
رواية ابن الهواري الفصل الثالث 3 بقلم سهر احمد
زين جابر الهواري × مليكة جلال المنياوي
الاسم اللي رجّع الماضي... والورقة اللي قلبت الموازين
كان الليل هادي على نجع الهواري، لكن الهدوء اللي كان مالي دار الهواري مكنش موجود في أوضة زين، اللي فضل واقف قدام عمه رجب، وفي إيده الصورة القديمة، وعينيه بتتنقل بين ملامح الراجل اللي واقف بين أبوه وجلال المنياوي، والاسم المكتوب بخط صغير على ضهر الصورة.
زين:
عمي، أنا سألتك سؤال وعايز إجابة واضحة... مين الراجل ده؟
رجب سحب نفس طويل، وقعد على طرف الكرسي، وكأنه بيحاول يرتب كلامه قبل ما ينطقه.
رجب:
اسمه فايز الديب يا زين... راجل كان ليه كلمة مسموعة زمان، وكان قريب من أبوك وجدك، ومن جلال المنياوي كمان.
زين:
طيب وإيه اللي كان بيجمعه بأبوي وجلال؟ وليه اسمه مكتوب على الصورة؟
رجب:
فايز كان شاهد على اتفاق الأرض القديم، وكان موجود يوم ما أبوك وجد جلال اتفقوا على تقسيمها، وكان المفروض إنه يحفظ الأمانة ويشهد بالحق.
زين قرب الصورة من عينه وقال باستغراب:
زين:
يعني الراجل ده كان عارف كل حاجة؟
رجب:
أكتر مما تتخيل يا ولدي.
زين:
وأمال فين هو دلوقتي؟
رجب سكت شوية، وبعدها قال:
رجب:
فايز مات من سنين، ربنا يرحمه.
زين رفع عينه بسرعة.
زين:
مات؟! وإنت كنت تعرفه وساكت كل السنين دي؟
رجب:
يا ولدي، أنا عارفه، وعارف إن موته جه بعد فترة قصيرة من اختفاء الورق الأصلي، بس عمري ما قدرت أجزم إنه كان له يد في اللي حصل.
زين:
طب ليه كل ما أفتح سيرة الأرض ألاقي الكل بيتهرب؟ أبوي الله يرحمه كان عارف حاجة، وإنت عارف حاجة، وجلال المنياوي عنده ورق مخبيه... هو إحنا عايشين في حكاية محدش راضي يحكي آخرها؟
رجب قام ووقف قدامه.
رجب:
اسمعني زين، أنا عمك وكبيرك، ومش عايزك تخلي غضبك يعميك. أبوك كان راجل ليه هيبته، لكنه في آخر أيامه كان شايل هم الحكاية دي، وكان كل ما أفتح معاه الموضوع يقولي: الحق لو ضاع في الدنيا، ربنا عمره ما بيضيعه.
زين:
وأنا مش هسيب حق أبوي يضيع، بس مش هتهم حد من غير دليل. أنا عايز أعرف مين اللي لعب بين العيلتين، ومين اللي خلانا نعيش العمر ده كله وإحنا شايلين لبعض الكره.
رجب بص له بفخر ممزوج بالقلق.
رجب:
ربنا يهدي سرك يا ولدي... بس خلي بالك، مش كل اللي حواليك عايزين الحقيقة تظهر.
خرج رجب من الأوضة، وفضل زين لوحده، رجع بص للصورة مرة تانية، ومرر صوابعه على اسم فايز الديب.
زين بصوت واطي:
يا ترى إنت كنت شاهد على الحق... ولا كنت أول واحد باعه
وفي دار المنياوي، كانت مليكة لسه صاحية، قاعدة قدام مكتب أبوها، مستنية اللحظة المناسبة عشان تعرف إيه اللي حصل بعد زيارة عم صابر.
سمعت صوت خطوات جاية من الطرقة، فرفعت راسها، ولقت أبوها داخل وهو شايل الظرف الأصفر.
مليكة:
لسه صاحي يا بوي؟
جلال:
وأنتِ كمان لسه منمتيش يا بتي؟
مليكة:
كنت مستنياك.
جلال حط الظرف على المكتب، وبصلها باستغراب.
جلال:
مستنياني في إيه؟
مليكة:
في الحقيقة يا بوي... عم صابر جه هنا ليه؟ وإيه اللي جابه بعد السنين دي كلها؟ وإيه حكاية الورق اللي إنت مخبيه؟
جلال قعد على كرسيه، وفضل ساكت لحظة.
جلال:
يا مليكة، إنتِ لسه صغيرة على الحكايات دي.
مليكة ابتسمت بسخرية خفيفة.
مليكة:
صغيرة؟ يا بوي أنا عندي أربعة وعشرين سنة، وكبرت وأنا بسمع اسم الهواري في البيت وكأنه مصيبة، وكل ما أسأل عن السبب ألاقي الكل بيغير الكلام. لحد إمتى هفضل صغيرة؟
جلال:
أنا خايف عليكي يا بتي.
مليكة:
من إيه؟ من الحقيقة؟ ولا من إن الحقيقة تطلع غير اللي إحنا مصدقينه؟
جلال رفع عينه ليها، وكان واضح إن السؤال لمس حاجة جواه.
جلال:
أبوك عمره ما علّمك تظلمي حد، ولا عمري قلتلك اكرهي حد من غير سبب.
مليكة:
بس أنا اتربيت على إن الهوارية أخدوا حقنا، وإن جابر الهواري كان السبب في ضياع أرض جدي، وإن العيلتين مفيش بينهم صلح.
جلال اتنهد وقال:
جلال:
جابر كان راجل محترم، يا مليكة... والخلاف اللي حصل بينا كان أكبر من إننا نعرف نحلّه وقتها.
مليكة اتفاجئت من كلامه.
مليكة:
يعني إنت شايف إن زين وأهله مش السبب في كل اللي حصل؟
جلال:
أنا ما قلتش كده، وما قلتش إنهم بريئين... أنا بقولك إن الحكاية ناقصة، واللي ناقص فيها ممكن يغير كل حاجة.
مليكة قربت من المكتب وبصت للظرف.
مليكة:
طب افتح الرسالة يا بوي، خليني أعرف إيه اللي مكتوب فيها.
جلال حط إيده على الظرف.
جلال:
مش دلوقتي يا بتي.
مليكة:
ليه؟
جلال:
عشان فيه كلام لازم أتأكد منه قبل ما أقوله ليكي.
مليكة هزت راسها بحزن.
مليكة:
براحتك يا بوي، بس متنساش إن دي حكايتي أنا كمان، وإن من حقي أعرف أنا بحارب مين وليه.
قامت وخرجت، وسابت جلال غرقان في أفكاره.
في الصباح، كان زين نازل من أوضته بعد ما صلى الفجر، ولقي ابن عمه فارس قاعد تحت شجرة الجميز، بيشرب الشاي وبيتابع حركة الدار.
فارس شاب في أواخر العشرينات، خفيف الظل، وصاحب زين من أيام الطفولة، لكنه عكسه تمامًا؛ بيحب الهزار ومبيفوتش فرصة يغيظه فيها.
فارس:
صباح الخير يا كبير الهوارية.
زين:
صباح النور يا خفيف... إيه اللي مصحيك من بدري إكده؟
فارس:
بصراحة كنت مستني أشوفك، عشان عندي سؤال مهم جدًا.
زين سحب كرسي وقعد قصاده.
زين:
خير يا فارس، هتطلب مني فلوس تاني؟
فارس:
لا يا عم، الفلوس راحت في سبيل الله... المهم، إيه حكايتك مع بنت المنياوي؟
زين رفع عينه له ببطء.
زين:
حكاية إيه؟
فارس:
يا واد، متعملش فيها مش فاهم. البلد كلها عرفت إنك اتقابلت مع مليكة المنياوي، وإنك واقف معاها عند الأرض وبتتكلموا.
زين:
كنا بنتكلم في الورق يا فارس.
فارس:
آه، ورق! هو الورق بقى يخليك تحفظ شكل البنت وتفضل تتكلم عنها؟
زين رماه بنظرة حادة.
زين:
إنت فاضي يا ابن عمي؟
فارس ضحك.
فارس:
يا سيدي أنا بسأل عليك، ده إنت من يومين مش عاجبك حد، والنهارده بقيت تقول مليكة عملت ومليكة قالت!
زين:
يا فارس، اسمعني زين، مليكة دي بنت عيلة بينا وبينهم خلاف قديم، والموضوع أكبر من هزارك.
فارس:
عارف يا زين، بس برضه هي بنت ناس، وإنت راجل، اتعامل معاها بما يرضي ربنا، لا تظلمها ولا تسمح لحد يظلمك.
زين بص له لحظة، وبعدها قام.
زين:
أهو الكلام العاقل طلع منك مرة.
فارس:
استنى يا ابن الهواري، لسه مخلصتش... هي حلوة؟
زين لف له بحدة.
زين:
فارس!
فارس ضحك وهو بيرفع إيده باستسلام.
فارس:
خلاص يا كبير، ربنا يهديك... بس شكلك وقعت في حكاية مش هتخلص على خير.
زين خرج من الدار، لكن كلام فارس فضل يرن في ودنه، وخصوصًا لما افتكر وقفة مليكة قدامه، وطريقتها وهي بترد عليه من غير خوف.
هز راسه وقال لنفسه:
زين:
بنت جلال دي هتطلع عيني... الله يكون في عوني.
وعلى الناحية التانية، كانت مليكة واقفة في المطبخ مع سارة، بنت خالتها، وبيجهزوا الفطار.
سارة:
إيه يا بنتي؟ إنتِ سرحانة في إيه من الصبح؟
مليكة:
في كلام أبويا امبارح.
سارة:
يا سلام! هو فيه حد بيفكر في كلام عمه أو أبوه أكتر ما بيفكر في الفطار؟
مليكة ضحكت.
مليكة:
إنتِ مبتعرفيش تتكلمي جد أبدًا؟
سارة:
أعرف، بس مش كل يوم. المهم، قابلتي ابن الهواري تاني؟
مليكة:
لا يا سارة، وادعي ربنا ما أشوفوش.
سارة:
ليه بس؟ ده شكله راجل محترم.
مليكة بصتلها باستغراب.
مليكة:
إنتِ عرفتي منين إنه محترم؟
سارة:
من كلامك عنه. كل ما تجيبي سيرته تقعدي تحكيلي عمل إيه وقال إيه، وأنا بدأت أحس إني أعرفه من كتر ما بتتكلمي عنه.
مليكة رمت عليها فوطة المطبخ.
مليكة:
يا شيخة اتلهي على عينك!
سارة ضحكت، وبعدها قربت منها وقالت بمكر:
سارة:
بس بعيد عن الهزار، خدي بالك من نفسك. حكاية الأرض دي شكلها مش بسيطة، وأنا مش عايزاكي تدخلي في مشاكل الكبار.
مليكة ابتسمت وربتت على إيدها.
مليكة:
متخافيش يا سارة، أنا عارفة أنا بعمل إيه.
لكنها ما كانتش تعرف إن اللي جاي هيحطها قدام اختيار أصعب بكتير من مجرد الدفاع عن أرض أبوها.
في نفس الوقت، كان جلال قاعد في مكتبه، فاتح الظرف الأصفر للمرة التانية، وبيقرأ الرسالة اللي عم صابر سابهاله.
دخل حازم من غير ما يخبط، فرفع جلال عينه بسرعة وقفل الورقة.
حازم:
صباح الخير يا بوي.
جلال:
صباح النور يا ولدي.
حازم لاحظ الورقة في إيده.
حازم:
إنت لسه في حكاية الرسالة دي؟
جلال:
أيوه.
حازم:
طب هتفضل مخبي علينا لحد إمتى؟ أنا ومليكة من حقنا نعرف.
جلال بص له بجدية.
جلال:
إنت عارف اسم فايز الديب؟
حازم فكر شوية.
حازم:
الراجل اللي كان صاحب جدنا؟
جلال:
أيوه.
حازم:
ماله؟
جلال فتح درج المكتب وطلع صورة قديمة، ومدها لحازم.
جلال:
بص على الصورة دي كويس.
حازم مسك الصورة، وفضل يتأملها.
حازم:
ده جدي، وجابر الهواري... وفايز الديب. إيه الجديد في الصورة؟
جلال:
الجديد إن الراجل ده كان عارف الحقيقة، وكان عنده مستند يثبت الاتفاق اللي حصل بين العيلتين.
حازم:
والورقة فين؟
جلال:
مش عارف... بس عم صابر بيقول إنها ما ضاعتش، وإنها وصلت ليد حد تاني.
حازم عقد حواجبه.
حازم:
حد تاني مين؟
جلال:
ده اللي لازم نعرفه.
حازم رجع الصورة للمكتب وقال بقلق:
حازم:
يا بوي، أنا مش مرتاح للموضوع ده. لو فيه حد لعب بينا زمان، يبقى ممكن يكون لسه بيحاول يلعب بينا دلوقتي.
جلال هز راسه.
جلال:
وده اللي خايف منه يا حازم. عشان كده عايزك تخلي بالك من مليكة، ومحدش من رجالة البيت يدخل في مشادات مع الهوارية.
حازم:
مليكة في عيني يا بوي، بس أنا مش ضامن زين الهواري ولا رجاله.
جلال:
زين مش زي ما إنت فاكر، أنا شفت أبوه وعارف طبعه، والولد طالع لأبوه في حاجات كتير.
حازم قام وقال:
حازم:
ربنا يسترها علينا يا بوي.
---
وفي منتصف النهار، وصل زين لمكتب المحامي، وكان متفق مع مليكة إنهم يتقابلوا عشان يراجعوا المستندات القديمة.
دخل المكتب، ولقي المحامي الأستاذ عبدالعزيز قاعد قدام مكتبه، ومليكة وصلت قبله بدقايق.
زين وقف عند الباب وقال:
زين:
السلام عليكم.
مليكة رفعت عينيها.
مليكة:
وعليكم السلام.
المحامي قام يرحب بيه.
المحامي:
اتفضل يا زين بيه، إحنا كنا مستنيينك.
زين قعد، وحط الملف اللي معاه على المكتب.
زين:
أنا جبت كل الورق اللي قدرت أوصله من مستندات المرحوم جابر الهواري.
مليكة حطت ملفها جنبه.
مليكة:
وأنا جبت الورق اللي كان عند جدي، وعايزة كل حاجة تتراجع قدامنا.
المحامي بدأ يفتح الملفات، وفضل يقارن التواريخ والتوقيعات.
زين كان مركز مع الورق، لكن عينه كانت بتروح لمليكة من وقت للتاني.
لاحظت نظراته فقالت من غير ما ترفع عينها:
مليكة:
فيه حاجة يا ابن الهواري؟
زين:
لا، بس مستغرب إنك ساكتة النهارده.
مليكة:
أنا جاية أراجع ورق، مش جاية أتناقش معاك.
زين:
أهو ده الكلام العاقل.
مليكة:
متفرحش أوي، أنا بس مش عايزة أضيع وقتي.
زين ابتسم، والمحامي حاول يخفي ضحكته وهو بيقلب في المستندات.
وبعد فترة من المراجعة، وقف المحامي عند ورقة معينة.
المحامي:
استنوا لحظة... الورقة دي مهمة جدًا.
زين قرب منه.
زين:
خير يا أستاذ عبدالعزيز؟
المحامي حط الورقة قدامه.
المحامي:
التاريخ ده هو نفس تاريخ اتفاق جدكم على تقسيم الأرض، لكن فيه اختلاف بين النسختين.
مليكة قربت بسرعة.
مليكة:
اختلاف إيه؟
المحامي:
النسخة اللي معاكم بتشير إن الأرض اتقسمت بين العيلتين بالتساوي، لكن النسخة دي فيها إشارة لمساحة إضافية اتسجلت باسم شخص تالت.
زين عقد حواجبه.
زين:
شخص تالت مين؟
المحامي أشار للتوقيع الموجود أسفل الورقة.
المحامي:
الاسم مش واضح بالكامل، لكن الظاهر إنه فايز الديب.
مليكة بصت لزين باستغراب.
مليكة:
فايز الديب؟!
زين بص لها.
زين:
إنتِ تعرفيه؟
مليكة:
لا، بس الاسم ده سمعته امبارح من أبويا.
المحامي كمل كلامه:
المحامي:
الظاهر إن فيه جزء من الأرض اتسجل بطريقة مختلفة، ولازم نعرف سبب التسجيل ده، ونراجع أصل المستند قبل ما أي طرف يطالب بحاجة.
زين سحب نفس طويل وقال:
زين:
يعني الأرض اللي بنتخانق عليها من سنين، ممكن يكون فيها حق لحد تالت؟
المحامي:
ده احتمال وارد، ولسه محتاجين نتحقق منه.
مليكة بصت للورقة، وبعدها رفعت عينيها لزين.
مليكة:
واضح إن الحكاية أكبر من اللي إحنا فاكرينه.
زين رد بهدوء:
زين:
وأنا بدأت أشك إننا طول السنين دي كنا بنتخانق على رواية حد تاني كاتبهالنا.
---
بعد ما خرجوا من مكتب المحامي، وقف زين جنب عربيته، بينما مليكة كانت بتظبط الملف في إيدها.
زين:
مليكة.
التفتت له.
مليكة:
نعم؟
زين:
إنتِ قلتي إن أبوكي سمعتيه بيتكلم عن فايز الديب؟
مليكة:
أيوه، وده معناه إنه عارف عنه حاجة.
زين:
يبقى لازم نتكلم معاه.
مليكة:
وأنت كمان لازم تتكلم مع عمك رجب.
زين هز راسه.
زين:
اتفقنا، وكل واحد فينا يحاول يعرف الحقيقة من ناحيته.
مليكة ابتسمت ابتسامة بسيطة.
مليكة:
أهو كده ابتديت تتكلم بعقل يا ابن الهواري.
زين ابتسم بمكر.
زين:
وأنتِ كمان ابتديتي تعترفي إني بعرف أتكلم.
مليكة:
متاخدش في نفسك مقلب، دي مرة وعدت.
زين ضحك.
زين:
طب خلي بالك من نفسك يا مليكة.
مليكة استغربت نبرة صوته الهادية.
مليكة:
وأنت كمان.
ركبت عربيتها ومشيت، وزين فضل واقف يتابعها لحد ما اختفت من الشارع.
ظهر فارس من وراه فجأة.
فارس:
يا سلام يا سلام! واقف تودع في بنت المنياوي كمان؟
زين لف له.
زين:
إنت بتطلعلي منين يا أخي؟
فارس:
من حيث لا تحتسب يا كبير، وبعدين إيه الابتسامة دي؟ هو المحامي كتبلك نصيب في الأرض ولا مليكة كتبتلك نصيب في قلبها؟
زين زقه من كتفه وهو بيضحك رغمًا عنه.
زين:
امشي يا فارس، بدل ما أرجعك الدار على رجلك!
فارس:
أهو ده اللي أعرفه، زين الهواري اللي مبيخافش من حد... إلا بنت جلال المنياوي!
---
وفي المساء، رجعت مليكة الدار، ودخلت على أبوها مباشرة.
مليكة:
يا بوي، لازم نتكلم.
جلال رفع عينه من الورق.
جلال:
خير يا بتي؟
مليكة حطت المستند قدامه.
مليكة:
النهارده في مكتب المحامي لقينا ورقة عليها اسم فايز الديب، والورقة بتقول إن فيه جزء من الأرض اتسجل باسمه.
جلال اتجمد مكانه.
جلال:
إنتِ متأكدة من اللي بتقوليه؟
مليكة:
أيوه يا بوي، وعايزة أفهم إيه علاقة فايز الديب بأرضنا، وليه اسمه موجود في المستندات؟
جلال أخد الورقة من إيدها، وفضل يبص للتوقيع.
جلال:
يا ساتر يا رب... الورقة دي ظهرت منين؟
مليكة:
كانت ضمن المستندات اللي مع الهوارية.
جلال قام من مكانه.
جلال:
يعني الورقة وصلت لزين؟
مليكة:
أيوه، وهو كمان عرف إن فايز الديب كان شاهد على الاتفاق القديم.
جلال رجع قعد، ووشه شاحب.
مليكة:
يا بوي، أنا تعبت من الأسرار. هو فايز ده كان شريك في الأرض؟ ولا كان وسيط؟ ولا إيه بالظبط؟
جلال فضل ساكت، وبعد لحظة فتح درج مكتبه وطلع ظرف صغير تاني.
جلال:
تعالي يا مليكة، فيه حاجة لازم تشوفيها.
مليكة قربت منه، وجلال طلع من الظرف ورقة قديمة عليها ختم وتوقيع.
جلال:
دي نسخة من مستند كان عند جدك، وكنت فاكر إنه ضاع من سنين.
مليكة مسكت الورقة وبدأت تقرا، لكن عينيها وقفت عند آخر سطر.
مليكة:
استنى يا بوي... هو الاسم ده إيه؟
جلال بص للورقة وقال بصوت تقيل:
جلال:
اسم فايز الديب.
مليكة:
يعني كان ليه نصيب في الأرض فعلًا؟
جلال رفع عينه ليها.
جلال:
مش بالضرورة... بس الورقة دي بتثبت إن جدك وجابر الهواري كانوا عارفين إن فيه اتفاق تالت، وإن فايز كان طرف فيه.
مليكة قلبت الورقة، ولاحظت إن فيه جزء ممزق من طرفها.
مليكة:
والجزء الناقص فين؟
جلال أخد الورقة منها بسرعة.
جلال:
مش عارف يا بتي.
مليكة بصت له بتركيز.
مليكة:
إنت بتقول مش عارف، لكن عينيك بتقول إنك عارف أكتر من اللي بتحكيه.
جلال سكت، وبعدها قال:
جلال:
فيه حاجة واحدة لازم تعرفيها... فايز الديب ما كانش مجرد شاهد على الاتفاق، ده كان آخر واحد شاف الورقة الأصلية قبل ما تختفي.
مليكة رجعت خطوة لورا.
مليكة:
يعني ممكن يكون هو اللي أخفاها؟
جلال هز راسه.
جلال:
وممكن يكون حد أخدها منه... لكن اللي أنا متأكد منه إن اختفاء الورقة كان بداية المصيبة اللي حصلت بعد كده.
---
وفي نفس الوقت، داخل دار الهواري، كان زين قاعد مع عمه رجب، وحاطط قدامه صورة فايز الديب والمستند اللي ظهر عند المحامي.
زين:
عمي، النهارده ظهر اسم فايز في الورق، والمحامي قال إن فيه جزء من الأرض كان مسجل باسمه.
رجب مسك المستند، وقرأه بتركيز، وبعدها رفع عينه لزين.
رجب:
يبقى الراجل ده كان مخبي علينا حاجة.
زين:
أنا مش عايز أتهم ميت يا عمي، بس عايز أعرف الحقيقة.
رجب رجع المستند على المكتب.
رجب:
فيه حاجة أبوك قالهالي قبل ما يموت، وكنت فاكرها مجرد كلام من كتر تعبه.
زين قرب منه.
زين:
قالك إيه؟
رجب بص ناحية باب الأوضة، وبعدها قال بصوت واطي:
رجب:
أبوك قال إن فايز الديب سلّمه أمانة، وطلب منه يحافظ عليها لحد ما ييجي اليوم اللي يظهر فيه الحق.
زين وقف فجأة.
زين:
أمانة إيه؟!
رجب:
ما عرفتش يا ولدي، وأبوك ما كملش كلامه، وبعد وفاته دورت في حاجاته كتير، لكن ملقتش حاجة.
زين فضل باصص لعمه، وعقله بدأ يربط بين كلامه وبين الصورة والمستند.
زين:
يعني ممكن يكون أبوي كان مخبي الورقة الأصلية؟
رجب رد بحيرة:
رجب:
وممكن يكون سلّمها لحد أمين، بس اللي أعرفه إن الأمانة دي لو ظهرت، هتخلص حكاية كبيرة.
زين قام واتجه ناحية الباب.
رجب:
رايح فين يا زين؟
زين:
المخزن القديم... عايز أفتش في حاجات أبوي بنفسي.
رجب وقف بسرعة.
رجب:
استنى يا ولدي، الوقت اتأخر.
زين:
مش هقدر أستنى أكتر من إكده يا عمي.
---
وفي مكان بعيد عن الدارين، كان فيه راجل قاعد في أوضة قديمة، قدامه صندوق خشب مفتوح، وجواه أوراق وصور من سنين طويلة.
دخل عليه شاب وقال:
الشاب:
يا كبير، الورقة اللي ظهرت في مكتب المحامي وصلت للهوارية والمنياوية.
الراجل رفع عينه ببطء.
الراجل:
يعني فايز اسمه رجع يتقال تاني؟
الشاب:
أيوه، وزين بدأ يسأل عن الأمانة اللي سابها أبوه.
الراجل قفل الصندوق، وابتسامة باردة ظهرت على وشه.
الراجل:
كنت فاكر إن الحكاية ماتت بموت أصحابها... لكن الظاهر إن ولادهم قرروا يفتحوها من جديد.
الشاب:
نعمل إيه يا كبير؟
الراجل سكت لحظة، وبعدها طلع صورة قديمة لجابر الهواري وجلال المنياوي وفايز الديب، وبص فيها طويلًا.
الراجل:
سيبهم يدوروا... بس أوعى الأمانة دي توصل لإيد زين، لأن لو شاف اللي جواها، هيعرف إن أبوه مات وهو مخدوع، وإن اللي كان فاكره أقرب الناس ليه هو أول واحد خان العهد.
رفع عينه للشاب وقال:
الراجل:
والأهم... محدش يعرف إن فيه شاهد رابع لسه عايش!
---
أما زين، فكان وصل للمخزن القديم، وبدأ يفتح الصناديق اللي فيها حاجات أبوه.
فضل يدور بين الأوراق والصور، لحد ما لقى صندوق صغير عليه قفل قديم.
حاول يفتحه، لكنه ما قدرش.
لف الصندوق بين إيديه، ولاحظ إن فيه ورقة صغيرة محشورة تحته.
سحبها وفتحها، فلقى مكتوب بخط أبوه:
«يا زين... لو جه يوم وسألت عن حقنا، دور على الأمانة قبل ما تدور على الأرض. الحقيقة مش في اللي اتقالك، الحقيقة في اللي اتخبّى عنك.»
زين حس إن قلبه اتقبض، وقرأ الكلام مرة واتنين.
زين:
أمانة إيه يا بوي؟ وإنت مخبيها فين؟
قلب الورقة، فلقى جملة تانية مكتوبة في آخرها:
«المفتاح عند اللي عمره ما خان العهد.»
زين رفع عينه، وافتكر الصورة القديمة، واسم فايز الديب، وكلام عمه عن الأمانة.
وفي اللحظة دي سمع صوت موبايله بيرن.
بص للشاشة، ولما شاف اسم المتصل استغرب.
كانت مليكة.
رد بسرعة:
زين:
أيوه يا مليكة، خير؟
جاله صوتها متوتر:
مليكة:
زين، لازم نتقابل.
زين:
فيه إيه؟ حصل حاجة عندكم؟
مليكة:
أبويا وراني مستند قديم، وفيه حاجة مش طبيعية... الورقة بتقول إن فيه شاهد تاني غير فايز الديب، وإن اسمه اتشال من الاتفاق بإرادة حد من العيلتين.
زين وقف مكانه.
زين:
اسم الشاهد إيه؟
مليكة سكتت لحظة، وبعدها قالت:
مليكة:
اسمه جابر الهواري... أبوك يا زين!
زين بص للورقة اللي في إيده، وعقله وقف عند جملة أبوه الأخيرة.
زين:
مستحيل... أبويا كان طرف في الاتفاق، مش شاهد بس.
مليكة:
أنا مش فاهمة حاجة يا زين، بس حاسة إن فيه سر أكبر من الأرض كلها.
زين رد بصوت هادي لكنه حاسم:
زين:
اسمعيني يا مليكة، محدش يتكلم في الورقة دي دلوقتي، ولا أبوكي يعرف إني لقيت رسالة من أبوي. بكرة نتقابل ونحط كل اللي معانا قدام بعض.
مليكة:
موافقه... بس يا زين، خلي بالك من نفسك.
ابتسم رغم قلقه.
زين:
إنتِ كمان يا بنت المنياوي.
قفل المكالمة، وفضل واقف وسط المخزن، ماسك رسالة أبوه في إيده.
ولأول مرة، بدأ يشك إن العداوة اللي عاش عمره يسمع عنها ما كانتش مجرد خلاف على أرض...
كانت حكاية عهد اتكسر، وأمانة اتسرقت، وشهادة اتبدلت، وناس فضلت سنين طويلة تحرس سر لو ظهر، هتتغير معاه مصاير عيلتين بالكامل.
لكن السؤال اللي فضل يطارد زين كان واحد:
إذا كان أبوه نفسه شاهد على الاتفاق... ليه حد تعمد يشيل اسمه من الحقيقة؟
وهل جابر الهواري كان بيحاول يحمي عيلته... ولا كان بيحمي سر حد تاني
الحكاية لسه بتكشف أسرارها، وزين ومليكة بقوا أقرب للحقيقة، لكن كل خطوة بيقربوا فيها من الماضي، بتكشف إن فيه حد مستعد يعمل أي حاجة عشان السر يفضل مدفون.
الشاهد الرابع، والأمانة اللي سابها جابر الهواري، والحقيقة اللي هتخلي زين يعيد حساباته مع أقرب الناس ليه...
الفصل الرابع من هنا