رواية جريمة إسمها زواج الفصل السابع عشر 17 بقلم نسرين بلعجيلي


رواية جريمة إسمها زواج الفصل السابع عشر 17 بقلم نسرين بلعجيلي



بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم إنا نستودعك أنفسنا وقلوبنا وأهلنا، فاحفظنا بعينك التي لا تنام، واكفنا شر من أظهر لنا الأمان وأخفى لنا الأذى.


اللهم لا تجعل ثقتنا في أحد بابًا لكسرنا، ولا محبتنا سببًا لوجعنا، ولا طيبتنا طريقًا يستغلها من لا يخافك فينا.


اللهم إن كان حولنا شر لا نراه، فأبعده عنا قبل أن يصل إلينا، وإن كان هناك من يدبر لنا أمرًا في الخفاء، فاكشفه لنا ورد كيده عنه، واجعل تدبيره عليه لا علينا.


اللهم كن مع كل قلب خائف، وكل إنسان تعرض للظلم ولم يجد من يسمعه، وكل روح تحمل وجعًا أكبر من قدرتها على الكلام.


اللهم استرنا سترًا جميلًا في الدنيا والآخرة، واجبر ما انكسر فينا جبرًا يليق برحمتك، وعوضنا عن كل أذى بأمان، وعن كل خوف بسكينة، وعن كل خيانة بأشخاص يخافونك في قلوبنا.


اللهم لا تجعلنا ضحية لمن وثقنا بهم، ولا تتركنا وحدنا في لحظة لا نملك فيها إلا أن نقول: يا رب.


آمين يا رب العالمين 

أحيانًا الخطر ما بيجيش من شخص غريب...


ما بيخبطش الباب ويقول لنا إنه جاي يأذينا.


أحيانًا بيدخل من الباب اللي إحنا بنفسنا فتحناه له، لأنه كان يحمل وجهًا نعرفه، وصوتًا نثق فيه، واسمًا عمرنا ما تخيلنا إننا هنخاف منه يومًا.


وأصعب أنواع الخوف مش إنك تكتشف إن فيه حد عايز يؤذيك...


الأصعب إنك تكتشف إن الشخص اللي كان المفروض يحميك، هو نفسه اللي حطك في طريق الأذى.


وفي لحظات معينة، الإنسان ما بيبقاش محتاج يعرف كل الحقيقة...


يكفيه جزء صغير منها علشان كل ذكرياته القديمة تتغير.


كلمة واحدة.


نظرة واحدة.


أو غلطة تخرج من لسان شخص كان المفروض عمره ما يغلط قدامك...


فتخليك تسأل نفسك:


أنا كنت أعرفه فعلًا؟


ولا أنا طول السنين دي كنت أعرف الشخص اللي هو اختار يورّيهولي؟


والليلة دي...


فيه حد هيبدأ يشوف الحقيقة لأول مرة.


لكن المشكلة إن بعض الحقائق لما بنعرفها...


ما بنقدرش نرجع زي ما كنا قبلها.




_الفصل السابع عشر_




في شقة عمر...


الباب بدأ يتفتح ببطء، وسلمى واقفة قدامه، رجعت خطوة لورا من غير ما تحس، إيدها اتحطت على صدرها، وعينيها فضلت ثابتة على فتحة الباب اللي بتوسع قدامها واحدة واحدة. ظهر عمر، لكن سلمى أول ما شافته ما ارتاحتش، بالعكس، الخوف اللي كان جواها زاد. كان واقف عند الباب بصعوبة، إيده ماسكة في الحلق كأنه بيحاول يسند نفسه، قميصه مفتوح من فوق، شعره مبهدل ووشه محمر بطريقة غريبة، لكن أكتر حاجة خوفتها كانت عينيه، مش نظرة واحد صحي من النوم ولا حتى واحد تعبان، كان بيبصلها كأنه شايفها، وفي نفس الوقت مش شايفها. سلمى بلعت ريقها.


سلمى : 


عمر بيه؟




ما ردش، فضل واقف مكانه.


سلمى : 


حضرتك سامعني؟




عمر رمش أكثر من مرة، حاول يركز فيها.


عمر : 


خالد...




صوته كان ثقيل. سلمى قربت خطوة بحذر.


سلمى : 


خالد مشي.




عمر عقد حواجبه كأنه بيحاول يفتكر.


عمر : 


مشي؟




سلمى : 


أيوه، وسابك بالحالة دي ومشي.




عمر حط إيده على راسه، غمض عينيه للحظة.


عمر : 


أنا تعبان.




سلمى : 


ما أنا قلتله نجيبلك دكتور وهو رفض.




فتح عينيه، سلمى كملت بسرعة :


وأنا هطلب لحضرتك دكتور دلوقتي.




لفت ناحية الصالة.


عمر : 


إستني...




سلمى وقفت، لفت له، عمر خرج خطوة من الأوضة، رجليه خانته للحظة، مسك الحيطة. سلمى اتحركت ناحيته بشكل تلقائي.


سلمى : 


حاسب.




مدت إيدها تسنده، وأول ما إيدها لمست دراعه، عمر مسك رسغها بقوة. سلمى شهقت، بصت لإيده وبعدين رفعت عينيها له.


سلمى : 


عمر بيه، إنت ماسك إيدي جامد.




عمر فضل باصص لها، سلمى حاولت تسحب إيدها.


سلمى : 


سيب إيدي.




ما سابهاش. سلمى قلبها بدأ يدق أسرع.


سلمى : 


عمر بيه.




شدت إيدها بقوة، المرة دي فلتت منه، رجعت خطوتين وبصت له بخوف واضح.


سلمى : 


إنت مالك؟




عمر مرر إيده على وشه بعنف.


عمر : 


ماعرفش.


وبص حواليه.


عمر : 


أنا... أنا مش فاكر.




سلمى : 


مش فاكر إيه؟




عمر حاول يركز.


عمر : 


خالد كان هنا.




سلمى : 


أيوه.




عمر : 


إداني...


وسكت.


إيده راحت لدراعه مكان الحقنة من غير وعي، سلمى لاحظت، عقدت حواجبها.


سلمى : 


إيدك مالها؟




عمر بص لإيده.


عمر : 


مالي؟




سلمى قربت شوية.


سلمى : 


وريني.




عمر : 


إيه؟




سلمى : 


دراعك.




مدت إيدها ناحية كم قميصه، لكن قبل ما تلمسه مسك إيدها ثاني، المرة دي سلمى اتخضت أكثر.


سلمى : 


سيبني.




عمر قرب منها خطوة، سلمى رجعت.


سلمى : 


عمر بيه، فوق إنت مش طبيعي.




الكلمة خبطت في دماغه.


عمر : 


مش طبيعي؟




سلمى : 


آه، إنت تعبان لازم دكتور. أنا هكلم حد من أهلك.




لفت بسرعة ناحية الترابيزة، كانت بتدور على موبايلها ملقتوش. بصت حواليها.


سلمى : 


موبايلي فين؟




افتكرت إنها سابته في شنطتها جنب الكنبة، راحت ناحيتها بسرعة، عمر كان واقف مكانه بيتابعها بعينيه. سلمى فتحت شنطتها، طلعت الموبايل، فتحت الشاشة، وقبل ما تعمل أي حاجة إيد عمر نزلت على الموبايل، وقع منها على الأرض. سلمى شهقت، رفعت راسها له.


سلمى : 


إنت بتعمل إيه؟!




عمر نفسه بص للموبايل كأنه مش مستوعب عمل إيه، سلمى انحنت بسرعة تاخذه، لكنه مسك دراعها.


سلمى : 


سيبني.




عمر : 


إستني...




سلمى : 


أستنى إيه؟! إنت مش واعي، سيب إيدي.




شدت نفسها منه، عمر سابها فجأة، اتخبطت في طرف الكنبة، وقفت بسرعة وعينيها عليه. الخوف بقى واضح في وشها.


سلمى : 


أنا ماشية.




عمر : 


إستني.




سلمى : 


لأ، أنا هجيبلك دكتور وأرجع.




عمر : 


قُلت إستني.




نبرة صوته اختلفت، سلمى سكتت ثانية واحدة، وبعدين لفت وجريت ناحية باب الشقة، مسكت المقبض، فتحته، أو حاولت، الباب ما اتحركش، عقدت حواجبها، حاولت ثاني.


سلمى : 


إيه ده؟




شدت المقبض مرة واثنين، الباب ما فتحش. سلمى بدأت تتوتر.


سلمى : 


يا نهار أسود. 




خبطت على الباب.


سلمى : 


حد بره؟!




مافيش رد، خبطت أقوى.


سلمى : 


يا جماعة، حد يفتح.




بصت ناحية لوحة القفل، حاولت تتصرف فيها، ولا حاجة، ومن وراها سمعت خطوات بطيئة، لفت، عمر كان واقف على بعد كام متر منها. سلمى حسّت إن نفسها اتحبس.


سلمى : 


عمر بيه، ما تقربش.




عمر وقف كأن الكلمة وصلت له للحظة، بصلها وفي عينيه حاجة شبه الحيرة.


عمر : 


إنت خايفة مني؟




سلمى ما ردتش، إيدها فضلت على المقبض، عمر قرب خطوة.


سلمى : 


خليك مكانك.




وقف ثاني. سلمى حاولت تهدي صوتها.


سلمى : 


بصلي كويس، أنا سلمى، فاكرني؟




عمر : 


عارف.




سلمى : 


طيب إسمعني، خالد اداك حاجة وأنا مش عارفة هي إيه، إنت مش في وعيك، خليني أخرج وأجيبلك حد يساعدك.




عمر حط إيده على راسه، غمض عينيه لثواني، بان كأنه بيحارب حاجة جواه.


عمر : 


دماغي...




سلمى : 


خلاص، اقعد مكانك وأنا هتصرف.




عمر فتح عينيه ونظرته وقعت عليها من جديد، سلمى اتجمدت. في اللحظة دي فهمت إن الكلام مش واصل له زي ما هي عايزة، مدت إيدها ناحية الموبايل اللي كان واقع بعيد، خطوة واحدة.


بس عمر اتحرك، سلمى جريت ناحية الموبايل، إنحنت علشان تاخده، لكن قبل ما توصل له، مسكها من دراعها وشدها. سلمى صرخت.


سلمى : 


سيبني.




حاولت تضرب إيده.


عمر : 


إهدي.




سلمى : 


إنت اللي ابعد عني.




ضربته في صدره بكل قوتها، عمر رجع خطوة، سلمى استغلت اللحظة، جريت ناحية الباب، خبطت عليه بجنون.


سلمى : 


إفتحوا، حد يفتح الباب يا ناس.




عمر قرب منها، سلمى لفت وضربته بإيدها.


سلمى : 


ما تقربش مني.




للحظة عمر وقف، حط إيده على خده وبص لها. سلمى شافت في عينيه حاجة خوفتها أكثر من أي حاجة حصلت من ساعة ما خالد خرج.


غضب... مش غضب عمر اللي شافته قبل كده، حاجة مشوهة، مشوشة وعنيفة. سلمى هزت راسها وهي بترجع لورا.


سلمى : 


لأ، أرجوك، فوق إنت مش كده.




لكن عمر اتحرك ناحيتها، وسلمى جريت خبطت في الترابيزة، وقعت الأباجورة واتكسرت على الأرض. مسكت أول حاجة جات قدامها، فازة صغيرة، رفعتها قدامها.


سلمى : 


والله لو قربت هضربك بيها.




عمر وقف، سلمى كانت بتترعش، دموعها بدأت تنزل رغمًا عنها.


سلمى 


: فوق يا عمر بيه،أرجوك فوق، خالد عمل فيك حاجة، إنت مش واعي، حاول تفتكر.


خالد...


الحباية...


عمر رمش، كلمة خالد كأنها دخلت دماغه.


عمر : 


خالد...




سلمى : 


أيوه، خالد هو اللي عمل فيك كده. تعالى نقعد وأنا مش هقرب منك، بس خليك بعيد عني.




لثانية، اتعلقت بأمل إن كلامها وصله، لكن عمر قرب خطوة. سلمى رفعت الفازة.


سلمى : 


ما تقربش، خطوة تانية.




سلمى صرخت وضربت الفازة في الأرض قدامه، اتكسرت وجريت. لكن الشقة اللي كانت من ساعات مجرد مكان شغل بالنسبة لها، بقت فجأة أضيق مكان في الدنيا، باب مقفول، موبايل بعيد ومافيش حد سامعها، وعمر.. مش هو عمر. وصلت ناحية المطبخ، حاولت تقفل الباب، إيده لحقت الباب قبل ما يتقفل، سلمى صرخت، زقته بكل قوتها، عمر زق الباب، هي قاومته.


سلمى : 


إبعد عني.




الباب اتفتح بعنف، سلمى رجعت لورا واتخبطت في الرخامة، شهقت من الوجع. عمر دخل، سلمى مدت إيدها ناحية أي حاجة تدافع بيها عن نفسها، لكنه مسك إيدها. بدأت تضربه بإيدها الثانية في صدره، في كتفه، أي مكان توصل له.


سلمى : 


سيبني، سيبني يا عمر، إنت مش واعي.




قاومته بكل قوتها، وفي وسط المقاومة صوت قماش اتقطع. سلمى اتجمدت للحظة، بصت له ثم بصت لهدومها، ورجعت عينيها له. الخوف اللي كان فيها اتحول لرعب كامل.


سلمى : 


لأ،




رجعت تحاول تفلت منه بعنف أكبر.


سلمى : 


لأ، إبعد عني.




صرخت بأعلى صوتها.


سلمى : 


حد يلحقني.




وفي الخارج، الممر كان ساكن، باب الشقة مقفول ولا حد رد، أما جوا، وقع كرسي على الأرض واتكسرت كوباية، وصوت سلمى فضل يقاوم السكون، لحد اللحظة اللي بقت فيها الحقيقة أوضح من إنها تحتاج كلمة واحدة زيادة.




بعيدا عن الشقة...


كان خالد واقف في شارع جانبي بعيد عن العمارة، سند ظهره على عربيته، وطلع سيجارة، ولعها، أخذ نفس طويل وبص في ساعته، الغريب إنه ماكانش متوتر ولا مستعجل، كان واقف كأن الليلة ماشية بالظبط زي ما كان مخطط لها.


موبايله رن، بص للشاشة، رقم من غير اسم، رد فورًا.


خالد : 


ألو.




الصوت من الناحية الصانية قال حاجة، خالد بص حواليه قبل ما يرد.


خالد : 


كله تحت السيطرة.




سكت يسمع.


خالد : 


أيوه، خرجت من الشقة.




سكت، وبعدين إبتسم.


خالد : 


ما تقلقش كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا.




الطرف الثاني سأله حاجة، خالد رمى السيجارة على الأرض وداس عليها برجله.


خالد : 


لأ، ماحدش شاف حاجة.




سكت شوية وبعدين قال :


والباقي؟




الصوت رد. إبتسامته اختفت.


خالد : 


أنا عملت اللي عليا، عايز حقي كامل.




سكت يسمع، وبعدين قال بحدة أخف :


تمام.




قفل المكالمة. فضل باصص للموبايل ثواني ثم رفع عينه ناحية العمارة البعيدة وهمس :


ربنا يستر بقى.


نسرين بلعجيلي 


لكن حتى وهو بيقولها، ماكانش في صوته ندم، كان فيه انتظار كأن اللي حصل لحد دلوقتي لسه مش نهاية المطلوب منه.




وفي قصر الألفي...




كانت الساعة عدت نص الليل، القصر هادي، رؤوف قاعد في الصالون بيقلب في التلفزيون من غير اهتمام، رحيم كان نازل من فوق بعد ما اطمن على حبيبة. أما شويكار، فكانت قاعدة مكانها من وقت ما رجعت من الشركة، الموبايل جنبها وكل دقيقتين تقريبا عينيها تروح له، رحيم لاحظ.


رحيم : 


مالك؟




شويكار : 


مافيش.




رحيم : 


من ساعة ما جيتِ وإنت باصة للموبايل.




شويكار ما ردتش، رحيم قرب وقعد.


رحيم : 


حصل حاجة في الشركة بعد ما مشينا؟




شويكار : 


لأ.


سكتت شوية، وبعدين قالت فجأة :


عمر كلمك؟




رحيم : 


لأ.




شويكار : 


وحسام؟




رحيم : 


ماعرفش.




شويكار : 


غريبة.




رؤوف رفع عينه من التلفزيون.


رؤوف : 


إيه اللي غريب؟




شويكار : 


مش عارفة، حاسة إن فيه حاجة.




رحيم : 


حاجة زي إيه؟




شويكار ضغطت إيدها على صدرها.


شويكار :


مش عارفة يا رحيم، من ساعة ما رجعت وأنا قلبي مقبوض، حاسّة إن عمر مش كويس.




رحيم : 


بسبب اللي حصل بينكم؟




شويكار : 


يمكن.


وبعدين هزت راسها.


شويكار : 


لأ، مش بس كده، أنا عارفة عمر لما يزعل مني يقفل تليفونه ويختفي، يعمل أي مصيبة علشان يعاقبني، بس المرة دي أنا مش مرتاحة.




رؤوف : 


طب كلميه.




شويكار : 


مش هكلمه.




رحيم رفع حاجبه.


شويكار : 


إيه؟




رحيم : 


من شوية قلبك مقبوض عليه، ودلوقتي مش هتكلميه؟




شويكار : 


هو اللي خرج وسابني وأنا بكلمه.




رحيم : 


يا ماما، ده إبنك مش منافس في مناقصة.




شويكار رمقته.




رحيم : 


لو عايزة تطمني عليه كلميه.




شويكار مدت إيدها للموبايل، وقبل ما تمسكه سمعوا صوت كعب عالي، لارا كانت نازلة السلم لابسة روب طويل، والموبايل في إيدها، أول ما شافت شويكار، إتجهت ناحيتها مباشرة. رحيم أول ما شاف ملامحها عرف إن فيه مشكلة.


لارا : 


كويس إن حضرتك لسه صاحية.




شويكار رفعت عينيها ليها.


شويكار : 


خير يا لارا؟




لارا : 


كنت عايزة أفهم حاجة.




شويكار : 


إتفضلي.




لارا : 


حضرتك قُلتِ لحسام إن سفر باريس يتلغي؟




شويكار : 


آه.




لارا : 


ليه؟




شويكار ردت بمنتهى الهدوء :


لأن حسام عنده شغل.




لارا : 


حسام نفسه ماقالش كده.




شويكار : 


أنا عارفة شغل إبني أكثر منه.




لارا ضحكت بسخرية.


لارا : 


بالظبط.




شويكار عقدت حواجبها.


شويكار : 


يعني إيه؟




لارا : 


يعني دي المشكلة كلها، حضرتك عارفة كل حاجة أكثر من أصحابها.




شويكار : 


لو جاية تتخانقي، إختاري وقت ثاني.




لارا : 


وأنا بقالي ثلاث سنين باختار وقت تاني، يمكن المشكلة إني كل مرة بسكت.


نسرين بلعجيلي 


رؤوف بص لرحيم، ورحيم رجع بظهره للكرسي، واضح إن الليلة لسه طويلة.


شويكار : 


قولي اللي عندك.




لارا : 


أنا عايزة أعرف حضرتك رفضتِ سفريتنا ليه؟




شويكار : 


وإنت لسه راجعة من باريس.




لارا : 


وماله؟




شويكار : 


يعني إيه وماله؟




كل شهرين سفرية، باريس، لندن، روما، وكل مرة حسام يسيب شغله ويجري وراكِ.




لارا : 


يجري ورايا؟! ده جوزي وإحنا مسافرين مع بعض.




شويكار : 


وجوزك عنده مسئوليات.




لارا : 


وأنا مسئوليته برضه.




شويكار : 


ماحدش قال غير كده.




لارا : 


لأ، حضرتك بتقولي غير كده طول الوقت.




شويكار : 


خلي بالك من أسلوبك يا لارا.




لارا ابتسمت.


لارا : 


أهو نفس الجملة.




رحيم بص لها بسرعة، الجملة فكرته بعمر في اجتماع الصبح، وشويكار نفسها اتغير وشها للحظة.


لارا كملت :


لارا : 


"خلي بالك من أسلوبك."


"ما تسافروش."


"اقعدوا."


"تعالوا."


"ما تعملوش."


هو إحنا في القصر ده عايشين ولا موظفين عند حضرتك؟




شويكار قامت.


شويكار : 


إنت ناسية بتتكلمي مع مين؟




لارا : 


لأ، أهو ده اللي حضرتك مش فاهمه، أنا عارفة كويس بتكلم مع مين، بتكلم مع أم جوزي، مش مع صاحبة حياتي.




رؤوف : 


لارا...




لارا : 


ماعلش يا عمو، أنا لازم أتكلم.




شويكار : 


وأنا مش مضطرة أسمع قلة أدب في بيتي.




لارا : 


بيتك؟


ضحكت بمرارة.


لارا : 


حتى دي، كل حاجة هنا بتاعتك، القصر بتاعك، الشركة بتاعتك، ولادك بتوعك، قراراتهم بتاعتك، حتى جوازاتهم عايزاها تمشي بمزاجك.




شويكار : 


وإنت بالذات آخر واحدة تتكلم عن الجواز.




لارا اتجمدت.


رحيم : 


ماما.




لكن شويكار كانت خلاص اتعصبت.


شويكار : 


إنتِ عايزة تعيشي حياة كلها سفر وخروج وفسح، وحسام ماشي وراكِ. 




لارا : 


دي حياتنا وإحنا أحرار فيها.




شويكار : 


طول ما إبني عنده إسم ومسئوليات، لأ، مش حر يعمل اللي يعجبه.




لارا ضحكت.


لارا : 


عارفة أكثر حاجة غريبة؟ إني من أول ما اتجوزت حسام وأنا أصلا ما طلبتش أعيش هنا.




شويكار سكتت.




لارا : 


أنا كنت عايزة أنا وجوزي نعيش في شقتنا، بيت صغير، كبير، مش مهم، بس يبقى بيتنا إحنا، حضرتك اللي رفضتِ.




شويكار : 


طبيعي أرفض.




لارا : 


طبيعي؟!




شويكار : 


إبني مش هيسيب قصر أبوه ويروح يعيش في شقة.




لارا : 


ليه؟! الشقق عيب؟




شويكار : 


ما تلفيش كلامي.




لارا : 


أنا مش بلفه، أنا بحاول أفهم المنطق، حسام راجل متجوز، ليه لازم يعيش تحت سقف أمه؟




شويكار : 


علشان دي عيلتنا.




لارا : 


لأ، علشان حضرتك ما تقدريش تستحملي إن واحد من ولادك يبقى عنده باب إنت ما معاكيش مفتاحه.




الصالة سكتت، حتى رحيم رفع عينه ليها، الكلمة أصابت شويكار في مكان حساس. شويكار قربت من لارا.


شويكار : 


إنت اتجاوزتِ حدودك.




لارا : 


حدودي؟ أنا بقالي ثلاث سنين عايشة بالحدود اللي حضرتك رسمتيها، حتى أوضتي مع جوزي في نفس القصر اللي حضرتك قاعدة فيه، لو خرجنا تسألي رايحين فين، لو اتأخرنا تسألي ليه، لو سافرنا تسألي إمتى راجعين، ولو حسام أخد قرار، لازم حضرتك تعرفيه قبلي.




شويكار : 


أنا أمه.




لارا : 


وأنا مراته.




صوتها علي، لارا نفسها اتفاجئت إنها صرخت لكنها ما رجعتش.




لارا :


أنا مراته يا شويكار هانم، مش ضيفة عندكم ومش بنت صغيرة. حضرتك وافقتِ عليا علشان أبويا كان سفير وخلاص. أنا ليا مكان في حياة جوزي.




شويكار : 


ومحدش أخذه منك.




لارا : 


حضرتك بتحاولي كل يوم.




شويكار : 


أنا عمري ما فرقت بينك وبين حسام.




لارا : 


دي المشكلة، أنا مش عايزاكِ ما تفرقيش بينا، أنا عايزاكِ تعرفي إن حسام إبنك، لكن أنا وحسام أسرة لوحدنا، لينا بيتنا، قراراتنا، سفرنا، مشاكلنا، وحتى غلطاتنا.




شويكار بصت لها بغضب.


شويكار : 


وطول ما إنت عايشة تحت سقفي، تحترمي نظام البيت.




لارا ردت فورًا :


خلاص، نخرج من تحت سقفك.




الصمت نزل على الصالة.


رؤوف : 


لارا...




لارا : 


لأ يا عمو، ما هو ده الحل. أنا من الأول كنت عايزة شقة وحسام كان موافق، حضرتك اللي رفضتِ يا شويكار هانم. دلوقتي أنا بقولها قدامكم :


أنا عايزة أعيش مع جوزي في بيتنا.




شويكار : 


ولما حسام يقول الكلام ده بنفسه نبقى نتكلم.




لارا ضحكت بمرارة.


لارا : 


حتى دلوقتي لازم القرار يطلع من راجل علشان حضرتك تعترفي بيه؟




شويكار : 


ما تحطيش كلام في بوقي.




لارا : 


لأ، أنا شبعت كلام. وعلى فكرة باريس مش المشكلة، أنا ممكن ما أسافرش باريس طول عمري، المشكلة إني كل ما أبص لحياتي ألاقي حضرتك واقفة في النص.




لفت علشان تطلع، لكن شويكار قالت :


لارا.




وقفت.


شويكار : 


أنا لما وافقت عليكِ، لحسام، كنت فاكرة إنك فاهمة معنى إنك تدخلي عيلة الألفي.




لارا لفت لها ببطء.


لارا : 


وأنا لما اتجوزت حسام، كنت فاكرة إني اتجوزت حسام الألفي، ما كنتش أعرف إني اتجوزت العيلة كلها.




ولفت، طلعت السلم من غير ما تستنى رد. شويكار فضلت واقفة مكانها وشها محمر من الغضب.




رؤوف : 


الليلة دي كل الناس قررت تقولك اللي جواها ولا إيه؟




شويكار بصت له بحدة، رؤوف رفع إيده.


رؤوف : 


أنا ساكت أهو.




رحيم حاول يخبي ابتسامة صغيرة، لكن شويكار شافته.


شويكار : 


وإنت عاجبك الكلام؟




رحيم : 


مش وقته.




شويكار : 


أمال إمتى وقته؟!




لكنها سكتت فجأة، إيدها راحت لصدرها. رحيم ابتسامته اختفت.


رحيم : 


مالك؟




شويكار ما ردتش، بصت للموبايل، نفس الإحساس رجع.




شويكار : 


رحيم...




رحيم : 


نعم؟




شويكار بصت له ولأول مرة من أول الليل صوتها ماكانش فيه سلطة، كان فيه خوف.


شويكار : 


كلم أخوك.




رحيم : 


عمر؟




شويكار : 


أيوه.




رحيم : 


ليه؟




شويكار : 


ماعرفش. 


قلبها دق بعنف.


شويكار : 


بس أنا مش مطمنة عليه.


نسرين بلعجيلي 


رحيم مد إيده للموبايل، وفي نفس اللحظة في شقة عمر، كان فيه موبايل واقع على الأرض، شاشته نورت، إسم واحد ظهر عليها:


رحيم.


رن مرة واثنين وثلاثة.. لكن ماحدش رد.




بعد وقت.. باب الأسانسير اتفتح وخرج خالد، كان ماشي بسرعة المرة دي، المكالمة اللي وصلته قبلها بدقايق غيرت هدوءه تماما. وقف قدام باب شقة عمر، طلع المفتاح، فتح.


خالد : 


سلمى؟


مافيش رد، دخل.


خالد : 


سلمى.




سكت، أول حاجة لاحظها كانت الفوضى، الأباجورة مكسورة، كرسي واقع، زجاج متناثر على الأرض، الموبايل مرمي بعيد، وشوية نقط دم على طرف السجادة. وش خالد اتغير.


خالد : 


يا نهار أسود.




دخل أكثر.


خالد : 


سلمى




سمع صوت حركة، جري ناحية مصدرها، وأول ما وصل.. وقف، إتجمد مكانه، عينيه اتسعت، حتى نفسه وقف للحظة. سلمى كانت على الأرض ضامة هدومها المقطوعة عليها بإيديها، شعرها مبهدل، وشها عليه آثار ضرب وشفايفها مجروحة، وفيه دم. كانت بتترعش، لكنها ما كانتش بتعيط، كأنها عدت مرحلة العياط أصلا. عينيها ثابتة في نقطة واحدة. وخالد.. لأول مرة من ساعة ما بدأت الليلة بان عليه الرعب.


خالد :


سلمى...




ما ردتش، قرب منها.


خالد : 


سلمى.




مد إيده ناحيتها، وفجأة انتفضت.


سلمى : 


ما تلمسنيش.




خالد وقف، بص لها وبعدين عينيه راحت للناحية الثانية. عمر كان قريب من السرير قميصه مبهدل، وعلى وشه وذراعه آثار مقاومة، كان لسه تحت تأثير اللي أخذه، مش مستوعب المكان ولا مستوعب خالد، ولا حتى مستوعب اللي حصل. خالد فضل باصص له، ثانية، إثنين، وبعدين حاجة انفجرت جواه. إندفع ناحيته، مسكه من قميصه.


خالد : 


يا ابن الكلب.


وضربه.


عمر اتخبط في طرف السرير، سلمى رفعت راسها على الصوت، خالد مسك عمر تاني.


خالد : 


عملت فيها إيه يا حيوان؟!




عمر حاول يبعده عنه.


عمر : 


إبعد...




خالد ضربه ثاني.


خالد : 


دي أختي يا ابن الكلب.




عمر كان مشوش، حاول يثبت نفسه.


عمر : 


أنا...




خالد : 


إنت إيه؟!




مسكه وزقه بعنف في الحيطة.


خالد : 


كنت عايزك تخوفها؟!




سكت فجأة، الكلمة خرجت منه، سلمى رفعت عينيها ليه، خالد نفسه أدرك اللي قاله. الصمت نزل على المكان، حتى عمر رغم حالته بص له. سلمى قالت بصوت ضعيف :


سلمى: 


إنت قلت إيه؟




خالد لف لها، سلمى كانت بتبصله، لأول مرة من ساعة ما دخل، الصدمة في عينيها بدأت تتحول لحاجة ثانية، فهم.


سلمى : 


كنت عايزه يخوفني؟




خالد : 


سلمى، إنتِ مش فاهمة.




سلمى : إنت.. كنت عارف؟




خالد : 


لأ.




سلمى : 


علشان كده أجبرتني أفضل؟




خالد : 


إسمعيني...




سلمى صوتها بدأ يعلى.


سلمى : 


إنت اللي سبتني هنا.




خالد : 


وطي صوتك.




سلمى : 


إنت اللي قفلت الباب؟!




خالد اتجمد، وسكوته كان أسوأ إجابة ممكن تسمعها. سلمى بصت له كأنها لأول مرة في حياتها شايفة أخوها على حقيقته.


سلمى : 


إنت عملت فيا كده؟




خالد : 


أنا ماكنتش أعرف إن ده هيحصل.




سلمى شهقت، خالد عرف إنه غلط للمرة الثانية.


سلمى : 


يعني كان فيه حاجة المفروض تحصل؟




خالد : 


سلمى...




سلمى صرخت :


إنت عملت فيا إيه يا خالد؟!




وفي اللحظة دي موبايل عمر رن من جديد، الثلاثة بصوا ناحية الصوت، الشاشة نورت وسط الزجاج المكسور: رحيم.


خالد عينه ثبتت على الإسم، وشه اتغير، سلمى بصت للموبايل ثم لأخوها. خالد اتحرك بسرعة ناحية التليفون، لكن قبل ما يوصل إيد مسكته من ورا: عمر. كان واقف بالعافية، عينيه حمرا، ووعيه بيرجع له على أجزاء، لكنه كان سمع ما يكفي، مسك خالد من هدومه وقال بصوت مبحوح.


عمر : 


إنت... عملت فيا إيه؟




خالد بص له ولأول مرة الخوف الحقيقي ظهر في عينيه. أما الموبايل، ففضل يرن.


رحيم...


رحيم...


رحيم...


لحد ما الشاشة طفت وسكت المكان.




.الليلة خلصت...


لكن السر اللي اتدفن فيها ابتدى يصحى.»




وهنا نقف...


عند سؤال عمر:


«إنت... عملت فيا إيه؟»


لكن السؤال الأصعب لسه عند سلمى:


خالد... أخوها وسندها، كان مخطط لإيه من البداية؟


والأهم...


هل اللي حصل خرج فعلًا عن خطة خالد؟


ولا فيه شخص تاني كان بيرسم الليلة كلها من بعيد؟ 


مستنية توقعاتكم بجد، لأن الفصل ده فيه تفاصيل صغيرة جدًا هتفرق قدام... 


يتبع....


                  الفصل الثامن عشر من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة