
رواية قدر لا يشبهنا الفصل الحادي عشر 11 بقلم آية محمود
روفانا: أنا بحبك يا أسلم.
كانت الكلمات بسيطة، لكنها وقعت على قلبه كأنها أجمل شيء سمعه في حياته.
ظل ينظر إليها غير مصدق، وعيناه تتنقلان بين ملامحها، يحاول أن يستوعب أنها بالفعل قالت ما ظل يتمنى سماعه طوال الفترة الماضية.
أسلم: إنتِ... إنتِ قلتي إيه؟
روفانا ابتسمت بخجل، وحاولت أن تخفي ارتباكها وهي تنظر بعيدًا.
روفانا: هو أنا هفضل أقولها كل شوية؟
أسلم ابتسم ابتسامة واسعة، ولم يستطع منع نفسه من الضحك بسعادة.
أسلم: لا، لا، خلاص... أنا سمعتها.
روفانا: أمال بتسأل ليه؟
أسلم: أصل أنا مش مصدق.
روفانا: وليه مش مصدق؟
أسلم: عشان... عشان مش متخيل إن اليوم اللي كنت بحلم بيه ده ممكن ييجي.
كانت سعادته واضحة في صوته وملامحه، حتى إن روفانا بدأت تبتسم أكثر وهي تراه بهذا الشكل.
روفانا: يعني إنت فرحان؟
أسلم: فرحان؟!
ضحك وهو يهز رأسه.
أسلم: إنتِ بتسأليني أنا فرحان ولا لأ؟ ده أنا حاسس إني عايز ألف المنطقة كلها وأقول لكل الناس!
روفانا ضحكت بخجل.
روفانا: لا طبعًا، مش للدرجة دي.
أسلم: ليه بس؟ دي مناسبة تستاهل.
روفانا: أسلم، الناس هتفتكر إنك اتجننت.
أسلم: ما أنا فعلًا قربت.
ضحكت روفانا، وظلت تنظر إليه بسعادة، لكن أسلم فجأة بدأ يهدأ.
اختفت ابتسامته تدريجيًا، وأدار وجهه ناحية الشارع، وكأن فكرة ما اقتحمت سعادته دون استئذان.
استنى يا أسلم... إنت بتعمل إيه؟
إنت فرحان ليه؟ هو إنت نسيت هي مين؟
نظر إلى روفانا مرة أخرى.
كانت تقف أمامه بكل بساطة، لا تعرف شيئًا عن الصراع الذي بدأ يدور داخله.
روفانا: مالك؟
أسلم: مفيش.
روفانا: لا، فيه. إنت كنت بتضحك من شوية، وفجأة اتغيرت.
حاول أن يبتسم، لكنه لم يستطع.
أسلم: روفانا... إحنا لازم نتكلم.
روفانا: نتكلم في إيه؟
أسلم أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت هادئ:
أسلم: أنا مش عايزك تفهميني غلط، ولا عايز أزعلك، بس... اللي إنتِ قلتيه ده مش هينفع.
اختفت الابتسامة من وجهها.
روفانا: مش هينفع إيه؟
أسلم: مش هينفع اللي إحنا بنفكر فيه.
روفانا: ليه؟
أسلم: كده أحسن.
روفانا عقدت حاجبيها، ولم يعجبها أبدًا أن يقرر عنها ما هو الأفضل.
روفانا: أسلم، أنا مش فاهمة إنت بتقول إيه. من شوية كنت فرحان، ودلوقتي بتقولي مش هينفع؟ إيه اللي اتغير؟
أسلم: مفيش حاجة اتغيرت.
روفانا: أمال إيه؟
أسلم سكت.
لم يكن يريد أن يجرحها، لكنه في الوقت نفسه لم يستطع أن يتجاهل الفارق الذي ظل يراه بينهما منذ البداية.
روفانا اقتربت خطوة بسيطة.
روفانا: بصلي يا أسلم.
رفع عينيه إليها.
روفانا: أنا مش هقبل إنك تقولي كده من غير ما أفهم السبب. أنا مش طفلة، ومش جاية أقولك إني بحبك عشان أسمع منك كلمتين وخلاص.
أسلم: أنا عارف.
روفانا: يبقى اتكلم.
تنهد أسلم، وأخذ لحظات قبل أن يخرج ما بداخله.
أسلم: إنتِ عارفة أنا مين، وعارفة إنتِ مين؟
روفانا: أيوه، طبعًا.
أسلم: لا، يمكن مش واخدة بالك من كل حاجة.
روفانا ظلت تنظر إليه في انتظار أن يكمل.
أسلم: إنتِ روفانا العبد... بنت عيلة كبيرة، وعندك شركة، واسم معروف، ومكانة اجتماعية الناس كلها بتتكلم عنها. حياتك مختلفة تمامًا عن حياتي.
روفانا: وبعدين؟
أسلم: وأنا أسلم... شاب عادي، اتخرجت من كلية الحاسبات والمعلومات، وفضلت أدور على شغل في مجالي ومقدرتش ألاقي. اشتغلت في الأمن، وبعدها في المحل، ودلوقتي لسه بادئ شغل جديد في شركة الأستاذ مينا.
ابتسم ابتسامة حزينة.
أسلم: أنا لسه بحاول أبدأ حياتي من أول وجديد، ولسه قدامي مشوار طويل عشان أحقق أي حاجة من اللي نفسي فيها.
روفانا: وإيه المشكلة في كده؟
أسلم: المشكلة إننا مش من نفس المستوى يا روفانا.
روفانا سكتت للحظات، وكأنها لم تتوقع أن يكون هذا هو السبب.
أسلم أكمل:
أسلم: أنا مش بتكلم عن الفلوس بس، أنا بتكلم عن كل حاجة. إنتِ متعودة على حياة معينة، وعلى مستوى معين، وعلى ناس حواليكي ليهم مكانتهم. وأنا مش عايز في يوم تحسي إنك نزلتي بمستواكي عشاني، أو إنك ضحيتي بحاجة من حياتك عشان تختاريني.
روفانا: وإنت شايف إن أنا ممكن أفكر بالطريقة دي؟
أسلم: مش عارف... بس أنا بفكر في كل الاحتمالات.
روفانا: طب وإنت سألتني؟
أسلم لم يجب.
روفانا: سألتني أنا عايزة إيه؟ سألتني أنا شايفة إيه؟ ولا قررت لوحدك إننا مش مناسبين لبعض؟
أسلم: أنا بس مش عايز أظلمك.
روفانا هزت رأسها، ثم قالت بنبرة أكثر جدية:
روفانا: اسمعني كويس يا أسلم. أنا عمري ما بصيتلك على إنك أقل مني، ولا عمري فكرت فيك بالطريقة اللي إنت بتتكلم بيها دلوقتي.
أسلم: بس الواقع...
روفانا قاطعته:
روفانا: الواقع إنك إنسان محترم، وبتتعب وبتجتهد، وبتحاول تبني لنفسك حياة كويسة. وده عندي أهم من أي منصب أو فلوس.
نظر إليها أسلم دون أن يتكلم.
روفانا: إنت فاكر إني بحبك عشان عندك إيه؟ أنا بحبك عشان إنت مين. عشان طريقتك، عشان قلبك، عشان إنك عمرك ما حاولت تستغل ضعفي، ولا حسستني إني مدينة ليك بحاجة، وعشان كل مرة كنت ببقى خايفة أو تعبانة كنت بحس إني في أمان لمجرد إنك موجود.
بدأ صوتها يهدأ، لكن كلماتها كانت أكثر وضوحًا.
روفانا: أنا وسط ناس كتير، وعندي كل حاجة ممكن حد يتمناها، لكن مش دايمًا بحس بالأمان. معاك أنا مش محتاجة أعمل حساب لكل كلمة بقولها، ولا أخاف أبان ضعيفة، ولا أحاول أكون مثالية طول الوقت.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
روفانا: أنا مش عايزة منك شركة ولا قصر ولا عربية، ومش مستنية منك تكون في نفس مكانتي المادية. أنا عايزة الشخص اللي بحس معاه إني أنا... من غير تمثيل ولا خوف.
أسلم ظل ينظر إليها، وقد بدأت كلماته تتردد داخله من جديد.
روفانا: ولو إنت لسه في بداية طريقك، فإيه المشكلة؟ كل الناس بتبدأ من مكان، وكل واحد بيحاول يوصل لحلمه. وأنا مش هبصلك يوم وأقولك إنت أقل مني.
ثم اقتربت قليلًا، وقالت بابتسامة خجولة:
روفانا: وبعدين إنت نسيت إنك بتتعامل مع واحدة عنيدة جدًا؟ يعني لو قررت أحبك، مش هتقدر تقنعني بسهولة إني أغير رأيي.
ضحك أسلم بخفة، وهز رأسه.
أسلم: أنا بدأت أخاف منك على فكرة.
روفانا: كويس، خاف.
أسلم: طب أعمل إيه دلوقتي مع العند ده؟
روفانا: تحبني، وتبطل تفكر عني بالنيابة عني.
سكت أسلم.
كانت كلماتها قد وصلت إلى مكان عميق داخله، مكان ظل يحاول إخفاءه حتى عن نفسه.
نظر إليها طويلًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
أسلم: طب اسمعيني إنتِ بقى.
روفانا: سامعاك.
أسلم: أنا بحبك يا روفانا.
اتسعت ابتسامتها، لكن أسلم أكمل قبل أن تتكلم:
أسلم: بحبك من وقت ما بدأت أعرفك، وكل مرة كنت بشوفك فيها كنت بحس إن فيه حاجة جوايا بتتغير. كنت بحاول أقنع نفسي إن ده مجرد إعجاب، أو إني اتعودت على وجودك، لكن الحقيقة إني بقيت بستنى أي فرصة أشوفك فيها.
ابتسم وهو ينظر إلى عينيها.
أسلم: ولما كنتِ بتغيبي، كنت بسأل نفسي يا ترى إنتِ بخير؟ ولما كنتِ بتضحكي، كنت بلاقي نفسي بضحك من غير ما أعرف السبب. ولما كنتِ بتعيطي، كنت بتمنى لو أقدر أشيل عنك كل حاجة بتوجعك.
روفانا كانت تستمع إليه وقلبها يكاد يطير من الفرحة.
أسلم: أنا كنت خايف أقولك، مش عشان مش واثق من مشاعري، لكن عشان كنت خايف أخسرك. كنت شايف إنك بعيدة عني، وإن مجرد إني أحبك من بعيد يمكن يكون أحسن من إني أقولك وأخسرك للأبد.
روفانا: بس أنا هنا أهو.
أسلم ابتسم.
أسلم: أيوه، إنتِ هنا.
ثم نظر إليها بجدية.
أسلم: بس أنا مش عايز أكون مجرد شخص في حياتك بتحبيه وخلاص. أنا عايز أكون قد المسؤولية دي. عايز أقدر أجي بيتكم من بابه، وأقف قدام أهلك وأنا رافع راسي، وأطلب إيدك وأنا واثق إني هقدر أفتح بيت وأصونك وأكون سند ليكي.
روفانا: أسلم...
أسلم: استنيني بس أكمّل.
أومأت له بابتسامة.
أسلم: أنا لسه في أول طريقي، لكن مش هفضل مكاني. هاجتهد في شغلي، وهتعلم، وهطور نفسي، وهحاول أحقق حاجة كويسة في المجال اللي اتخرجت منه. مش عشان أبقى غني أو عشان أثبت لحد إني أستحقك، لكن عشان أبقى قادر أتحمل مسؤولية بيتنا، وأقدر أواجه أي ظروف تقابلنا.
ثم قال بثبات:
أسلم: وأوعدك، أول ما أوصل للمكانة اللي أقدر بيها أقف قدام عيلتك وأنا مطمن، هاجي أتقدم لك رسمي. مش هخلي حبنا يفضل مجرد كلام، أنا عايزك بالحلال، وعايز بيت يجمعنا، وعايزك تبقي مراتي.
لم تستطع روفانا إخفاء سعادتها، وظهرت ابتسامة واسعة على وجهها.
روفانا: يعني إنت ناوي تتجوزني؟
أسلم ضحك.
أسلم: هو أنا لسه قايل إيه من شوية؟
روفانا: لا، أنا عايزة أسمعها تاني.
أسلم: أيوه يا ستي، ناوي أتجوزك.
روفانا: رسمي؟
أسلم: رسمي.
روفانا: وهتيجي تطلب إيدي من أهلي؟
أسلم: وهقف قدامهم وأقولهم إني عايز بنتكم، وإن شاء الله أكون قد المسؤولية.
لمعت عيناها بسعادة، وأخفت وجهها للحظة وهي تضحك بخجل.
أسلم: بتضحكي ليه؟
روفانا: مش عارفة... أنا مبسوطة.
أسلم: للدرجة دي؟
روفانا: أكتر مما تتخيل.
أسلم ابتسم، ثم قال:
أسلم: بس فيه حاجة.
روفانا رفعت رأسها بسرعة.
روفانا: إيه؟
أسلم: لازم تديني وقت. أنا مش عايز أستعجل وأوعدك بحاجة مش جاهز لها دلوقتي.
روفانا: وأنا مش مستعجلاك. أنا عايزاك تنجح وتحقق اللي نفسك فيه، وهكون مبسوطة وأنا شايفة إنك بتتقدم خطوة ورا خطوة.
أسلم: يعني موافقة تستنيني؟
روفانا ابتسمت.
روفانا: موافقة.
أسلم: وموافقة على كل اللي قولته؟
روفانا: أيوه يا أسلم، موافقة.
أسلم ابتسم بسعادة لم يستطع إخفاءها.
أسلم: طب الحمد لله.
روفانا: الحمد لله إيه؟
أسلم: الحمد لله إنك طلعتِ عنيدة، وإنك مصممة تعرفي أنا بفكر في إيه، وإلا كنت ضيعت أجمل حاجة حصلتلي.
روفانا ضحكت.
روفانا: يعني اعترفت إنك بتحبني؟
أسلم: اعترفت من بدري، بس واضح إنك محتاجة تسمعيها كل شوية.
روفانا: طبعًا، دي حاجة مهمة.
أسلم: حاضر، بحبك يا روفانا.
ابتسمت وهي تنظر إليه.
روفانا: وأنا بحبك يا أسلم.
ظل الاثنان واقفين للحظات، والفرحة تملأ قلبيهما.
كان أسلم يشعر أن الدنيا التي بدت له منذ دقائق ضيقة ومستحيلة، أصبحت فجأة أوسع بكثير.
أما روفانا، فكانت سعيدة لأنها أخيرًا قالت ما ظل قلبها يخفيه، ولأن الشخص الذي أحبته لم يبادلها الحب فقط، بل أراد أن يجعل من هذا الحب وعدًا حقيقيًا ومستقبلًا يجمعهما.
وبعد لحظات، عادت روفانا إلى طبعها المشاكس، ونظرت إلى الكيس الذي تحمله.
روفانا: على فكرة، أنا اشتريت الخمار عشانك.
أسلم رفع حاجبه.
أسلم: عشاني أنا؟
روفانا: أيوه، عشان لما أعمل الفرح ألبسه.
أسلم ضحك.
أسلم: هو إنتِ قررتي الفرح كمان؟
روفانا: أيوه، وعندي قرارات كتير لسه.
أسلم: طب ربنا يستر.
روفانا: سمعتك!
أسلم: ما أنا بقول ربنا يستر من قراراتك الحلوة.
ضحكت، ثم تابعا سيرهما جنبًا إلى جنب.
ولم يكن أيٌّ منهما يعرف ماذا يخبئ لهما الغد، لكنهما للمرة الأولى لم يعودا يخافان من التفكير فيه.
فقد أصبح لكل منهما حلم مشترك... أن يأتي اليوم الذي يقف فيه أسلم أمام عائلتها، لا بصفته شابًا أحب ابنتهم فحسب، بل بصفته الرجل الذي اختارته هي بقلبها، واختار أن يبني معها حياة تستحقهما معًا.
في منزل روفانا العبد...
وصلت السيارة أمام المنزل، وبعد لحظات نزلت روفانا وهي تحمل كيس المحل في يدها.
كانت لا تزال تبتسم، وكلما تذكرت حديثها مع أسلم شعرت بسعادة جديدة تغمر قلبها.
أغلقت باب السيارة، ودخلت المنزل بخطوات هادئة.
روفانا: مساء الخير.
لم تنتظر كثيرًا، واكتفت بإلقاء التحية على العاملين بالمنزل، ثم اتجهت مباشرة إلى جناحها.
كانت تسير وهي تنظر إلى الكيس الذي تحمله، وتبتسم كلما تذكرت لحظة خروجها بالخمار أمام أسلم، ونظرته التي لم يستطع إخفاء دهشتها.
دخلت جناحها وأغلقت الباب خلفها، ثم وضعت الكيس فوق الأريكة.
اقتربت من المرآة الكبيرة، ونظرت إلى انعكاس صورتها بابتسامة.
روفانا لنفسها: يا ترى هتفضل باصصلي كده كل ما ألبسه؟
ضحكت بخجل، ثم هزت رأسها.
روفانا: أنا إيه اللي أنا بقوله ده!
اتجهت إلى خزانة ملابسها، وفتحت أحد الأبواب، لكنها لم تتجه إلى الملابس التي اعتادت ارتداءها.
مدت يدها إلى جزء جانبي من الخزانة، وأخرجت منه ملابس لم نرها عليها من قبل.
وضعت الملابس على طرف السرير، ثم أخذت منشفتها واتجهت إلى الحمام.
بعد دقائق، خرجت روفانا من الحمام، وقد انتهت من الاستحمام، وارتدت الملابس
وقفت أمام المرآة، وبدأت ترتب أطرافه بهدوء، ثم اتجهت إلى الكيس الذي وضعته فوق الأريكة.
أخرجت الخمار الإندونيسي الذي اشترته منذ قليل.
تأملته للحظات، ثم ارتدته أمام المرآة، وبدأت تضبطه حول وجهها حتى استقر كما تحب.
نظرت إلى نفسها طويلًا.
لم تكن تنظر إلى مجرد مظهر جديد، بل إلى شيء تشعر تجاهه براحة خاصة.
ابتسمت ابتسامة هادئة، ثم ابتعدت عن المرآة واتجهت إلى غرفة الملابس.
داخل غرفة الملابس...
اقتربت روفانا من أحد الأدراج، وفتحت جزءًا منه، ثم أزاحت بعض الأشياء الموضوعة داخله بعناية.
كان هناك درج سري لا يبدو مختلفًا عن بقية الأدراج، لكنه يخفي بداخله أشياء لا يعرف عنها أحد.
أدخلت يدها وأخرجت شيئًا مطويًا بعناية .
حملته بين يديها، ثم خرجت من غرفة الملابس إلى مساحة هادئة في جناحها.
اختارت مكانًا مناسبًا، وبدأت تفرشه على الأرض، ثم عدلت أطرافها حتى استقرت تمامًا.
وقفت أمامها لحظة.
ساد الهدوء المكان.
لا أصوات، ولا مكالمات، ولا اجتماعات عمل، ولا أشخاص ينتظرون منها قرارات.
فقط هي... ووقتها الخاص.
رفعت يديها بمحاذاة أذنيها.
روفانا: الله أكبر.
وبدأت صلاتها.
كانت حركاتها هادئة، وقراءتها خافتة، تؤدي صلاتها في سكينة وطمأنينة.
وبين كل ركعة وأخرى، كانت تبدو وكأنها تبتعد أكثر عن صخب العالم الذي تعيش فيه خارج هذا الجناح.
انتهت من صلاتها، وجلست على سجادة الصلاة، ثم مدت يدها إلى شيء صغير موضوع بجوارها.
كان مصحفًا صغيرًا.
أمسكته بكل رفق، وفتحته على الموضع الذي توقفت عنده في قراءتها السابقة.
وبدأت تقرأ.
كانت عيناها تتحركان بين الكلمات، وشفتيها ترددان الآيات بصوت منخفض.
ومع كل آية، كانت ملامحها تزداد هدوءًا.
مرت دقائق وهي مستمرة في القراءة، حتى توقفت عند نهاية الصفحة، ووضعت علامة صغيرة عند الموضع الذي وصلت إليه.
أغلقت المصحف برفق، وضمته إلى صدرها للحظة.
ثم رفعت عينيها إلى الأعلى، وظلت جالسة في مكانها.
روفانا بصوت هامس: الحمد لله.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم أعادت المصحف إلى مكانه بجوار السجادة.
لكن قبل أن تنهض، وقعت عيناها على الخمار الموضوع بالقرب منها.
مدت يدها ولمسته، ثم تذكرت أسلم.
ابتسمت مرة أخرى، وهذه المرة كان في ابتسامتها شيء من الخجل.
روفانا لنفسها: يا رب... لو فيه خير ليا، قربه مني، واكتب لنا الخير.
وظلت جالسة قليلًا في هدوء، لا تفكر في شيء سوى ذلك الشعور الغريب الذي يجمع بين الراحة والفرحة والخوف من القادم.
فخارج هذا الجناح، كانت روفانا العبد التي يعرفها الجميع.
أما هنا، فكان هناك جانب آخر منها، جانب لم يعرفه أسلم بعد، ولم يعرف أحد من حولها أنه موجود أصلًا.
وكان السؤال الذي بقي معلقًا: منذ متى تخفي روفانا حقيقتها؟ ولماذا اختارت أن تترك الجميع يعتقدون أنها مسيحية؟
الفصل الثاني عشر من هنا