رواية جريمة إسمها زواج الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم نسرين بلعجيلي


رواية جريمة إسمها زواج الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم نسرين بلعجيلي



يُمنع منعًا باتًا نسخ الرواية أو إعادة نشرها كليًا أو جزئيًا على أي صفحة، جروب، مدونة، موقع أو من خلال لينكات خارجية دون الحصول على إذن مسبق مني.


أي شخص يقوم بنسخ أو إعادة نشر الرواية دون إذن قد يعرّض نفسه للمساءلة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية حقوق الملكية الفكرية.


مسموح مشاركة رابط المنشور الأصلي فقط لدعم الرواية ووصولها لقراء جدد. ❤️


شكرًا لكل شخص يحترم مجهود الكاتب وحقوقه. 🌷


✍️ نسرين بلعجيلي


Nisrine Bellaajili




بسم الله الرحمن الرحيم


اللهم استرنا سترًا جميلًا في الدنيا والآخرة، ولا تجعل ضعفنا يومًا حديثًا على ألسنة الناس، ولا تجعل لحظات انكسارنا فرجةً لمن لا يرحم.


اللهم احفظ أسرارنا، وبيوتنا، وأعراضنا، واحفظنا من كل عينٍ تتربص بنا، ومن كل يدٍ تستغل ضعفنا، ومن كل إنسانٍ يجعل من وجع غيره وسيلةً لتحقيق غرضٍ أو مصلحة.


اللهم إن كان بيننا مظلومٌ لا يستطيع الدفاع عن نفسه، فكن له عونًا، وردّ إليه حقه وكرامته وأمانه، واجبر قلبه جبرًا يمحو أثر ما مرّ به.


وإن كان بيننا من أخطأ، فارزقه شجاعة مواجهة خطئه، ولا تجعل خوفه من الحقيقة سببًا في الهروب منها أو ظلم غيره مرةً ثانية.


اللهم لا تحملنا ذنبًا لم نرتكبه، ولا تجعلنا نحكم على إنسان قبل أن نعرف الحقيقة كاملة، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.


اللهم احفظنا من فضيحةٍ لا نستحقها، ومن سرٍّ يقع في يد من لا يخافك، ومن قلبٍ يستمتع بألم الآخرين.


واجعل لنا بعد الخوف أمانًا، وبعد الظلم عدلًا، وبعد الانكسار جبرًا، وبعد كل حقيقة موجعة بدايةً نستطيع أن نعيش بها.


اللهم آمين. 




#جريمة_إسمها_زواج.




@Nisrine Bellaajili 




نسرين بلعجيلي 




أوقات الحقيقة ما بتكونش أصعب حاجة ممكن نعرفها...


الأصعب إننا نشوفها بعنينا.


إن الإنسان يقضي أيام وهو بيسأل: إيه اللي حصل؟


وبعدين لما الإجابة تقرب منه، يكتشف إنه كان أرحم له لو فضل مش عارف.


لكن فيه وجع تاني محدش بيتكلم عنه كتير...


وجع إن أسوأ لحظة في حياتك، اللحظة اللي نفسك تمسحها حتى من ذاكرتك، تكتشف إن حد كان واقف بعيد... بيسجلها.


ساعتها الإنسان ما بيحسش إن سره اتكشف وبس، بيحس إن حتى وجعه ما بقاش ملكه.


وفي الفصل ده، كل واحد هيقف قدام حقيقة مختلفة...


واحد هيشوف نفسه بعين غيره لأول مرة.


واحدة هتكتشف إن حتى مصيبتها ما سابوهاش لها.


وأم هتتحط قدام سؤال يمكن عمرها ما تخيلت إنها هتضطر تجاوب عليه:


لما كل حاجة بنيناها تبقى في كفة، واللي بنحبهم في الكفة التانية... يا ترى فعلًا بنعرف نختار؟




*الفصل الخامس والعشرون*




في شقة سلمى الجديدة... 


فضل رحيم واقف في آخر الصالة، والموبايل في إيده، وعينيه معلقة بالشاشة، الفيديو وقف، لكن الصورة ما وقفتش في دماغه، أوضة عمر، سلمى وهي بتحاول تبعد عنه، عمر بيتحرك بطريقة غريبة، كأنه موجود بجسمه بس، أما وعيه ففي حتة ثانية خالص. إيد سلمى وهي بتحاول تدفعه، الضربة وقعتها، والخوف اللي كان على وشها.


رحيم شاف حاجات كثير في حياته، دخل خناقات، وشاف حوادث، وعدّى بأيام كان فاكر إنها أقسى حاجة ممكن يعيشها، لكن اللي ضايقه في الفيديو ما كانش العنف وحده، كان إحساسه إنه بيتفرج على حاجة ماكانش المفروض يشوفها، لحظة خاصة جدًا، مش خاصة بمعنى جميل، بالعكس لحظة اتسلب فيها من واحدة كل حق في إنها تختار مين يشوف ضعفها، ومين يعرف اللي حصل لها، ومين يدخل أصلًا جوه الذكرى دي، وهو دخل، غصب عنه، لكن دخل.


رفع عينه ناحية سلمى، كانت واقفة بعيد، جنب الشباك وعينيها عليه. نفس البنت اللي كانت على الشاشة من ثواني، لكن دلوقتي هدومها مرتبة، حجابها مكانه، وواقفة قدامه بتحاول تفهم ليه ملامحه اتبدلت فجأة. رحيم بعد عينه عنها بسرعة. وصلته الرسالة الثانية، قرأ :


«والدتك شافت النسخة دي.»


فكه اتشد، ثم الرسالة اللي بعدها :


«وعلشان كده كانت هتموت النهارده.»


_ماما...


الكلمة خرجت منه من غير ما يقصد، سلمى سمعتها.


سلمى :


شويكار هانم مالها؟




رحيم ما ردش فورًا، فضل باصص للشاشة، أمه شافت نفس اللي شافه؟ هي دي الحاجة اللي وقعتها في الشركة؟ لكن ليه؟ ومين أصلًا عنده الفيديو؟ ومين حط كاميرا في أوضة أخوه؟


أسئلة كثيرة ضربت في دماغه مرة واحدة، لدرجة إنه للحظات نسي إن سلمى واقفة قدامه، لحد ما سمع صوتها ثاني :


ـ رحيم بيه؟




رفع عينه، سلمى كانت لسه في مكانها كملت :


هي حصل لها حاجة؟




قفل الموبايل وقالها :


تعبت النهارده في الشركة.




ملامح سلمى اتغيرت :


تعبت إزاي؟




رحيم :


أزمة قلبية.




اتخضت :


يا ساتر يا رب.




سكتت ثواني وقال :


هي كويسة؟ 




رحيم :


مستقرة.




قالتها بصدق :


ـ ربنا يشفيها.




رحيم هز رأسه :


آمين.




كان المفروض الكلام يقف عند كده، وكان المفروض هو يمشي، لكن سلمى فضلت باصة له. فيه حاجة ما كانتش راكبة، من لحظة ما فتح الرسالة، طريقته اتغيرت، بعد عنها، بصلها أكثر من مرة، وفي مرة منهم قال لها «ما تقربيش» بطريقة خلتها تقف مكانها.


سلمى مشيت خطوتين ناحية شنطتها، حاولت تعمل نفسها مش مهتمة، لكنها ما قدرتش. قالت من غير ما تبص له :


الرسالة كانت عن شويكار هانم؟




رحيم سكت، إيد سلمى وقفت فوق الشنطة، لفت له :


ـ هي اللي خلتك تبص لي كده؟




هنا رحيم عرف إنه مش هيقدر يطلع من الشقة من غير ما يقول لها، مش كل حاجة، لكن القدر اللي يخصها أخذ نفسًا طويلًا :


سلمى... فيه حاجة وصلت لي.




نبرة صوته وحدها خلت معدتها تنقبض، ما ردتش، رحيم كان بيدور على الطريقة الأقل سوءًا يقول بها الكلام، لكن ما فيش طريقة كويسة :


ـ فيديو.




عينيها اتحركت للموبايل :


ـ فيديو إيه؟




رحيم سكت لحظة، ثم قال :


من شقة عمر.




في البداية ما فهمتش، فضلت باصة له وبعدين، ملامحها بدأت تتغير ببطء، كأن عقلها وصل للحقيقة قبل ما هو يكمل، شفايفها اتحركت :


ـ إمتى؟




رحيم ما جاوبش، وهي ما احتاجتش الإجابة. وشها فقد لونه مرة واحدة :


ـ لأ...




الكلمة خرجت خافتة، رجعت خطوة :


ـ لأ...




رحيم وقف مكانه، سلمى عينيها ثبتت على الموبايل وسألته :


ـ من الليلة دي؟




هز رأسه، حركة بسيطة جدًا، لكنها كانت كفاية، سلمى شهقت، إيدها راحت لبقها ورجعت خطوة ثانية لحد ما رجلها خبطت في طرف الكنبة، قعدت عليها غصب عنها :


ـ فيه... فيديو؟




رحيم ما ردش، هي بدأت تهز رأسها :


ـ لأ... لأ، ما تقوليش كده.




نفسها بدأ يتغير، رحيم قال :


الجزء اللي وصل...




لكنها قاطعته :


ـ إنت شُفته؟




سكت، رفع عينه لها، وكان سكوت رحيم الإجابة. في اللحظة دي حصل شيء ما كانش متوقعه، سلمى ما سألتهوش شاف إيه، ولا سألت عمر كان شكله إزاي، ولا سألت مين صورهم، إيديها نزلت بسرعة على هدومها، شدت طرف قميصها عليها وبعدين لفت الحجاب حوالين رقبتها أكثر بحركة مرتبكة مالهاش معنى، كأنها بتحاول تغطي جسمها دلوقتي من حاجة حصلت من أيام.


رحيم فهم، وفهم أكثر لما عينيها رفعت له، النظرة دي كانت مختلفة، فيها كسوف.. خوف.. وإهانة. وبعدين بعدت عينيها عنه فورًا وقالت :


ـ إنت... شفتني؟




رحيم حس السؤال أثقل من كل اللي قبله.


قال :


ـ سلمى، الفيديو...




قاطعته :


ـ شفت جسمي؟




ما عرفش يرد بسرعة، وهي اعتبرت تأخره إجابة، شهقة خرجت منها، لفت وشها بعيد عنه، إيديها بدأت ترتعش :


ـ يا نهار أسود...




رحيم قال :


ـ الفيديو اللي وصل مش كامل.




لكنها كأنها ما سمعتش :


ـ يا نهار أسود...




قامت فجأة، مشيت خطوتين، رجعت. ما كانتش عارفة تروح فين. الشقة الواسعة اللي من دقائق كانت غريبة عليها، بقت فجأة ضيقة جدًا.




سلمى :


ـ مين شافه؟




رحيم قال:


أمي شافت نفس الجزء.




سلمى وقفت، لفت له ببطء :


شويكار هانم شافتني؟




رحيم :


سلمى...




سلمى :


شافتني؟!




رحيم :


شافت الفيديو.




إيد سلمى رجعت لفمها :


يا فضيحتي.




رحيم :


مافيش فضيحة.




لكنها ضحكت ضحكة غريبة أقرب للبكاء :


مافيش فضيحة؟




وبعدين لأول مرة دموعها نزلت مرة واحدة كأن الحاجز كله وقع :


أنا اتفضحت.




رحيم :


لأ.




سلمى :


اتفضحت.




صوتها ارتفع :


ـ مراتك... أقصد أمك شافتني... وإنت شفتني...




إتلخبطت في الكلام، ما عادتش مركزة أصلًا، حطت إيديها على راسها :


مين كمان شاف؟




رحيم :


ماعرفش.




الكلمة كانت صادقة، لكنها دمرتها أكثر. رفعت رأسها بسرعة :


ماعرفش يعني إيه؟




رحيم سكت كملت :


يعني ممكن يكون حد ثاني شافه؟




رحيم :


ممكن يكون عند اللي بعثه.




سلمى : 


واحد؟


ما ردش كملت :


إثنين؟


صوتها بدأ يطلع بصعوبة :


عشرة؟




رحيم قال بحزم :


إحنا ما نعرفش.




لكن عقل سلمى ما وقفش عند اللي يعرفوه، راح مباشرة للي ممكن يحصل :


يعني ممكن ينزله؟




رحيم فكه اتشد :


مش هسمح بده.




لكنها ما سمعتش الجملة زي ما قالها، سمعت بس كلمة واحدة :


ينزله.


الفيديو ممكن ينزل، الناس تشوف، جيرانهم، أهل منطقتهم، الناس اللي تعرفها، أي حد.


رجعت قعدت، إيديها بدأت تخبط في بعضها من الرعشة :


أنا خلاص...




رحيم قال :


سلمى.




لكنها كانت بتتكلم مع نفسها أكثر ما بتتكلم معاه :


خلاص.




دموعها كانت بتنزل وهي بتبص في الفراغ :


أنا كده اتفضحت.




رحيم :


مافيش حاجة خرجت للناس.




هزت رأسها بعنف :


بس هتخرج.




رحيم :


ما نعرفش.




سلمى :


هتخرج.


رفعت عينيها له وكملت :


هو مصورها ليه أمال؟ ليه حد يصور حاجة زي دي؟ علشان يحتفظ بيها للذكرى؟!




رحيم ما ردش لأن السؤال منطقي. سلمى بدأت تبكي أكثر :


الناس هتشوفني.




رحيم :


محدش شاف حاجة غير...




توقف، لأنه مش عارف أصلًا إذا كان ده صحيح، وهي التقطت التوقف :


أهو.




مسحت دموعها بكفها بعشوائية :


حتى إنت مش عارف.


صوتها انكسر.


أنا هخرج إزاي؟




رحيم عقد حواجبه :


منين؟




سلمى :


من البيت.




بصت له كأنه مش فاهم أبسط شيء في الدنيا :


همشي في الشارع إزاي لو الفيديو ده اتنشر؟ أبص في وش مين؟




رجعت تبكي :


كل واحد هيبص لي هقول شافني.


حطت إيديها على وشها :


يا رب...




رحيم فضل مكانه، كان ممكن يقرب لكنه ما عملش، ما كانش عايز لمسة منه في اللحظة دي تزود إحساسها إن جسمها بقى مباح لكل اللي حواليها، فساب بينها وبينه المسافة.


سلمى كانت بتتكلم من ورا إيديها كلام متقطع، بعضه مفهوم وبعضه لأ :


أنا عملت إيه علشان يحصل لي كل ده. 


شهقت :


ـ أخويا باعني.. بيتي راح.. فلوسي راحت.. اتجوزت غصب عني.. واللي حصل لي حصل..




رفعت وشها، عينيها حمرا وقالت :


ودلوقتي اتصورت كمان؟




رحيم ما لاقاش إجابة. سلمى ضربت بإيدها على صدرها :


حتى دي ما كانتش ليا؟




صوته خرج أهدى :


إيه؟




سلمى :


المصيبة بتاعتي.




رحيم سكت، سلمى بكت وهي بتقول :


حتى المصيبة اللي حصلت لي ما سابوهاش ليا، صوروها.




الجملة وقفته، لأن دي كانت الحقيقة اللي هو نفسه حسها أول ما شاف الفيديو. فيه حد ما اكتفاش إنه يرتب ليلة دمرت إثنين، كان واقف يتفرج ويسجل ويحتفظ. وبعدها اختار إمتى يطلعها.


سلمى مسحت وشها، لكن الدموع فضلت تنزل :


أنا كنت فاكرة إن أسوأ حاجة حصلت إن عمر...




وقفت، ما قدرتش تكمل الكلمة، مش محتاجة، رحيم عارف، هي عارفة، ومافيش داعي تتقال، لكنها كملت بعد لحظة :


كنت بقول خلاص.. اللي حصل حصل، وربنا يسترها عليا.




ضحكت وسط بكائها :


أهو حتى الستر راح.




رحيم :


ما راحش.




رفعت عينيها له، رحيم قال :


الفيديو ما اتنشرش لسه.




الكلمة خرجت بسرعة.


سلمى : 


لسه ما اتنشرش.




سكت، لأنها عندها حق، سلمى بصت له وفجأة ملامحها اتغيرت أكثر كأن فكرة جديدة دخلت دماغها :


عمر.




رحيم عقد حواجبه :


ماله؟




سلمى :


هو شافه؟




رحيم :


لأ.




سلمى نفسها خرج فيه راحة صغيرة، ثانية واحدة بس وبعدين سألت :


يوسف؟




رحيم :


لأ.




سلمى :


حسام؟




رحيم :


لأ.




سلمى :


رؤوف بيه؟




رحيم تردد :


على حد علمي، لأ.




بدأت تعد الناس في دماغها، كل إسم بالنسبة لها كان احتمال جديد للفضيحة، ثم رفعت عينيها لرحيم، لكن المرة دي ما قدرتش تثبت نظرها عليه، بعدتها فورًا.


رحيم لاحظ، سلمى شدت حجابها أكثر :


أنا مكسوفة منك.




الجملة خرجت واطية جدًا، رحيم حس بالحرج هو كمان، لكنه ما حاولش يطمنها بكلام كبير، قال فقط :


أنا ما طلبتش أشوفه.




هزت رأسها :


عارفة.


سكتت وكملت :


بس شوفته.




رحيم :


أيوه.




الصدق وجعها، لكن الكذب كان هيكون أسوأ. سلمى نزلت عينيها :


شفت...


توقفت.




رحيم قال بسرعة قبل ما تضطر تكمل :


الجزء اللي شوفته ما كانش كامل.




لكنها فهمت من طريقته إنه عارف سؤالها، غطت وشها بإيديها مرة ثانية :


ـ يا رب الأرض تنشق وتبلعني.




رحيم قال بحزم :


ما تقوليش كده.




رفعت وشها له بعصبية مفاجئة :


أقول إيه؟! قول لي أقول إيه؟ إنت راجل مش هتفهم.




رحيم ما جادلهاش :


ممكن.




الإجابة خلتها تسكت لحظة، لكنه أكمل :


بس اللي أفهمه إن اللي عمل كده هو اللي المفروض يستخبى، مش إنتِ.




سلمى هزت رأسها :


الكلام ده بيتقال بس.




رحيم :


يمكن.




سلمى :


الناس مش هتقول كده.




صوتها انكسر من جديد وقالت :


الناس مش هتقول مسكينة سلمى، الناس هتفتح الفيديو وتكبر الصورة وتبعثها لبعضها وتقول شُفتوا؟




رحيم فكه اتشد :


مش هيوصل لكده.




سلمى :


إنت ضامن؟




ما ردش. سلمى ضحكت وسط دموعها :


أهو.




رجعت تسند ظهرها على الكنبة، بقت فجأة مرهقة جدًا كأن الانهيار اللي كانت مأجلاه من أيام قرر يطلع كله مرة واحدة، بصت للسقف :


أنا تعبت.




المرة دي رحيم ما قالش حاجة. سلمى همست :


والله تعبت.




وسكتت فترة، ثم خرج السؤال منها كأنها طفلة تايهة فعلًا :


أنا أعمل إيه دلوقتي؟




رحيم فضل باصص لها، من أول ما عرفها وهي يا إما بتزعق، يا إما بتقاوم، يا إما بتحاول تثبت إنها مش محتاجة حد، دي أول مرة يشوفها مش عارفة تعمل إيه، لكن ده ما خلاهوش يقرب منها، ولا حس فجأة إنه لازم يبقى الشخص اللي يسندها، هو عنده حاجة واحدة يقدر يعملها، يعرف مين ماسك الفيديو ويوقفه قبل ما يتحول التهديد لحقيقة.


قال :


دلوقتي؟ ولا حاجة.




بصت له، كمل :


تفضلي هنا، ما تكلميش خالد، ما تقوليش لحد عن الفيديو، وما تفتحيش لأي حد.




سلمى مسحت وشها :


وإنت؟




رحيم طلع الموبايل، بص لآخر رسالة :


أنا هعرف هو عايز إيه.




رفعت عينيها له :


ولو عايز ينشره؟




رحيم ما جاوبش بوعد مايقدرش يضمنه، قال فقط :


يبقى نعرف الأول إيه اللي مانعه لحد دلوقتي.




سلمى سكتت، كانت لسه تايهة ولسه كل كام ثانية إيدها تروح تلقائيًا لطرف حجابها أو هدومها، كأنها كل ما تفتكر إن رحيم شاف الفيديو تحاول تغطي نفسها من جديد. ورحيم لاحظ، علشان كده بعد عينه عنها، مش شفقة، ولا حنية، لكن احترامًا لمسافة هي محتاجاها دلوقتي.




فتح الموبايل مرة ثانية، وأول ما الشاشة نورت، وصلت رسالة جديدة، رحيم قرأها، وسلمى ما شافتش المكتوب، لكنها شافت فكه وهو بيتشد.


الرسالة كانت :


«لو خايف على شرف مرات أخوك، خلي أمك تنفذ المطلوب.»


وتحتها:


«قدامكم وقت أقل مما إنتم فاكرين.»




رحيم فضل باصص للشاشة، وبعدين قفلها من غير ما يقول لسلمى أي حرف، لأن آخر شيء محتاجاه في اللحظة دي، إنها تعرف إن الشخص اللي صور أسوأ ليلة في حياتها، عرف بالظبط إيه أكثر حاجة ممكن يكسرها بيها.




في شقة عمر...


من ساعة ما رجع هو ويوسف، عمر ما دخلش أوضته. وقف قدام بابها مرة، مد إيده ناحية المقبض، وبعدين رجعها، يوسف شافه، لكنه ما قالش حاجة، ساب مفاتيحه فوق الترابيزة، وراح ناحية المطبخ يجيب مية، بينما عمر فضل واقف في نص الصالة كأنه غريب عن المكان، الشقة نفسها بقت تخنقه، كل حاجة فيها بقت دليل على حاجة هو مش فاكرها، الكنبة، الطرقة، الباب، الأوضة اللي عاش فيها سنين واللي بقت دلوقتي أكثر مكان خايف يدخله. موبايله اهتز، عمر ما بصش له في الأول، إهتز مرة ثانية، طلع الموبايل بضيق، متوقع اتصال من المستشفى أو من حسام، لكن ماكانش اتصال، رسالة من رقم مش مسجل، فتحها، كان فيها ملف فيديو، وتحت الملف جملة واحدة :


«يمكن حان الوقت تشوف نفسك.»


عمر حس إن حاجة باردة عدت في جسمه، يوسف رجع من المطبخ، ولما شاف وشه وقف :


ـ مالك؟




عمر ما ردش، عينيه كانت على صورة الفيديو المصغرة، الصورة مش واضحة قوي، لكن واضحة كفاية، أوضته، وسلمى.


يوسف قرب خطوة :


عمر؟




عمر رفع الموبايل ناحيته وقال :


دي أوضتي؟




يوسف بص للشاشة، ملامحه اتغيرت، مد إيده :


ـ إستنى، ما تفتحش.




عمر بص له :


ـ ليه؟




يوسف :


لأننا ما نعرفش ده إيه ولا مين باعت.




عمر ضحك ضحكة قصيرة متوترة :


ـ وإيه أسوأ من اللي أنا أصلًا متخيله؟




يوسف ما ردش، عمر ضغط على الفيديو، في البداية ماكانش فيه صوت واضح، زاوية التصوير كانت عالية، جاية من مكان عمر نفسه ما قدرش يحدده، لكن الأوضة.. أوضته، السرير، الترابيزة، الإضاءة. كل حاجة يعرفها، وبعدين ظهر هو. عمر قرب الموبايل من وشه، شاف نفسه بيتحرك ببطء غريب، وقفته مش مظبوطة، رأسه كأنه ثقيل عليه، عينيه مش ثابتة، دخلت سلمى في الصورة، عمر نفسه اتقطع، يوسف فضل واقف جنبه، لكنه ما اتكلمش. سلمى كانت بتتكلم، الصوت مش واضح كله، لكن حركة جسمها كانت أوضح من أي كلام، كانت بتبعد وعمر كان بيقرب.


عمر ثبت عينه على الشاشة، ما رمش تقريبًا، شاف إيده تمسكها، شافها تحاول تفلت، شاف نفسه يشدها، وبعدين.. الضربة. سلمى وقعت، عمر شهق كأنه هو اللي اتضرب، إيده اللي ماسكة الموبايل نزلت سنة، يوسف مد إيده بسرعة :


ـ كفاية.




عمر بعد إيده عنه :


ـ لأ.




رجع رفع الموبايل، الصورة كملت ثواني، عمر قرب منها، سلمى بتحاول تبعد، ثم.. الفيديو وقف.


شاشة سودا، عمر فضل باصص لها، مافيش حاجة... إنتهى. لكنه ما اتحركش. يوسف أخذ نفس طويل :


ـ عمر...




عمر :


ـ أنا ضربتها.




يوسف ما ردش، عمر رفع عينه ليه :


ـ أنا ضربتها يا يوسف.




يوسف :


ـ الفيديو بيبين إنك ضربتها.




عمر :


ـ ما هو أنا اللي في الفيديو.


صوته علا فجأة :


ـ ده أنا.. دي إيدي.. ده وشي.. أنا واقف قدامها وهي خايفة مني.




يوسف سكت لحد ما صوت عمر هدي شوية وبعدين قال :


ـ وأنا شايف كمان إنك مش طبيعي.




عمر ضحك بمرارة :


ـ وده هيفرق معاها في إيه؟




يوسف :


ـ هيفرق في معرفة الحقيقة.




عمر :


ـ الحقيقة؟




عمر رمى نفسه على الكنبة، مرر إيديه على وشه وقال :


ـ أنا بقالي أيام بدور على الحقيقة. أهو شفت جزء منها.




يوسف قعد بعيد عنه :


ـ شفت جزء.


عمر ما ردش يوسف كمل :


ـ ركز في الكلمة دي، جزء، حد اختار بداية معينة ونهاية معينة وبعثها لك.




عمر رجع فتح الفيديو.


يوسف قال :


ـ إنت بتعمل إيه؟




عمر :


ـ عايز أشوف نفسي.




يوسف :


ـ شفت.




عمر :


ـ لأ.




شغله من الأول، المرة دي ما بصش لسلمى في البداية، بص لنفسه، للمشية، للعينين، لإيده وهي بتتعلق بطرف السرير لحظة كأنه مش قادر يثبت نفسه.


يوسف قرب شوية وقال :


ـ بص عليك قبل ما تقرب منها.




عمر شاف :


ـ أنا كنت سكران.




يوسف :


ـ إنت بنفسك قلت شربت أكثر من كده قبل كده.




عمر سكت، الفيديو وصل لسلمى، المرة دي عينه راحت لها، وشها، خوفها، مقاومتها. وقف الفيديو بنفسه، قال بصوت أخفض :


ـ كفاية.




حط الموبايل على الترابيزة، لكن بعد ثواني، اهتز الموبايل من جديد، عمر ويوسف بصوا له في نفس اللحظة، رسالة جديدة :


«والدتك شافت الفيديو قبلك.»




عمر عقد حواجبه، فتح الرسالة التالية :


«وعارفة المطلوب علشان باقي الفيديو ما يطلعش.»


عمر وقف :


ـ إيه المطلوب؟




يوسف أخذ الموبايل المرة دي، قرأ الرسائل القديمة والجديدة وقال :


ـ مافيش مكتوب هنا.




عمر مد إيده وأخذه :


ـ يبقى هي عارفة.




اتجه ناحية الباب، يوسف قام وراه :


ـ رايح فين؟




عمر :


ـ المستشفى.




يوسف :


ـ إستنى، إنت داخل على أمك وإنت بالحالة دي هتعمل مصيبة.




عمر وقف عند الباب، بص له :


ـ أمي كانت هتموت النهارده بعد ما شافت فيديو لإبنها وهو بيعتدي على بنت، واللي بعثه بيقول إنها عارفة ثمن سكوته.




فتح الباب :


ـ وأنا آخر واحد يعرف.




خرج، يوسف أخذ مفاتيحه ولحقه. في العربية، عمر اتصل برحيم.


رحيم رد بعد ثواني :


ـ أيوه؟




عمر :


ـ إنت فين؟




رحيم كان نازل من عربيته قدام المستشفى :


ـ عند المستشفى.




عمر سكت لحظة، رحيم حس إن فيه حاجة :


ـ مالك؟




صوت عمر خرج مختلف :


ـ وصلك فيديو؟




رحيم وقف مكانه، ما ردش ،عمر فهم، ضحك ضحكة خالية من أي فرحة :


ـ حلو.




رحيم :


ـ عمر، إنت فين؟




عمر :


ةـ جاي لك.




رحيم :


ـ إستنى...




عمر :


ـ أنا ويوسف في الطريق.




رحيم :


ـ إنت شُفته؟




عمر :


ـ شفته.




رحيم سكت، عمر بص من شباك العربية :


ـ ما تقولش لماما إني جاي.




رحيم :


ـ عمر...




عمر :


ـ نتقابل في المستشفى.


وقفل.




يوسف كان سايق، ما بصش له قال :


ـ حاول تسمع قبل ما تتكلم.




عمر فضل باصص قدامه :


ـ أنا عمري كله بسمع.




وسكت ثم قال :


ـ النهارده هي اللي هتسمع.




في المستشفى...


شويكار كانت قاعدة على السرير، ظهرها مرفوع بالمخدات، وملامحها رغم التعب رجعت فيها نفس الصلابة القديمة. رؤوف جنبها على كرسيه المتحرك، رحيم وصل من دقائق، وحسام كان خرج يرد على مكالمة من الشركة.


رحيم حط موبايله قدام أمه وقالها :


ـ عايز أعرف كل حاجة.




شويكار بصت للموبايل، ما احتاجتش تشوف الفيديو، عرفته من أول صورة :


ـ مين بعثهولك؟




رحيم :


ـ نفس السؤال اللي جاي أسألهولك.




رؤوف تدخل :


ـ رحيم، أمك لسه خارجة من أزمة قلبية.




رحيم بص له :


ـ وأنا مش جاي أزعق لها. بس لو اللي حصل لها مرتبط باللي وصل لي، لازم أعرف.




شويكار قالت :


ـ مرتبط.




رحيم كان متوقع دا لكن يسمعها منها شيء ثاني :


ـ بيطلب إيه؟




شويكار سكتت، رحيم قال :


ـ ماما.




شويكار :


ـ ننسحب من المناقصة.




رحيم ثبت عينه عليها :


ـ إيه؟




شويكار :


ـ لو ما انسحبناش خلال أربع وعشرين ساعة، الفيديو الكامل يتنشر.




رحيم أخذ نفس بطيء، كل حاجة ركبت مكانها:


رسالة «الفلوس المرة دي مش فلوس»..


المناقصة.. انهيار أمه.


قال :


وإنتِ هتنسحبِ؟




شويكار ردت فورًا :


ـ لأ.




رحيم رفع عينه لها، حتى رؤوف بص لها بضيق :


ـ شويكار، إحنا اتكلمنا.




شويكار :


ـ وأنا ما غيرتش رأيي.




رؤوف :


ـ الفيديو معاهم.




شويكار :


ـ يخبطوا دماغهم في الحيط.




رحيم قرب من السرير :


ـ ماما، إحنا مش بنتكلم عن إشاعة.




شويكار :


ـ وأنا عارفة بنتكلم عن إيه.




رحيم :


ـ لأ، واضح إنك مش عارفة.




صوت عند الباب قال :


ـ هي عارفة.




الثلاثة لفوا، عمر كان واقف عند الباب ويوسف وراه، وشويكار أول ما شافته عرفت، مش من وجوده، من عينيه. قالت :


ـ عمر...




دخل وقفل الباب وراه :


ـ أنا شفته.




شويكار سكتت. رؤوف قال :


ـ يا عمر، مش دلوقتي.




عمر ما بصلوش، عينيه كانت على أمه :


ـ إنتِ شُفتيه إمتى؟




شويكار :


ـ عمر، أقعد الأول.




عمر :


ـ إمتى؟




شويكار ردت بعد لحظة :


ـ قبل ما أتعب.




عمر :


ـ وطلبوا منك تنسحبي من المناقصة؟




شويكار :


ـ أيوه.




عمر :


ـ وإنتِ رفضتي؟




شويكار رفعت ذقنها قليلًا :


ـ ولسه برفض.




الصمت اللي نزل بعدها كان ثقيل، عمر بص لها كأنه مستنيها تقول إنها بتهزر، لكنها ما قالتش،ضحك مرة واحدة، ضحكة صغيرة :


ـ تمام.




رحيم عرف النبرة دي :


ـ عمر...




رفع إيده ناحيته من غير ما يبص له :


ـ لو سمحت يا رحيم.




رجع لأمه :


ـ يعني واحد ماسك فيديو لإبنك، فيديو لو خرج، الناس مش هتستنى محكمة ولا تحقيق ولا تسأل كنت واعي ولا لأ... وإنتِ شايفة إن المناقصة أهم؟




شويكار قالت :


ـ أنا شايفة إن اللي يتنازل مرة للمبتز هيتنازل له كل مرة.




عمر :


ـ ما تلفيش الكلام.




شويكار :


ـ أنا مش بلف.




عمر :


ـ لأ، بتلفي.




صوته بدأ يعلى :


ـ السؤال بسيط. المناقصة ولا إبنك؟




شويكار :


ـ ما تحطنيش قدام اختيار غبي.




عمر ابتسم بمرارة :


ـ غبي؟




قرب من السرير :


ـ أنا اللي في الفيديو يا ماما.




ضرب صدره بإصبعه وكمل :


ـ أنا.. إبنك.. وشي.. إسمي.. حياتي.. لو الفيديو ده نزل، أنا مش هبقى عمر الألفي صاحب شركة، ولا إبن شويكار الألفي، أنا هبقى الراجل اللي الناس شافته وهو بيعتدي على مراته.


شويكار قالت :


ـ علشان كده لازم نفكر بعقل، مش بخوف.




عمر حدق فيها :


ـ إنتِ مش خايفة أصلًا.




الجملة جرحتها، بان على وشها، لكنه كمل :


ـ طول عمرك تقوليلنا كل اللي بتعمليه علشاننا، الشركة علشانكم، الفلوس علشانكم، السيطرة علشانكم، كل حاجة علشاننا.


صوته انخفض، وده خلا الكلام أقسى :


ـ أول مرة الشركة تبقى قدام واحد فينا بجد.. إخترتِ الشركة.




شويكار :


ـ ما اخترتش الشركة عليك.




عمر :


ـ أمال إسم ده إيه؟




شويكار :


ـ اسمه إني مش هسيب واحد مجهول يمشيني على مزاجه.




عمر هز رأسه :


ـ لأ، إسمه إنك مستعدة تضحي بيا علشان تكسبي.




شويكار اتعصبت :


ـ ما تعليش صوتك عليا وأنا في المستشفى.




عمر ضحك :


ـ حتى دلوقتي؟




بصلها بعدم تصديق :


ـ حتى وإحنا بنتكلم عن فيديو زي ده، المهم صوتي ما يعلاش على شويكار هانم؟




رؤوف قال بحزم :


ـ عمر، كفاية.




عمر لف له :


ـ لأ يا بابا، مش كفاية.




رجع لأمه :


ـ عارفة إيه اللي مضايقني أكثر؟




شويكار ما ردتش، كمل :


ـ إن الموضوع مش أنا بس.




سكت لحظة :


ـ فيه واحدة ثانية في الفيديو.




ملامح شويكار اتغيرت :


ـ واحدة مالهاش ذنب في لعبتكم ولا شركتكم ولا مناقصتكم، واحدة أصلًا حياتها اتدمرت وإنتِ مستعدة تخلي مصيبتها تتفرج عليها الناس علشان ورقة مناقصة.




شويكار قالت ببرود :


ـ إنت ليه مصمم تعتبر سلمى بريئة؟




عمر سكت، رحيم بص لأمه :


ـ ماما...




لكنها كملت :


ـ ليه كلكم فجأة بتتعاملوا معاها كأنها ضحية، ملاك؟ أخوها داخل في الموضوع، أخذ فلوس، وهو كان في العمارة. مين قال إنها مش متفقة معاه؟




عمر فضل باصص لها ثواني طويلة، وبعدين قال :


ـ لو كانت متفقة مع خالد...




وقف لحظة، الكلمة الجاية كانت ثقيلة عليه لكنه قالها :


ـ ماكنتش اغتصبتها.




الصمت ضرب الأوضة، شويكار نفسها سكتت، رؤوف نزل عينه، يوسف فضل واقف عند الباب، أما رحيم، فرفع عينه لعمر فورًا :


ـ أهو.


عمر بص له، رحيم قال ببطء :


ـ أهو إنت قلتها.




عمر فكه اتشد :


ـ قلت إيه؟




رحيم :


ـ اغتصبتها.




عمر سكت، رحيم قرب خطوة :


ـ من يوم ما حصلت المصيبة وإنت بتقول «مش عارف»، «مش فاكر»، «يمكن»، أول مرة تقولها كده.




عمر بص له فترة ثم قال :


ـ الفيديو هو اللي بيقول.




رحيم :


ـ وإنت؟




عمر مرر إيده على وشه :


ـ أنا لسه مش فاكر حاجة.




صوته اتغير، ما بقاش بيزعق :


ـ والله ما فاكر.


بص لأخوه : 


ـ نفسي أقولك إني افتكرت، وأقولك حصل إيه. ما عنديش.




ثم رجع بعينه لأمه :


ـ بس الدكتورة قالت إن فيه اعتداء حصل، سلمى قالت اللي حصل، ودلوقتي أنا شفتها بعيني في الفيديو وهي بتحاول تبعدني عنها.


سكت لحظة :


ـ أعمل إيه أكثر من كده علشان أعترف إن النتيجة حصلت حتى لو أنا مش فاكرها؟




شويكار قالت :


ـ والفيديو نفسه ممكن يكون متفبرك 




عمر :


متفبرك؟


هز رأسه :


ـ وأنا ممكن أكون متخدر. وممكن خالد يكون حط لي حاجة، وممكن الليلة كلها تكون متدبرة من أولها لآخرها.


قرب أكثر :


ـ بس ولا واحدة من دول تخلي سلمى متفقة.




شويكار قالت:


ـ إنت ما تعرفهاش.




عمر :


ـ وإنتِ تعرفيها؟




شويكار :


ـ أعرف نوعيتها.




عمر ضحك بمرارة :


ـ نوعيتها؟




شويكار قالت :


ـ البنت اللي تيجي من بيئة زي دي، وأخوها فجأة يبقى معاه ملايين، وبعدها هي تصحى مرات عمر الألفي...




رحيم قاطعها :


ـ ماما، كفاية.




لكن عمر رفع إيده :


ـ سيبها.


بص لأمه :


ـ كملي.




شويكار سكتت.




عمر :


ـ كملي يا ماما. قولي الفقيرة اللي خططت توقع إبنك الغني.




شويكار :


ـ أنا ما قلتش كده.




عمر :


ـ ده اللي بتقوليه.




شويكار :


ـ بقول الاحتمال موجود.




عمر هز رأسه :


ـ لأ.




شويكار :


ـ وإنت عرفت منين؟




عمر سكت لحظة ثم قال :


ـ لأنها لو كانت داخلة تعمل فيديو معايا باتفاق مع خالد، ما كانتش هتعمل اللي شُفته.




شويكار عقدت حواجبها :


ـ يعني إيه؟




عمر :


ـ يعني ما كانتش هتبعدني عنها.




صوته كان ثابت رغم إن وشه اتشد من الكلام :


ـ ما كانتش هتخاف مني بالشكل ده، ما كانتش هتقاومني، لو الخطة إنها توقع عمر الألفي بفيديو، كانت قربت مني بإرادتها، كانت خلت العلاقة تحصل من غير مقاومة، وبعدها يستخدموا التسجيل زي ما هم عايزين.


سكت :


ـ إنما اللي أنا شُفته مش واحدة بتغويني.


عمر بلع ريقه :


ـ دي واحدة كانت بتحاول تخلص مني.




شويكار ما ردتش عمر كمل :


ـ وأنا ضربتها.




لأول مرة نبرته انكسرت قليلًا :


ـ شفت نفسي وأنا بضربها.




رجع الصمت وبعدين قال :


ـ فأنا مش عارف خالد عمل فيا إيه، ومش عارف مين كان بيصور، ومش عارف إيه اللي حصل بعد آخر ثانية في الفيديو.




رفع عينه لأمه :


ـ بس ما تجيش تقولي لي سلمى كانت شريكة لمجرد إن الاعتراف إنها بريئة هيجبرك تتنازلي عن مناقصتك.




شويكار وشها احمر من العصبية :


ـ أنا مش هتنازل.




عمر ضحك :


ـ لسه؟




شويكار :


ـ آه، لسه.




عمر :


ـ حتى لو الفيديو اتنشر؟




شويكار :


ـ مش هسمح لحد يهددني.




عمر :


ـ مش إنتِ اللي هتتفضحي.




صوته انفجر، الأجهزة جنب السرير اتحركت أرقامها مع انفعال شويكار.


رؤوف قال :


ـ وطي صوتك.




لكن عمر ما قدرش :


ـ مش إنتِ اللي جسمك في الفيديو، مش إنتِ اللي الناس هتقعد تتفرج عليكِ وتتكلم عليكِ، مش إنتِ اللي بكرة إسمك يبقى مربوط بأسوأ حاجة حصلت لك.




شويكار بصت له.


وعمر كمل:


ـ أنا راجل، وحتى أنا عارف الناس هتعمل فيا إيه لو الفيديو خرج.




أشار ناحية الباب كأن سلمى واقفة وراه :


ـ أمال هي؟




صوته انخفض :


ـ فكرتِ فيها؟




شويكار قالت ببرود :


ـ لأ.




الإجابة أسكتت الجميع، حتى عمر نفسه.


شويكار كملت :


ـ ومش هاكذب عليك وأقول لك إني فكرت فيها. أنا مش طايقة سلمى.




رحيم قال :


ـ ماما.




شويكار :


ـ إيه؟ عايزني أمثل؟




بصت لعمر وقالت :


ـ مش طايقاها. مش عايزاها في عيلتي. ومش مقتنعة إن وجودها في الليلة دي كان صدفة بريئة زي ما إنتوا كلكم فجأة مقتنعين.




عمر فضل باصصلها، شويكار أكملت :


ـ وأنا مش هضيع مناقصة بالملايين علشان فيديو حد بيبتزني بيه. النهارده المناقصة، بكرة الشركة، بعده أسهم، وبعد أسبوع يقول لي سيبي كل حاجة وامشي.




عمر قال :


ـ يبقى بالنسبة لك سلمى ثمن مقبول.




شويكار :


ـ ما تحطش كلام في بوقي.




عمر :


ـ وإنتِ؟


ضرب صدره مرة ثانية :


ـ أنا كمان ثمن مقبول؟




شويكار :


ـ إنت إبني.




عمر :


ـ بس الشركة بنتك المدللة أكثر.




شويكار اتجمدت.


رؤوف قال :


ـ عمر.




لكن عمر كمل :


ـ طول عمري فاكر إن أسوأ حاجة فيكِ إنك عايزة تتحكمي فينا.


ابتسم بوجع :


ـ طلع الأسوأ إنك لما تضطري تختاري... بتعرفي تضحي بينا عادي.




شويكار وشها اتغير :


ـ إطلع بره.




عمر ما اتحركش، رددت :


ـ إطلع بره يا عمر.




عمر :


ـ هطلع.


سكت، ثم كمل :


ـ بس لو الفيديو ده خرج علشان إنتِ رفضتِ تتنازلي عن المناقصة، ما تقوليش بعدها إنك كنتِ بتحميني.




لف ناحية الباب، ثم وقف، رجع لها بعينه :


ـ وقبل ما تقولي سلمى نصبت عليا...


صوته بقى أهدى :


-إفتكري إن هي الوحيدة في الحكاية دي اللي ما كسبتش حاجة.


سكت لحظة :


ـ خالد أخذ فلوس.. اللي بيبتزك عايز المناقصة.. وإنتِ عايزة الشركة.


ثم أشار لنفسه :


ـ وأنا على الأقل لسه عندي إسمي وفلوسي وأهلي.




عينيه اتملت، لكنه ما سابش دمعة تنزل :


ـ هي أخذت إيه؟




شويكار ما ردتش.


عمر قال :


ـ جواز ما اختارتوش؟ بيت اتاخد منها؟ أخ باعها؟ ولا ليلة هتفضل عايشة بيها طول عمرها؟


سكت :


ـ قوليلي هي كسبت إيه وأنا أصدق إنها كانت معاهم.




ماحدش رد.




بره الأوضة...


كانت لارا واقفة في الممر، بوكيه الورد اللي جابته لشويكار لسه في إيدها، وصلت من دقائق، كانت ناوية تدخل تطمن عليها، لكن أول ما قربت من الباب سمعت صوت عمر العالي، ما سمعتش كل حاجة، ولا فهمت حكاية الفيديو، لكن كلمات متفرقة وصلت لها بوضوح:


«مراته...»


«سلمى...»


«جواز ما اختارتوش...»


«مش عايزاها في عيلتي...»




لارا ثبتت مكانها:


عمر... متجوز؟




قربت أكثر من الباب من غير ما تحس، صوت شويكار وصل لها :


ـ أنا مش طايقة سلمى ومش عايزاها في عيلتي.


وبعدها صوت عمر:


ـ سواء عجبك أو لأ، هي مراتي على الورق.




لارا رجعت خطوة، الورد نزل من قدام صدرها ببطء، وشها اتغير تمامًا. ما دخلتش، لفت ومشيت لآخر الممر، طلعت موبايلها، دورت على إسم أمها، اتصلت..


الخط اتفتح :


ـ ألو لارا؟ طمنيني على شويكار؟




لارا بصت ناحية باب الغرفة من بعيد :


ـ ماما...




ام لارا :


ـ مالك؟




لارا خفضت صوتها :


ـ أنا عند شويكار في المستشفى.




ام لارا :


ـ طيب؟




سكتت لثانية، ثم قالت :


ـ عمر اتجوز.




الناحية الثانية سكتت :


ـ إيه؟




لارا :


ـ بقولك عمر اتجوز.




ام لارا :


ـ إنتِ بتقولي إيه يا لارا؟




لارا :


ـ أنا سمعتهم بنفسي.




أم لارا :


ـ مين قال؟




لارا :


ـ هو.


بلعت ريقها :


ـ وفيه واحدة إسمها سلمى.


سكتت، وعينيها رجعت للباب :


ـ ومن الكلام اللي سمعته، شويكار مش طايقاها.




أمها سألت بسرعة :


ـ مين سلمى دي؟




لارا هزت رأسها رغم إن أمها مش شايفاها :


ـ ماعرفش.




ثم قالت ببطء :


ـ بس واضح إنها...


توقفت لحظة، تحاول تجمع الكلام المتقطع اللي سمعته :


ـ مش من مستواهم خالص.




لارا شدّت على بوكيه الورد وهي بتبص ناحية باب أوضة شويكار :


ـ ماعرفش يا ماما هي مين بالظبط، بس من الكلام اللي سمعته واضح إنها مش من مستواهم خالص، وشويكار نفسها قالت إنها مش طايقاها ومش عايزاها في العيلة، وعمر...




ـ وإنتِ واقفة بتعملي إيه؟


الصوت جه من وراها، لارا اتجمدت، الموبايل فضل على ودنها، لكن الكلام انقطع من بوقها، لفت ببطء، حسام كان واقف على بعد خطوتين منها، الموبايل في إيده، واضح إنه هو كمان كان راجع من مكالمة، لكن عينيه ما كانتش على التليفون، كانت عليها، وعلى الباب اللي واقفة قريب منه وبعدين على الموبايل اللي لازق في ودنها.


لارا حاولت تستعيد هدوءها بسرعة :


ـ حسام... أنا كنت جاية أطمن على طنط شويكار.




حسام بص لبوكيه الورد :


ـ واضح.




وبعدين رجع بعينه للموبايل :


ـ وكلمتِ ماما بسرعة تطمنيها هي كمان؟




لارا وشها اتشد :


ـ أنا بكلم أمي عادي.




حسام :


ـ عادي؟




ضحك حسام ضحكة صغيرة ما فيهاش أي مرح :


ـ يعني أول ما تسمعي كلمتين من ورا باب أوضة واحدة لسه طالعة من أزمة قلبية، تجري تكلمي أمك تقولي لها أخبارنا؟




لارا :


ـ أنا ما كنتش بتجسس.




حسام :


ـ لأ طبعًا.


قرب منها خطوة :


ـ إنتِ بس وقفتِ بالصدفة عند الباب، وسمعتِ بالصدفة، واتصلتِ بمامتك بالصدفة، وكنتِ بتقوليلها عمر اتجوز بالصدفة برضه.




لارا قفلت المكالمة، الحركة نفسها استفزته أكثر.


قالت :


ـ وطي صوتك، إحنا في مستشفى.




حسام 


ـ ما أنا عارف إننا في مستشفى. إنتِ اللي شكلك نسيتي.




لارا :


ـ حسام، أنا ما عملتش حاجة


غلط.




حسام :


ـ لأ، عملتِ.




لارا :


ـ إيه اللي عملته؟




حسام :


ـ نقلتِ كلام عيلة إنتِ سمعتيه من ورا باب مقفول.




لارا رفعت ذقنها :


ـ «عيلة» إيه يا حسام؟ أنا غريبة يعني؟




حسام سكت ثانية :


ـ دلوقتي؟ آه. اللي بيتقال جوه الأوضة دي ما يخصكيش.




الجملة جرحتها، ظهر ده على وشها فورًا :


ـ حلو أوي.




هزت رأسها :


ـ لما كنتوا عايزيني موجودة في كل مناسبة وكل سفرية وكل عزومة، ما كنتش غريبة. دلوقتي علشان سمعت إن عمر اتجوز في السر بقيت غريبة؟




حسام ضاق صدره :


ـ محدش قال جواز في السر.




لارا :


ـ أمال إيه؟




حسام :


ـ وده برضه مش موضوعك.




لارا ضحكت بسخرية :


ـ واضح إن الموضوع مش موضوع حد غيركم. حتى الناس اللي المفروض تعرف، تعرف بالصدفة.




حسام فهم قصدها، نظر لها فترة قبل ما يقول :


ـ لارا، مش وقته.




لارا :


ـ هو إمتى وقته؟ لما ألاقي خبر الجواز نازل في الجرايد؟




حسام :


ـ إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟




لارا :


ـ أنا؟


قربت منه قليلًا :


ـ أنا اللي مكبراه؟ إنت واقف تقولي ما أكلمش أمي كأني سربت أسرار دولة.




حسام :


ـ لأن أمي جوه تعبانة، وعمر جوه منفعل، وفيه مصيبة إحنا أصلًا مش فاهمين أولها من آخرها، فآخر حاجة ناقصانا إن الكلام يطلع بره ويتحكي ناقص.




لارا ركزت في كلمة واحدة :


ـ مصيبة؟




حسام عرف إنه قال زيادة :


ـ سيبيها.




لارا :


ـ مصيبة إيه؟




حسام :


ـ لارا.




لارا :


ـ الجواز نفسه مصيبة؟




حسام :


ـ أنا ما قلتش كده.




لارا :


ـ أمال؟




حسام أخذ نفس طويل، كان واضح إنه بدأ يفقد صبره :


ـ شوفي، أنا مش هقف أشرح لك حاجة مش من حقي أشرحها. كل اللي بطلبه منك إن أي كلمة سمعتيها هنا تفضل هنا.




لارا بصت له بعدم تصديق :


ـ بتطلب ولا بتأمر؟




حسام :


ـ اعتبريها اللي تعتبرِيها.




لارا :


ـ حسام!




حسام :


ـ لأن الوضع مش مستحمل.




صوته ما كانش عالي، لكنه كان حاسم، أشار ناحية الممر :


ـ إرجعي القصر.




لارا اتصدمت :


ـ بتطردني؟




حسام :


ـ ما بطردكيش.




لارا :


ـ أمال بتعمل إيه؟




حسام :


ـ بقولك أمي محتاجة هدوء، وإنتِ جيتي تطمني عليها، شوفتِ إنها بخير، خلاص.




لارا بصت ناحية باب الغرفة :


ـ أنا حتى ما دخلتش عندها.




حسام :


ـ وأنا هقول لها إنك جيتي.




لارا :


ـ لا، أنا هدخل بنفسي.




إتحركت، حسام وقف قدامها، مالمسهاش، بس منع الطريق :


ـ مش دلوقتي.




لارا رفعت عينيها له :


ـ إنت مالك أصلًا؟




حسام :


ـ مالي إن اللي جوه دي أمي.




لارا :


ـ وهي كمان بتحبني.




حسام :


ـ محدش قال غير كده.




لارا :


ـ يبقى إبعد.




حسام :


ـ لارا، ما تخلينيش أكرر كلامي.




ثواني عدت بينهم، الغضب ظهر في عينيها :


ـ واضح إن الجوازة الجديدة قلبت البيت بسرعة.




حسام فكه اتشد :


ـ ما تجيبيش سيرة موضوع إنتِ ما تعرفيش عنه حاجة.




لارا :


ـ أعرف إن عمر اتجوز واحدة إسمها سلمى، وشويكار مش ط طايقاها، وإنكم كلكم عاملين مصيبة بسببها.




حسام :


ـ غلط.




لارا :


ـ إيه اللي غلط؟




حسام :


ـ كل اللي إنتِ فاكرة إنك فهمتيه.




لارا سكتت، حسام كمل :


ـ وعلشان ما تفهميش أكثر غلط، إرجعي القصر.




رفع عينه للموبايل اللي في إيدها :


ـ وياريت المكالمة اللي عملتيها تكون آخر مكالمة عن الموضوع.




لارا ضحكت بمرارة :


ـ يعني أقول لماما إني كنت بهلوس؟




حسام :


ـ قولي لها إنك سمعتِ كلام مش كامل واستعجلتِ.




لارا :


ـ أنا سمعت عمر بيقول «مراتي».




حسام ما ردش، كملت :


ـ دي محتاجة تفسير برضه؟




حسام :


ـ لأ.


قالها بهدوء :


ـ بس محتاجة تعرفي إن فيه فرق بين إنك تسمعي كلمة وبين إنك تعرفي حكايتها.




لارا بصت له فترة طويلة، ثم رفعت الورد اللي في إيدها وحطه بعصبية فوق أحد المقاعد في الممر :


ـ خليهولها إنت.




ولفت، حسام ناداها :


ـ لارا.




وقفت، لكن ما لفتتش.


قال :


ـ بلاش الكلام ده يطلع بره.




ردت من غير ما تبص له :


ـ ما تقلقش.


ثم أضافت بمرارة :


ـ واضح إن محدش فيكم أصلًا معتبرني «جوه».




ومشيت.


حسام فضل مكانه يتابعها لحد ما اختفت عند آخر الممر، مرر إيده على وشه :


ـ ناقصة هي كمان.




جوه الغرفة...


صوت شويكار كان عالي :


ـ أنا مش هقبل إن إبني يقف قدامي ويقولي إني ببيعه.




رحيم كان واقف قريب من السرير، يحاول يخفض صوتها من غير ما يقرب منها أكثر :


ـ ماما، خلاص، عمر خرج.




شويكار :


ـ ما هو ده اللي إنتوا شاطرين فيه، تقولوا اللي عايزينه وتمشوا.




رؤوف قال بضيق :


ـ شويكار، الدكتور قال ممنوع الانفعال.




شويكار :


ـ وأنا أنفعل براحتي،




رحيم رفع حاجبه :


ـ آه، واضح.




رمقته.


شويكار :


ـ إنت كمان جاي تستظرف؟




رحيم :


ـ مش بستظرف. بقولك إن الأجهزة نفسها بدأت تعترض.




شويكار بصت للشاشة اللي جنبها :


ـ الأجهزة مالهاش دعوة.




رؤوف قال :


ـ الأجهزة أرحم مننا، على الأقل بتعرف تسكت.




شويكار لفت له بعصبية :


ـ رؤوف!




رحيم حط إيده على طرف السرير :


ـ ماما، خلاص.




شويكار :


ـ مافيش خلاص.




كانت متأثرة بكلام عمر أكثر مما بتبين، ده كان واضح، مش لأن صوتها عالي، بالعكس، لأنها كل شوية ترجع لنفس الجملة :


ـ أنا ضحيت بعمري علشانهم.




رحيم سكت، شويكار كملت :


ـ الشركة دي أنا اللي وقفت فيها سنين. لما أبوكم...


بصت لرؤوف وسكتت عن باقي الجملة. ثم كملت :


ـ لما الدنيا كلها كانت بتقع فوق دماغنا، أنا اللي شلت، عمر كان صغير، إنت كنت صغير، حسام كان طفل، أنا اللي عملت كل حاجة.




رحيم قال :


ـ محدش قال إنك ما عملتيش.




شويكار :


ـ هو قال.




رحيم :


ـ عمر متعصب.




شويكار :


ـ لأ. عمر قال اللي جواه.




رحيم سكت، شويكار بصت له :


ـ وإنت؟




رحيم :


ـ أنا مالي؟




شويكار :


ـ شايفني ببيعه برضه؟




السؤال خرج أسرع من المتوقع، رحيم فضل باصصلها، هي مستنية إجابة.


قال :


ـ شايف إنك غلطانة إنك قفلتِ الموضوع من غير ما نعرف إحنا قدام إيه.




ملامحها اتغيرت :


ـ يعني؟




رحيم :


ـ يعني مش بقولك انسحبي فورا، ولا بقولك كملي فورًا، الأول نعرف مين بيهددك، إزاي وصل للفيديو، وعنده إيه غيره.




شويكار :


ـ والفيديو لو اتنشر وإحنا بنعرف؟




رحيم :


ـ علشان كده لازم نتحرك بسرعة.




شويكار هزت رأسها :


ـ إنت بتتكلم زي أبوك.




رؤوف قال :


ـ الحمد لله، أخيرًا قالوا عني حاجة كويسة.




رحيم بص له :


ـ ما تساعدنيش.




لكن شويكار ما ابتسمتش، قالت :


ـ أنا مش هتنازل.




رحيم أخذ نفس :


ـ تمام، سمعنا.




شويكار :


ـ ما تقوليش تمام بالطريقة دي.




رحيم :


ـ أقول إيه؟




شويكار :


ـ قل إنك فاهم.




رحيم :


ـ أنا فاهم إنك مش عايزة حد يلوي دراعك.


سكت لحظة :


ـ بس عمر برضه عنده حق في حاجة.




عينيها ضاقت :


ـ إيه؟




رحيم :


ـ الفيديو مش بتاعه لوحده.




شويكار سكتت، رحيم كمل:


ـ فيه سلمى.




مجرد الإسم ضايقها، ظهر على وشها :


ـ ما تبدأش إنت كمان.




رحيم :


ـ أنا مش بدافع عنها.




قالها فورًا :


ـ ومش بقول لك حِبّيها ولا اقبليها. أنا بقول إن فيه واحدة اتصورت من غير علمها في أسوأ ظرف ممكن، واللي معاه الفيديو بيستخدم ده علشان يضغط علينا.




شويكار بعدت وشها :


ـ ما تجيبليش سيرتها.




رحيم :


ـ براحتك.




شويكار :


قلتلك ما تجيبليش سيرتها.




صوتها ارتفع، الجهاز جنبها بدأ يصدر تنبيه مختلف.


رحيم قرب :


ـ ماما، خلاص.




شويكار :


ـ إنتوا كلكم فجأة بقيتوا سلمى سلمى سلمى.. واحدة ما نعرفش أصلها من فصلها دخلت حياتنا من كام يوم، قلبت البيت، عمر بقى متجوزها، الشركة بتتهدد بسببها...




رحيم قاطعها :


ـ الشركة مش بتتهدد بسببها.




شويكار :


ـ أمال بسبب مين؟




رحيم :


ـ بسبب اللي خطط.




شويكار :


ـ وإنت عرفت إنها ما خططتش؟




رحيم سكت، شويكار رفعت حاجبها كأنها انتصرت :


ـ أهو.




لكن رحيم قال :


ـ وما عرفتش إنها خططت، أخوها.. أخوها مش هي.




شويكار بدأت تتكلم، لكن الباب اتفتح، الممرضة دخلت بسرعة، ووراها الدكتور. بص للشاشة، وبعدها لشويكار، ثم لكل الموجودين، ملامحه ما كانتش مبسوطة :


ـ إحنا اتفقنا على الراحة.




شويكار قالت :


ـ أنا مرتاحة.




الدكتور بص للشاشة :


ـ الجهاز عنده رأي مختلف.




رؤوف بص ناحية رحيم، رحيم كتم ابتسامة غصب عنه، الدكتور قرب يفحص شويكار، وسألها كام سؤال، وبعدها لف للجميع :


ـ من فضلكم، الزيارة انتهت.




شويكار اعترضت :


ـ دول أولادي وجوزي.


Nisrine Bellaajili 


الدكتور :


ـ حتى لو كانوا مجلس إدارة المستشفى نفسه، بره.




رحيم قال :


ـ حاضر.




شويكار بصت له :


ـ حاضر إيه؟




رحيم :


ـ هنطلع.




شويكار :


ـ رحيم!




رحيم :


ـ ماما، كفاية لحد كده.




الدكتور أشار للباب :


ـ محتاجة هدوء ونوم. وأي نقاشات شغل أو مشاكل عائلية تتأجل لبكرة.




رؤوف حرك كرسيه ناحية الباب، وقبل ما يطلع بص لشويكار :


ـ نامي.




قالت بعصبية :


ـ مش عايزة أنام.




رؤوف :


ـ نامي وإنتِ متعصبة.




رمقته، رؤوف خرج، رحيم مشي وراه، وقبل ما يقفل الباب، بص لأمه، للحظة.. شاف التعب الحقيقي على وشها، مش شويكار الألفي، ولا الست اللي بتدير شركة وعيلة، ست كانت من ساعات بين الحياة والموت، ودلوقتي مصممة تدخل حرب وهي لسه على سرير المستشفى.


قفل الباب.




في الممر...


عمر كان واقف عند الشباك، يوسف مشي من شوية بعدما اطمأن إن عمر مش هيسوق بالحالة دي، حسام كان واقف بعيد، بيكلم حد في الشركة، ورؤوف اتحرك مع أحد العاملين علشان يرتب حاجة تخص غرفة شويكار.


رحيم قرب من عمر، وقف جنبه من غير كلام، عمر كان باصص من الزجاج :


ـ نامت؟




رحيم :


ـ الدكتور طردنا.




عمر ما علقش، مرت ثواني رحيم قال:


ـ إنت زودتها عليها.




عمر :


ـ عارف.




رحيم :


ـ ولسه شايف إنك صح؟




عمر لف له :


ـ آه.




رحيم هز رأسه :


ـ تمام.




عمر رجع بص للشباك :


ـ هي فين؟




رحيم عرف فورًا لكن سأله :


ـ مين؟




عمر بص له بضيق :


ـ سلمى.




رحيم ملامحه اتغيرت :


ـ ليه؟




عمر :


ـ عايز أشوفها.




رحيم :


ـ لأ.




عمر لف له بالكامل :


ـ لأ إيه؟




رحيم :


ـ لأ يعني مش هتاخذ عنوانها وتروح لها.




عمر :


ـ أنا ما طلبتش العنوان.


سكت لحظة :


ـ خدني عندها.




رحيم بص له كأنه بيحاول يعرف إذا كان بيتكلم بجد :


ـ إنت شفت الفيديو من ساعة.




عمر :


ـ عارف.




رحيم :


ـ واتخانقت مع أمك لحد ما الدكتور طردنا.




عمر :


ـ عارف برضه.




رحيم :


ـ وسلمى عرفت من شوية إن فيه فيديو للي حصل لها، وانهارت.




الجملة وقفت عمر، ملامحه اتبدلت :


ـ عرفت؟




رحيم :


ـ آه.




عمر :


ـ مين قال لها؟




رحيم :


ـ أنا.




عمر بص له فترة :


ـ شافت الفيديو؟




رحيم :


ـ لأ.




ظهر شيء من الراحة على وش عمر رحيم لاحظه :


ـ ومش ناقصة تشوفك دلوقتي.




عمر سكت ثم قال :


ـ لازم أكلمها.




رحيم :


ـ ليه؟




عمر فتح بقه لكن ما لاقاش إجابة جاهزة، رحيم استنى :


ـ هتقول لها إيه؟




عمر بعد عينه :


ـ ماعرفش.




رحيم :


ـ حلو. يبقى ما تروحش.




عمر :


ـ رحيم...




رحيم :


ـ لأ، فكر الأول، إنت عايز تشوفها علشان هي محتاجة تشوفك، ولا علشان إنت محتاج تشوفها بعد الفيديو؟




السؤال أصابه، عمر سكت. رحيم كمل :


ـ لأن لو السبب الثاني، يبقى دي مش مشكلتها.




عمر مرر إيده على وشه، فضل ساكت فترة ثم قال :


ـ يمكن أنا فعلًا محتاج أشوفها.




رحيم :


ـ يبقى ما نروحش.




عمر بص له :


ـ بس فيه حاجة ثانية.




رحيم :


ـ إيه؟




عمر :


ـ الفيديو وصل لي.


رحيم انتظر :


ـ ووصل لك.




رحيم :


ـ آه.




عمر :


ـ ووصل لأمي.




رحيم :


ـ آه.




عمر قرب منه قليلًا :


ـ يعني اللي باعت بيوسع الدايرة.




رحيم فهم. عمر كمل :


ـ سلمى لوحدها في شقة محدش يعرفها غيرك، صح؟




رحيم :


ـ صح.




عمر :


ـ وإنت متأكد إن محدش عرفها؟




رحيم ما ردش، عمر شاف التردد :


ـ أهو.




رحيم قال :


ـ أنا أصلًا كنت هراجع أمن المكان.




عمر :


ـ وأنا مش هسيبها لوحدها وإحنا مش عارفين مين بيتفرج علينا.




رحيم :


ـ وإنت وجودك عندها هيطمنها؟




الجملة خرجت حادة، عمر وشه اتغير، رحيم ما اعتذرش لأنها حقيقة. قال :


ـ هي لما شافتك آخر مرة، كانت في أسوأ ليلة في حياتها.




عمر نزل عينه :


ـ عارف.




رحيم :


ـ لأ.


رحيم قالها بهدوء :


ـ إنت شفت فيديو النهارده. هي عاشت اللي في الفيديو.




عمر فضل ساكت، الكلام وجعه


واضح، لكن رحيم ما كانش بيحاول يوجعه، كان بيحاول يمنعه يعمل غلطة جديدة.


بعد فترة عمر قال :


ـ مش هدخل عليها لو رفضت.


رحيم رفع عينه له،


ـ ولا هقرب منها.


سكت :


ـ ولا هطلب منها تسمعني.




رحيم فضل يراقبه.


عمر قال :


ـ بس خذني.


رحيم :


ـ عمر...


نسرين بلعجيلي 


عمر :


ـ لو فتحت الباب وشافتني وقالت إمشي، همشي.




صوته بقى أهدى :


ـ بس أنا مش قادر أرجع الشقة دي وأقعد لوحدي وأنا عارف إن فيه حد معاه فيديو ليها وليا، وممكن يكون عارف هي فين.




رحيم فكر، ما اقتنعش تمامًا، لكن نقطة الأمان نفسها كانت شاغلاه من قبل ما يوصل المستشفى، طلع موبايله، راجع الرسائل، مافيش جديد.


قال :


ـ هنروح.




عمر رفع عينه، رحيم كمل بصرامة :


ـ بس أنا اللي هطلع الأول.




عمر :


ـ تمام.




رحيم :


ـ وأنا اللي هكلمها.




عمر :


ـ تمام.




رحيم :


ـ ولو قالت لأ...




عمر :


ـ همشي.




رحيم فضل باصص له ثواني، ثم اتحرك :


ـ يلا.




بعد أقل من ساعة، العربية وقفت قدام العمارة. طول الطريق، عمر تقريبًا ما اتكلمش، رحيم كمان، كل واحد كان غرقان في حاجة مختلفة.


عمر رجع يشوف الفيديو في دماغه للمرة الألف، رغم إنه ما فتحش موبايله، المشهد نفسه كان بيعيد نفسه، سلمى بترجع، هو بيقرب، هي بتحاول تبعده، إيده عليها، الضربة. كل مرة الصورة تقف عند نفس المكان، وكل مرة السؤال يرجع :


إيه اللي حصل بعد كده؟


لكن للمرة الأولى، عمر ما كانش السؤال ده أكثر حاجة مخوفاه، كان فيه سؤال أبسط :


هتبص له إزاي؟


دخلوا العمارة، رحيم اتكلم مع الأمن لدقائق، راجع أسماء الداخلين، سأل عن أي حد غريب، وبعدها طلعوا الأسانسير.


عمر وقف في آخره، كل رقم بيزيد فوق الباب كان بيشد أعصابه أكثر، رحيم لاحظ، ما قالش حاجة. وصلوا للدور، خرج رحيم الأول وعمر وراه. وقفوا قدام الباب، رحيم بص له قبل ما يمد إيده للجرس :


ـ آخر مرة.




عمر :


ـ عارف.




رحيم :


ـ لو خافت...




عمر قاطعه :


ـ همشي.




رحيم ضغط الجرس، جوه الشقة، سلمى كانت قاعدة على الكنبة من بعد ما رحيم خرج، ما عملتش تقريبًا أي حاجة، الشنطة لسه مفتوحة، الهدوم جزء منها جوه وجزء فوق الكنبة، كوباية المية اللي صبتها لنفسها فضلت زي ما هي، حتى دموعها وقفت من كثر ما تعبت، لكن دماغها ما وقفتش.. فيديو.. كل شوية الكلمة ترجع، حد صورها، رحيم شاف، شويكار شافت، وفيه نسخة عند شخص ما، يمكن شخص واحد، يمكن أكثر، يمكن بكرة الدنيا كلها. 


شدت الحجاب حواليها أكثر رغم إنها لوحدها، وفجأة جرس الباب رن، جسمها كله انتفض، بصت للباب، ما اتحركتش، الجرس رن مرة ثانية، سلمى قامت ببطء، قلبها بدأ يدق، افتكرت كلام رحيم :


«ما تفتحيش لأي حد.»


وقفت بعيد عن الباب، ما قربتش، سألت بصوت حاولت تثبته :


ـ مين؟




ثواني، ثم وصلها صوت تعرفه :


ـ أنا يا سلمى... رحيم.




نفسها خرج دفعة واحدة، فضلت مكانها لحظة، ثم قربت، بصت من العين السحرية، لكن الزاوية ما ورتلهاش غير رحيم، فتحت القفل الأول، ثم الثاني، إيدها وقفت على المقبض، وبعد تردد.. فتحت الباب.


رحيم كان واقف قدامها، سلمى بصت له :


ـ فيه إيه؟




رحيم ما لحقش يرد، لأن حد إتحرك من وراه وظهر في مجال رؤيتها.. عمر.. سلمى اتجمدت، وشها فقد لونه في ثانية، عينيها اتسعت وجسمها اتحرك قبل عقلها، رجعت خطوة لورا، ثم خطوة ثانية، إيدها شدت طرف حجابها عند صدرها، وأنفاسها اتسارعت، عمر شافها وشاف الخوف، نفس الخوف اللي كان من دقائق بيتفرج عليه في شاشة موبايله، لكن المرة دي مافيش شاشة بينهم.


سلمى بصت لرحيم، مش لعمر، وصوتها خرج مخنوق :


ـ إنت... جبته هنا ليه؟




رحيم ما ردش فورًا، أما عمر ففضل واقف خارج الباب، ما دخلش، ما قربش، حتى إيده اللي كانت مرفوعة قليلًا نزلت جنب جسمه. وسلمى أخذت خطوة ثالثة لورا، عينيها راحت له غصب عنها، وفي اللحظة اللي عينيهم اتقابلت فيها، عمر عرف إن الفيديو ما ورّاهوش كل حاجة، لأن الكاميرا قدرت تسجل خوف سلمى منه، لكنها ما قدرتش تسجل إحساس الراجل لما يشوف الخوف ده بعينه ويعرف إنه هو سببه..




وهنا نقف...


مش عند الفيديو، ولا عند المناقصة، ولا حتى عند السر اللي لسه مستخبي في الدقائق اللي محدش شافها.


نقف عند باب.


عمر واقف بره.


وسلمى واقفة جوه.


وبين الاثنين ليلة كاملة هو مش فاكرها... وهي تتمنى لو تقدر تنساها.


لأول مرة عمر شاف نفسه زي ما سلمى شافته.


ولأول مرة بقى عارف إن كلمة «مش فاكر»، مهما كانت حقيقية، ما تمسحش خوف إنسانة عاشت كل ثانية هو فقدها من ذاكرته.


لكن السؤال دلوقتي مش:


هل عمر هيدخل؟


السؤال:


هل سلمى هتسمح له أصلًا يقف قدامها؟


وهل مشاهدة عمر للفيديو هتكون بداية وصوله للحقيقة... ولا بداية سقوط أكبر؟


وشويكار؟ 


هل فعلًا هتخاطر بنشر الفيديو علشان ما تستسلمش للابتزاز؟


ولا كلام عمر هيفضل يطاردها بعد ما يخرج؟


ولارا سمعت جزءًا من الحكاية فقط...


وأحيانًا نص الحقيقة أخطر من الكذبة الكاملة.


مستنية تحليلاتكم بقى 


ومش عايزة «حلو الفصل» وتمشوا 


قوليلي: مين أكتر شخصية فهمتوا موقفها النهارده؟ ومين أكتر شخصية عصبتكم؟


وشكرًا من قلبي لكل حد بيقرأ، ويعلق، ويحلل، ويكتب ريفيو، ولكل قارئ صامت مستني الفصل الجديد حتى لو عمره ما كتب تعليق. وجودكم هو اللي بيخلي الحكاية تكمل. ❤️


يتبع.....



            الفصل السادس والعشرون من هنا 

             لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة