجهه لتجده يتحداها بنظراتٍ حادة صارمة وهو يُضيف متابعًا:

_البيت اللي هي اتطردت منه بفضيحة لو هترجعله تاني يبقى ترجعله وهي صاحبته وصاحبة الحق فيه ولو هتطردكم يبقى حقها، تاخدوا منكم ومن حباب عينيكم، يا كدا يا تنزلي تتنازلي عن المحضر، يا من النهاردة تعتبري نفسك غريبة في البيت، وطلاق تلاتة منك ما هيلزمك عيشة معايا هنا لا أنتِ ولا ابنك.

فجر حديثه في وجهها ثم التفت بمقعده..
ترك الخيار لها في يديها وعليها أن تختار ما يتوجب عليها أن تفعل، بل وهي المُلامة الوحيدة في نهاية الأمر، هي وحدها المسؤولة عن كل شيءٍ وهي وحدها التي بقرارها سوف تأتي النتائج المصيرية..
____________________________________

    <"هذه النسمة العابرة التي تغازل ملامحك؛ تقتلني">

الحُب له وجهان مختلفان كل الاختلاف..
تارة تجد له وجه الأمان، وهذا هو الوجه المتعارف عليه للجميعِ، هو الوجه المعلوم حين نأمن في رحاب من نُحب ونشعر معهم بالأمانِ، وتارة تجد له وجه الخوف، وهذا هو الجانب المُظلم من الحُب، حيث الخوف الذي يفتك بنا حيال من نُحب..

منذ الأمس وهو يعاني من ارتفاعٍ في درجة الحرارة، جسده لم يستقبل كل هذه الجروح والعقارات الطبية والمسكنات، البنج الذي أخذه حين انسلت من جسدهِ بدأ جسده يؤلمه وتختلف درجة حرارته بشكلٍ ملحوظ، وقد لاحظت "لمار" ذلك فهرولت تجلب الطبيب من الخارج وتهرول لطاقم التمريض والأطباء..

نام بعدما أخذ عقارًا لخفض الحرارة وتم تغيير الضماد فوق جراحهِ لينام مرة أخرىٰ وتجلس هي بقربه تمسح فوق خصلاته بعينين عسليتين يحاوطهما الجمر، وقد ولج لها "سُليمان" ونطق بخفوتٍ:

_عمه وبنته برة جايين عاوزين يشوفوا حلمي.

انتبهت له وحركت رأسها توميء بقلة حيلةٍ، فخرج وولج بهم مرة أخرىٰ، راقبته "تقوى" بعينين أكلهما الحزن لأجلهِ ثم اقتربت تواسي زوجته وهي تطمن عليها والأخرى تتعمد ألا تُركز معها، بينما "حمدان" عمه فاقترب يسألها بثباتٍ:

_طمنيني يا لمار؟ هو أخباره إيه دلوقتي؟.

_كويس الحمدلله، حرارته بس مش مستقرة والدكتور قال دي مضاعفات طبيعية، إن شاء الله يكون بخير.

تدخلت "تقوىٰ" تنطق بلهفةٍ وهي تربت فوق كتفها:

_وأنتِ لازم تكوني بخير أنتِ كمان يا لمار علشانه، هو بيحبك وأكيد هيزعل لما تتعبي أنتِ كمان، خلي بالك من نفسك وأكلك علشانه هو، ربنا يقومه بالسلامة ويباركلكم مع بعض.

كانت تتحدث بصدقٍ لأنها عرفت ماذا فعلت لأجله، عرفت كيف قضت الليل في رعايته وكيف قضت معه اليوم دون أن تتركه، لتوها أدركت أن "حلمي" وحده من لمح فيها الشيء الذي يستحق الحب لذا هو لأجلها زهد العالم كله ولأجل خاطرها هي..

ولج في هذه اللحظة "عزام" والده الذي وجد شقيقه وابنته فنطق بلهفةٍ:

_ماقولتليش ليه إنك هتيجي كنت جيبتك معايا.

_حصل خير، أنا يادوب روحت البيت جيبت تقوى وجينا، سلامة حلمي وربنا يقومه بالسلامة ويفرحك بعوضه يا رب.

حرك رأسه موافقًا ثم اقترب من "لمار" نظر لها مطولًا ثم تخطاها ومد يده يتفحص ابنه النائم، مط شفتيه بأسفٍ ثم التفت لها ومد يده وهو يقول بهدوءٍ:

_الأكل دا ليكِ، حلمي قالي إنك بتحبي تاكلي من المكان وقالي أجيبلك تاكليه، قومي كلي علشان وشك أصفر خالص.

توسعت عيناها ونظرت للعلامة التجارية التي ترجع لمطعمها المفضل ثم عادت تناظره وهي تسأله مستنكرةً:

_هو اللي قالك؟ قالك إيه وإزاي؟.

حرك حماها كتفيه ببساطةٍ وقال بهدوءٍ:

_قالي على اسم المطعم والوجبة اللي بتحبيها وطلب مني أجيبها علشان تاكلي لما عرف إنك موقفة الأكل من إمبارح، قومي يلا كلي لو بتحبيه بجد، بلاش تزعليه.

وزعت نظراتها بين الواقفين وهي حقًا تائهة، تشعر بالاغتراب بينهم وكأنها هي الغريبة بين أفراد العائلة هُنا، لذا انسحبت تتمسك بالحقيبة وهي تشعر بالإحراج، هي تسير منكفأة وحدها بعيدًا عن الجميع، تحركت تجلس في الاستراحة وحدها ثم وضعت الطعام على الطاولةِ وبكت..

تبكي لأنها وحيدة بدونه ولا حياة لها من غيره وهذه كارثة، فهي لا تكره غير الضعف ولا يستحيل عليها غير القوة، 
لا تصمت أمام شر العالم وهي بنفسها موصومة بكلِ شرٍ، هي قوية فقط لأنها تكون رفقته، كيف أصبح حبه ضخمًا في حياتها هكذا؟ كيف انتشر وتوغل وتمكن منها هكذا؟..

ظلت تنتحب باكيةً وهي تنظر للطعامِ بعجزٍ، فحتى هذه التفصيلة اكترث بها في أصعب لحظات حياته، رفعت عينيها الباكيتين فوجدت "تقوى" تسحب مقعدًا وتجلس بقربها وهي تقول بهدوءٍ وببسمةٍ بشوشة:

_مالك؟ مين مزعلك هنا؟.

انتبهت "لمار" لها وكادت أن تندفع في وجهها لكنه آثرت الصمت وتوقفت عن الحديث فوجدت الأخرى تقول بدبلوماسيةٍ شديدة تطبع فوقها نبرة ودية طفيفة:

_تعرفي أنه بيحبك أوي فوق ما تتخيلي؟ كل كلامه دايمًا عنك وعن دماغك وحياتك وطريقتك وشغفك وحبك الغريب ليه، حلمي تقريبًا سايب الدنيا كلها علشان أنتِ بس فيها، يمكن مفيش أي كلام بيني وبينك، بس صدقيني أنا والله مش بكرهك، وحلمي بالنسبة ليا أخويا الكبير، حلمي اتربى في بيتنا وكبرت لاقيته ابن عمي واخويا، بس صدقيني هو بجد بيحبك، وأنتِ تستاهلي الحب دا.

نظرت لها "لمار" بعجزٍ وحاولت أن تبتسم لكنها لم تستطع بتنفست بصوتٍ مقطوعٍ مزق ثباتها، بينما "تقوىٰ" فأشارت برأسها نحو الطعام وهمست برقةٍ:

_يلا بقى كُلي، الراجل موصيلك على الأكل وهو خلصان خالص.

ابتسمت "لمار" لها من بين عبراتها ثم حركت رأسها توميء لها فيما تحركت الأخرى تتركها على راحتها، بينما "لمار" فتعجبت كيف لم ينتبه لها أي فردٍ من أقاربها؟ كيف لم ينتبه لها والدها الذي يجلس بالخارج مع أخته؟ كيف لم تحضر أمها وتتابع حالتها؟ كيف هي وحيدة لهذا الحد؟ لم تستطع أن تُكمل طعامها وأغلقت العلبة وقبل أن تتحرك لمحت "آدم" يقترب..

راقبته بصمتٍ فوجدته يسير بكتفي متهدلين، يفتح سحاب سترته الشتوية السوداء باهمالٍ ثم وقف يشتري زجاجة مياه وكوب قهوة ثم جلس عند طاولةٍ قريبة منها، راقبته وراقب عجزه، كيف كبر خلال هذه الساعات وأصبح عاجزًا هكذا؟ كيف تبدل كُليًا حتى أمسىٰ أمامها بهذا الضعفِ؟ هي تعرف مدى تعلقه بـ "ورد" وكيف يحب كلاهما الآخر لكنه بهذه الهيئة وهو وحده يُذكرها بنفسها..

لمَّ عمر البراءة قصيرٌ لهذا الحد؟..
لمَّ تمت البراءة سريعًا في هذا العالم الذي يشبه الغابة وتبقيا فقط الجُرأة والقسوة في هذا العالم بين البشر؟..
أهذا هو مصير البريء؟ هذا هو مصير المظلوم؟.

تحركت من موضعها ثم وضعت الطعام أمامه وقالت بصوتٍ مُلجلَج ومتوتر بشدة لكنه جذب انتباهه:

_بطل قهوة كل شوية بالطريقة دي هتتعب، كُل حاجة الأول.

رفع عينيه الحادتين نحوها فوجدها تطلق زفرة قوية وقالت:

_الأول كل حاجة قبل القهوة كدا هتقع من طولك.

نظر في وجهها ليتذكر كرهه لها وكذلك كرهها فنطق بجمودٍ وهو يشيح بعينيه عنها حتى لا ينظر لها:

_شكرًا للنصيحة، اتفضلي كُلي أنتِ.

ما بينهما خرابٌ لا يعتمر بسهولةٍ..
مدينة مبنية على رُكامِ لا يُعقل لأهلها أن يستقرون فوق أرضٍ صلبة لا تهتز بهما، لذا سحبت مقعدًا وجلست أمامه وفتحت الطعام فرمقها هو بعينين اتضح فيهما الشر ونطق بفقدان صبرٍ وطاقةٍ:

_أنتِ بتعملي إيه؟.

_مش قولتلي كلي أنتِ؟ باكل أهو.

اندفعت بالجواب بغير تريثٍ أو تراجعٍ حتى زفر هو وكاد أن يرحل لكنها عرقلت حركته ومدت يدها بالطعام له وهي تقول بثباتٍ:

_طب أقعد كُل، لو بتحب ورد بجد وليها غلاوة عندك.

ظهر الألم فوق ملامحه لكنه سحب المقعد وجلس بقربها وحين مدت يدها بالطعام التقطه بصمتٍ، راقبها بعينيهِ لوهلةٍ كأنه يتأكد أن هذه هي نفسها "لمار" التي كادت أن تفرق بينه وبين أخيه، هي نفسها التي خانت حبيبها وباعته، رُبما هناك جزءٌ لم يعرفه هو لكنه جاهد كي لا يفكر به، وحين وجدته لا يأكل نطقت بلمحة مزاحٍ:

_على فكرة أنا مش بقولك تاكل حُبًا فيك، بس لازم تاكل علشان تعرف تضرب خلف وأمه كمان، محدش هيجيب حقهم غيرك.

توسعت عيناه فجأةً بينما هي ازدردت ريقها بصعوبةٍ وتلعثمت وهي تنطق بخفوتٍ:

_مفيش حد غيرك هيقدر يرد حقها منهم، ويفضح عرضهم زي ما هما عملوا وفضحوا عرضها وشرفها، ولو عليا أنا ممكن دلوقتي أروح أدبح خيرية وأسيح دمها زي الكلب المدبوح في الطريق.

كانت تتحدث ببغضٍ واضحٍ، نيرانها التهبت لأجل ابنة عمتها الصغرىٰ، فحتى لو لم تكن الأحوال بينهما على ما يُرام لكنها تظل بمثابة أختٍ لها ولن تتوانىٰ في أخذ حقها، ناهيك عن نيرانها بشأن حبيبها وما أصابه على يد الساقط الداعر "خلف".

تناولت ما يكفيها فقط لسد رمقها ثم تحركت نحو غرفة زوجها، وجدت حماها بالخارج مع أخيه وابنته فولجت مباشرةً له وجلست على المقعد القريب تراقبه حتى ابتسمت بحزنٍ ونطقت بخفوتٍ:

_ياريتني كنت مكانك كان هيبقى أهون عليا من إني أشوفك كدا.

همستها ثم مسدت فوق كفهِ بنعومةٍ ومالت برأسها تسندها على طرف الفراش وكفها يقبض فوق كفه وكأنها تخبره خفيةً أنها معه حتى في أحلامه ويأسه ومرضه وقلة حيلته..

-وهي للأسفِ الطير الحزين الشريد بلا موطن..
وهو المرفأ الآمن الذي تستقر فيه من بعد الضياعِ
هو لها كان  المرسىٰ الصحيح
 وهي السفينة الشاردة بضياعٍ..
____________________________________

     <"في كل زمانٍ سوف تجد حكاية تُثير فضولك">

نوفمبر 1998..

في زمانٍ ما وسط الأساطير قديمًا..
زهد بطلٌ ما العيشِ وسط الناس، انعكف عنهم جميعًا ليبقى بعيدًا بنفسهِ عن الكلِ، ينأىٰ بعيدًا عن الدنيا وناسها لأنه لم يجد شبيهًا له من بينهم، هذا البطل يوم أن وجد شبيهًا..
اعترضت على محبتهما القبيلة وأهلها الظالمون.

لم ينسْ الصعفة ولا الألم الذي خلفته في جسده ونفسهِ..
هو رجلٌ بعرض الباب كما يُقال صفع أمام زوجته بكفٍ أهوج هبط فوق وجنته، أصيب بالجنون خلال الأسبوع هذا؛ تحديدًا منذ أن سكنت الصفعة وجهه، فغريبٌ هو أمر سرعة سبب الألم بمقدرا سكونه فينا، لكن هل سرعة الطلقة تساوي نفس سرعة التعافي؟.

كانت "رئيفة" تشعر معه بمشاعر متناقضة، مشاعر لم تجرؤ وتواجهها، منذ أن صرخ في والده يتهمه أنه زوجه مُجبرًا ومنذ أن فضل الرحيل عن أن تبقى معه وهي تعض أصابعها من الندم، ياليتها رحلت وتركته بدلًا من أن تكون كما العبء عليه هُنا، منذ أن عادا للشقة وهي يبتعد عنها، يعزف كل العزوف عن العالم وحده، كأنه يُعاقبها أنها اخترته..

جلست وفتحت الدفتر اليومي وكتبت في ورقةٍ ما..

_عزيزي طاهر..
يؤسفني إخبارك برحيلي عنكَ هذا أولًا.
ثانيًا أنا اعتذر منك على اقتحامي عالمك الخاص وتطفلي عليك في انعزالك عن العالم، فأنا لم أكن يومًا بهذا الفضول تجاه أحدهم، لم أكن يومًا بشخصٍ متطفلٍ على حياة الآخرين حتى ألقىٰ منك كل هذا العزوف والجمود، وآسفة إن كان شعوري دفعني كما الموج لصخورك الصلبة وهي تستقبلني فتؤلمني، لكن !!
أتعرف يا طاهر؟ أنتَ صدقًا رجلٌ مثيرٌ للفضولِ
تشبه القمر المكتمل لكنك مغطىٰ خلف سُحبٍ تخفي كمالك، ونحن بكل أسفٍ في عالمٍ غير مثاليّ..
ولا أعرف كيف كنت أنا كما المطر في حياتك وأنتَ تستقبلني بكل قسوةٍ كأنك أرض جافة قاحلة لا تستجيب للزخاتِ..
واعتذر منك يا طاهر 
اعتذر إن كنتُ يومًا ما كسرت حواجزٍ كُثر لم يكن من المفترض لي أن أكسرها،
 لكن كما أخبرتك أنك رجلٌ مثيرٌ للفضول،
 وأنا رُغمًا عني امرأةٌ كما "سايكي" يدفعها الفضول..
لكني اليوم أطلب منك طلبًا لأجلي، أرجو منك حُريتي يا طاهر..
حررني من فجوتك البعيدة وارجعني لأسري أنا.

تركت الخطاب فوق الطاولةِ ثم تحركت تمسك حقيبتها وارتدت الكنزة الصوفية الثقيلة فوق البنطال الجينز وعكصت خصلاتها بإهمالٍ ثم سحبت الحقيبة وتحركت، نزلت من الشقة وأوقفت سيارة الأجرة تقلها لبيت أختها "فريال" تهرب هناك لحتى ينهي هو هذه المسرحية الهزلية ويعطيها حُريتها، هي سوف تحارب لأجل نفسها وحُلمها وتعليمها، لن تتوقف هُنا ولن تستسلم هُنا..

كان "طاهر" إبان ذلك يخرج من هيئة الوحدة التدريبية رفقة صديقه المقرب "ناجي" الذي تعرف عليه في الكلية وكان شغوفًا به بل حارب حتى يصل لهنا، حارب أخوته وأسرته وكل العالم كي يلتحق بالكلية الحربية، حين خرجا من المبنىٰ أوقفه صديقه بقوله:

_نصيحتي ليك يا طاهر إنك لازم تحسم أمورك، مش هينفع تفضل حياتك عايمة كدا، أنتَ بتقول إنك بتظلمها معاك، يبقى لازم تاخد قرار، يا إنك تكمل معاها وتبقى في صفها وتبني حياتك معاها، يا تخليها حرة وتطلقها وهي تشوف نصيبها، لكن بالطريقة دي هي بتتظلم منك.

تنهد مُخرجًا خيبة أفكاره وضياعها ثم نطق أخيرًا:

_مش عارف يا ناجي، بس أنا كنت فاكر إني هقدر أساعدها، قولت يمكن أخليها هي حرة وتخرج من السجن بتاعها، بس أنا جيبتها تتسجن معايا وحاسس بالذنب علشانها، مكانش المفروض أعمل كدا.

_واللي بتعمله دلوقتي دا الصح؟ أسبوع بعيد عنها وبتتعمد تتجاهلها رغم أنها اختارتك بوضوح وفضلت تكون معاك، روح يا طاهر واسمعها وخليها تتكلم وخد خطوة جد في حياتكم، اثبت على أرض ثابتة معاها وخد قرار بجد يا تكمل حياتك وجوازك وتستقر بجد، يا تسيبها هي تدور على طريقها من غير ما تعطلها.

حديث رفيقه كان يؤلمه، يصل لنقطة في عمق قلبه فيفتح جُرحًا ويتركه نازفًا، هو لا يؤثر أن يكون قاسيًا، لا يحبذ دور الظالم في حياة أحدهم، وهو لتوهِ تيقن أنه يظلمها، ولذا سيحاول مرة أخرى لأجلها ولأجل نيل حُريتها، لذا توجه للشقة مباشرةً وهو ينتوي أن يبدأ من جديد، سوف يترك لها حُرية الاختيار..

وصل أخيرًا بعد حربٍ مع المواصلات، كان يحارب زخم القاهرة في نهاية الأسبوع حتى يصل لها ويراها، وبمجرد أن ولج نادىٰ عليها بعدما كان انقطع عن هذه العادة، ظل ينادي ويبحث عنها لكنه لم يعثر عليها قط، وكاد أن يلتفت لكنه لمح الخطاب المتروك !!.

مد يده يخطفه ويراقبه بعينين تكون فيهما الضياع فكان له خير سبيلٍ، ترآى لعينيه غُربته وضياعه ووحدته بغيرها، حتى رؤيتها وبقاؤها في المكان حُرِمَ منهما، هذه هي أعتىٰ الخيبات التي تعرض لها وأقساها، ترك الخطاب وسحب مقعدًا يجلس عليه بهزيمةٍ ساحقة ونبس بقهرٍ:

_كويس إنك حُرة يا رئيفة، كويس إنك حُرة.

تلك المرة هو لم يترك المعركة ويفل..
هو لم يصل من الأساس لحدودها، هو ظل يركض ويركض ويركض والحرب تدور أصلًا بدونه، 
تلك المرة كانت الحرب تقوم وهو ليس طرفًا بها، 
بل هي قامت بسببه هو وبسبب حُريةٍ غير متواجدة.
____________________________________

 <"لأجل محاربة العالم يتوجب عليك أن تكون بقدر العالم">

العالم لم يقم بعقول الكُسالىٰ..
بل هو يقوم بنضال المُكافح، بركض صاحب الحق، بجهاد الطامح في تحقيق أحلامه، في الجريء الذي رفض الاستسلام للجبانِ..
العالم يقوم حين يقوم الطبع الحُر في المرء؛ فيدفعه..

قصة ومرقت كما السهم لم تصب هدفها..
لكنها على كلٍ زعزعت ثبات الكلِ، محضر تم تحريره في ومضة عين وفي غمضةٍ أخرىٰ تم إغلاقه، حيث ذهبت "خيرية" وتنازلت عنه أخيرًا، بعد تعنت من "عُـلا" وعناد من زوجها تنازلت وكان جوابها على الأسئلةِ بقولها:

_جوزي هو اللي اداها الدهب تشيله عندها علشان شقتنا مفتوحة علطول وهو عاجز، خاف حد ياخده وصله ليها علشان تشيله عندها من غير ما أعرف.

_طب والشاب اللي كان معاها في الشقة؟ مش قولتي دا شريكها ودا اللي بياخد الدهب منها ويهربه؟ وقولتي كمان أنها على علاقة بيه واتهمتيها بخيانة ابنك؟.

كان السؤال في غاية الصعوبة على مسمع "أدهـم" الذي انتفضت غريزة الثأر بداخله لكن "عُـلا" مدت كفها تقبض فوق مرفقه حتى نطقت "خيرية" بثباتٍ كاذبٍ وبملامح واجمة:

_دا عيل غلبان من الشارع بيجيب طلبات للبيت علشان دا اللي بنثق فيه، في النهاية يعني هي زي بنتي وعمرها ما تعمل كدا، وأنا فهمت غلطت وجيت من خوفي على بيتي ومالي.

كانت "رحمة" تقف بينهم وابتسمت ساخرةً ثم تدخلت تنهي هذا الخبال الفارغ حين نطقت بدبلوماسيةٍ شديدة:

_يا فندم دي أمور عائلية والبيوت ياما بيحصل فيها، المهم بس إن المدام جت بنفسها تتنازل عن المحضر ونخلص الموضوع دا علشان مايبقاش في أي ضرر، وموكلي "ورد عرفه الزيني" في المستشفى نتيجة عملية إجهاض والحقيقة إن مفيش أي نية للمحاضر تاني، أي خلافات هتتحل بين أفراد العيلة مع بعضهم.

انتهت بذلك مشكلة المحضر الذي حررته "خيرية" وتم التنازل عنها، وفي الحقيقة الدولة لم ينقصها المزيد من القضايا كي تهتم بشأنها، لذا كان الأمر يسيرًا حتى انتهوا وأنهوا الإجراءات، بينما "أدهـم" فعقله أخذه نحو سبيلٍ آخر، سبيل الانتقام..

خرجت "خيرية" تضبط وشاح رأسها وتشده حين وصل الهواء لعنقها ولسعتها برودة الجوِ بمداهمةٍ، بينما "عُـلا" فاقتربت منها ونطقت بتحذيرٍ:

_اللي حصل دا والله العظيم لو اتكرر تاني وفكرتي تعملي حاجة كدا ولا كدا أنا لسه عند وعدي، هنزل أعمل محضر لابنك الجعان الصايع وابهدلكم شر البهدلة وأصعبها ومش هحترم سن ولا ظروف، وربنا ينجينا من نسبكم الأغبر دا.

كانت قوية، جريئة، حادة بشكلٍ غريبٍ..
يراها زوجها ويتعجب منها، يقسم أنه يراها من جديد، حقًا هي الكنز المدفون وهو يكتشفها كل ما تعمق في أدغالها، لذا تحركت "خيرية" وهي ترطن بكلماتها فيما زفرت "رحمة" ثم نطقت بلهفةٍ:

_كدا خلاص اتأكدت إن المحضر بح، يادوب هلحق اتحرك علشان ورايا شغل مهم في المكتب وهتواصل معاكم لو فيه أي جديد.

كادت أن ترحل لكن "أدهـم" أوقفها بقوله ملهوفًا:

_شكرًا يا أستاذة رحمة، أنا مش عارف أشكرك إزاي بجد بس إن شاء الله في الفرح أردلك جميلك دا، ولو احتاجتي أي حاجة ياريت تعرفيني، أنا في الخدمة.

ابتسمت هي له بسمة عملية ونطقت بهدوءٍ:

_لا شكر ولا حاجة دا واجبي، لو عاوز تردلي الجميل بجد يبقى تخلي بالك من عُـلا وماتزعلهاش، عُـلا أختي مش صاحبتي واللي يكرمها كأنه كرمني وزيادة، وأنا متأكدة إنك ابن أصول.

للمرة الثانية يوصىٰ عليها، يبدو أنها تثير محبة الجميع حتى تقترن بها وقد أومأ موافقًا بينما "رحمة" فعادت لهما ونطقت بهدوءٍ:

_ينفع تسيب عُـلا تيجي عندي؟ يعني أنا عارفة إنكم مشغولين الفترة دي وهي علشان تنزل وتركب هنا لازم تسأل وحوارات كتيرة، خليها تيجي معايا وأنا هجيبها بالعربية لحد عندكم.

كانت فكرة ممتازة تُريحه هو من القلق عليها، لذا وافق مُرحبًا ثم ودع زوجته وتركها رفقة صديقتها، بينما "عُـلا" فتمنت لو تذهب معه وتكون عونًا له هناك، تمنت لو اطمئنت عليه وأخيها أيضًا لكنها تركته لأنها تعلم المسؤولية الصعبة التي يعاني من قوتها..

ركبت السيارة مع الأخرىٰ بشرودٍ فانتبهت لها الرفيقة وقالت بمزاحٍ تشاكسها:

_يا سلام !! بقيتي قطة مغمضة دلوقتي؟ ومن شوية بس كنتٍ هتجيبي وش خيرية بإيدك، قلبتي وشك علشان ماروحتيش معاه؟ بسيطة يا قطة تعالي أوصلك ليه.

وكزتها في كتفها بغيظٍ ثم أطلقت زفيرًا قويًا وقالت بضيقٍ:

_أنا بس متضايقة علشان صعبان عليا اللي ورد شافته وعرفته من أدهـم، ورد غلبانة أوي وطيبة أوي، وفضلت متحملة كتير علشان جوزها وأهله الناس الكبار اللي كانت بتراعي عجزهم، وكل كلامها تقول ربنا كريم واللي عند ربنا مابيروحش، مش مستوعبة إن دا حصلها من الناس اللي ضحت علشانهم.

_ماهو علشان الناس ناقصين، فكرك يعني حد هيقدر يقول كلمة الحق في حقها وينطق بالحقيقة؟ ولا خيرية دي هتقف معاها على حساب ابنها؟ دا كتر خيره حماها إنه طلع راجل طيب وماقبِلش بالظلم في حقها، طلع عنده ضمير.

كان هذا قول "رحمة" التي أكملت القيادة بينما "عُـلا" فرمت رأسها فوق زجاج النافذة، تتذكر ليلةٍ قاسية، في غاية الصعوبة، ليلة تم طعنها خلالها في شرفها، حيث اتهمها عمها بالعُهرِ وطعن سيرتها أمام الجميع واتهمها أنها على علاقةٍ بشابٍ يتولى أمر مصاريفها، ثم اندفع كما الوحش يضربها، ظل يضربها وكسر فوق عظامها عصا غليظة لمجرد أنها تأخرت في عملها حين كانت بالمرحلة الثانوية..

كسر لها هاتفها وكسر ذراعها ومنعها من الخروج وترك الجميع يطعنون في شرفها، يتحدثون عنها بكل فُجرٍ وسوءٍ، يتهمونها في شرفها ويطلقون في حقها كلِ الأقاويل وهي لم تجد وقتها من يصرخ لأجلها، لم تجد من يقف ويدافع عنها، حتى الهرب عجزت عنه لأنه منعها من الحُرية في التنفس حتى.. 
فأبلغ ما يجيد الوصف كان:

-إن نساء هذا الوطن شموسٌ غاربة حُرمَ عليها أن تُشرق.
____________________________________

  <"مرة واحدة يستفيق المرء من غفوته فيمتنى موته">

يقولون أن تأتي متأخرًا خيرًا من ألا تأتي..
لكن هذا التأخير إذا تعمق وصل لكل نهايةٍ مأساوية، كأنك في رحلةٍ خاطئة لم تناسب وعيك وأفكارك وحجم تطلعاتك لكنك تنتظر نهايتها، وعند النهاية تجد سرابًا، وإذا أردت أن تعود سوف تُكلفك العودة مقدار الشعورين؛
نعيم جهلك في البدايات، وجحيم وعيك في النهايات..

في المشفى عاد "أدهـم" بعدما ترك زوجته رفقة رفيقتها، وقد لمحه "آدم" فهرول إليه يلتحد به، جلس بقربه وسأله بعينيه ملهوفًا عن الأحوال في الخارج فأطلق زفرة قوية ثم نطق بصوتٍ مبحوحٍ:

_خيرية اتنازلت عن المحضر، لسه بقى موضوع الـ *** ابنها خلف، أكيد هيظهر ومش هيفضل مستخبي كدا كتير، مسيره هيظهر تاني ولو عيني وقعت عليه مش هيكفيني فيه بلده كلها.

ابتسم "آدم" ساخرًا وتشدق بنزقٍ ووجعٍ أعربا عن قهر روحه:

_تخيل أنتَ بتتكلم كدا وماشوفتش، أومال لو شوفته وهو بيضربها وبيعريها قدام الناس ولا وهو بيجيبها من شعرها ويرميها في الأرض، أنا مباقيتش عارف اتنفس وحاسس إني محتاج أهد الدنيا دي فوق دماغ الكل، جوايا نار يا أدهـم، نار صعبة أوي وقهرة، قهرة ماعيشتهاش طول عمري…

تهدج صوته فضمه "أدهـم" فجأةً لعناقهِ وحينها تمسك به "آدم" وتشبث بقوةٍ، ظل أخوه يهديء روعه ويُنظم بعثرته ويحثه على الثبات وفي هذه اللحظة ولج "يحيى" يدخل لهما وحين وجدهما اقترب يقول بهدوءٍ:

_مساء الخير، إيه الأخبار دلوقتي؟.

كانت نبرته في غاية العملية والهدوء وقد انتبها له فاستقام "أدهـم" أولًا وصافحه بينما "آدم" ومسح وجهه ثم وقف هو الآخر يُصافحه وحين قرر السؤال أتاه الجواب، بينما "آدم" فسأله عن ابنته وطمئنه هو بقوله:

_متقلقش هي مع خالي "أنيس" في البيت، أنا جيت لما عرفت وقولت أشوفكم لو محتاجين أي حاجة، أنا تحت أمركم.

ابتسم له "أدهـم" وربت فوق كتفهِ بامتنانٍ ثم تحرك حين لمح بعينيه "سُليمان" يخرج بهاتفه من عند "حلمي" فاقترب منه بينما الآخر فرغمًا عنه نسىٰ المشروع الجديد بسبب انشغاله في وضع "ورد" وحالتها، لكنه تحدث بعمليةٍ مفرطة يعتذر من الشاب بقوله:

_حقك عليا يا باشمهندس سيف الله، بس حصل ظرف كدا صعب شوية وغيبت عنكم، طمني إيه الأخبار؟ ماشيين تمام حاليًا؟.

رد عليه الشاب بتهذيبٍ وذوقٍ:

_تمام والله يا باشمهندس سُليمان، زي ما إحنا لسه بنحاول طبعًا لأن مفيش حاجة بتيجي بالسهولة دي، لسه محتاجين نظبط جزء الميديا والصفحات بتاعة الـteam على كل المواقع والتطبيقات زي انستجرام وتيك توك وفيسبوك لأن دا هيفرق معانا كتير جدًا، غير إننا لسه مش لاقيين Sponsor للمشروع فبنحاول بكل طاقتنا، وإن شاء الله نوصل قريب لأي حاجة.

فرك "سُليمان" فروة رأسه مفكرًا ثم نطق بهدوءٍ:

_خلاص سيبها على الله وأنا هحاول متقلقش، أفوق بس من اللي أنا فيه دا وهظبط الدنيا، وزي ما إحنا أنا معاكم وفي ضهركم لحد ما توصلوا وتحققوا حلمكم، ولو محتاج تظبط أي حاجة أتواصلوا معايا وكلموني، وأنا بأمر الله هفضي نفسي مخصوص ليكم، أشوفك بخير إن شاء الله.

أغلق مع الشاب المكالمة ثم التفت ليجد "أدهـم" بجواره، انتبه له وسأله بلهفةٍ عن الذي حدث فجاوبه بقلة حيلة:

_الزفتة راحت اتنازلت عن المحضر وقفلناه، لسه بقى لما نشوف ورد لما تفوق ونشوف حوار الرحم دا، برضه الدكتورة مصممة تشيله؟.

_لأ خلاص آدم مضى إقرار هو وعم عرفـه إن هما مسؤولين عن حالتها وأي حاجة تحصل على مسؤوليتهم والدكتورة خلت مسؤوليتها ومسؤولية المستشفى، بيني وبينك صعبة أوي، مش سهلة إن واحدة ست تتحرم من حاجة زي دي، الست أصلًا فطرتها الأمومة.

أومأ له موافقًا ثم أطلق تنهيدة قوية متعبة، ثم جلس مستندًا على طرف السور ورُغمًا عنه شرد فيها هي، معذبته وطبيبته، العُلا الوحيد الذي يسلك لأجله ألف طريقٍ حتى يصله، تذكر موقفها وكيف وقفت معه بشجاعةٍ وحاربت وناضلت حتى لا تضعه في موقفٍ صعبٍ، خاصةً حين كانت تأمن عليه من مكرِ "خيرية" وواجهتها هي وحدها..

ابتسم مُرغمًا حين تذكر هيئتها وهي تُهدد "خيرية" وتطلق شررًا من عينيها الجميلتين فتزداد جمالًا لكنه جمال يتصف بالحزنِ، وهذا أبشع ما يكون، أن يكون المرء جميلًا وحزينًا..

وفي مكانٍ ثانٍ كان "غسان" في سيارته يقودها مُسرعًا بعدما عرف مكان "خلف" بواسطة معاونة والده، ولأجل "ورد" هو سيفعلها، ولأجل الرفقة والأخوة سيفعلها، ولأجل كل حُرةٍ تناضل لأجل شرفها وعرضها، ولتوهِ أدرك أن الرجال تجردوا من المروءة، فكل من يريد الانتقام من أنثى ضعيفة يضطر لبتر أجنحتها ويسبون شرفها وكأنها وسيلة واحدة فقط يسيرون خلفها كما الضباع في سربٍ من القطيعِ..

صدح صوت هاتفه برقم زوجته فأخرج الهاتف بلهفةٍ يجاوبها ليجدها تقول بقلقٍ بلغ أشده على صوتها:

_غسان لو سمحت ممكن تيجيلي؟ فاكر طنط اللي في الدار اللي قولت إنك تقريبًا تعرفها؟ تعبت أوي وحالتها صعبة وكلموني من الدار علشان أتصرف، ينفع تيجي توديني؟.

_آه طبعًا ينفع، اجهزي وأنا قريب منك، مسافة السكة.

أغلق الهاتف ثم أرسل موقع "خلف" لرفيقه وكتب له العنوان بالتفصيل، ثم غير وجهته لطريق بيت زوجته، وحين وصل هاتفها فنزلت مسرعةً بملامح قلوقة شاحبة لاحظها هو فمد كفه يربت فوق يدها وهمس بهدوءٍ:

_متقلقيش هتكون بخير والله، ادعيلها أحسن.

_بدعيلها والله، بس هي صعبانة عليا أوي أوي.

كادت أن تبكي وبكت بالفعل فضمها هو لعناقهِ ومسح فوق رأسها بحنوٍ، طمئنها حتى وجدت هي سكينتها معه فابتعدت عنه بارتباكٍ وأشارت له كي يتحرك وحينها قاد سيارته مسرعًا نحو وجهته للدارِ، وبعد أن وصلا سويًا ودخلت هي الغرفة وجدت المرأة العجوز تنام فوق الفراش بتعبٍ ظهر عليها بشكلٍ واضحٍ، درجة حرارتها ارتفعت بقوةٍ، وتعاني من القيء المستمر بغير توقف إذا استفاقت، في الأغلب كل أعراض الموت تبدو عليها، جسمها من الأسفل يعاني من برودة شديدة، ومن الأعلى سخونة مُفرطة..

اقتربت منها "نـوف" فوجدتها ترجف وضرباتها شبه متوقفة، حينها استغاثت باكيةً بزوجها الذي طلب الطبيب فأتاه، وحينها نقلها الطبيب لمشفىٰ في سيارة إسعافٍ مُجهزة حتى يربح المزيد من الوقت قبل فوات الأوان وتقاعص أحدهم عن إنقاذ حياتها..

وقد اتكأت "نوف" في لحظات ضعفها هذه على زوجها وهي تتذكر واقعة وفاة أبيها، تتذكر تفاصيل اليوم وذكراه وفراقه وقسوة الدنيا بدونه وحينها ضمها بقوةٍ وظل يهديء روعها ثم أضاف بحنوٍ:

_أنا معاكِ وجنبك مش هسيبك، متخافيش من حاجة طول ما أنا معاكِ وهعمل كل اللي عليا لحد ما ترجع تاني كويسة، والله ما هيهون عليا أزعلك وأخليك تضايقي كدا، واثقة فيا يا نوف؟.

حركت رأسها توميء له بلهفةٍ فابتسم هو ثم ضمها بقوةٍ يحميها في عناقهِ من هواجس خوفها ووحوش أفكارها وكأنه يقف لخوفها ندًا لا يُقهر ولا يُهزم، وهي تشعر به وتشعر بأمانه وحمايته لذا هي لا تخشىٰ إلا أن تصبح الحياة فارغة منه وشاغرة بدونه وبدون أمان عينيهِ..
____________________________________

   <"ياليتك كنت نارًا لي منذ البداية قبل أن أحسبك نورًا">

في نهاية الطريق قد يظهر لنا نورٌ..
وقتها سوف نغتر به ونشتهي الوصول إليه، سوف نركض بشق الأنفس، نظل نركض ونلهث كي يصل له، لكن الوصول لهذه النقطة يكون صدمة، فحين نصل للنورِ نجده نارًا تنهش فينا..
نارٌ تأكلنا حتى نمسىٰ تُرابًا..

في بيت الإدريسي..

كانت "سُعاد" تعاني من اضطرابٍ بعد عرض "سالم" عليها للزواج منها، رُغم سعادتها لكنها كانت تخشى الفكرة نفسها، تخشى رفض أهلها، لا تعلم هل عرض عليها هذا العرض لأنها هي التي تتواجد أمامه وترعاه وترعىٰ صغاره أم لأنه يكن لها بعض المشاعر التي يخفيها في سريرته؟ تناطح في عقلها ملايين الأسئلةِ بدون جوابٍ واحدٍ على سؤالٍ واحدٍ حتىٰ.

حملت الصغيرة النائمة وولجت الغرفة تضعها فوق فراشها أمام أخيها على الفراش المقابل ثم مالت تُلثم وجنتها، مسحت فوق رأسها ثم فتحت الباب وخرجت لتجده يستند على الحامل المعدني ويسير به، وقفت تراقب محاولاتهِ حتى وجدته يصل في النهاية للخارج، تحركت خلفه وعاونته حتى جلس فوق المقعد بينما هو شكرها بخفوتٍ..

اكتفيا بالصمتِ للحظاتٍ وقبل أن تتحرك هي أوقفها بقوله:

_ردك ماوصلنيش لسه؟ قررتي إيه؟.

كانت تعلم علام يستفسر ويسأل لكنها رسمت عكس ذلك فوق ملامحها، وحين فهم ذلك نطق أشار لها فجلست أمامه، سحبت مقعدًا وجلست عليه بتوترٍ وارتباكٍ حتى نطق هو بحكمةٍ:

_أنا مش بفرض عليكِ حاجة ولا بقولك يلا دلوقتي حالًا عاوز قرارك، أنا بسألك وبشاركك وبكلمك، وخليني أوفر علينا الكلام، أول مرة لما اختارتك مشيتي وروحتي لباباكِ وساعتها أبويا قال مش هترجع تاني، هي مش بتحبك ومش هتبقى ليك، وفرض عليا اتجوز صابرين يا إما يقاطعني، يا سُليمان يتجوزها، كان لازم واحد فينا يضحي علشان التاني، وبما إني الكبير كان لازم أضحي أنا، واتجوزتها، قولت خلاص دي نصيبي في الدنيا وراضي بيه..

توقف هُنيهة ثم أضاف من جديد يتابع حديثه:

_ماكنتش عمري أتوقع إني أوصل للي وصلتله دا، ربنا يكفيكِ شر غدر اللي آمنتيلهم، بس أنا ماشوفتش الغدر غير منها هي، كل يوم بقيت أفكر إني لو كنت صممت من الأول ورفضت ومشيت كان زماني على الأقل مبسوط مع الإنسانة اللي أنا عاوزها، بس برضه أرجع أقول دا كان نصيب ومكتوب لينا، لكن المرة دي مش هقدر أقول نصيب، المرة دي في أيدي أنا اختار، وأنا بختارك نصيبي أهو.

رفرف قلبها بعد حديثه، أحست ببرودةٍ تجتاح نيران قلبها فتُطفيء اللهب، أحست بقلبها يهدأ من فرط القلق فسألته تبغى صراحةً منه:

_أنتَ عاوز إيه بالظبط يا سالم؟.

_عاوز آخد حقي من الدنيا، عاوزك أنتِ حقي دا.

نطقها بكل صراحةٍ بغير كذبٍ وبغير إخفاءٍ حتى تهللت أساريرها وضوىٰ وجهها كما شمسٍ مُشرقة، لمح في عينيها القبول فابتسم بسمة هادئة، وقفت هي ونطقت بهدوءٍ تحاول به إخفاء فرحتها وحماسها بمقارنة رجل الأحلام:

_طيارتي فاضل عليها يومين، هصلي استخارة وخلال اليومين دول هرد عليك، وأنتَ برضه صلي استخارة وشوف يمكن ماكونش أنا الخير ليك.

تحركت بعد جملتها فوجدته يوقفها بقوله:

_بعد اللي شوفته قبلك صدقيني أنا هعتبر النار معاكِ جنة.

لا تعلم ماذا دهاه اليوم وماذا أصابه كي يكون بهذه المشاعر التي تفتقر هي لمجابهتها وصد هجماتها، يا ويلها من هذا الحب وهذه المشاعر المفرطة التي تُداهمها وتضطر آسفةً للصمتِ وهي تستقبلها بترحابٍ شديدٍ، بينما هو راقب تحركها ثم أطلق العنان لأنفاسه كي تتحرر، ولا بأس من طمعهِ هذه المرة، مرة واحدة فقط يثأر خلالها لنفسهِ ويسترد حقه ثم يحترق العالم من بعدها..

في المشفى…

بداخل غرفة "ورد" خلف القناع الشفاف ثارت أنفاسها، بدأت تُحرك أناملها، اختلطا وعيها بضياعها معًا، عادت الضربات تداهم جسدها، ثم ذكرىٰ تميض وتخبو كما كاشف الضوء وتتذكر، ثم ذكرى تميض وتخبو وتأتي بذكرىٰ أخرىٰ، ترى يمامة كسيرة تسقط فوق الأرض بطلقةٍ في قلبها وترى نفسها فوق الأرض عارية والدماء حولها..

أنفاسها تثور وهي تلهث في كابوسها، مسكينة حتى في نومها تركض، لكنها كادت أن تسقط في حُفرةٍ، وهدير أنفاسها قد علا وارتفع، تلهث بصوتٍ مسموعٍ وسط الطنين حولها وهي تنجو من على شفا الحُفرة وحين تحركت وجدت كلابًا تنبح وتركض خلفها، ركضت وركضت وسط الظلام والمتاهة فلمحت نورًا خلفها..

التفتت بخوفٍ تحول لذعرٍ حين وجدت أطراف خصلاتها تحترق، شعرها النيران تقبض على أطرافه وهي حتى الصراخ تعجز عنه وفجأةً توقفت تُطفيء النيران فوجدت ثعبانًا كبيرًا يصدر فحيحًا ويلتف حول جسدها، يقيدها ويحكم حصاره كما المحتل على حُريتها وحين صرخت اسقطها الثعبان بداخل الحُفرة وقفز عليها ينهش عُنقها ولحمها فصرخت وهي تستفيق من غيبوبتها..

هرول لها "عـرفه" يناديها بلهفةٍ وصراخٍ فوجدها تشخص بعينيها بشكلٍ محزنٍ للقلب، تراقب الغرفة حولها بضياعٍ وقلبها يهدر بعنفٍ بسبب قسوة كابوسها، ترجف خوفًا وتبحث عن شيءٍ تألفه فلم تجد، تبصر المكان الذي بدأت تراه بعد التشوش فلمحت شخصًا يقف بلهفةٍ ولم تستبين ملامحه، جاهدت وحاولت هي إدراك أي شيءٍ….فحدث وأدركت !!.

عاد الحادث يترأىٰ أمام عينيها، الضربات تنزل مرة أخرىٰ فوق جسدها، الشتائم تنهال عليها، الناس يراقبونها بصمتٍ وهي عارية فوق الأسفلت تجاهد كي تستر نفسها ولو بالترابِ حتى، وفجأة صرخت، صرخت باحتجاجٍ واعتراضٍ، لطمت وجهها وأطلقت صرخة جذبت "آدم" الذي ركض لها بينما هي حين فطنت للحدث بكت، بكت وعلا صوت البكاء فهرول لها أخوها يضمها وأمها تبكي لأجل صرخات فلذة كبدها…

ضمها "آدم" يحتوي نوبة انهيارها ليجدها تهزي وهي تلطم وتضرب قلبها وجيدها بصراخٍ وبكاءٍ وقهرٍ امتدوا ودهسوا قلبها البريء المظلوم:

_داسوا عرضي وشرفي، داسوا عرضي، داسوا عرضي وشرفي.

حاول أن يضمها وهي تصرخ وأمها تحاول جاهدةً أن تضمها، جميعهم يحاولون وهي في وضعٍ لا يسمح، هي امرأة مقهورة ومهزومة، امرأة دهسها الحُب وأصبح ما حدث في حقها من ظلم؛ عدلًا، الظلام الساحق الذي ملأ حياتها في ليلةٍ وضحاها أمسىٰ في عيونِ الناس فجرًا، هي امرأة هُزِمت وظُلِمت وأمام العالم هي الظالمة..

صدح صوت هاتف "آدم" وعلا رنينه وهي بين ذراعيهِ فاقترب "أدهـم" يسحبه منه وحين رأى رقم المتصل فتح الخط بلهفةٍ لعل صوته وحده ينقذها، في حين هدر "منتصر" بعنفٍ وغضبٍ:

_ورد فين يا آدم؟ ورد فين دلوقتي؟.

صوته وصلها وانتبهت لها فحركت رأسها من وسط البكاء تنظر للهاتف كأنها تنظر لنجدتها، تنتظر منه الثأر لأجل حقها وصرخته لأجلها هذه هي الوحيدة التي انتشلتها من ضياعها، وقد تدخل "أدهـم" وجاوب بثباتٍ:

_أنا أدهـم يا منتصر هي لسه فايقة وسامعاك معاك أهيه.

انحدرت عبراتها وزاد الدمع من عينيها فكان مدرارًا بينما هو هدر فيها صارخًا بغير تعقلٍ ولا هدىٰ:

_مين اللي كان معاكِ في الشقة يا ورد؟ ودخلتيه إزاي؟ أنا مش مصدق ولا قادر استوعب اللي حصل منك؟ بعيني دي شوفت الكاميرا وهي جايباه داخل البيت وخارج عريان بيلبس؟ كل دا بتستغفليني؟ مين دا !!.

حديثه لم يكن كلماتٍ توجه لها هي فقط.. 
وإنما هي رصاصات ترتشق في قلوبهم جميعًا فتحكم عليهم بالموتِ، لكن وبكل أسفٍ كان الموت غير رحيمٍ..

#يُتَبَع
#جمعية_حب
#الفصل_السادس_وأربعون

                ________________

_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.


_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات..




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة