رواية جريمة إسمها زواج الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم نسرين بلعجيلي


رواية جريمة إسمها زواج الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم نسرين بلعجيلي


بسم الله الرحمن الرحيم 

اللهم إنّا لا نعلم ما تخفيه لنا الأيام، وأنت وحدك تعلم أين الخير وأين النجاة.


اللهم إن كان في طريقنا شر لا نراه، فاصرفه عنا قبل أن يصل إلينا، وإن كان حولنا من يُظهر لنا الحب ويُخفي الأذى، فاكشفه لنا بلطفك قبل أن يؤذينا.


اللهم لا تجعل حاجتنا للحب تُعمينا عن الحقيقة، ولا خوفنا من الوحدة يجعلنا نقبل بما يؤذينا، ولا ضعفنا يومًا يضعنا في يد من لا يرحم.


اللهم اجبر القلوب التي نامت وهي خائفة، وطمئن من فقد الأمان، وعوّض كل من خذله أقرب الناس إليه.


واجعل لنا بعد كل باب أُغلق في وجوهنا بابًا أجمل، وبعد كل خوف أمانًا، وبعد كل وجع جبرًا يليق بكرمك.


اللهم آمين.




#جريمة_إسمها_زواج.




@Nisrine Bellaajili 




نسرين بلعجيلي 




أحيانًا ما بنعرفش إن حياتنا اتغيّرت


غير بعد ما يكون التغيير حصل فعلًا.


كلمة صغيرة تفضل عالقة في القلب،


اسم قديم يرجع بعد سنين،


باب نقفله بإيدينا لأول مرة فنفهم معنى الأمان،


وحلم انتظرناه طويلًا يتحقق أخيرًا... فنكتشف إننا خائفين منه.


الغريب إن القدر ما بيخبطش على الباب ويقول:


أنا جاي أغيّر حياتك.


بييجي في صورة شخص،


أو صدفة،


أو ليلة عادية،


أو قرار نظنه نهاية الحكاية...


ثم نكتشف بعد وقت


إنه كان أول سطر فيها.


وأصعب البدايات مش اللي نعرف من أولها إنها مؤلمة...


أصعبها تلك التي تبدأ بتحقيق أمنية،


ثم تجعلنا نتساءل:


يا ترى... كان لازم أتمنى؟




نسرين بلعجيلي 




*الفصل الحادي والعشرون*




كان الفرق بين قصر الألفي وبيت مريم مش مجرد فرق فلوس، كان فرق عالم كامل. من ساعة تقريبًا كانت ماشية فوق رخام لامع، لدرجة إنها كانت شايفة انعكاس صورتها فيه، نجف كبير، سلالم واسعة، أبواب أطول منها تقريبًا، ريحة هادية مش عارفة جاية من الورد اللي مالي المكان، ولا من معطرات غالية عمرها ما شافت زيها.


ودلوقتي..


كانت واقفة قدام باب شقتهم، بتحاول تفتح بالمفتاح وهي شايلة شنطتها على كتفها وكيس عيش في إيدها.


من جوه، صوت أمها سبقها :


ـ مين؟


مريم ضحكت وهي بتفتح الباب :


ـ أنا يا ماما، هو مين يعني هيجي لك الساعة دي؟




دخلت، الشقة صغيرة، طرقة ضيقة بتفتح على صالة متواضعة، كنبتين قدام بعض، ترابيزة عليها مفرش كروشيه، وتليفزيون قديم شغال على مسلسل أمها أصلًا مش بتتفرج عليه، ريحة الطبيخ كانت مالية البيت. أول ما مريم دخلت، رمت شنطتها فوق الكرسي وخلعت الجزمة وهي بتتنهد، أمها خرجت من المطبخ ومسحت إيديها في المريلة :


الحمد لله على السلامة يا بنتي، عملتِ إيه؟




مريم رفعت عينيها لأمه، ابتسمت : 


الحمد لله.




أمها فضلت باصة لها :


الحمد لله إيه؟ أنا من الصبح مستنياكِ ترجعي تحكيلي، الناس عاملين معاكِ إيه؟ والبنت؟ والقصر؟ والشغل نفسه مريح ولا هيمرمطوكِ؟


مريم ضحكت :


واحدة واحدة يا ماما، أنا لسه داخلة.




الأم :


ما أنا بسألك علشان أطمن، مش كل يوم بنتي تروح تشتغل عند ناس زي عيلة الألفي.




مريم سكتت لحظة،عيلة الألفي، حتى الإسم كان ثقيل. من ساعة ما خرجت من القصر، وهي بتحاول تقنع نفسها إن اليوم كان عادي.. شغل.. طفلة محتاجة مربية.. عيلة غنية.. وهترجع بكرة تعمل شغلها وخلاص، لكن الحقيقة، إن فيه تفاصيل صغيرة فضلت ماشية معاها لحد البيت، صوت حبيبة وهي بتناديها، نظرات شويكار اللي كانت بتخليها تحس إنها في امتحان، هدوء رؤوف الغريب، حركة الخدم في القصر كأن كل واحد حافظ دوره بالثانية، و... رحيم.


هزت راسها بسرعة كأنها بتطرد الإسم من عقلها، أمها لاحظت :


مالك؟




مريم :


ولا حاجة.




الأم : 


أمال سرحتِ ليه؟




مريم شالت شنطتها :


هدخل أغير هدومي وأطلع أحكيلك.




دخلت أوضتها وقفلت الباب، أوضة صغيرة جدًا، سرير مفرد، دولاب أبيض قديم، مكتب صغير كانت بتذاكر عليه من أيام الكلية، وعلى الحائط مراية مستطيلة جنبها صور قديمة ليها مع أصحابها. وقفت قدام المراية، بصت لنفسها وبعدين، من غير سبب مفهوم، عدلت شعرها. إتنرفزت من نفسها :


ـ إيه الهبل ده يا مريم؟




قالتها بصوت مسموع. خلعت هدومها بسرعة ولبست بيجامة بيت، وقبل ما تخرج، موبايلها رن. بصت للشاشة.. نهى.


إبتسمت وردت :


أيوه يا ست نهى.




صوت صاحبتها جه متحمس :


خلصتِ؟ أنا مستنياكِ من الصبح، والله لو ما حكيتيلي دلوقتي حصل إيه في القصر هاجيلك البيت.




مريم ضحكت :


طب تعالي.




نهى :


بجد؟




مريم :


آه، ماما عاملة محشي وهتفرح بيكِ.




نهى :


عشر دقايق وأكون عندك.




قفلت نهى قبل حتى ما مريم ترد.


بعد حوالي نص ساعة، كانت نهى قاعدة على الأرض قدام ترابيزة الصالة، طبق المحشي قدامها، ومريم قاعدة جنبها. أم مريم دخلت المطبخ تجهز الشاي، نهى حطت المعلقة من إيدها :


يلا.




مريم بصتلها :


يلا إيه؟




نهى : 


القصر.




مريم :ـ


ماله؟




نهى ضربتها بخفة في دراعها : 


يا بنتي ما تستعبطيش، إنتِ من يوم ما عرفتِ إنك هتشتغلي عند الألفي وإحنا بنتكلم في الموضوع. عايزة أعرف كل حاجة، البيت عامل إزاي؟ الناس؟ البنت؟ الأوض؟ عندهم خدم بجد زي المسلسلات؟




مريم ضحكت :


عندهم خدم بجد زي المسلسلات وأكثر.




نهى قربت منها :


ـ كبير؟




مريم فتحت عينيها :


كبير إيه؟ ده أنا أول ما دخلت حسيت إني دخلت فندق، البوابة لوحدها قد العمارة بتاعتنا، وبعدها جنينة، يا نهى، أنا مش بهزر، جنينة لو لفينا فيها إحنا الاثنين ممكن نضيع.




نهى انفجرت ضحك :


يا كذابة.




مريم :


والله العظيم. وبعدين تدخلي تلاقي رخام ونجف وتحف، وأنا ماشية كنت خايفة أخبط في حاجة. قلت لو كسرت فازة هناك، ماما تبيع الشقة ومانسددس نسدد ثمنها.




نهى ضحكت أكثر، خرجت أم مريم من المطبخ وهي شايلة الشاي : 


بعد الشر، إحنا ما عندناش غير الشقة دي.




ضحكوا كلهم، حطت الشاي قدامهم وقعدت :


المهم الناس كويسين معاكِ يا مريم؟




ابتسامة مريم خفت :


آه... يعني...




أمها فهمت التردد :


يعني إيه؟




مريم :


الست الكبيرة شويكار هانم شخصيتها قوية أوي.




نهى قاطعتها :


قوية ولا متكبرة؟




مريم فكرت :


مش عارفة أقول متكبرة، بس تحسي إنها أول ما تبصلك تعرف إنتِ مين وجاية منين وبتقبضي كام.




نهى ضحكت :


ـ يعني متكبرة.




مريم :


لا، بجد، هي ما أهنتنيش ولا قالتلي حاجة وحشة. بالعكس، كلامها قليل جدًا. بس طريقتها تخليكِ تعدلي قعدتك من غير ما تقولك.




أم مريم سألت :


والراجل الكبير؟




مريم فهمت إنها تقصد رؤوف :


رؤوف بيه؟ هادي جدًا، ما اتكلمتش معاه تقريبًا.




ام مريم:


والبنت؟




هنا ابتسمت مريم بصدق :


حبيبة؟


سكتت لحظة وكملت :


حبيبة جميلة أوي يا ماما.




أمها ابتسمت :


ارتاحتلك؟




مريم :


في الأول كانت ساكتة. كنت بسألها ما تردش. بعدين قعدت ألعب معاها، وبعد شوية بدأت تتكلم. بس...


تغيرت ملامحها.


نهى لاحظت :


بس إيه؟




مريم بصت في كوب الشاي :


البنت فيها حاجة توجع القلب.




أمها قالت بقلق :


مالها؟




مريم :


مش عارفة. بتحسي إنها خايفة طول الوقت. يعني ممكن تكون بتلعب وفجأة تسيب كل حاجة وتسأل: بابي فين؟ ولو حد قالها إنه خرج، وشها يتغير.




أم مريم هزت رأسها بأسف :


يا حبيبتي.. ما هي يتيمة الأم.




مريم رفعت عينيها :


أيوه.


وسكتت، لثواني، ثم قالت بهدوء :


علشان كده يمكن متعلقة بأبوها بالشكل ده.




نهى التقطت الكلمة فورًا :


أبوها.




مريم بصتلها، نهى ابتسمت ابتسامة خبيثة :


وصلنا للمهم.




مريم عقدت حواجبها :


مهم إيه؟




نهى :


رحيم بيه.




مريم شربت الشاي بسرعة :


ماله؟




نهى قربت وشها منها :


حلو؟




مريم شرقت، أمها بصت لهم باستغراب :


إنتوا بتتكلموا في إيه؟




مريم مسحت بقها :


ولا حاجة يا ماما، دي مجنونة.




نهى كتمت ضحكتها، أم مريم قامت وهي بتقول :


أنا هقوم أصلي العشا، وإنتِ يا نهى بطلي جنان في البنت.




أول ما دخلت الأوضة، نهى ضربت مريم في رجلها :


يلا.




مريم :


يلا إيه؟




نهى : 


حلو؟




مريم حاولت تمسك نفسها :


عادي.




نهى فتحت بؤها :


مريم!




مريم :


والله عادي.




نهى :


عينيكِ بتقول غير كده.




مريم ضحكت رغمًا عنها :


يا نهى، هو أنا شُفته أصلًا قد إيه علشان تقولي الكلام ده؟




نهى :


يعني شُفتيه.




مريم سكتت، وده كان كفاية.


نهى قربت أكتر :


إحكي.




مريم اتنهدت :


مافيش حاجة تتحكي. راجل محترم، هادي، كلامه قليل، وكل اهتمامه ببنته.




نهى :


ومتجوز؟




مريم بصتلها :


مراته ماتت.




نهى : 


آه.




قالتها نهى بطريقة خلت مريم تبصلها بحدة :


آه إيه؟




نهى :


ولا حاجة.


مريم :


نهى!




نهى :


يا بنتي أنا ما قلتش حاجة. بس يعني أرمل مش متجوز.




مريم حطت الكوباية على الترابيزة :


إنتِ مخك تعبان. أنا رايحة أشتغل مربية لبنته، مش أدور على عريس.


نسرين بلعجيلي 


نهى ابتسمت :


هو أنا قلت عريس؟ أنا بس سألت، 


مريم :


وبعدين...


مريم سكتت




نهى :


وبعدين إيه؟




مريم ترددت وبعدين قالت :


ناس زي دول مش بيشوفونا أصلًا.




نهى بطلت هزار، بصتلها شوية :


مين قالك؟




مريم ضحكت ضحكة صغيرة مافيهاش فرحة :


الدنيا قالتلي.




نهى :


مريم...




مريم :


بجد. أنا النهارده وأنا داخلة القصر حسيت بحاجة غريبة، مش علشان هما وحشين، لأ، بس حسيت إن فيه ناس بتتولد في دنيا، وناس بتتولد في دنيا ثانية خالص. إحنا أقصى حلم عندنا نخلص قسط التلاجة، وهما ممكن ثمن نجفة عندهم يجيب الشقة اللي إحنا قاعدين فيها.




نهى سكتت.


مريم كملت :


فماتكبريش الموضوع. رحيم بيه بالنسبالي صاحب الشغل وأبو البنت اللي أنا مسؤولة عنها وبس.




قالت الكلمة الأخيرة بسرعة، أسرع مما ينبغي.




نهى ابتسمت :


طب ما أنا ما قلتش غير كده.




مريم رمت عليها المخدة :


إخرسي.




ضحكت نهى، لكن بعد ما ضحكهم هدي قالت :


بس إنتِ معجبة بيه.




مريم ما ردتش ندهت عليها :


ـ مريم؟




فضلت ساكتة، نهى ابتسمت بانتصار وقالت :


أهو السكوت علامة الرضا.




مريم أخيرًا بصتلها :


يمكن...




نهى فتحت عينيها، مريم أسرعت :


إعجاب يا نهى، مش اللي في دماغك، يعني.. طريقة كلامه، اهتمامه ببنته، هيبته، أول ما يدخل مكان تحسي الناس كلها أخذت بالها إنه دخل من غير ما يعمل أي حاجة.




نهى ابتسمت :


ووسيم؟




مريم عضت شفايفها وهي بتحاول ما تضحكش :


شوية.


نهى :


شوية؟!




انفجروا الاثنين في الضحك، لكن بعد دقائق نهى انشغلت بالموبايل، أما مريم فسرحت، إفتكرت مشهد صغير جدًا حصل قبل ما تمشي، كانت حبيبة ماسكة إيدها ورحيم نازل السلم، وقف عندهم وسألها :


«حبيبة تعبتك؟»




قالت له :


«لا، بالعكس.»




فبصلها وقال :


«شكرًا إنك خليتيها تضحك النهارده.»




مجرد جملة، يمكن هو نسيها بعد ثانية، لكن مريم جابت الجملة معاها لحد البيت، وده اللي خوّفها شوية، لأن بعض الحكايات ما تبدأش بحب، تبدأ فقط بأنك تتوقف عند كلمة قالها صاحبها ونسيها، بس أنت.. ما نسيتهاش.




في قصر الألفي...




كان الليل له شكل مختلف، البيت الكبير اللي طول النهار مليان حركة، بعد منتصف الليل كان بيتحول لمكان آخر، الأنوار تقل، الأصوات تختفي والطرقات الطويلة تبقى أهدى من اللازم. لكن المطبخ كان له حياة ثانية.


أمينة، الطباخة اللي بقالها في البيت أكثر من عشرين سنة، كانت واقفة قدام الحوض بتراجع شغل البنت الجديدة، وعلى الترابيزة، الدادة سعاد قاعدة بتشرب شاي. دخل عم فتحي السواق القديم للعيلة، ومد إيده ناحية طبق الحلويات، أمينة ضربت إيده بالمعلقة :


إيدك يا عم فتحي. 




عم فتحي :


يا ستي واحدة.




امينة :


دي بتاعة شويكار هانم.




عم فتحي :


وهي شويكار هانم هتعدهم؟




سعاد ضحكت :


دي لو نقصت واحدة تعرف.




عم فتحي سحب إيده :


ربنا يستر علينا.




أمينة بصت له :


آمين.




سعاد قالت وهي بتحرك السكر :


البنت الجديدة شكلها غلبانة.




أمينة فهمت فورًا :


مريم؟


سعاد :


آه.




امينة :


مؤدبة.




عم فتحي قعد :


هي اللي هتمسك حبيبة الصغيرة؟




سعاد هزت راسها :


أيوه.


ثم تنهدت وكملت :


ربنا يعينها.




أمينة بصتلها :


ـ ليه بتقولي كده؟




سعاد :


مش عليها، على البنت.




سكتوا لحظة. حبيبة كانت محبوبة من كل اللي في القصر، لكن كلهم كانوا شايفين اللي بيحصل، الصراخ، التعلق برحيم، الخوف، الليالي اللي تصحى فيها من النوم.




أمينة قالت :


من ساعة ما أمها ماتت والبنت مش زي الأول.




عم فتحي هز راسه :


وربنا رحيم بيه نفسه مش زي الأول.




سعاد قالت :


هو كان فين أصلًا علشان يبقى زي الأول أو غيره؟ الشركة كانت واخداه من بنته.




أمينة بصتلها تحذرها : 


وطي صوتك.




سعاد أشارت ناحية الباب :


مافيش حد. 




أمينة ردت :


في البيت ده ما تقوليش مافيش حد.




عم فتحي ضحك :


أمينة بقى عندها خبرة.




أمينة ما ضحكتش، بالعكس، ملامحها اتغيرت للحظة :


ـ عشرين سنة في بيت واحد تخليك تعرف إن الحيطان ساعات بتسمع أكثر من البني آدمين.




سعاد بصتلها :


مالك؟




أمينة :


مالي إيه؟




سعاد :


قلتيها بطريقة غريبة.




أمينة رجعت للحوض :


مافيش.




عم فتحي مد إيده للحلو مرة ثانية، أمينة من غير حتى ما تبص له ضربت إيده :


قلت لأ.




ضحكت سعاد، لكن كان صوت جاي من الطرقة قطع ضحكتهم، الثلاثة سكتوا. ظهر رؤوف عند باب المطبخ على كرسيه المتحرك، عم فتحي قام فورًا :


ـ رؤوف بيه؟ محتاج حاجة؟




رؤوف كان وشه متعب، قال بهدوء :


مية.




أمينة إتحركت بسرعة :


حاضر يا بيه.




فتحت الثلاجة، لكن رؤوف قال :


عادية، مش ساقعة.




وقفت أمينة لحظة، كأن الجملة رجعتها سنين، سنين بعيدة جدًا. أخذت زجاجة من فوق الرخامة وصبت له، مدت الكوباية، رؤوف أخذها، وقبل ما يشرب لاحظ إنها باصة له.




رؤوف :


فيه حاجة يا أمينة؟




أمينة ارتبكت :


لا يا بيه.




شرب، رجع لها الكوباية، وكان هيلف كرسيه علشان يمشي، لكن أمينة قالت من غير ما تقصد :


رؤوف بيه..




وقف، بصلها، سعاد وعم فتحي بصوا لها هما كمان.




أمينة ترددت :


لا... ولا حاجة.




رؤوف ضيق عينيه :


إنتِ ناديتيني علشان تقولي ولا حاجة؟




بلعت ريقها :


كنت هسأل حضرتك لو محتاج حاجة ثانية.




فضل باصص لها ثواني وبعدين قال :


لا.




لف كرسيه وخرج، فضلوا ساكتين لحد ما صوت الكرسي اختفى. سعاد قربت من أمينة :


كنتِ هتقولي له إيه؟




أمينة :


ولا حاجة.




سعاد :


أنا عارفاكِ من سنين. كان في حاجة.




أمينة رجعت تغسل الكوباية :


قلت مافيش يا سعاد.




لكن إيديها كانت بتترعش، لأنها من ساعات سمعت "إسم" داخل البيت، إسم ما سمعتوش منذ سنوات طويلة، إسم والد سلمى، والمشكلة أنها ما كانتش تعرف الراجل، لكنها تذكرت شيئًا آخر.


من حوالي عشرين سنة، كانت لسه جديدة في خدمة بيت الألفي، وفي ليلة متأخرة جدًا، كانت شايلة صينية قهوة ناحية مكتب رؤوف القديم، وقبل ما تخبط.. سمعت صوته من الداخل وصوت رجل آخر، وصوت إسم.. نفس الاسم، ما سمعتش باقي الحديث، وما سألتش.. لانه في بيوت مثل بيت الألفي، كان الخدم يتعلمون قاعدة واحدة بسرعة :


اللي تسمعه وذنك ساعات الأفضل يفضل جوها.


لكن بعد عشرين سنة، الاسم رجع، والأغرب، إنه رجع مع بنت دخلت حياة العيلة من أوسع أبواب.. المصايب.


أمينة رفعت عينها ناحية باب المطبخ، ولأول مرة منذ سنوات شعرت إن الماضي الذي ظنت أنه مات داخل القصر.. بدأ يتحرك من جديد.




في الفندق...




كانت الساعة عدّت منتصف الليل. رحيم وقف قدام باب الأوضة، والكارت في إيده، بينما الدكتورة كانت واقفة جنبه وسلمى بالكاد قادرة تفتح عينيها، من وقت ما أخذت الحقنة في المستشفى، وجسمها بدأ يستسلم للنوم تدريجيًا، ما كانتش حقنة علشان مرض، الدكتورة قالت له بوضوح إن جسمها منهك، وأعصابها مشدودة من ساعات، وإنها محتاجة ترتاح وتنام بعد كل الل مرت بيه. سلمى حاولت تعترض وقتها وقالت إنها مش عايزة حاجة تخليها تنام. كانت خايفة، خايفة تغمض عينيها، خايفة تصحى تلاقي نفسها في مكان ثاني، خايفة أصلًا من فكرة إنها تفقد السيطرة على نفسها مرة ثانية. لكن الدكتورة فضلت معاها لحد ما هدأت، وبعد ما اطمأنت لحالتها سمحت لها تخرج بشرط إنها ما تفضلش لوحدها لحد ما تستقر.


ورحيم...


كان قدامه مشكلة أكبر، هتروح فين؟ بيتها ما بقاش متاح، القصر رفضته، وهو ما كانش مستعد يفرض عليها مكان ثاني بعد كل اللي حصل، علشان كده اختار فندق هادي، قريب، وفيه حراسة واستقبال طول الأربع وعشرين ساعة.


فتح باب الأوضة، دخل الأول وبص حواليه، أوضة واسعة ونظيفة، سرير كبير، كنبة صغيرة، حمام وبلكونة مقفولة بستارة ثقيلة.


رجع لسلمى، كانت واقفة مستندة على الحيطة وعينيها شبه مقفولة. قال بهدوء :


تقدري تمشي؟




سلمى حاولت تعدل نفسها :


أقدر.




أخذت خطوتين وفي الثالثة جسمها مال. رحيم مد إيده تلقائيًا وسندها من دراعها، سلمى انتفضت رغم إنها شبه نايمة، سحبت دراعها منه بسرعة. رحيم رفع إيده فورًا وقال :


خلاص... خلاص، مش هلمسك.




فتحت عينيها بالعافية وبصت له، نظرة قصيرة لكنها كانت كفاية، الخوف اللي شافه فيها خلى صدره يضيق، مش خوف منه هو يمكن، لكن في اللحظة دي، هي نفسها ما كانتش قادرة تفرق بين مين تخاف منه ومين تطمن له. دخلت الأوضة بخطوات بطيئة، وقفت عند السرير، بصت له وبعدين بصت لرحيم اللي فضل عند الباب :


أنا فين؟




رحيم :


فندق.




سلمى :


ليه؟




رحيم اتفاجئ بالسؤال، واضح إن تأثير الحقنة ابتدى يخلي تركيزها يتوه.


رحيم :


إنتِ رفضتِ تروحي القصر وبيتك ما ينفعش ترجعي له دلوقتي، فهتباتي هنا الليلة، وبكرة لما تصحي نبقى نشوف هنعمل إيه.




سلمى فضلت باصة له :


وخالد؟




إسم خالد وحده غيّر ملامح رحيم :


مش عارف هو فين.




سلمى :


هيعرف إني هنا؟




رحيم :


لا.




سلمى :


متأكد؟




رحيم قرب خطوة، لكنه حافظ على المسافة بينهم :


محدش يعرف رقم الأوضة غيري، والاستقبال عنده تعليمات إن محدش يطلع لك مهما قال إنه مين.




سلمى رمشت أكثر من مرة، وبصت ناحية الباب :


ـ وإنت؟




رحيم فهم السؤال :


أنا إيه؟




سلمى :


هتفضل هنا؟




سكت ثانية وقال :


ـ لا.




ولسبب لم يفهمه شاف كتفها يرتخي قليلا كأن الإجابة طمنتها. الوجع ضربه، لكن ما أظهرش حاجة. قال :


أنا وصلتك لحد هنا وهمشي.




سلمى قعدت على طرف السرير، كانت بتحارب النوم، رحيم حط كيس صغير على الترابيزة وقالها :


جبت لك مية وحاجات بسيطة لو صحيتي جعانة، وفيه رقم الاستقبال جنب التليفون، ولو احتجتِ أي حاجة...


توقف.


كان هيقول : كلميني.


لكنه افتكر إنها أصلًا ما تعرفوش، ولا تثق فيه، عدل كلامه :


كلمي الاستقبال.




سلمى بصت له لثواني طويلة، وبعدين قالت :


ـ ليه؟




رحيم عقد حواجبه :


ليه إيه؟


سلمى :


بتعمل كل ده ليه؟




السؤال اتقال بصوت ضعيف جدًا، لكن رحيم سمعه كويس. قعد على الكرسي البعيد عن السرير :


قلتلك قبل كده.




سلمى :


قُل تاني.




رحيم أخذ نفسًا :


لأن أخويا بقى طرف في اللي حصلك، سواء كان فاكر أو مش فاكر، سواء كان فاهم أو مش فاهم. فيه حاجة حصلت في شقته، وإنتِ خرجتِ منها بالحالة دي. وأنا مش هتصرف كإن الموضوع ما يخصنيش.




سلمى ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة :


يعني ذنب؟




رحيم سكت وهي كملت :


بتساعدني علشان حاسس بالذنب؟




رحيم :


يمكن جزء منه.


رد بصراحة.


ثم كمل :


وجزء ثاني علشان واضح إنك لوحدك.




ملامحها اتشدت :


أنا طول عمري لوحدي.




رحيم بصلها، الجملة ما كانتش شكوى، وده اللي وجع فيها، كانت حقيقة.. حقيقة متصالحة معاها من زمان.


قال بهدوء :


يمكن.. بس مش لازم تفضلي لوحدك وإنتِ في الحالة دي.




سلمى حاولت ترد، لكن عينيها قفلت غصب عنها، فتحتهم بسرعة :


أنا مش عايزة أنام.




رحيم لاحظ الخوف رجع ثاني :


ليه؟




هزت راسها :


مش عايزة.




رحيم :


سلمى...




سلمى :


قلت مش عايزة أنام.




صوتها ارتفع شوية، رحيم ما جادلهاش، قال بهدوء :


خلاص. ما تناميش.




بصت له باستغراب وقالت :


يعني إيه؟




رحيم :


يعني ما تناميش، أقعدي، افتحي التلفزيون، كلمي الاستقبال، إعملي اللي إنتِ عايزاه، محدش هيجبرك على حاجة.




سلمى سكتت، رحيم قام مشي ناحية الباب، وقبل ما يفتحه سمع صوتها :


ـ رحيم.




وقف.. كانت أول مرة تناديه بإسمه من غير «بيه». لف لها، كانت عينيها بتتقفل، قالت بصوت مبحوح :


إقفل الباب كويس وإنت خارج.




رحيم بصلها للحظة :


هقفله.




سلمى :


بالمفتاح؟




رحيم :


من جوه إنتِ اللي هتأمّنيه.




سلمى بصت ناحية الباب كأنها بتحاول تحفظ المعلومة، رحيم خرج، استنى بره ثواني، وبعدين سمع صوت القفل من الداخل.. تك..


وقف مكانه، ما مشيش فورًا، فضل باصص للباب المقفول، مش عارف ليه صوت القفل وجعه، يمكن لأنه فهم إن بالنسبة لسلمى، الأمان.. دلوقتي مش إن حد يفضل معاها، الأمان.. إنها تعرف إنها قادرة تقفل الباب في وش العالم كله.




بعد حوالي ساعة...


بوابة قصر الألفي اتفتحت، عربية رحيم دخلت ببطء. كان مرهق، اليوم كله مر قدام عينيه وهو سايق.. حبيبة.. الدكتورة.. سلمى.. خالد.. الرسالة المجهولة.. البيت اللي اتأجر قبل ما سلمى تعرف أصلًا إن حياتها هتتقلب.


كل حاجة كانت بتقول إن اللي حصل أكبر من مجرد ليلة خرجت عن السيطرة. ركن العربية، نزل، دخل القصر. البيت كان هادي جدًا، بص في ساعته، متأخر. كان فاكر إن الكل نام، لكن أول ما وصل عند السلم سمع صوت شويكار :


كنت فين؟




وقف، لف، كانت قاعدة في الصالون الجانبي، قدامها فنجان قهوة برد من زمان، واضح إنها مستنياه.


رحيم إتنهد :


ـ ماما، مش دلوقتي.




شويكار :


أمال إمتى؟ الصبح خرجت ببنتك، وبعدها اختفيت بالساعات، والدادة رجعت لوحدها، وإنت داخل البيت بعد نص الليل وبتقولي مش دلوقتي؟




رحيم مرر إيده على وشه :


حبيبة فين؟




شويكار :


نايمة.




رحيم :


كويسة؟




شويكار :


كويسة. وأنا بسألك إنت كنت فين.




رحيم سكت لحظة ثم قال :


كنت بخلص موضوع.




شويكار قامت :


موضوع سلمى؟




رفع عينه لها، شويكار فهمت :


هي فين؟




رحيم :


في مكان آمن.




شويكار :


فين يا رحيم؟




رحيم :


ماما...




شويكار :


أنا بسألك سؤال.




رحيم صوته بقى أكثر حزمًا :


وأنا مش هقول.




شويكار اتصدمت :


نعم؟




رحيم :


البنت مرعوبة، وفي حد بيراقب تحركاتها أو على الأقل عارف عنها حاجات المفروض ما يعرفهاش. مش هقول مكانها لأي حد.




شويكار :


لأي حد؟ أنا بقيت أي حد؟




رحيم قرب منها :


ما أقصدش كده. بس كل ما عدد الناس اللي تعرف مكانها يقل، يبقى أحسن.




شويكار ضيقت عينيها :


وإنت من إمتى مهتم بالبنت بالشكل ده؟




رحيم سكت ثانية ثم قال :


من ساعة ما اكتشفت إن أخويا ممكن يكون السبب في تدمير حياتها.




شويكار ملامحها اتغيرت :


عمر ما ثبتش عليه حاجة.




رحيم :


وأنا ما قلتش إنه مذنب.




شويكار :


أمال؟




رحيم :


قلت ممكن.




سكت ثم كمل :


وفي فرق كبير بين إني أحمي أخويا وبين إني أدفن راسي في الرمل.




شويكار كانت هترد، لكن رحيم سبقها :


أنا تعبان جدًا، نتكلم بكرة.




طلع السلم، شويكار فضلت واقفة مكانها تابعته بعينيها، ثم قالت :


رحيم.




وقف من غير ما يلف كملت :


إوعى تدخل نفسك في حاجة أكبر منك.




لف لها ببطء، إبتسم ابتسامة متعبة وقال :


حاسس إننا كلنا دخلنا فيها خلاص.




وكمل طريقه، فتح باب أوضته، رمى مفاتيحه فوق الكومود، خلع الجاكيت، وبدون ما يغير هدومه قعد على طرف السرير، أول حاجة عملها، مسك الموبايل، فتح الشاشة، مافيش مكالمات من الفندق، مافيش رسائل، وده المفروض يطمن. حط الموبايل جنبه، مدد جسمه على السرير، لكن النوم ما جاش، كل ما يقفل عينيه يشوف سلمى وهي بتسأله :


«بتعمل كل ده ليه؟»


وبعدين جملتها :


«أنا طول عمري لوحدي.»




إتقلب على الناحية الثانية، حاول يفكر في حبيبة، بكرة لازم يقضي معاها وقت، الدكتورة قالت ساعة كاملة كل يوم، ساعة من غير شركة.. من غير موبايل.. من غير شويكار.. من غير أي حاجة.


إبتسم لأول مرة، لكن الابتسامة اختفت بسرعة، لأن صورة سلمى رجعت. فتح عينه بضيق :


يا رب...


نسرين بلعجيلي 


قالها لنفسه، مش فاهم أصلًا ليه شايل هم بنت ما يعرفهاش، يمكن فعلًا ذنب، يمكن مسؤولية، يمكن لأن اللي شافه النهارده كان أكبر من إنه يتجاهله.


مد إيده ناحية الموبايل مرة ثانية، فكر يتصل بالفندق يسأل لو احتاجت حاجة، لكنه توقف، لأ، هو وعدها إنها هتبقى لوحدها. ويمكن احترام الوعد ده أهم من أي محاولة منه إنه يطمن عليها. حط الموبايل، غمض عينيه. وبعد دقائق طويلة.. غلبه النوم.




وفي الفندق...


كانت الأوضة غارقة في الظلام. سلمى نامت أخيرًا، الحقنة غلبت مقاومتها. نامت بهدومها فوق السرير، من غير حتى ما تدخل تحت الغطا، لكن نومها ما كانش هادي، حواجبها كانت معقودة، نفسها يتسارع مرة ويهدأ مرة، وأصابعها ماسكة طرف الملاية بقوة. وفجأة... إتحركت :


ـ لا...


همست وهي نايمة :


خالد... لا...




اتقلبت بعنف :


سيبني...




ثم فتحت عينيها فجأة، شهقت، قعدت على السرير، ما عرفتش المكان، ثواني مرعبة مرت عليها وهي بتبص حواليها، قلبها بيدق بجنون، بعدين افتكرت.. المستشفى.. رحيم.. الفندق.


بصت ناحية الباب، قامت بالعافية، راحت له شدت المقبض.. مقفول. بصت للقفل مقفول من جوه، وقتها بس أخذت نفسها، رجعت خطوتين وظهرها نزل على الباب ببطء لحد ما قعدت على الأرض، ضمت رجليها لصدرها وسابت دموعها تنزل من غير صوت، لأنها لأول مرة من وقت طويل جدًا كانت ورا باب هي اللي قفلته.




وفي الإسكندرية...


الليلة كانت طويلة على الكل، طويلة على سلمى اللي نامت أخيرًا خلف باب قفلته بإيديها. وطويلة على عمر اللي كان بيحاول يهرب من ذاكرة رافضة ترجع. وطويلة على رحيم اللي نام وجواه أسئلة أكثر من الإجابات. 


لكن بالنسبة لخالد، الليلة لسه ما خلصتش، كانت الساعة قربت من الواحدة بعد منتصف الليل، صوت البحر داخل من البلكونة المفتوحة، وأنوار الكورنيش منعكسة على زجاج الشقة الفخمة اللي خالد جابهم فيها من القاهرة. أم بوسي كانت قاعدة على طرف الكنبة، من ساعة ما وصلوا وهي مش مرتاحة، كل حاجة حصلت بسرعة، السفر.. الفلوس.. كلام خالد عن سلمى.


وبعدين فجأة.. قال لهم إنه هيتجوز بوسي، النهارده مش بكرة، مش بعد أسبوع.. النهارده..


بوسي نفسها افتكرته بيقول كلام وخلاص، لحد ما جرس الباب رن، خالد قام من مكانه بهدوء :


أهو جه.




بوسي بصت له باستغراب :


مين؟




خالد عدل قميصه :


المأذون.




بوسي قامت من مكانها مرة واحدة :


مأذون؟!




أمها قامت هي كمان :


مأذون إيه يا خالد؟




خالد بص لهم وكأنه مش فاهم سبب الصدمة :


هو مش إحنا اتفقنا إني هكتب على بوسي؟




بوسي كانت واقفة مكانها :


آه... بس أنا افتكرت...




خالد :


إفتكرتِ إيه؟




ما ردتش. الحقيقة إنها نفسها ما كانتش عارفة. سنين وهي مستنية الكلمة دي منه، سنين وهي بتحلم باليوم اللي خالد يقول لها فيه :


«هتجوزك.»


وكان المفروض أول ما تسمع إن المأذون واقف على الباب، تجري.. تفرح.. تضحك. لكن الغريب إن قلبها ما عملش أي حاجة من دول، بالعكس، إنقبض.


خالد فتح الباب، دخل المأذون ومعاه راجل ثاني، السلامات اتبادلت، الكراسي اتحركت، والأوراق اتحطت على الترابيزة. كل شيء كان بيحصل بسرعة غريبة، أسرع من إن بوسي تستوعبه.


أمها قربت منها وهمست :


مالك يا بنتي؟ وشك مخطوف ليه؟




بوسي حاولت تبتسم :


مافيش يا ماما.




أم بوسي :


إنتِ مش فرحانة؟




السؤال وجعها، بصت لأمها :


لا طبعًا... فرحانة.




لكن أمها فضلت باصة لها، الأم يمكن ما تعرفش كل حاجة، لكنها تعرف بنتها، وخاصة عينيها، واللي شافته في عينين بوسي ما كانش فرحة عروسة، كان خوف.


خالد ناداها :


بوسي، تعالي.




مشت ناحيته، قعدت، المأذون بدأ يتكلم، يسأل، يكتب، خالد بيجاوب بثبات، أما بوسي فكانت تسمع الأصوات كأنها جاية من مكان بعيد، لحد ما المأذون سألها السؤال اللي استنته سنين...


وافقت...


خرجت الكلمة من بؤها، لكنها ما عرفتش هي قالتها بقلبها ولا قالتها خوف من إنها لو رفضت، تخسره.


الأقلام اتحركت فوق الورق، إمضاء هنا، إمضاء هناك. وبعد دقائق، قال المأذون بابتسامة :


بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.




ثانية صمت، وبعدين صوت أم بوسي شق الشقة، زغرودة طويلة وبعدها واحدة ثانية، وبعدين قالت :


ألف مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك يا بنتي.




حضنت بنتها وهي بتضحك ودموعها نازلة :


أخيرًا يا بوسي، أخيرًا ربنا فرّح قلبي بيكِ.




بوسي حضنت أمها، حاولت تضحك، لكن وهي في حضنها عينيها راحت ناحية خالد، كان واقف بيتكلم مع المأذون، هادي، مرتاح، وكأنه خلص حاجة كانت مكتوبة في جدول يومه، مش كأنه لسه اتجوز.


بعد شوية، المأذون مشي، أم بوسي فضلت تتحرك في الشقة وهي مبسوطة :


طب نستنى إيه؟ بكرة نجيب حلويات، ونكلم خالتك...




خالد قاطعها :


لأ.




أم بوسي وقفت :


لا إيه؟




خالد :


محدش يعرف دلوقتي.




الفرحة اختفت قليلًا من وشها :


ليه؟




خالد رد بسرعة :


علشان الظروف. إحنا جينا لاسكندرية فجأة، ولسه فيه حاجات لازم أخلصها. لما نرجع القاهرة نبقى نعمل اللي إحنا عايزينه.




أم بوسي ما ردتش، لكن عينيها ثبتت عليه. بوسي لاحظت :


ماما...




أمها ابتسمت بالعافية :


ربنا يتمم لكم على خير.




خالد قرب من بوسي، رفع إيده ناحية وشها، بوسي تراجعت تلقائيًا، حركة صغيرة.. لكن خالد لاحظها. بص للجرح اللي لسه أثره واضح في وشها، ولثانية ملامحه اتغيرت. مد إيده بهدوء ولمس جنب وشها وقال :


ما تخافيش.




بوسي ما ردتش.


قال :


أول ما الدنيا تهدى، هاخذك لأحسن دكتور تجميل.




بصت له.


خالد كمل :


وهعمل لك العملية اللي إنتِ عايزاها. الأثر ده مش هيفضل في وشك، مهما كلفت العملية أنا هدفع.




بوسي رفعت إيدها ولمست مكان الجرح، هو نفسه الجرح اللي كان سببه. أمها بصت لخالد، ثم لبنتها وما قالتش حاجة.


أما خالد فابتسم :


مش عايز مراتي يبقى في وشها حاجة مضايقاها.




مراتي....


الكلمة اللي بوسي حلمت تسمعها من سنين، سمعتها أخيرًا، لكنها ما فرحتش زي ما كانت متخيلة.




خالد قرب منها أكثر :


مبروك يا عروسة.




إبتسمت :


الله يبارك فيك.




لكنه لما لف ومشي ناحية الأوضة، ابتسامتها وقعت فورًا. أمها شافتها، قربت منها وهمست :


بوسي.




بوسي :


ـ نعم؟


أم بوسي :


إنتِ متأكدة؟




بوسي اتوترت :


من إيه؟




أمها بصت ناحية المكان اللي خالد اختفى فيه وبعدين رجعت لها :


منه.




بوسي قلبها دق :


يعني إيه؟




أمها أخذت نفسًا طويل :


مش عارفة يا بنتي، يمكن أنا اللي خايفة عليكِ زيادة، بس كل حاجة حصلت بسرعة أوي، سلمى تتجوز في القاهرة، خالد ياخذ الفلوس، يسافر بينا إسكندرية، وبعدها في نفس الليلة يجيب مأذون ويكتب عليكِ.




سكتت... بوسي بلعت ريقها، أمها كملت بصوت أوطى :


أنا مش مطمنة.




بوسي :


ماما، خلاص.




ام بوسي :


إسمعيني.




بوسي :


قلت خلاص.




أمها مسكت إيدها :


أنا مش عايزة أوجع فرحتك، وربنا عالم أنا استنيت اليوم ده قد إيه علشان أشوفك في بيتك، بس...




بصت في عينيها :


خالد بيهرب من إيه يا بوسي؟




السؤال نزل عليها كأنه حجر، بوسي سحبت إيدها بهدوء :


مش بيهرب من حاجة.




أم بوسي :


متأكدة؟




بوسي :


أيوه.




قالتها بسرعة، أمها ما اقتنعتش لكنها سكتت، بوسي قامت ودخلت الأوضة اللي خصصها خالد ليها، قفلت الباب، وأول ما بقت لوحدها.. إختفت العروسة. وقفت قدام المراية، بصت لنفسها، مدت إيدها ناحية وشها، لمست أثر الجرح. خالد وعدها يصلحه، إبتسمت بسخرية موجوعة.


غريب..الراجل اللي جرح وشها، هو نفسه اللي وعدها يرجعه زي الأول. بصت لإيدها، للورقة اللي من دقائق بس كتبت إسمها عليها بجانب اسمه :


بوسي... زوجة خالد.




كان المفروض تكون أسعد واحدة في الدنيا، مش ده اللي كانت عايزاه؟ مش ده اللي استنته سنين؟ كام مرة نامت وهي بتتخيل اليوم ده؟ كام مرة سامحته؟ كام مرة قالت لنفسها إنه عصبي بس بيحبها؟ كام مرة بررت له إهانته؟ وكام مرة خافت إنه يسيبها بعد السر اللي بقى بينهم؟


النهارده...


خالد اتجوزها، سترها زي ما كانت بتتمنى، ووعدها يصلح وشها، ومعاهم فلوس تخلي حياتهم تتغير تمامًا، إثنين مليون جنيه. كل حاجة المفروض تقول إنها كسبت، لكن ليه حاسّة إنها خسرت؟


قربت من المراية أكثر، بصت لنفسها. وقالت جواها :


"أنا المفروض أكون فرحانة."


"خالد أخيرًا اتجوزني."


"الراجل اللي فضلت سنين مستنياه بقى جوزي."


"خلاص يا بوسي... اللي كنتِ خايفة منه انتهى."




لكن صوت آخر جواها سألها :


إنتهى فعلًا؟




غمضت عينيها، إفتكرت سلمى، افتكرت الفلوس، إفتكرت سفرهم المفاجئ، إفتكرت إصراره إنمحدش يعرف مكانهم، وافتكرت وش أمها وهي بتقول :


«خالد بيهرب من إيه؟»




فتحت عينيها، نظرت لانعكاسها في المراية وهمست لنفسها :


"طب لو ماما عندها حق؟"


"لو هو ما اتجوزنيش علشاني؟"


"لو أنا كمان جزء من حاجة هو مرتبها؟"




قلبها بدأ يدق أسرع.


"لا."


"خالد بيحبني."




حاولت تقنع نفسها، لكن لأول مرة الكلمة ما دخلتش قلبها. لفت ناحية الباب لما سمعت خطواته بره، توقفت الخطوات أمام غرفتها وبوسي فضلت واقفة مكانها، ساكتة، منتظرة الباب يفتح. وفي اللحظة دي فقط فهمت الحقيقة اللي كانت بتحاول تهرب منها من ساعة ما المأذون قال :


«بارك الله لكما.»




هي ما كانتش خايفة إن خالد يسيبها زي زمان، الخوف اتغير، بقى أعمق وأبشع.


لأن السؤال اللي فضل يلف في دماغها ما بقاش :


«هو خالد هيفضل معايا؟»


السؤال بقى :


«يا ترى أنا اتجوزت خالد، ولا خالد اتجوزني علشان يكمل بيا خطته؟»


وفي الخارج، وقف خالد قدام الباب، بص للموبايل اللي في إيده، قرأ الرسالة اللي وصلته، ثم رفع عينيه ناحية باب بوسي.. وابتسم.


يتبع...

مين أكتر شخصية وقفتوا عندها في الفصل: مريم، سلمى، أمينة ولا بوسي؟


وتفتكروا خالد اتجوز بوسي لأنه فعلًا عايزها... ولا الجواز جزء من خطته؟


مستنية تحليلاتكم، لأن الفصل الجاي هيبدأ يفتح أبواب أخطر. ❤️


جريمة_إسمها_زواج .


يتبع..


           الفصل الثاني والعشرون من هنا 

            لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة