
يُمنع منعًا باتًا نسخ الرواية أو إعادة نشرها كليًا أو جزئيًا على أي صفحة، جروب، مدونة، موقع أو من خلال لينكات خارجية دون الحصول على إذن مسبق مني.
أي شخص يقوم بنسخ أو إعادة نشر الرواية دون إذن قد يعرّض نفسه للمساءلة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية حقوق الملكية الفكرية.
مسموح مشاركة رابط المنشور الأصلي فقط لدعم الرواية ووصولها لقراء جدد. ❤️
شكرًا لكل شخص يحترم مجهود الكاتب وحقوقه. 🌷
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم إنّا نسألك سترًا لا ينكشف، وأمانًا لا يهتز، وقلبًا لا تكسره الحقيقة مهما كانت قاسية.
اللهم احفظنا من شرّ من يقترب منا بوجهٍ نعرفه وقلبٍ لا نعرفه، ومن يدٍ تمتد إلينا بالخير وهي تخفي خلفها الأذى.
اللهم إن كان حولنا أمرٌ يُدبَّر لنا في الخفاء، فاكشفه قبل أن يصيبنا، وإن كان في طريقنا شرّ لا نراه، فاصرفه عنا بلطفك ورحمتك.
اللهم لا تجعل ذنوب غيرنا قدرًا ندفع نحن ثمنه، ولا تجعل أخطاءنا بابًا يؤذي من نحب.
واحفظ قلوب أطفالنا من الخوف، فلا تجعل طفلًا يظن يومًا أنه غير محبوب، ولا تجعله يحمل في قلبه وجعًا أكبر من عمره.
اللهم اجبر قلب كل خائف، وآمِن كل مرتجف، وردّ لكل مظلوم حقه، ولكل حائر حقيقة تنجيه ولا تهلكه.
وإن كانت بعض الحقائق مؤلمة، فارزقنا القوة حين نعرفها، والحكمة حين نواجهها، والرحمة حين يكون بين أيدينا الاختيار.
اللهم آمين.
#جريمة_إسمها_زواج
@Nisrine Bellaajili
نسرين بلعجيلي
أحيانًا إحنا ما بنخافش من الحقيقة نفسها...
إحنا بنخاف من اللحظة اللي نكتشف فيها إن الحقيقة كانت ماشية جنبنا طول الوقت، وإحنا ما خدناش بالنا.
إن شخصًا وثقنا فيه كان يخفي شيئًا.
إن مكانًا شعرنا فيه بالأمان كان مفتوحًا لشخص آخر.
إن قرارًا اعتقدنا أننا أخذناه بإرادتنا، ربما كان هناك من يدفعنا إليه من بعيد.
والأصعب...
إن الإنسان لما يبدأ يشك، ما بيبقاش عايز يعرف الحقيقة وبس.
بيبدأ يراجع كل حاجة فاتت.
كل كلمة.
كل نظرة.
كل صدفة.
ويسأل نفسه:
هو أنا فعلًا ما كنتش شايف؟
ولا حد كان حريص إني ما أشوفش؟
وفي المقابل، فيه خوف تاني أبسط من المؤامرات والأسرار كلها...
خوف طفل من إن الشخص اللي بيحبه يمشي وما يرجعش.
وخوف امرأة من رجل يقول لها «بحبك» بينما جسدها كله يخبرها أن تخاف.
وخوف أم من أن تنظر إلى ابنها...
فتراه للمرة الأولى بصورة لا تعرفها.
الفصل ده مش عن سر واحد.
الفصل ده عن اللحظة اللي يبدأ فيها كل واحد يشوف جزءًا من الحقيقة...
لكن محدش لسه شايف الصورة كاملة.
*الفصل الثالث والعشرون*
حين تصبح الحقيقة أقرب من اللازم..
في غرفة الأمن أسفل عمارة عمر، فضلت الصورة متوقفة على الشاشة، خالد واقف عند مدخل العمارة، وقدامه الرجل المجهول. إيد الراجل ممدودة ناحيته، وبين أصابع خالد شيء صغير ما كانش واضح مهما حاول الحارس يكبر الصورة، عمر كان واقف قريب جدًا من الشاشة، قريب لدرجة إن يوسف مد إيده وشده خطوة لورا.
يوسف :
التكبير مش هيخلق تفاصيل مش موجودة يا عمر.
عمر ما ردش، عينيه كانت ثابتة على الراجل.
عمر :
أنا شُفته قبل كده؟
رحيم بص له :
إنت بتسألنا؟
عمر :
بسأل نفسي.
يوسف قال :
حاول ما تجبرش ذاكرتك.
عمر لف له بعصبية :
هو النهارده كل حاجة ممنوع أجبرها؟ ذاكرتي ما أجبرهاش، الأوضة ما ادخلهاش، موبايلي ما المسوش، أعمل إيه بالظبط؟ أقعد أتفرج على حياتي وهي بتتفشخ قدامي؟
رحيم قال بحدة :
تهدى.
عمر ضحك بسخرية :
آه، نسيت دي.
رجع بص للشاشة :
كمل.
الحارس ضغط على زر التشغيل، الراجل لف ومشي، خالد فضل واقف ثواني يبص وراه وبعدين نزل بعينيه للحاجة اللي في إيده، حطها في جيبه، دخل ناحية الأسانسير واختفى.
عمر قال فورًا :
هات كاميرا الأسانسير.
الحارس بدّل التسجيل، ظهر خالد داخل الأسانسير، ضغط على الدور، عمر قرب :
الدور بتاعي.
رحيم ما قالش حاجة، الأسانسير اتحرك، إختفى خالد من الكاميرا.
يوسف قال :
دلوقتي عايزين نعرف إمتى نزل.
الحارس بدأ يسرّع التسجيل، الأرقام جريت، الوقت اتحرك، عشر دقايق.. نص ساعة.. ساعة.. وعمر واقف، كل دقيقة بتعد على الشاشة كانت بالنسبة له جزء من عمره هو مش فاكره.
وفجأة قال رحيم :
إستنى.
الحارس وقف التسجيل، الساعة كانت:
11:39.
عمر بص للوقت، وبعدين لرحيم، ولا واحد فيهم احتاج يقول حاجة.
11:47...
بعد ثمان دقايق فقط خرج التحويل. يوسف أشار للشاشة :
كمل ببطء.
التسجيل اتحرك.
11:40.
11:41.
11:42.
الأسانسير فتح، خرج ساكن، قفل.
11:44.
فتح ثاني، عامل نظافة نزل.
11:46.
عمر حبس نفسه.
11:47.
ولا شيء.
11:48.
ولا شيء.
عمر همس :
يعني خالد كان فوق.
رحيم رد فورًا :
على الأقل التسجيل لحد اللحظة دي ما بيقولش إنه نزل.
عمر لف له :
ما تلفش الكلام يا رحيم. الساعة اللي التحويل اتعمل فيها، خالد كان في شقتي.
رحيم :
غالبًا.
عمر :
غالبًا إيه؟!
يوسف تدخل :
رحيم عنده حق.
عمر بص له بحدة، يوسف أكمل :
الكاميرا تثبت إنه طلع. وتثبت إنه لحد 11:47 ما ظهرش نازل من الأسانسير، بس ما تثبتش إنه كان جوه شقتك طول الوقت.
عمر ضحك بمرارة :
حلو أوي. يعني ممكن يكون كان بيتمشى في السلم وهو بيسرق الأربعتاشر مليون.
رحيم تجاهل سخريته :
كمل التسجيل.
الحارس كمل.
منتصف الليل.
12:10.
12:23.
وفجأة...
باب الأسانسير اتفتح، خالد ظهر، عمر اتشد جسمه كله. خالد كان مختلف عن دخوله، وهو داخل كان هادي، واقف مستقيم، بيبص في موبايله، أما وهو خارج، كان مستعجل، بص وراه قبل ما يطلع من الأسانسير، وبعدين ناحية الكاميرا. للحظة.. وشه ظهر بوضوح.
يوسف قال :
وقف.
الصورة ثبتت، رحيم قرب :
كبر وشه.
الحارس كبر، الصورة شوشتشوية، لكن ملامح خالد كانت واضحة بما يكفي.
عمر قال :
هو خايف.
يوسف بص له :
أو مستعجل.
عمر :
لأ.
عمر أشار للشاشة وقال :
أنا أعرف خالد. شوف عينه.
رحيم قال :
إنت تعرفه من إمتى أصلًا؟
الجملة وقفت عمر ثواني، ثم قال :
كفاية علشان أعرف إنه مش نازل طبيعي.
الحارس شغل التسجيل، خالد خرج من العمارة، وقف عند الرصيف، بص يمين، شمال، طلع موبايله، كتب حاجة وبعدين مشي بسرعة واختفى من الصورة.
عمر قال :
خلاص؟
يوسف :
لأ.
عمر بصله.
نكمل لحد ثلاثة زي ما طلبنا.
الحارس سرّع.
12:30.
12:45.
1:00.
ناس قليلة، الشارع هدي، العمارة نفسها بقت شبه ساكنة.
1:17.
الأسانسير فتح، خرج راجل، الحارس كان هيكمل لكن يوسف مد إيده بسرعة :
إستنى!
التسجيل وقف، رحيم قرب من الشاشة، عمر ما اتكلمش، الراجل كان لابس جاكيت غامق، كاب على رأسه، وشه نازل لتحت، ما بانش منه شيء تقريبًا، لكن يوسف رجع بإيده ناحية الشاشة الأولى :
إفتح تسجيل المدخل اللي قبل ما خالد يطلع.
الحارس فتحه، الراجل الأول، نفس الطول تقريبًا، نفس الجاكيت.
يوسف قال :
حط الاثنين جنب بعض لو تقدر.
الحارس حاول، صورتين.. راجل بيدي خالد حاجة قبل دخوله، وراجل يخرج من أسانسير العمارة بعد الواحدة صباحًا.
رحيم قال ببطء :
هو ده؟
يوسف ما ردش فورًا :
ما أقدرش أجزم من الصورة.
عمر كان باصص، ساكت وبعدين قال :
رجله.
رحيم لف له :
إيه؟
أشار عمر للشاشة :
طريقة مشيته.
الحارس رجع المقطعين، شغل الأول، الراجل مشي، ثم الثاني، الراجل خرج من الأسانسير ومشي ناحية الباب.
عمر قال :
نفس المشية.
يوسف قال :
ممكن.
عمر انفجر :
هو إنت ما عندكش غير «ممكن»؟!
يوسف :
عندي اللي الصورة بتقوله وبس.
رحيم رفع إيده :
إستنوا.
بص للحارس :
هات كاميرا المدخل وقت خروجه.
فتحها.
1:18.
ظهر الراجل خارج من العمارة، وشه لسه مخفي، خرج ومشي.
رحيم قال :
رجع لأول مرة.
رجعوا للمشهد القديم، الراجل أعطى خالد الشيء، ثم لف، مشي ناحية الشارع واختفى خارج زاوية الكاميرا.
رحيم سكت، يوسف فهم :
إحنا ما شُفناهوش يخرج من باب العمارة.
عمر بص له، يوسف أشار للشاشة :
لأنه أصلًا ما دخلش وقتها.
صمت، عمر قال :
يعني إيه؟
يوسف :
يعني المشهد الأول بيقول إنه قابل خالد بره المدخل تقريبًا، وبعدها خالد دخل.
رحيم أكمل :
لكن لو ده نفس الشخص اللي نزل الساعة واحدة وسبعتاشر...
سكت.
عمر كمل :
ـ يبقى دخل بعد كده.
يوسف هز رأسه :
بالظبط.
رحيم بص للحارس :
وريني كل تسجيلات المدخل من لحظة دخول خالد لحد الساعة واحدة.
الحارس بدأ يدور، دقيقة وراء دقيقة، وجه وراء وجه. ولا الراجل ظهر.
عمر قرب أكثر :
بسرعة
الحارس :
حاضر يا بيه.
مر الوقت كله، ولا شيء، الحارس رجع التسجيل، راجعه ثاني، ولا شيء.
رحيم قال :
فيه مدخل ثاني للعمارة؟
الحارس تردد :
الجراج.
الثلاثة بصوا له.
عمر قال :
كاميرته؟
الحارس :
موجودة.
عمر :
إفتحها.
الحارس فتح تسجيل الجراج، بدأ يرجع للتوقيت، عربية تدخل، عربية تخرج، عامل، بواب، ثم...
11:12.
دخلت عربية سوداء، زجاجها غامق، وقفت بعيد عن زاوية الكاميرا. عمر قرب، باب السائق اتفتح، نزل راجل، نفس الجاكيت، نفس القامة، نفس المشية، الصمت نزل على الغرفة. الراجل قفل العربية ومشى ناحية باب داخلي يؤدي للأسانسير.
رحيم قال :
العربية دي تبع مين؟
الحارس قرب من الشاشة :
مش عارف يا فندم.
عمر :
دخلت إزاي الجراج؟
الحارس اتوتر :
بالريموت غالبًا.
عمر :
غالبًا؟!
الحارس :
البوابة ما بتفتحش غير بريموت السكان أو من الأمن.
عمر لف له ببطء :
وإنت فتحتها؟
الحارس :
لأ يا بيه.
رحيم سأله :
ـ متأكد؟
الحارس :
والله ما فتحتها.
يوسف بص للراجل المختفي داخل العمارة، ثم قال الجملة اللي خلتهم كلهم يسكتوا :
ـ يبقى الراجل ده...
سكت وكمل :
كان معاه طريقة يدخل بيها عمارة عمر كأنه واحد من سكانها.
عمر ما اتحركش، لكنه حس لأول مرة إن اللي دخل شقته الليلة دي ما كانش غريب عن حياته بالقدر اللي كان يتمنى.
نسرين بلعجيلي
وفي قصر الألفي...
كانت مريم قاعدة على الأرض في أوضة حبيبة، حواليها لعب كثير متناثرة، عروسة بفستان وردي، مكعبات، كتاب تلوين مفتوح، وعلبة ألوان حبيبة رمت نصها على السجادة من شوية. من ساعة ما رجعت من المستشفى، ومريم بتحاول تتعامل معاها بهدوء، ما تسألهاش كثير، ما تضغطش عليها، وتحاول على قد ما تقدر تخلي اليوم يرجع طبيعي. لكن الطبيعي كان واضح إنه مش راجع بسهولة. حبيبة كانت قاعدة قدامها، ماسكة عروستها من رجل واحدة بتحركها فوق السجادة من غير اهتمام.
مريم رفعت قلم أصفر :
طب بصي، الشمس نخليها صفرا ولا برتقاني؟
حبيبة ما ردتش، مريم بصت لها :
حبيبة؟
رفعت حبيبة عينيها :
إيه؟
مريم :
الشمس.
بصت حبيبة للرسمة :
صفرا.
إبتسمت مريم :
وأنا كنت هعملها بنفسجي.
حبيبة عقدت حواجبها :
مافيش شمس بنفسجي.
مريم :
ليه؟ دي شمس بتاعتي وأنا حرة فيها.
حبيبة بصت لها ثانيتين وبعدين قالت بجدية :
الناس هتضحك عليكِ.
مريم حطت إيدها على صدرها بصدمة مصطنعة :
يضحكوا عليا؟! طب والله لأعملها خضرا كمان.
طرف شفايف حبيبة اتحرك، ابتسامة صغيرة جدًا، لكن مريم شافتها وما علقتش. كملت تلوين كأنها ما خذتش بالها. بعد شوية، حبيبة سابت العروسة وقامت، راحت ناحية الباب، فتحته، بصت في الطرقة ورجعت.
مريم رفعت عينيها :
عايزة حاجة؟
حبيبة :
لأ.
قعدت حبيبة ثاني، مر أقل من دقيقتين، قامت، فتحت الباب، بصت، قفلت.
المرة دي مريم ما قدرتش تتجاهل :
مستنية حد يا حبيبتي؟
حبيبة هزت راسها :
لأ.
مريم :
طيب.
ورجعت مريم للرسمة، حبيبة فضلت واقفة جنب الباب :
مريم؟
مريم :
نعم؟
حبيبة :
بابا تحت؟
توقفت إيد مريم فوق الورقة، رفعت عينيها بهدوء :
لأ يا حبيبتي، بابا خرج.
حبيبة سكتت :
راح فين؟
مريم :
عنده شغل مهم.
حبيبة :
الشركة؟
مريم :
تقريبًا.
حبيبة بصت للباب :
هيرجع إمتى؟
مريم ابتسمت :
أكيد هيرجع.
حبيبة :
إمتى؟
مريم :
ماعرفش الساعة كام بالظبط.
ملامح حبيبة اتغيرت تغيير بسيط، لكن مريم لاحظته.
حبيبة :
طب نكلمه؟
مريم :
ممكن لما يفضى نكلمه.
حبيبة بصت لها بسرعة :
لأ، دلوقتي.
مريم :
ممكن يكون مشغول يا حبيبة.
حبيبة :
أنا عايزة بابا.
مريم :
حاضر، هنكلمه بعد شوية.
حبيبة هزت رأسها :
لأ.
صوتها بدأ يعلى :
عايزاه دلوقتي.
مريم قامت من الأرض :
حاضر يا حبيبتي، خلاص هجيب الموبايل ونكلمه.
لكن حبيبة ما هديتش، بالعكس، كأن كلمة «نستنى» فتحت جواها حاجة :
هو مش هييجي؟
مريم :
هييجي طبعًا.
حبيبة :
إمتى؟
مريم :
حبيبة...
حبيبة :
هو سابني؟
السؤال وقف مريم :
إيه؟
عينين حبيبة بدأت تتملي دموع :
بابا سابني؟
مريم قربت منها :
لأ يا حبيبتي، مين قالك كده؟
حبيبة رجعت خطوة :
هو مش هنا.
مريم :
علشان عنده شغل.
حبيبة :
كل مرة عنده شغل!
خرجت منها بصوت أعلى، مريم سكتت، حبيبة بدأت تعيط :
هو قالي مش هيسيبني.
مريم :
هومش سايبك.
حبيبة :
كذابة.
مريم اتفاجئت :
حبيبة...
صرخت الطفلة :
كذابة. بابا مش هنا.
ورمت العروسة اللي كانت في إيدها، وقعت على الأرض.
مريم قربت منها :
حبيبة، بصيلي.
لكن حبيبة حطت إيديها على ودانها :
عايزة بابا.
مريم :
حاضر.
حبيبة :
عايزة بابا.
مريم :
هنكلمه.
حبيبة :
لأ.. عايزاه ييجي.
صوتها تحول من بكاء لصراخ :
بابااااا.
مريم قلبها اتقبض، مدت إيدها ناحيتها، لكن أول ما لمست كتفها،حبيبة زقتها بعنف :
ما تلمسينيش.
مريم رجعت إيدها فورًا :
خلاص، مش هلمسك.
حبيبة كانت بتتنفس بسرعة، دموعها نازلة بغزارة :
هو زعلان مني؟
مريم :
لأ.
حبيبة :
علشان أنا عيطت؟
مريم :
لأ يا حبيبتي.
حبيبة :
علشان أنا تعبت؟
مريم :
لأ.
حبيبة :
علشان أنا وحشة؟
مريم اتجمدت :
مين قالك إنك وحشة؟
حبيبة شهقت وهي بتعيط :
تيتة كانت عايزاني أسكت.
الجملة نزلت على مريم ثقيلة، بصت لها.
حبيبة كملت وسط شهقاتها :
أنا كنت بنادي بابا، وهي قالت بابا عنده شغل.
مريم ما عرفتش ترد.
حبيبة كملت :
وأنا فضلت أناديه.
شهقت
ـ وبعدين...
سكتت.
وشها اتشد كأنها بتحاول تفتكر حاجة، مريم انتبهت :
وبعدين إيه يا حبيبة؟
حبيبة عينيها اتملت خوف :
مش فاكرة.
مريم حسّت بقشعريرة، حبيبة بصت حواليها فجأة، للأوضة، للسرير، للباب، وبعدين قالت بصوت أصغر :
ـ أنا نمت؟
مريم ما ردتش بسرعة :
مريم... أنا نمت؟
مريم :
إنتِ تعبتِ شوية يا حبيبتي.
حبيبة :
وبابا جه؟
مريم :
أيوه.
حبيبة :
شالني؟
مريم :
أيوه.
حبيبة بدأت تعيط أكثر :
وأنا ما شفتوش.
مريم قربت خطوة، لكن ما لمستهاش :
شُفتيه بعدين.
حبيبة :
بس أنا ناديت عليه وهو ما جاش.
صرختها خرجت من مكان أعمق من مجرد دلع طفلة على أبوها :
ـ ناديت كتير.
مريم حسّت عينيها دمعت، لكن تماسكت. قعدت على الأرض قدامها، بحيث تبقى في مستوى نظرها وقالت بهدوء :
حبيبة، بصيلي.
الطفلة ما بصتش، مريم كملت :
مش هقرب منك. بس بصيلي.
بعد ثواني، حبيبة رفعت عينيها. مريم قالت :
ـ بابا ما سابكيش.
حبيبة شفايفها ارتعشت :
أمال فين؟
مريم :
خرج يعمل حاجة مهمة، وهيرجع لك.
حبيبة :
وعد؟
مريم ترددت، ما حبتش توعدها بوقت هي ما تعرفوش :
أوعدك إن بابا بيحبك جدًا.
حبيبة هزت رأسها بعناد :
أنا عايزاه هو يقولي.
مريم سكتت، ثم مدت إيدها ببطء ناحية موبايلها اللي كان فوق السرير أخذته :
خلاص، نخليه هو يقولك.
فتحت إسم رحيم، إتصلت، رن مرة، مرتين، ثلاثة. حبيبة وقفت مكانها، عينيها معلقة بالموبايل، رن للمرة الرابعة، مافيش رد. مريم حسّت التوتر يرجع لجسم حبيبة :
ـ يمكن سايق.
حبيبة بدأت تهز رأسها :
هو مش عايز يكلمني.
مريم :
لأ، ما تقوليش كده.
إتصلت مريم ثاني، رن، مافيش رد. حبيبة شهقت :
قُلتلك.
مريم :
حبيبة...
حبيبة :
هو مش عايزني.
وفجأة جريت ناحية السرير، طلعت عليه، شدت مخدة رحيم الصغيرة اللي كانت بتنام بيها من وقت ما رجعت من المستشفى، وحضنتها بقوة، دفنت وشها فيها :
عايزة بابا...
صوتها المرة دي ما كانش صراخ، وده كان أصعب، كان بكاء طفل خائف فعلًا :
عايزة بابا... عايزة بابا...
مريم قعدت على طرف السرير بعيد عنها شوية، ما حاولتش تسكتها، ما قالتش لها «عيب»، ولا «إنتِ كبيرة» ولا «خلاص بقى»، سابتها تعيط، وبعد لحظات قالت:
وحشك؟
حبيبة هزت رأسها وهي دافنة وشها في المخدة :
أوي.
مريم :
وخايفة ما يرجعش؟
سكتت حبيبة، ثم هزت رأسها.
مريم فهمت :
طيب... ينفع أقولك حاجة؟
لا رد.
مريم :
ساعات لما بنخاف جدًا، دماغنا بيقول لنا حاجات كأنها حقيقية. يقول لنا: «بابا مش راجع»، مع إن بابا ما قالش كده.
حبيبة رفعت وشها :
بس هو مش هنا.
مريم :
صح.
مريم ما أنكرتش :
هو مش هنا دلوقتي.
وسكتت لحظة.
وده مزعلك.
حبيبة هزت رأسها :
أيوه.
مريم :
من حقك تزعلي.
حبيبة بصت لها باستغراب، مريم ابتسمت بحنان :
ومن حقك تقولي إنك عايزاه.
الطفلة سكتت، مريم كملت :
بس مش معنى إنه خرج إنه سابك.
حبيبة مسحت أنفها بظهر إيدها :
طب هو عارف إني عيطت؟
مريم ابتسمت :
لما نكلمه نقوله.
حبيبة :
لأ.
مريم :
ليه؟
حبيبة نزلت عينيها :
ما تقوليوش.
مريم :
ليه؟
همست :
علشان ما يزعلش مني.
مريم قلبها وجعها، قربت منها قليلًا :
حبيبة، بابا مش بيزعل منك علشان إنتِ بتعيطي.
حبيبة ما ردتش، مريم مدت إيدها، لكنها توقفت قبل ما تلمسها :
ينفع أحضنك؟
حبيبة بصت لإيدها، ثم لمريم، وببطء هزت رأسها. مريم فتحت دراعها، حبيبة دخلت فيها بسرعة، حضنتها من رقبتها بقوة،، قوة أكبر من جسمها الصغير، ومريم ضمتها :
خلاص... عيطي.
همست حبيبة :
أنا كنت خايفة.
مريم مررت إيدها على شعرها :
عارفة.
حبيبة :
كنت بناديه.
مريم :
عارفة.
حبيبة :
ومحدش جابه.
مريم قفلت عينيها :
عارفة يا حبيبتي.
وفجأة...
إتفتح باب الأوضة، مريم رفعت رأسها، شويكار كانت واقفة عند الباب، وشها اتغير أول ما سمعت آخر جملة، حبيبة ما شافتهاش، كانت لسه دافنة وشها في حضن مريم، لكن شويكار سمعت صوت حفيدتها الصغير :
تيتة قالتلي بابا مش هييجي علشان عنده ميتينج.
تجمدت شويكار، مريم رفعت عينيها ليها، ولا واحدة فيهم اتكلمت.
حبيبة كملت :
وأنا كنت بعيط علشان عايزة بابا...
شهقت.
وبعدين مش فاكرة حاجة.
شويكار حطت إيدها على بقها، ولأول مرة ما كانش قدامها رؤوف يلومها، ولا رحيم يصرخ فيها، ولا دكتور يخوفها من نتيجة اللي عملته، كان قدامها شيء أصعب، طفلة عمرها أربع سنين بتحاول تفهم ليه اختفى أبوها من قدامها، وليه اختفت بعدها هي من نفسها.
نسرين بلعجيلي
وفي الإسكندرية...
كانت الشمس داخلة من بين ستاير الأوضة بخطوط خفيفة، وصوت العربيات البعيد مختلط بصوت البحر اللي كان يوصل مكتوم من الشارع.
بوسي كانت واقفة قدام المراية. بتلم شعرها بإيديها. من وقت ما فتحت عينيها وهي بتحاول تتصرف طبيعي.. طبيعي جدًا، أكثر من اللازم، لدرجة إنها كانت حاسة إن كل حركة بتعملها محسوبة، كل نفس، كل نظرة، حتى إيديها وهي بتربط شعرها كانت بتحاول تمنعها من الرعشة. خالد كان لسه على السرير، متمدّد على ظهره، إيد تحت راسه، وعينه عليها، ساكت بيراقبها، وبوسي كانت شايفاه في المراية، لكنها عاملة نفسها مش واخذة بالها. مدت إيدها أخذت توكة من فوق التسريحة، وقبل ما تربط شعرها، سمعت صوته :
صباحية مباركة يا عروسة.
إيدها وقفت ثانية واحدة، وبعدين كملت كأنها ما اتأثرتش. لفت له بابتسامة صغيرة :
الله يبارك فيك.
خالد ابتسم :
ماتتصوريش قد إيه أنا مبسوط.
بوسي حاولت تضحك :
للدرجة دي؟
خالد :
وأكثر.
قام من السرير ببطء، بوسي رجعت تبص للمراية، خالد قرب منها، وقف وراها، ما لمسهاش، بس وجوده قريب بالشكل ده كان كفاية يخلي جسمها كله يتشد. بص لانعكاسها في المراية :
أخيرًا بقيتي مراتي.
بوسي ابتسمت :
أهو اللي إنت عايزه حصل.
خالد فضل باصص لها :
اللي إحنا عايزينه.
صحح لها بهدوء. بوسي رمشت :
أيوه... طبعًا.
ابتسامته وسعت، لكن عينيه ما ابتسمتش :
مالك؟
بوسي :
مالي؟
خالد :
مش مبسوطة؟
لفت له بسرعة :
لأ طبعًا، مبسوطة.
خالد :
طبعًا؟
بوسي :
أيوه.
خالد :
حلو.
رجع خطوتين وقعد على طرف السرير، وبوسي حسّت إنها أخيرًا قدرت تتنفس، لكن صوته رجع لها :
أنا بحبك أوي يا بوسي.
لفت له :
وأنا كمان.
خالد مال برأسه :
أمال ليه حاسس إنك خايفة مني؟
قلبها ضرب، لكن وشها فضل ثابت :
خايفة منك ليه؟
ضحك :
ماعرفش. بس أنا أعرفك.
سكت.
أعرفك من زمان أوي.
بوسي حاولت تستخف بالكلام :
أهو بقى جوزي وعارفني، عايز إيه ثاني؟
خالد ضحك، قام مشى ناحية الشباك، فتح الستارة أكثر، النور دخل الأوضة :
ـ عارف أكثر حاجة بحبها فيكِ إيه؟
بوسي :
إيه؟
خالد :
إنك بنت أصول.
بوسي سكتت.
خالد فضل باصص للشارع :
واللي يحب حد... يستره.
بوسي عينيها ثبتت عليه، هو ما بصلهاش، كمل بنفس الهدوء :
ما يطلعش أسراره بره.
سكت لحظة وكمل :
وما يسمحش لحد يدخل بينه وبينه.
بوسي بلعت ريقها :
بتقول الكلام ده ليه؟
خالد لف لها، ملامحه كانت هادية جدًا :
بقول إيه؟
بوسي :
حكاية الأسرار دي.
إبتسم :
كلام عرسان يا بوسي.
بوسي :
آه.
خالد :
ولا إنتِ فهمتِ حاجة ثانية؟
السؤال اتقال بابتسامة، لكن بوسي فهمته، وفهمت إن خالد عارف إنها فهمته، قالت بسرعة :
لأ.
خالد فضل باصص لها شوية وبعدين ابتسم :
أهو ده اللي بحبه فيكِ.
نسرين بلعجيلي
قرب منها، بوسي ثبتت مكانها، رفع إيده وعدل خصلة شعر نازلة جنب وشها :
ذكية...
سكت.
وبتفهمي من غير ما الواحد يضطر يعيد كلامه.
بوسي حسّت أطراف صوابعها بردت، لكنه كمل بنفس الابتسامة :
وأنا عايز حياتنا تبقى حلوة.
بوسي :
وأنا كمان.
خالد :
من غير مشاكل.
بوسي :
أكيد.
خالد :
ومن غير ناس تدخل بينا.
بوسي هزت رأسها :
أكيد.
خالد ابتعد عنها :
خصوصًا إن اللي فات خلاص فات.
بوسي بصت له :
اللي فات؟
خالد :
أيوه.
فتح شنطته وبدأ يدور فيها كأنه بيتكلم في موضوع عادي جدًا :
ـ ضرب.. خناق.. عصبية.. حاجات بتحصل.
إيد بوسي اتقبضت، لكنه ما كانش باصص لها وكمل :
ـ وأنا غلطت.
وقف، ثم لف لها.
وإنتِ سامحتيني؟
بوسي ما ردتش، خالد ابتسامته اختفت تدريجيًا :
صح؟
السؤال كان بسيط، لكنها ما سمعتهوش سؤالًا، سمعته أمرًا.
قالت :
صح.
رجعت الابتسامة لوشه :
أهو...
طلع قميص من الشنطة :
نبدأ من جديد.
بوسي بصت له :
من جديد.
خالد :
إحنا دلوقتي متجوزين.
سكت لحظة.
يعني مافيش أنا وإنتِ.
قرب منها مرة تانية.
ـ فيه إحنا.
بوسي حاولت تبتسم :
حاضر.
خالد رفع حاجبه :
حاضر؟
بوسي :
قصدي... أيوه.
ضحك :
خوفتيني، حسيت إني اتجوزت موظفة عندي.
بوسي ضحكت ضحكة صغيرة، مصطنعة، وخالد ضحك معاها، لكن فجأة وقف، بص لها :
ـ صحيح...
قلبها دق :
إيه؟
خالد :
سلمى كلمتك؟
بوسي ما رمشتش، أو حاولت :
سلمى؟
خالد :
أيوه.
بوسي :
لأ.
خالد :
خالص؟
بوسي :
خالص.
خالد فضل ساكت، بوسي حسّت إن قلبها بقى في حلقها :
ليه؟
إبتسم :
بسأل عادي.
بوسي :
ما كلمتنيش.
خالد :
غريبة.
بوسي :
إيه اللي غريب؟
خالد :
مافيش.
لبس قميصه :
ـ أصلها بتحبك.
بوسي حاولت تخلي صوتها عادي :
ما هي عندها اللي مكفيها.
خالد وقف وهو بيقفل زرار القميص، بصلها، إبتسم :
فعلًا.
سكت ثم قال :
عندها اللي مكفيها وزيادة.
بوسي نزلت عينيها، خالد قرب منها للمرة الأخيرة، حط إيده على كتفها :
خليكِ دايمًا كده يا بوسي.
رفعت عينيها :
إزاي؟
خالد :
عاقلة.
ضغط بأصابعه على كتفها ضغطة خفيفة، ما كانتش مؤلمة لكنها كانت كفاية :
علشان أنا لما ببقى مبسوط...
ابتسم.
بحب أخلي كل اللي حواليا مبسوطين.
وسكت لحظة، ثم كمل بهدوء :
إنما لما حد بيزعلني...
عينيه ثبتت في عينيها ثانية طويلة، ثم ضحك فجأة :
لا، سيبك. إحنا في صباحيتنا، هنقلبها نكد ليه؟
بوسي ضحكت معاه :
عندك حق.
خالد :
يلا البسي.
بوسي :
هنروح فين؟
خالد :
نفطر.
اتجه ناحية الباب، وقبل ما يفتحه لف لها :
بوسي؟
بوسي :
نعم؟
خالد :
بحبك.
قالتها هي بسرعة :
ـ وأنا كمان.
إبتسم وخرج. الباب اتقفل وظلت بوسي مكانها متسمرة ، الابتسامة اللي كانت على وشها اختفت، إيديها بدأت ترتعش، قعدت ببطء على طرف السرير وحطت إيدها على صدرها. كانت فاهمة كل كلمة:
«اللي يحب حد يستره.»
«اللي فات خلاص فات.»
«سلمى كلمتك؟»
«لما حد بيزعلني...»
خالد ما هددهاش ولا قال لها كلمة واحدة تقدر تمسكها عليه. وده بالظبط كان اللي خوّفها أكثر لأنه يعرفها، ويعرف إنها تعرفه، ويعرف إن رسالة واحدة منها لسلمى ممكن تقلب كل حاجة. رفعت بوسي عينيها ناحية الباب.
وهمست :
ـ إنت عارف إني عارفة...
سكتت، وبعدين بصت ناحية موبايلها فوق الكومود :
بس إنت مش عارف أنا قلت لها قد إيه.
عمارة عمر....
رجعوا الثلاثة للشقة، المرة دي عمر دخلها بإحساس مختلف. من أقل من ساعة كان شايفها مكان حصلت فيه كارثة هو مش فاكرها، دلوقتي بقت كمان مكان واضح إن حد استخدمه علشان ينفذ خطة أكبر بكثير مما كانوا متخيلين.
دخل يوسف الأول، وراه عمر، ورحيم كان آخر واحد، أول ما الباب اتقفل، عمر وقف في نص الصالة، ما قعدش، بص ناحية طرقة الأوض، نفس الباب، نفس المكان، لكن دلوقتي صورة خالد وهو واقف تحت العمارة مع الراجل المجهول ما كانتش بتفارق دماغه.
رحيم حط الملف على الترابيزة وقال :
لم حاجتك.
عمر لف له :
ـ نعم؟
رحيم :
حاجتك الضرورية بس، هدوم، ورق، أي حاجة محتاجها.
عمر :
ليه؟
رحيم قال ببساطة :
هترجع القصر.
عمر ضحك ضحكة قصيرة :
لأ.
رحيم :
عمر، مش وقت عند.
عمر :
وأنا مش بعاند. أنا مش راجع القصر.
رحيم عقد حواجبه :
ليه؟
عمر أشار حواليه :
وأنا أسيب الشقة دي؟
يوسف تدخل :
إحنا أصلًا اتفقنا إن محدش يلمس حاجة فيها لحد ما نعرف هنتصرف إزاي.
عمر بصله :
ما أنا مش هلمس حاجة.
رحيم قال :
وعلشان كده مش هتقعد هنا.
عمر :
طب أروح فين؟
رحيم :
القصر.
عمر :
قلتلك لأ.
رحيم تنهد :
ممكن أفهم السبب؟
عمر سكت لحظة وبعدين قال :
مش ناقص ماما.
رحيم فهم فورًا، عمر كمل :
أنا عارفها. من ساعة ما الخبر وصل لها وهي أكيد عاملة محكمة هناك. أسئلة، صريخ، مين عمل؟ إزاي حصل؟ وسلمى دي مين؟ وخالد ده إبن مين؟
رحيم :
ماما عرفت موضوع التحويل.
عمر رفع حاجبه :
أهو.
رحيم :
بس ده مش سبب إنك تفضل هنا.
عمر :
أنا مش هفضل هنا.
رحيم سكت :
أمال؟
عمر بص حواليه :
هاخذ شقة ثانية.
رحيم ما ردش فورًا، يوسف بص للاثنين ثم قال :
وده يمكن أحسن أصلًا. بعيد عن المكان ده لحد ما كل حاجة تتراجع.
رحيم فكر ثواني ثم هز رأسه :
تمام.
عمر اتفاجئ بسهولة موافقته :
تمام؟
رحيم :
آه.
رحيم أخذ موبايله :
هشوف لك شقة النهارده.
عمر قال بسرعة :
أنا أشوف لنفسي.
رحيم :
ما عندناش رفاهية إنك تقعد أسبوع تلف على شقق. هشوف حاجة جاهزة ومفروشة.
عمر كان هيرد لكنه توقف، افتكر حاجة :
سلمى فين؟
رحيم رفع عينه ليه، يوسف سكت، عمر كرر :
هي فين؟
رحيم :
في الفندق.
عمر :
لسه؟
رحيم :
أيوه.
عمر بلع ريقه :
لوحدها؟
رحيم :
أيوه.
عمر :
وخالد؟
ملامح رحيم اتغيرت :
خالد اختفى.
عمر :
يعني إيه اختفى؟
رحيم :
يعني موبايله مقفول، مش في بيته، وسلمى حاولت تكلمه ومش عارفة توصله.
عمر قرب خطوة :
هي كلمتك؟
رحيم :
الصبح.
عمر :
قالت إيه؟
رحيم سكت لحظة، كأنه بيختار إيه اللي يقوله وإيه اللي مش من حقه يقوله :
عايزة تعرف خالد فين.
عمر :
ليه؟
رحيم :
عايزة تواجهه.
عمر ضحك بعدم تصديق :
تواجهه؟ بعد كل اللي عمله؟
رحيم :
هي حرة.
عمر سكت، رحيم أكمل :
وفي حاجات إنت ما تعرفهاش.
عمر بصلّه :
إيه؟
رحيم قعد على طرف الكنبة :
خالد أخذ مهرها.
عمر :
إيه؟
رحيم :
الاتنين مليون.
عمر حدق فيه :
إزاي يعني أخذهم؟
رحيم :
أخذهم.
عمر :
وهي سمحتله؟
رحيم رفع عينه له :
عمر، بلاش السؤال ده.
عمر فهم :
تمام.
رحيم كمل :
وأجّر بيتها من وراها.
عمر :
بيتها؟
رحيم :
أيوه. تقريبًا كان مرتب إنها ما ترجعش ليه.
عمر ملامحه بدأت تتغير :
يعني هي دلوقتي ما عندهاش بيت ترجع له.
الصمت نزل بينهم، عمر لف وشه، بص ناحية الشباك :
وبوسي؟
رحيم قال :
اختفت مع خالد.
عمر رجع بصلّه :
بوسي كمان؟
رحيم :
واضح إنهم سافروا.
عمر :
فين؟
رحيم :
لسه ما نعرفش.
يوسف قال :
وده يخلي الوصول لخالد أهم.
عمر سكت، ثم سأل :
وسلمى هتفضل في الفندق لحد إمتى؟
رحيم بصله مباشرة :
مش هتفضل.
عمر :
يعني؟
رحيم :
ودي النقطة الثانية اللي لازم نتكلم فيها.
عمر حس من نبرة أخوه إن الكلام مش هيعجبه :
ـ قول.
رحيم قام :
إنت دلوقتي لازم تشيل مسؤوليتك.
عمر عقد حواجبه :
مسؤوليتي في إيه؟
رحيم بصله ثواني :
سلمى.
نسرين بلعجيلي
عمر ضحك لكن رحيم ما ضحكش، فسكت عمر :
إنت بتتكلم جد؟
رحيم :
جدًا.
عمر :
أنا مسؤوليتي عنها إزاي؟
رحيم قال بهدوء :
لأنها مراتك.
عمر وشه اتشد :
ما تقولهاش كده.
رحيم :
أقول إيه؟
عمر :
أي حاجة غير الكلمة دي.
رحيم :
بس دي الحقيقة.
عمر لف بعيدًا :
دي مش حقيقة. دي ورقة اتعملت في ليلة محدش فينا فاهم فيها حاجة.
رحيم :
الورقة موجودة.
عمر :
وأنا مش فاكر إني اخترتها.
رحيم :
وهي كمان ما اختارتكش.
الجملة وقفت عمر.
رحيم كمل :
ـ علشان نبقى واضحين. إنت مش الوحيد اللي صحيت لقيت حياتك اتغيرت.
عمر ما ردش. رحيم كمل :
هي كمان صحيت لقت نفسها مرات راجل ما تعرفوش، أخوها خذ فلوسها واختفى، بيتها اتأجر، ومش عارفة أصلًا إيه اللي حصل لها.
عمر قال بعصبية :
وأنا أعمل إيه؟!
رحيم :
تشيل مسؤولية الوضع لحد ما نعرف نحلّه.
عمر :
يعني؟
رحيم قال بمنتهى الهدوء :
هشوف شقة.
عمر بصله :
قُلتلك تمام.
رحيم :
وتروح تعيش فيها.
عمر :
تمام.
رحيم أكمل :
وسلمى تروح معاك.
الصمت نزل على الصالة، عمر فضل باصص له كأنه مستني رحيم يضحك ويقول إنه بيهزر، لكنه ما عملش.
عمر قال ببطء :
نعم؟
رحيم :
سمعتني.
عمر :
إنت اتجننت؟
رحيم :
لأ.
عمر :
عايزني أعيش معاها؟!
رحيم :
مؤقتًا.
عمر :
مؤقتًا إيه يا رحيم؟!
صوت عمر ارتفع :
إنت عايزني آخذ واحدة من الفندق وأدخل بيها شقة وأقول لها إتفضلي يا مدام الألفي؟!
رحيم :
وطي صوتك.
عمر :
مش هوطي.
مشى عمر خطوتين بعصبية :
أنا أصلًا مش قادر أبص في وشها، كل ما أفتكر نظرتها ليا وأنا صاحي جنبها...
توقف، صوته انخفض رغمًا عنه :
إنت عايزني أقفل باب واحد عليها وعليا؟
رحيم سكت، عمر كمل :
وهي هتوافق أصلًا؟
رحيم :
دي حاجة ثانية.
عمر :
لأ، مش حاجة تانية، دي أهم حاجة.
أشار لنفسه :
أنا بالنسبة لها إيه؟ راجل صحيت لقت نفسها جنبه وهي مش فاهمة حصل لها إيه،
رحيم قال :
وأنا ما قُلتش إنك تدخل عليها وتعيش دور الزوج.
عمر :
أمال بتقول إيه؟!
رحيم :
بقول توفر لها مكان آمن.
عمر ضحك بمرارة :
عندي؟
رحيم :
أيوه.
عمر :
بعد اللي حصل؟
رحيم :
بالذات بعد اللي حصل.
عمر هز رأسه بعنف :
مستحيل.
رحيم قال :
ـ عمر...
عمر :
مستحيل يا رحيم، أنا مش هعيش معاها.
رحيم :
ليه؟
عمر بصله كأنه مش مصدق السؤال :
ليه؟!
ضحك وكمل :
علشان أنا مش عارفها، علشان أنا مش فاكر إني اتجوزتها، علشان كل حاجة حصلت بينا غلط، علشان أنا لحد دلوقتي مش عارف أنا عملت فيها إيه.
سكت لحظة.
ثم قال :
وعايزني أقبلها زوجة كده وخلاص؟
رحيم ما ردش، عمر مشي ناحية الشباك :
هو ده بقى؟ دي نهايتي؟
يوسف عقد حواجبه، لكن عمر كان خلاص انفجر :
أصحى يوم ألاقي نفسي متجوز واحدة ماعرفهاش، متهم في حاجة مش فاكرها، إسمي داخل في سرقة أربعة عشر مليون، وأخوها هرب، وبعدين تيجوا تقولولي خلاص يا عمر، إتفضل دي مراتك وروح عيش حياتك؟
لف لهم :
هو ده اللي فاضل لي؟
رحيم قال بهدوء :
محدش قال دي نهايتك.
عمر :
أمال إيه؟
رحيم :
ده الأمر الواقع.
عمر سكت، رحيم قرب منه :
وإحنا لازم نتعامل مع الأمر الواقع قبل ما نعرف نغيره.
عمر :
وأنا مش قابل الأمر الواقع ده.
رحيم :
ولا سلمى قابلاه.
الجملة سكتته تاني.
رحيم أكمل :
الفرق إن عندك بيت وأهل وفلوس وإسم يسندك. هي دلوقتي ما عندهاش حتى مفتاح بيت تدخل تنام فيه.
عمر نزل عينه.
رحيم قال :
أنا مش بطلب منك تحبها.
سكت :
ولا تعتبرها زوجتك من جواك.
سكت ثانية :
ولا تقرب منها.
عمر رفع عينه له ورحيم كمل :
أنا بقول إن لحد ما نعرف الجوازة دي حصلت إزاي، وإيه اللي حصل في الليلة دي، وإيه علاقتها بخالد واللي واقف وراه، لازم يبقى فيه حل مؤقت.
عمر قال :
الفندق حل.
رحيم :
لأ.
عمر :
ليه؟
رحيم
لأنها مش هتفضل عايشة في أوضة فندق وإنت عندك عشرين مكان تقدر تروحهم.
عمر :
أديها شقة لوحدها.
رحيم سكت لحظة :
ممكن.
عمر قال فورًا :
أهو.
لكن رحيم أكمل :
لو وافقت هي.
عمر عقد حواجبه :
يعني؟
رحيم :
يعني مافيش قرار هيتاخذ عنها.
سكت :
لكن إنت كمان لازم تفهم إن المسألة مش هتختفي لمجرد إنك مش عايز تشوفها.
عمر مرر إيده في شعره :
يا رحيم... أنا مش قادر.
لأول مرة صوته ما كانش غاضب، كان متعب :
أنا مش قادر أستوعب إن فيه واحدة في الدنيا إسمها مربوط بإسمي بالشكل ده.
رحيم نظر له طويلًا ثم قال :
وأنا أظن إن شويكار هانم لما تهدى شوية، ممكن تكون هي أول واحدة تحاول تفك الرباط ده.
عمر رفع عينه :
تقصد إيه؟
رحيم إبتسم ابتسامة صغيرة بلا مرح :
إنت عارف ماما.
عمر سكت وهو يسمع.
رحيم أكمل :
أول ما الأمور تهدى وتستوعب اللي حصل، غالبًا هتبدأ تدور إزاي تخرجك من الجوازة دي.
عمر ما ردش، رحيم كمل :
وفي نظرها سلمى...
توقف.
عمر قال :
مالها؟
رحيم أخذ نفسًا :
مش العروسة المناسبة ليك.
عمر ملامحه اتقفلت :
المناسبة؟
رحيم :
أنا بقولك طريقة تفكير ماما، مش رأيي.
عمر :
يعني إيه مش مناسبة؟ علشان فقيرة؟
رحيم :
عمر...
عمر :
علشان من الحارة؟ علشان أخوها خالد؟
رحيم :
ما تحطنيش في كلام ما قلتوش.
عمر سكت.
رحيم أكمل :
إنت عارف معايير شويكار هانم، إسم العيلة، المستوى الاجتماعي، العلاقات، مين أهلها... وسلمى بالنسبة لها جاية من عالم مختلف تمامًا.
عمر ضحك بسخرية :
جميل، يعني حتى المصيبة بتاعتي لازم تعدي لجنة اختيار العرايس عند شويكار هانم.
يوسف أخفى ابتسامة صغيرة، لكن رحيم فضل جاد :
أنا بقولك بس إن الجوازة دي مش حكم مؤبد.
عمر بص ناحية باب غرفة نومه.
ثم قال :
بس لحد ما تتفك...
رحيم فهم السؤال :
لحد ما تتفك، فيه بنت إسمها سلمى معلقة زيك بالظبط.
عمر أغمض عينيه، رحيم قرب منه :
ـ فكر في حاجة واحدة بس.
فتح عمر عينيه :
إيه؟
رحيم :
إنت عندك رفاهية تقول : «مش عايز أرجع القصر.»
سكت :
هي حتى الرفاهية دي ما عندهاش.
عمر ما ردش، ولأول مرة فكرة الشقة الجديدة ما بقتش بالنسبة له مجرد مكان يهرب إليه من الشقة القديمة، بقت مكان ممكن يُغلق بابه لأول مرة على شخصين يحملان صفة زوج وزوجة، بينما ولا واحد منهم يعرف، كيف أصبح الآخر جزءًا من حياته.
في مجموعة الألفي...
دخلت شويكار من باب الشركة بخطوات سريعة، من لحظة ما خرجت من مكتب رؤوف، وهي حاسة إن عقلها مش قادر يسكت.
أربعة عشر مليون جنيه،تحويل مزور بإسم عمر.
خالد.
سلمى.
ورؤوف...
والظرف القديم اللي ما شافتهوش، لكنها كانت متأكدة إن فيه حاجة مدفونة وراه. كل حاجة بقت متشابكة بشكل يخوف. أول ما دخلت الدور الإداري، الموظفين وقفوا يسلموا عليها :
صباح الخير يا شويكار هانم.
ما ردتش غير بإشارة صغيرة من رأسها. دخلت مكتب رحيم، كان فاضي، لفت للسكرتيرة :
أستاذ محمود فين؟
السكرتيرة :
محامي الشركة؟
شويكار :
أيوه.
السكرتيرة :
موجود في الشؤون القانونية يا فندم.
شويكار :
خليه يجيلي حالًا.
السكرتيرة :
حاضر.
دخلت المكتب وقفلت الباب. وقفت قدام الشباك الكبير، من فوق القاهرة كانت ماشية عادي، لكن بالنسبة لشويكار، مافيش حاجة بقت عادية.
بعد دقائق، خبط الباب.
شويكار :
أدخل.
دخل محامي الشركة، رجل في أواخر الخمسينات، ماسك ملف كبير :
صباح الخير يا شويكار هانم.
شويكار :
اقعد يا محمود.
قعد، هي ما قعدتش :
فهمني.
المحامي :
حضرتك تقصدي التحويل؟
لفت له وقالت :
أقصد إزاي أربعة عشر مليون جنيه يخرجوا من شركتي، وفي الآخر ألاقي إبني هو اللي وافق عليهم وهو أصلًا ماكانش في وعيه.
المحامي عدل نظارته :
إحنا لسه بنراجع كل حاجة. لكن اللي واضح لحد دلوقتي إن الموضوع مش خطأ موظف.
شويكار :
يعني؟
المحامي :
فيه شبهة احتيال متعمد.
شويكار ضيقت عينيها :
من جوه الشركة؟
المحامي :
ما أقدرش أقول ده لسه.
شويكار :
ومن بره؟
المجامي :
برضه ما أقدرش أجزم.
ضربت بكفها على المكتب. :
أمال تقدر تقول إيه؟
الراجل سكت لحظة :
أقدر أقول إن اللي عمل العملية دي كان عنده معلومات دقيقة جدًا عن نظام الشركة.
شويكار ما ردتش كمل :
عارف المورد، عارف بياناته، عارف دورة الموافقات، وعارف إن عمر بيه عنده صلاحية نهائية بالمبلغ ده.
سكت ثم أضاف :
وعارف التوقيت المناسب.
شويكار ثبتت عينيها عليه :
التوقيت؟
المحامي :
العملية تمت في وقت الإدارة العليا كلها تقريبًا كانت بعيدة عن الشركة.
الجملة دخلت عقلها فورًا، رحيم مع حبيبة، عمر، الله وحده يعلم كان فين بعقله وقتها، وهي في القصر. كل واحد فيهم كان مشغول بمصيبة.
قالت ببطء :
يعني اللي عمل كده كان عارف إحنا فين؟
المحامي هز رأسه :
ـ ما قلتش كده.
شويكار :
بس فكرت فيها.
لم يجب، شويكار مشيت ناحية المكتب :
والمناقصة؟
المحامي رفع عينه :
مالها؟
شويكار :
المشروع الجديد.
المحامي :
الإجراءات مستمرة.
شويكار :
مافيش حاجة غريبة؟
تردد، شويكار لاحظت :
محمود.
المحامي :
فيه ضغط كبير من المنافس.
شويكار :
ده أنا عارفاه.
المحامي :
وفيه كلام إنهم ممكن ينزلوا بسعر صعب جدًا.
شويكار ضحكت بسخرية :
ينزلوا زي ما هم عايزين.
قعدت أخيرًا على كرسي رحيم :
إحنا مش هنتنازل عن المناقصة.
المحامي قال :
محدش قال نتنازل.
شويكار :
وأنا بقولها من دلوقتي. مهما حصل، المشروع ده مش هنسيبه.
رن موبايلها، بصت له، رقم مجهول، تجاهلته. المحامي فتح الملف :
بالنسبة للتحويل، أنا شايف إننا لازم...
صوت إشعار قطع كلامه، شويكار بصت للموبايل، رسالة من رقم غير مسجل، فتحتها بلا اهتمام.، وفي ثانية، إختفى كل شيء من حولها، كان فيه فيديو، وتحته سطر واحد.
شويكار قربت الموبايل من وشها، الصورة المصغرة، أوضة.. سرير.. وراجل.
قلبها دق بعنف، عرفته.. عمر.
المحامي كان بيتكلم :
شويكار هانم، بالنسبة للبنك إحنا ممكن...
ما سمعتش، ضغطت على الفيديو، الصورة اتحركت، وفي اللحظة الأولى ما فهمتش، كانت الكاميرا بعيدة نسبيًا، واضح إنها متثبتة في مكان ما داخل الغرفة، السرير ظاهر، جزء من الأوضة ظاهر، وعمر... عمر كان هناك، لكن مش عمر اللي تعرفه.
شويكار قربت الهاتف أكثر :
يا نهار أسود...
عينيه نصف مفتوحة، حركته ثقيلة وغير متزنة، وشه جامد بطريقة مرعبة، كان بيتحرك كأن جسمه صاحي، لكن عقله مش موجود، زي واحد ماشي وهو نايم، زي... زومبي.
عمر؟
قالتها شويكار للشاشة كأنه ممكن يسمعها، ثم ظهرت سلمى وشويكار شهقت، البنت كانت مرعوبة، واضح من حركتها إنها بتحاول تبعد عنه، تراجعت، رفعت إيديها قدامها، كانت بتتكلم، الصوت مش واضح بما يكفي، لكن الخوف ما كانش محتاج صوت، كان ظاهر في جسمها كله، في تراجعها. في محاولتها تبعده، في نظرتها للباب.
عمر قرب منها، سلمى دفعته، هو ترنح للحظة ثم رجع ناحيتها.
ـ لأ...
خرجت الكلمة من شويكار من غير ما تحس :
عمر... لأ.
المحامي رفع رأسه :
حضرتك كويسة؟
لم ترد.
في الفيديو سلمى حاولت تعدي من جانبه، عمر مسكها، قاومته، المشهد بقى أسرع.. أعنف.. مشوش. سلمى بتحاول تفلت، عمر في حالة تشبه الغياب، ثم رفع إيده والضربة نزلت عليها.
شويكار شهقت وحطت إيدها على بقها :
يا ابني...
نسرين بلعجيلي
سلمى وقعت ناحية طرف السرير، حاولت تبعد وعمر قرب منها من جديد. الخوف على وش سلمى كان كافي يخلي معدة شويكار تنقبض. كانت بتحرك رأسها بالرفض، بتحاول تزقه بتحاول تبعد عنه. وعمر.. ماكانش شايف، أو يمكن كان شايف لكن مش واعي. ملامحه كانت مخيفة، غريبة، وجه إبنها لكن مش إبنها.
شويكار بدأت تهز رأسها :
ـ لأ...
الفيديو استمر، ثواني أخرى، يد سلمى بتدفع، عمر يمسكها، صرخة مكتومة، مقاومة، وبداية مشهد...
شويكار فهمت منه ما يكفي.
صرخت :
لأ!
وضغطت على الشاشة، الفيديو وقف، رمت الموبايل على المكتب كأنه حرق إيديها. قامت من الكرسي بسرعة، المحامي قام هو كمان :
ـ شويكار هانم؟
كانت بتتنفس بسرعة :
لأ...
حطت إيدها على صدرها :
لأ... عمر ما يعملش كده.
المحامي :
حضرتك مالك؟
شويكار :
إبني...
بصت للموبايل :
ده مش ابني.
لكن الصورة المتوقفة كانت قدامها، عمر وسلمى تحته وهي بتحاول تبعده.
مدت إيدها للموبايل، إيديها كانت بتترعش، فتحت الرسالة، كان فيه كلام تحت الفيديو.
قرأته مرة، ثم مرة ثانية، وكأن عقلها رافض يفهم :
«إنسحبي من المناقصة.»
تحتها :
«قدامك 24 ساعة.»
ثم السطر الأخير :
«لو ما تنازلتيش، الفيديو كامل هيوصل للصحافة والسوشيال ميديا.»
شويكار اتجمدت، ونزلت بعينيها للسطر الأخير :
«وساعتها فضيحة الألفي هتبقى أكبر من إن فلوسكم تقدر تدفنها.»
الموبايل وقع من إيدها، المحامي اتحرك بسرعة :
شويكار هانم؟
هي ما سمعتوش، فجأة الأمور كلها ركبت فوق بعضها، المناقصة، المنافس، الأربعة عشر مليون، خالد، عمر، سلمى، الفيديو. دي ما كانتش فضيحة حصلت بالصدفة، حد صنعها، حد دخل بنت إلى أوضة إبنها، حد غيّب وعيه، حد حط كاميرا، حد كان واقف من البداية.. مستني اللحظة دي.
همست :
كل ده...
المحامي قرب منها :
حضرتك أقعدي.
رفعت عينيها له :
كل ده علشان المناقصة؟
ثم سكتت، لأن ألم حاد ضرب صدرها فجأة، شهقت، إيدها اتقفلت فوق قلبها :
آه...
المحامي جرى ناحيتها :
شويكار هانم.
حاولت تاخذ نفس، ما قدرتش، رجعت خطوة، ثم خطوة ثانية، إيدها مسكت طرف المكتب لكن أصابعها ما قدرتش تثبت :
مش... قادرة...
المحامي :
أقعدي، أقعدي يا فندم.
مد إيده يمسكها، لكن جسمها سبق إيده، وقعت شويكار على الأرض.
المحامي :
شويكار هانم.
صوته دوّى في المكتب، فتح الباب وصرخ :
حد يطلب الإسعاف بسرعة.
الموظفين جريوا، السكرتيرة دخلت، واحد جاب مية، حد اتصل بالأمن، حد بيصرخ :
دكتور، فيه دكتور في المبنى؟!
لكن شويكار كانت على الأرض، ساكنة، عينيها مفتوحة نصف فتحة وإيدها ما زالت فوق صدرها.
المحامي نزل جنبها :
شويكار هانم؟
لا رد :
سامعاني؟
لا شيء.
وفي وسط الفوضى الموبايل كان واقع على الأرض بجانبها، الشاشة لم تنطفئ بعد، الفيديو متوقف، عمر ظاهر فيه وسلمى تحاول إبعاده، ثم وصل إشعار جديد لم يره أحد، رسالة ثانية من نفس الرقم :
«دي كانت الفرصة الأولى.»
وبعدها مباشرة..
«الفرصة الثانية مش هتيجي.»
إنطفأت شاشة الهاتف، وفي اللحظة نفسها،صرخت السكرتيرة :
هي مش بترد.
وتجمّع الجميع حول جسد شويكار، بينما باب المكتب ظل مفتوح، والخبر بدأ ينتشر في الشركة :
شويكار هانم وقعت.
لكن لا أحد كان يعرف هل سقطت فقط.. أم أن قلب شويكار الألفي...
توقف فعلًا.
يتبع...
وشكر كبير من قلبي لكل واحدة بتقرأ، وبتعلق، وبتحلل، ولكل حد بياخد من وقته ويكتب ريفيو عن الرواية... كلامكم بيوصلني وبيفرحني أكتر مما تتخيلوا.
والقراء الصامتين بقى
أنا عارفة إنكم موجودين وبتتابعوا من بعيد... المرة دي عايزة أشوفكم.
حتى لو بكلمة واحدة: قولولي رأيكم في الفصل، ومين أكتر شخصية شغلت بالكم...