
رواية جحيم آل مارينتوس الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم سارة بركات
- أدعى سايلِس.. سايلِس إيفانوف... حبيب صديقتكِ سيلفانا.
صمتت جلوريا قليلاً ولكن وصلها صوته من جديد:
- ماذا قلتِ يا آنسة؟ ما رأيكِ بأن نتقابل الآن؟
عقدت جلوريا حاجبيها مترددة في إجابتها ليتابع سايلِس بهدوء:
- أنا فقط أريد التحدث إليكِ لأنني أريد أن أجعلها هدية لسيلفانا، لقد أخبرتني الكثير عنكِ وكم كانت متاثرة بكِ وأيضًا حزينةً لأجلك؛ ولأنني أمتلك القدرة المالية على هذا الأمر بالطبع قررت أن أُهديها هدية وهي أن تقومي بإجراء عمليتكِ على نفقتي الخاصة.
رمشت جلوريا بسرعة تحاول أن تستوعب مايقول.. وكادت أن تتحدث ولكن سايلِس تحدث بنبرة متأثرة:
- يبدو أنكِ لا تحبين سيلفانا كما هي تحبكِ.
ردت جلوريا بسرعة:
- بالطبع لا، إن سيلفانا تكون بمثابة أختِ لي.. ولكنني لا أعلم من أنت سيدي؛ فنحن لم نتقابل قط.
قهقه سايلِس بخفة قائلاً بلُطف:
- لا تقلقي، فأنا لطيفٌ مثل سيلفانا، لذلك أعرض عليكِ أن نتقابل الآن، ما رأيك؟
ظلت تفكر كثيرًا هل تنفذ قوله أم لا؟ ولكنها اطمأنت قليلاً لأنه حبيب سيلفانا، وسيلفانا لن تحب أي شخص، بل ستختار من تحبه بعناية..
- حسنًا، أوافق.
اتسعت ابتسامة سايلِس قائلاً:
- حسنًا سيمر عليكِ سائق سيارة أجرى بعد خمس دقائق، سنتقابل في مقهى بالقرب من منزلكِ لن نبتعد كثيرًا.
- حسنا، سيدي.
أغلقا سويًا، بينما زفرت جلوريا ببطء واعتدلت بهدوء من مقعدها وسارت نحو باب الشقة وخرجت من المنزل بهدوء؛ فلحسن حظ سايلِس أن باقي الفتيات كُنِّ في غرفهن فلن يلحظنَ غيابها .. توقفت جلوريا أمام المنزل بالأسفل وشعرت بتوقف سيارة أمامها لتكون تلك سيارة الأجرة التي أتت لتُقلها، صعدت داخل السيارة تحت أعين رجال ديميتري الذين يراقبون منزل الفتيات في خفاء ولم يشُكُّوا في شيء! وبعد دقائق قليلة توقفت السيارة أمام مقهى؛ ليقول السائق بهدوء:
- لقد وصلنا يا آنسة.
همهمت جلوريا وخرجت من السيارة بحرص ولكنها لا تعلم أين تسير.. فهي لا ترى شيئًا، مدت يدها للأمام تبحث عن شيءٍ تستند به ولكن يدها قد لامست حُلة سوداء لرجلٍ مفتول العضلات.. أبعدت يدها بسرعة قائلة بتوتر:
- أنا أعتذر.
ابتسم سايلِس وهو يرمقها بهدوء:
- مرحبًا بكِ يا آنسة جلوريا.
مد يده نحوها قائلاً بهدوء:
- هل تُمسكين بيدي؟
ابتلعت بتردد ولكنها لا تعلم أين تسير، لذلك مدت يدها بتوتر ليمسك سايلِس يدها بهدوء.. سار بهدوء داخل المقهى وسحبها خلفه ثم جعلها تجلس على كرسي طاولة وجلس مقابلها ينظر إليها بهدوء.. ارتجفت جلوريا حيث شعرت بالخوف يتسلل داخلها ولا تدري لماذا..
- ماذا تشربين؟؟ أم لم تتناولي طعام العشاء، هل تودين أن نتناول العشاء سويًا؟
ابتلعت جلوريا بهدوء:
- أشكرك، لا أريد أن أتناول شيئًا.
صمتت قليلاً وهي تنظر إلى الفراغ أمامها حيث يجلس سايلِس الذي ينظر إليها بابتسامة هادئة وتحدث:
- الآن علمت لما سيلفانا متأثرةً بكِ آنسة جلوريا، تبدين نقية وبريئة أيضًا.
تلعثمت جلوريا وهي تُمسك بطرف غطاء الطاولة أمامها:
- شكرًا لك سيدي.
زفر سايلِس ببطء:
- حسنًا، لأتحدث بشكل مباشر.. أنا أريد أن أقوم بمفاجأة سيلفانا وهو أنكِ ستُبصرين.. لدي معارف في لندن.. أطباء معروفين في العالم بأكمله، سيقومون بمساعدتكِ ولكنني أعتقد أن هذا الأمر سيأخذ الكثير من الوقت.
عقدت جلوريا حاجبيها بحيرة:
- لماذا؟
قال سايلِس بخبث:
- أجل لأنه بمجرد أن تقومي بإجراء عمليتكِ لن تخرجي من المشفى بلندن بسرعة بل ستكون هُناك متابعة مستمرة لعدة أشهر لأنني علمت أن حالتكِ حرجة قليلا أي ستغيبين قليلاً عن أصدقاءك حتى خطيبكِ ستيفانو.. مارينتوس.
شعرت جلوريا بالتشتت وأردف بتعجب:
- مهلاً سيدي، أنت مُخطئ؛ فخطيبي يُدعى ستيفانو موريس.
عقد سايلِس حاجبيه ولكن سُرعان ما ابتسم، أجل لقد شعر أن هُناك شيءٌ ما لذلك أراد أن يذكر اسم ستيفانو مقترنًا باسم العائلة.. يبدو أن ستيفانو مارينتوس لم يخبرها أنه ثري!.. ابتسم سايلِس بتسلية قائلاً:
- لا يا آنسة، يبدو أنكِ أنتِ مخطئة.. إنه يُدعى ستيفانو مارينتوس.
ولكن جلوريا أصرَّت على نفيها واثقةً تمامًا مما تعلمه عن حبيبها:
- سيدي، أنا أؤكد لك أنك مُخطئ تمامًا.
رفع سايلِس إحدى حاجبيه ليقول بهدوء:
- هل من الممكن أن تُملِي علي رقم هاتف خطيبكِ؟؟
ترددت جلوريا قليلاً ولكنها أملت عليه رقم هاتفه، بينما رفع سايلِس هاتفه يضعه بالمنتصف على الطاولة بينهما وقام بتشغيل مكبر الصوت حيث صدر صوت الرنين وأتاها صوته الذي تحفظه عن ظهر قلب.. زفرت ببطء دون أن تتحدث بشيء بينما تحدث سايلِس بابتسامة خبيثة:
- مرحبًا، هل ستيفانو مارينتوس معي؟
على الجهة الأخرى أجاب ستيفانو بانشغال وهو يقوم بإغلاق متجره:
- أجل، ستيفانو مارينتوس معك.. من تكون؟
اتسعت ابتسامة سايلِس عندما رأى ملامح جلوريا المصدومة.. بينما استأنف سايلِس حديثه:
- معكَ سايلِس إيفانوف، بلِغ سلامي لديميتري مارينتوس ابن عمك.
ثم أغلق المكالمة الهاتفية قبل أن يرد عليه ستيفانو، بينما ظل يرمُق جلوريا بهدوء..
- كيف لم تعلمي؟ كيف لم تخبركِ حبيبتي سيلفانا أو الآنسة جوداء بالحقيقة؟ فهي تكون حبيبة ديميتري مارينتوس؟
تألم قلبها بسبب ماعلمته للتو، وتأكدت من قوله هذا حينما تذكرت أن الطبيبة إيلينا أخطأت أمامها وقالت اسم ستيفانو مارينتوس.. لم تشعر بعبراتها التي تنهمر وهي تنظر إلى الفراغ أمامها، لأن الأشد قسوة من خداع حبيبها لها هو أن الفتيات تشاركنَ في تلك الخُدعة سويًا أيضًا.. كيف يفعلون بها هذا؟ هل لأنها كفيفة استطاعوا التلاعب بها؟؟ تحدث سايلِس باعتذار زائف:
- لم أكن أعلم أنكِ لا تعلمي شيئًا آنسة جلوريا، وما أتعجبه أكثر هو كيف بقي ستيفانو صامتًا هكذا؟، كيف لم يخبركِ بأمر هويته الحقيقية؟.. فإن ستيفانو معروفٌ للغاية؛ حيث ثروته تعادل شراءه لنصف روما تقريبًا.
تحولت ملامحها للحسرة وفرَّت شهقةً صغيرة من شفتيها الكرزيتين، بينما قبضت على كفيها بقوة، تحاول أن تمنع نفسها من الإنهيار باكية أمام هذا الرجل الغريب الذي قابلته للتو.. ولكنها لم تستطع إذ علا صوت شهقاتها، ليجلس سايلِس بجانبها تلك المرة، وضع يده على إحدى يديها وكاد أن يتحدث ولكنها انهارت باكية أكثر واستندت برأسها على ذراعه القريبة منها، تشتت سايلِس لوهلة وتجمد للحظة لأنه شعر بالشفقة لأجلها حقًا..
- لماذا؟
أخذت جلوريا تبكي بنحيب ولكنه ظل صامتًا يُنصت إليها بهدوء:
- لماذا قاموا بخداعي جميعًا؟ أنا لم أفعل لهم شيء! هل كل ذنبي في هذه الحياة أنني كفيفة يا سيد سايلِس؟
عقد سايلِس حاجبيه بغضب وقبض على يديه الإثنتين بقوة قائلاً بفحيح:
- لا أحد يدخل في حياته شخصٌ من آل مارينتوس وتبقى حياته سعيدة للأبد؛ فجميعهم لعنة وجحيم كُتِبَ على من يحبونهم.
لم تشعر جلوريا بالوقت كيف مر وهي تبكي هكذا على كتف على سايلِس، كأنه حبل نجاتها الوحيد وحينما هدأت شهقاتها، لانت ملامح سايلِس قليلاً ووضع يده فوق يدها يُهدئها قليلاً وقال بشرود:
- تبدين صغيرة جدا يا آنسة.. الحياة مازالت أمامكِ لا تدمريها بوجود أحد أفراد آل مارينتوس بها.. ابحثي عن ذاتك وانطلقي.
ابتعدت عنه بهدوء وشردت في حديثه قليلاً، ثم تحدثت بصوت متحشرج:
- انا أقبل عرضك سيد سايلِس، أوافق على إجراء عمليتي في لندن.
ابتسم سايلِس وقال بهدوء:
- حسنًا سأقوم بتجهيز كل شيءٍ لكِ.. خلال أيامًا قليلة ستكونين هُناك.. ولا تقلقي أبدًا سأتكفل بكل نفقاتكِ هناك.. المهم أن تُصبحي بخير.
أومأت جلوريا بتأثر:
- شكرًا لاهتمامك سيد سايلِس.. سأنتظر أن تهاتفني لتخبرني بموعد سفري.
- سأفعل بالتأكيد.
اعتدلت جلوريا وهي تستند بيدها فوق الطاولة وزفرت ببطء:
- سأرحل أنا، ولكن قبل أن أرحل من فضلك لا تخبر أحد أنني أعلم شيًا حتى سيلفانا.. لا تخبرها بشيءٍ من فضلك... أنا أفضل أن أرحل دون أن يعلم أحد أين سأذهب وأين سأبقى.. أريد أن لا يعلم أحد شيئًا عني.
أجاب سايلِس بملامح خالية من أي تعبير:
- لا تقلقي.. طالما انا على قيد سأسعى جاهدًا أن لا يجدكِ أحد.
أومأت بهدوء ليقول سايلِس:
- إن السائق الذي أوصلكِ هنا مازال بالخارج ينتظركِ، تستطيعين العودة معه.
أومأت بهدوء وعينيها تلمعان:
- شكرًا لك.
وسارت بتخبط داخل المقهى وتلك المرة لم يساعدها سايلِس حيث ظل جالسًا يراقبها وهي ترحل من أمامها لتتسع ابتسامته الشيطانية شيئًا فشيئًا قائلاً بنبرة خبيثة:
- كم أنتِ ساذجة أيتها المسكينة.
في قصر آل مارينتوس:
كان ديميتري جالسًا داخل مكتبه المظلم ينظر إلى رقعة الشطرنج الخاصة به، ثم أخذ يحرك بعض القطع بداخلها ولكن لم تسقط أي قطعة، وبعد أن انتهى ظل ديميتيري يفكر كثيرًا حتى وقعت عيناه على الملك الأسود والذي ظل ثابتًا طوال تلك اللعبة لكن رقع الشطرنج المتبقية هي من تحركت ومنها من خرج من اللعبة.. حرك ديميتري أصابعه على سطح المكتب حيث أخذت تصدر صوت طرقاتٍ بسيطة وهو ينظر للقطعة.. ولكنه استفاق من شروده على دخول ستيفانو المُفاجئ للمكتب.. التفت إليه بحيرة:
- ماذا هناك ستيفانو؟
تحدث ستيفانو بضيق:
- ذلك الوغد سايلِس أخبرني بكلماتٍ تافهة عبر الهاتف ثم أغلق.
ظل ديميتري ينظر إليه ينتظره أن يكمل حديثه بينما تحدث ستيفانو بضيق:
- لقد قال "أرسل تحياتي لديميتري مارينتوس" ثم أغلق الهاتف بوجهي.
عقد ديميتري حاجبيه بحيرة من مكالمة سايلِس المفاجئة لستيفانو، ولكن لماذا ستيفانو بالأخص؟ تغيرت ملامح ديميتري للقلق ثم رفع رأسه من جديد نحو ستيفانو ليقول بهدوء:
- متى آخر مرة هاتفت بها جلوريا؟
ظل ستيفانو ينظر إليه بعدم فهم حتى استوعب ما الذي يقصده ديميتري.. تحدث بغضب:
- واللعنة!
التقط هاتفه بسرعة وأخذ يتحرك ذهابا وإيابًا داخل مكتب ديميتري وهو يُهاتفها حتى وصله صوتها:
- نعم؟
زفر ستيفانو بارتياح:
- جلوريا، حبيبتي.. هل أنتِ بخير؟
كانت جلوريا تجلس بفراشها داخل غرفتها المُظلمة بينما كانت عينيها منتفختين بسبب بكاءها المستمر.. أجابت بصوتٍ متحشرج:
- أجل، أنا بخير.
تحدث ستيفانو بحيرةٍ من نبرة صوتها تلك:
- ماذا هناك؟ ما باله صوتكِ؟
أجابته بهدوء:
- لقد استيقظت لتوي، هل هناك شيء ستيفانو؟
هز ستيفانو رأسه قائلاً:
- لا شيء حبيبتي، فقط قلقتُ عليكِ.. نامي جيدًا.
أغلقت المكالمة الهاتفية وارتعش جسدها تشعر أنها لم تعد تعلم بعد الآن من يكون هذا الشخص الذي كان يهاتفها! ليس هذا فقط! فكل من تجلس معهم بالشقة هنا تشعر أنهم أشخاص لا تعلم عنهم شيئًا، لقد شاركوا في خداعها جميعًا.. انهمرت عبراتها من جديد حين عاد تفكيرها نحو سيتفانو فلقد كانت تحلم بحياة وردية لطيفة معه.. يتزوجان ثم يستقران سويًا في شقتهما الصغيرة ولكن كل ذلك تحطم فجأة حينما سقطت الأقنعة من حولها.. التفتت ستيفانو لديميتري بعدما أغلق مع جلوريا وقال بارتياح:
- إن جلوريا بخير ديميتري، يبدو أن ذلك المريض كان يحاول أن يُخيفني فقط.
ظل ديميتري ينظر إليه صامتًا للحظات ولكنه عاد ينشغل بالشطرنج ولكن أخرجه ستيفانو من تفكيره مجددًا:
- صحيح، أين كنت أخي؟ ثم ماهذا الذي أسمعه عنك منذ الصباح؟؟
رفع ديميتري رأسه وأجاب بهدوء:
- كنت أنهي عملاً يخصني، جميعكم سوف تعلمون السبب قريبًا، أخبرني ما الذي سمعته عني ستيفانو؟
رمقه ستيفانو قليلاً ثم تحدث:
- حينما ذهبت لمتجر المخبوزات كانت أحاديث الزبائن لا تنفك عن ذكر اسمك أخي.. يقولون رجل الأعمال ديميتري مارينتوس كان يتقدم بطلبٍ للزواج لفتاةٍ مسلمة، ولكنهم لم يستطيعوا معرفة هويتها.. يقولون أن هذا انتشر على وسائل التواصل الإجتماعي ولكنني لم أجد شيئًا حينما حاولت البحث.. ولكن الناس مازالوا يتداولون هذا الخبر.
زفر ديميتري ببطء وأردف قائلاً:
- هذا جيد، يجب أن يبقى الأمر على هذا النحو.
اقترب ستيفانو منه وجلس مقابله قائلاً:
- ديميتري، هل حقًا قدمت عرض زواجٍ للآنسة جوداء؟
عقد ديميتري حاجبية لثوان، ثم تحدث بهدوء:
- لا تنشغل بهذه الأمور ستيفانو.. لديك أمورٌ اهم يجب أن تنشغل بها.. كيف حالك أنت وجلوريا؟
علم ستيفانو أنه يقوم بتغيير مجرى الحديث ولكنه ابتسم قائلاً بشغف:
- نحن بخير، كنت سأتحدث إليك في أمر زواجنا أريد زفافًا لنا في القصر هنا.. أريد أن تكون جلوريا سعيدة.. سأخبرها بكل شيءٍ عني.. أجل.. سيكون كل شيءٍ على ما يُرام.
رمقه ديميتري بصمتٍ للحظات ثم تحدث بابتسامة لطيفة:
- لا مانع لدي، بعد أن نُنهي مهمتنا مع المافيا والتي ستكون بعد يومين، سأقيم لك حفل زفاف ضخم لك أنت وجلوريا سيتحدث عنه العالم أجمع ،لا تقلق.
ابتسم ستيفانو ثم قال بامتنان:
- أشكرك كثيرًا ديميتري.
أجاب ديميتري بابتسامة بسيطة في المُقابل:
- امتنانك ذلك لا أريده، كل ما أريده أن أرى ورثة آل مارينتوس يركضون حولي داخل قصرنا المُظلِم.
تحدث ستيفانو بعينين تلمعان:
- أعدك أخي، عمت مساءًا.
هز ديميتري رأسه بإيماءه بسيطة قائلاً:
- ولك أيضًا ستيفانو.
خرج ستيفانو من المكتب وشرد ديميتري قليلاً فيما سيفعله في الغد ولكنه تشتت حينما دخل لوكا المكتب.. زفر ديميتري ببطء ولكنه لم يتحدث بكلمة، بينما توقف لوكا أمامه بملامح غاضبة..
- ديميتري أريد التحدث قليلاً.
عاد ديميتري بظهره للخلف وأخذ ينظر نحو لوكا بهدوء ينتظره أن يتحدث، بينما قال الآخر بضيق:
- اسمعني ديميتري، إن الأمر بينك وبين الآنسة جود لن ينجح.. ستخسرنا أخي.. ستخسر كل شيء لأجلها.. لا يمكنك أن تتخلى عنا وعن كل شيء سعيت لأجله في سبيل الزواج منها.. أنت أخي ولا يمكنني التخلي عنك.. ثم بحق الله ألم تجد غيرك! إن..........
قطه حديثه صوت ديميتري الغاضب وهو يوقفه:
- كفى!
ابتلع لوكا باقي كلماته داخله حينما رأى نظرات ديميتري المظلمة تلك، وارتعش جسده أيضًا حينما اعتدل ديميتري من فوق كرسي مكتبه واقترب منه.. تحدث لوكا بسرعة وهو يلمح اقتراب ديميتري منه:
- أخي أنا لم أقصد شيء... كل ما أقصده أن.....
ولكنه صمت حينما جذبه ديميتري بقوة نحوه من ياقته وقال بهسيس:
- أقسم يا لوكا، إن تحدثت معي أو عن جوداء بتلك الطريقة سواء أمامي او من وراء ظهري سأقتلك.
اتسعت عينا لوكا برُعب ولكن نظرات ديميتري له كانت جادة .. كأنه يقصد كل كلمة قالها.. ابتلع لوكا غصته قائلاً:
- كيف تغيرت هكذا؟ هل ستقتلني أنا لأجلها؟
ولكن ديميتري عقد حاجبيه قائلاً:
- لا تُجبرني على فعلها، ثم لا تتدخل بشؤون غيرك! أظن أنك لا تحب أن أتدخل بشأنك صحيح، لوكا؟
عقد لوكا حاجبيه وكاد أن يتحدث، ولكن ديميتري تابع بهمس مُخيف:
- أعلم ما تفعله من وراء ظهري، أعلم كل شيءٍ عنك.. ولكنني لا أهتم لأنني أعلم أنك ستستفيق يومًا ما من وهمك هذا.. تركتك أنت وأختك تفعلان ماتشاءان ولكن انظر، ماذا جنَت أختك؟؟ هاه.
ثم صرخ ديميتري في وجهه قائلا:
- أخبرني أيها الوغد.
احمرت عينا لوكا أسفل عدساته الطبية وأي أحد سيراه سيعتقد أنه سيبدأ في البكاء خلال لحظات، تابع ديميتري حديثه بخذلان:
- ليتك مثل دييجو أو ستيفانو.. ليتك لم تكن مُدللاً مثل فيرونيكا، ولكن هذا خطأي.. أنني تركتكما على حريتكما.. فقد كنتما مثل أبنائي.. لم أرد أن تعيشا مثل ما عشناه أنا وأبناء عمومتكما.. كنت أتمنى أن تصبح رجلاً عاقلاً يا لوكا يومًا ما، وتتولى إدارة الشركات معنا، ولكن ماذا أصبحت أنت؟
لمعت عينا ديميتري للحظات ولكن تلك اللمعة اختفت فجأة واستأنف بفحيح:
- أصبحت روائيًا لا فائدة منك.
وسعت عينا لوكا وشعر بالبرودة المفاجئة داخل قلبه، أكمل ديميتري حديثه غاضبًا:
- أخبرني ماهو دافعك القوي الذي يجعلك تقف أمامي وتصرخ بوجهي محاولاً التدخل بشؤوني، يا أليكساندر ميخاييل؟
انهمرت عبرة من عينا لوكا وهو ينظر إلى ديميتري الغاضب ولكنه لم يقل سوى كلمة واحدة:
- لأنني أحبك أخي.
هدأت ملامح ديميتري قليلاً وترك ياقته دافعًا إياه للخلف، ثم التفتت للخلف يوليه ظهره العريض.. بينما تابع لوكا حديثه:
- أنا أعتذر لأنني أخفيت عنك أمرًا مثل ذلك، أعلم أنني مُخطئ أخي.. وها أنا أحاول.. لقد بدأت بالفعل بالذهاب للشركة مع دييجو في الآونة الأخيرة وتعلمت بعض شؤون الإدارة أعلم أنني لم أتعلم الكثير ولكنني سأفعلها، سأثبت لك يومًا ما أنني جدير بلقب آل مارينتوس.
زفر ديميتري ببطء ولكنه لم يتحدث بكلمة، بينما وصله صوت لوكا الحزين:
- أنا فقط أريد أن نصبح عائلة جيدة أخي.. لقد افترقنا كثيرًا أعلم وأصبحنا نخفي الأسرار عن بعضنا.. ولكنني أعدك أنني لن أخفي عنك شيئًا بعد الآن، ديميتري.
شعر لوكا بخيبة حينما لم يُجبه ديميتري وتهدل كتفيه ولكن سُرعان ما ظهر الأمل على ملامحه حينما وصله صوت ديميتري:
- اذهب يا لوكا، اثبت لنفسك أنك من آل مارينتوس أولا قبل أن تحاول أن تثبت لي ذلك.
هز لوكا رأسه بسرعة:
- حسنًا أخي، سأفعلها.
كاد أن يخرج من الغرفة ولكن ديميتري أوقفه قائلاً:
- ولكن أيضًا أثناء محاولتك لإثبات هذا لنفسك، لا تنسى الشيء الآخر الذي تلجأ إليه حينما تضغطك الحياة، أنا لا أطلب منك التوقف عن الكتابة ولكنني أطلب منك أن تكون مسئولاً، لوكا.
رمش لوكا بسرعة يحاول استيعاب ماقاله ديميتري، هل يقوم بتشجعيه؟؟ هل يساعده على أن يستمر في مجال الكتابة؟.. ولكنه استفاق حينما سمع صوت ديميتري الهادئ:
- اذهب الآن.
استفاق من تفكيره على تلك الكلمة وتحدث بهدوء:
- حسنًا أخي.
خرج من الغرفة بينما عاد ديميتري ليجلس خلف مكتبه شاردًا في القادم داخل ظلام مكتبه.
في صباح اليوم التالي:
كانت سيلفانا قد جهزت حقيبة صغيرة وارتدت ثيابًا أنيقة، ثم خرجت من غرفتها وتقابلت مع جوداء التي كانت تنظر إليها في المقابل بهدوء...
- صباح الخير، جوداء.
- صباح الخير سيلفانا.
ثم تحركت سيلفانا خطواتٍ قليلة ولكن أوقفتها جوداء متساءلة:
- هل أنتِ وكارلا متخاصمتين؟
تأففت سيلفانا بسبب هذا السؤال والتفتت إليها:
- لا، ولكنني أكره حينما يكذب أحد علي.
عقدت جوداء حاجبيها بحيرة ثم تحدثت:
- ما الذي كذبت عليكِ به سيلفانا؟
هزت سيلفانا رأسها ثم قالت:
- لا تهتمي.
ثم صمتت قليلأ ولكنها عقدت حاجبيها عندما تذكرت أمرًا هامًا.. لتقول بضيق لجوداء:
- يا فتاة، تعالي هنا.
عقدت جوداء حاجبيها بحيرة:
- ماذا هناك؟
تحدثت سيلفانا بضيق:
- لقد علمت أن ديميتري مارينتوس عرض عليكِ الزواج بالأمس في شوارع روما أمام الجميع، أما أنا صديقتكِ فلا أعلم عنكِ شيئًا.
شهقت جوداء بفزع بسبب ماتقوله سيلفانا وكادت أن تتحدث لتدافع عن نفسها ولكن سيلفانا أوقفتها:
- عندما أعود ستخبرينني بكل شيء.. إن سايلِس ينتظرني بالأسفل.. لذلك سأتحرك الآن.
ثم ضمتها بقوة وابتعدت عنها وهي تحمل حقيبتها الصغيرة.. هزت جوداء رأسها بأسى والتفطت هاتفها تبحث عن الحدث الضخم الذي حدث لها بالأمس ولكنها لم تجد شيء، أجل كُل شيء اختفى.. ولكنها خائفة من أن يكون لمح أحدهم ملامحها.. أخذت تبحث عن موضوعات رئيسية على وسائل التواصل الاجتماعي.. مثل "ديميتري مارينتوس" .. وعند هذا البحث ظهر لها الكثير من المنشورات التي يتم نشرها منذ الأمس حتى تلك اللحظة وكلها عبارة عن قصة الحب الغامضة التي يعيشها السيد ديميتري مارينتوس.. والجميع يريدون معرفة هوية الفتاة التي يحبها.. أغلقت جوداء هاتفها وزفرت بارتياح.
خرجت سيلفانا من المنزل وهي تحمل حقيبتها وبمجرد أن خطت قدماها للخارج حمل أحد رجال رسايلِس حقيبتها عنها، اقتربت من السيارة وصعدت بالخلف ليستقر جسدها بجانب سايلِس الذي كان يرتدي ثيابًا كلاسيكية شتوية.. ابتسمت وهي تراقب ما يرتديه:
- أوه، ماهذا؟ حبيبي أصبح وسيمًا للغاية.
ابتسم سايلِس ثم أمسك يدها وقبلها قائلاً:
- صباح الخير، سيلفانا.
رأت الساعة في يده، والتمعت عيناها بتأثر ثم ظلت تنظر في عمق عينيه وقالت بابتسامة:
- صباح الخير، عزيزي.
تحركت سيارته حيث الوجهة المطلوبة.
كانت روزالين تجلس فوق فراشها في غرفتها لا تتوقف عن البكاء بسبب عدم حب والدتها لها.. تشعر أنها وحيدة في هذا العالم، لا يحبها أحد ولا يريدها أحد، حتى والدها كان قاسيًا وتركها ولم يهتم بها منذ ذلك الوقت، وقفت أمام نافذتها وهي تبكي وتفكر بالكثير ولكنها انتبهت لما يحدث في الخارج.. أما في الخارج نزل ديميتري من سيارته قائلاً بهدوء لسائقه:
- انتظرني هنا اسماييل.
- حسنًا سيدي.
اقترب ديميتري نحو باب الفيلا لتفتحه له ريبيكا فورًا بابتسامة كبيرة قائلة بترحاب:
- ديميتري! مرحبًا بك تفضل.
دلف ديميتري داخل الفيلا بهدوء بينما تبعته ريبيكا قائلة:
- . لم أصدق ماقاله الرجال بالخارج حينما أخبروني أن ديميتري مارينتوس يقف أمام الفيلا بسيارته.. أعتذر لقد تركوك تنتظر كثيرًا.
لم يهتم ديميتري لحديثها، بل كان ينظر لها نظراتٍ باردة وخالية من الحياة.. ولكن سرعان ما ابتعد بعينيه عنها وأخذ يبحث بعينيه عن روالين..
- لا أصدق أنك هنا حقًا، ما رأيك........
قاطعها قائلاً بنبرة لا تحمل النقاش:
- أين روزالين؟
ابتلعت ريبيكا ريقها ولم تفهم ما السر وراء هذا السؤال لقد اعتقدت أنه قد أتى ليقوم بزيارتها.... ولكن اتسعت حدقتاها بصدمة حينما تابع ديميتري حديثه بصوتٍ شديد اللهجة:
- أين ابنتي يا ريبيكا؟
ارتعش جسدها خوفًا مما يمكن أن يفعله بها ديميتري ولكنها استفاقت عندما أمسكها ديميتري بقوة من ذراعها لدرجة قد آلمتها، وصرخ بها بقوة:
- أين هي؟
انهمرت عبرة من مقلتيها وتحدثت بتلعثم:
- كيف...كيف علمت؟
أظلمت عينا ديميتري أكثر:
- كل مرة أقابلها أشعر أن هناك شيئًا بداخلي يخبرني أنها ابنتي.. قمتُ بالسر بعمل ثلاث تحاليل للحمض النووي ولكن الامر قد فشل، ولكن في الحفل منذ عدة أيام حينما تحدث سايلِس عنكما.. علمت وقتها أنني أسير في اتجاهٍ خاطئ.. لقد قمت بالتحليل للمرة الرابعة بطريقة أخرى يا ريبيكا ولكِ أن تتخيلي.. تلك المرة كان التحليل إيجابي.. عشرون عامًا تُخفين فيها ابنتي عني!
ظهر الخذلان في عينيه ثم استأنف:
- ماذا أخفيتِ عني أيضًا؟ هاه؟ لدي فضول عجيب بخصوص هذا الأمر، أخبريني.. أريد أن أعلم يا ريبيكا.
انهمرت عبراتها بكثرة لأنها تذكرت ذلك اليوم ... صرخ ديميتري بغضب:
- تحدثي واللعنة!
شهقت ريبيكا بقوة:
- لقد هددني سايلِس بك يا ديميتري، هددني أنه سيقتلك.. قام باختطافي وهددني أنني إذا لم أتركك سيقتلك وسيأمر رجاله كلهم باغتصابي.
بكت بحسرة واستأنفت:
- لم يكن بإمكاني فعل أي شيءٍ سوى تركك لحال سبيلك.. لقد كنت خائفة عليك أكثر من نفسي.
ظل ديميتري ينظر إليها في هدوء وتساءل:
- وحينما ترككِ، لما لم تخبريني؟ كان يمكنني حمايتكِ.
هزت رأسها باكية:
- لم أستطع، لقد كنت صغيرة يا ديميتري.. كنت فقط خائفة، حينها علمت أنني حامل منك بروزالين... كان يهمني فقط هو حماية طفلي.. ولكنني لم أنتبه أنني أخسرك للأبد.
ظل ديميتري ينظر إليها بملامح خالية من أي تعبير:
- أجل، لقد خسرتيني للأبد.. فإن لدي حياتي الآن.. لا تظني أن علمي بكون روزالين ابنتي قد يجعلني أقوم بمسامحتكِ، لكن لا ريبيكا.. أنتِ أنانية للغاية.. لم تفكري في تلك اللحظة سوى بالخضوع لذلك المريض الذي يسعى لأذية عائلتي.
هزت ريبيكا رأسها نافية:
- أقسم لك ديميتري لم أقصد، أنا كنت خائفة.
ولكنها انتفضت بقوة حينما صرخ بها بغضب:
- مرت عشرون عامًا.. لقد مر هذا العمركله يا غبية، قمتُ بسؤالك عدة مرات هل روزالين تكون ابنتي، وتكون إجابتكِ دائمًا بالنفي.. في خلال هذا العمر كله لم تأتِ إلي لتخبرينني بالحقيقة.. لقد قمتِ بتدمير حياتي ريبيكا.. وجعلتي هذا المسخ يُعلن انتصاره أمامي في كل مرة يقابلني بها ولم أفهم يومًا ما سبب هذه الثقة العمياء التي يتحدث بها أمامي والآن قد فهمت.. فهمت أن عدوي قد هزمني منذ عشرون عامًا وليس ذلك فقط، بل يسعى لتدمير كل ماتبقى مني حتى الآن!!
كادت ريبيكا أن تتحدث ولكن أتاهم صوت روزالين الباكي:
- ماذا يعني هذا؟ هل ماسمعته صحيح؟ هل العم ديميتري يكون أبي حقًا؟
تجمدت ريبيكا مكانها حينما رأتها تنزل فوق أدراج السلم وهي تبكي لتقف أمامهما.. ولكنها تجاهلت النظر إلى أمها وأخذت تنظر إلى ديميتري الذي ينظر إليها بهدوء في المقابل، لتقول بابتسامة أمل باهتة وهي تبكي:
- هل تكون أبي، حقًا؟
هز ديميتري رأسه ليتفاجأ بها تدخل بين ذراعيه تضمه بقوة كأنها ملجأها الوحيد الآن.. وانهارت باكية:
- أرجوك، خُذني من هنا.. هي لا تحبني.. هي تقتلني ببطء أبي.. أرجوك.. أنا لا أريدها.. لا أريد أن أبقى معها... أريد أن أبقى معك أنت.
تحولت ملامح ديميتري للغضب وهو ينظر إلى ريبيكا التي تنظر نحو روزالين بخذلان.
وفي شقة الفتيات، قامت جوداء بتحضر طعام الفطور ثم أخذت تطرق على باب كارلا وجلوريا:
- هيا يا فتيات، إن طعام الفطور جاهز.
خرجت كارلا وهي مرتدية ثيابًا ليست رسمية كانت عبارة عن بنطالٍ أسود وبلوزة حمراء وقد صففت شعرها جانبًا، لتبتسم جوداء قائلة:
- أوه ماشاء الله، ماهذا الجمال يا فتاة.
ابتسمت كارلا بخجل:
- الشكر كله لسيلفانا فهي من أعطتني كل تلك الثياب.
ولكن اختفت ابتسامتها تدريجيًا حينما تذكرت أن سيلفانا لا تتحدث إليها وانتبهت جوداء على ذلك وقالت تطمئنها:
- لا تحزني، انتظري عودتها وتحدثا سويًا.. اتفقنا؟
أومأت كارلا بهدوء وجلست على كرسي أمام الطاولة الصغيرة القريبة من المطبخ، بينما ذهبت جوداء مرة أخرى لتطرق على باب جلوريا..
- جلوريا حبيبتي، لقد قرب الطعام أن يبرد وأنا أعلم أنكِ تحبينه طازج ودافئ أيضًا.
كانت تجلس فوق فراشها تضم جسدها بهدوء، تتجاهل إتصالات ستيفانو لأنهما قد اتفقنا أن يقضيا اليوم سويًا.. اعتدلت من فوق فراشها وأخذت تتحسس الغرفة حولها حتى وصلت للباب لتتقابل مع جوداء التي تقف أمام بابها:
- ما بكِ يا فتاة؟ لماذا كنتِ تبكي؟
وضعت يدها فوق كتفها، ولكن جلوريا انتفضت كالملسوعة وابتعدت عنها خطواتٍ كثيرة للخلف.. تحدثت جوداء وهي ترمقها بحيرة:
- جلوريا، ماذا هناك؟ لقد أقلقتِني.
هزت جلوريا رأسها نافية وقالت:
- لا شيء.. أنا فقط مريضة قليلاً.
تحدثت جوداء بقلق:
- مابكِ؟ بماذا تشعرين؟
ولكنها لم تُجبها إذ قالت جلوريا بلامبالاة:
- لا تقلقي، إنه زكامٌ بسيط.
ابتسمت جوداء بهدوء وأمسكت بيدها تسحبها خلفها على الرغم من محاولة جلوريا إفلات يدها منها إلا أن جوداء ضغطت على يدها بقوة تمنعها من ذلك:
- هيا، يجب أن تتناولي الطعام، ما بال وجهك اليوم شاحبٌ للغاية؟
ولكنها لم تنتظر إجابتها إذ أجلستها بجانب كارلا وحاولت أن تطعمها وعلى الرغم من اعتراضاتها ولكنها استسملت وتناولت طعامها في النهاية وأيضًا كانت كارلا تساعد جوداء في ذلك.. توقف دييجو بسيارته أمام منزل إيلينا وأخذ يهندم ملابسه المكونة من بنطالٍ أسود وسترة شتوية سوداء فوقهما معطف أسود كما أنه أخذ يهندم مظهره أيضًا وبعدما انتهى زفر بعُمق وضغط على زر الجرس، مرت ثوانٍ قليلة وقامت إيلينا بفتح الباب له.. اتسعت ابتسامته حينما رأى إطلالتها الرقيقة تلك.. بشرتها الناعمة المليئة بالنمش وأيضًا شعرها الكستنائي اللطيف، ظل يتأملها وهي تبتسم إليه هكذا ولكنها تحدثت توقظه من شروده بها:
- هيا تفضل، إن أمي تنتظرك في الداخل دييجو.
أومأ بابتسامةٍ لطيفة ودلف داخل المنزل وأغلق الباب خلفه.. أخذ دييجو ينظر حوله يتأمل تلك الشقة البسيطة والكلاسيكية أيضًا بهدوء شديد.. ولكنه استفاق حينما تحدثت إيلينا بهدوء:
- هل من الممكن أن تخلع حذائك؟
تحدث باستيعاب قائلاً:
- اجل، أعتذر.
انحنى قليلاً وقام بخلع حذاءه ثم التفت إليها وتساءل بحيرة:
- أين أضعه؟
- هناك.
أشارت نحو مجموعة من الأحذية متراصة بانتظام جوار بعضها، وضع حذاءه بجانبهم..
- تفضل اجلس.
أشارت له نحو إحدى الأرائك الموجودين بالقرب من باب الشقة.. جلس بهدوء وأخذ ينظر إليها بابتسامة جميلة.. أما هي فقد شعرت بالخجل بسبب أنه أطال النظر إليها..
- إيلينا.
انتفضت تستفيق من موجة الرومانسية تلك وحمحمت قائلة بصوتٍ مسموع:
- نعم أمي، إن دييجو هنا.
خرجت أمها من المطبخ وهي تحمل بيدها صينية صغيرة يوجد فوقها فنجانٌ من القهوة ..
- مرحبًا سيد دييجو.
قالت تلك الكلمات بانشغال وهي تضع الصينية أمامه.. بينما اعتدل دييجو ليقف احترامًا لها.. التفتت والدتها إليه وقامت بتحيته:
- تشرفت بلقاءك سيد دييجو.
أجاب دييجو باحترام:
- الشرف لي سيدة باولا، ومن فضلك نادِني بـ دييجو فقط.
ابتسمت أمها ابتسامة لطيفة تُظهر تجاعيد وجهها:
- حسنًا دييجو، هيا اجلس.. إنني أقوم بتجهيز طعام الفطور الآن، ثم بعد ذلك سأبدأ بتحضير طعام الغداء.
أوقفها دييجو قائلاً بابتسامة متأثرة:
- لا تُرهقي نفسكِ سيدة باولا، أنا فقط أتيت لأراكِ كما أنني أردت أن نتقرب أكثر.. ليصبح مابيني وبين إيلينا رسمي، فنحن يجب أن نكون جميعنا على وفاق.
ابتسمت باولا بحنان أمومي وأخذت تربت على كتف دييجو العريض ليظهر فارق الطول بينهما والذي يكون فرقًا كبيرًا بالطبع، ثم تحدثت بلطف:
- لا بأس، لقد اختارتك ابنتي يا دييجو.. ثم إنني أعرفكم جيدًا يا آل مارينتوس.. وأعتذر على أي سوء تفاهم حدث بيننا سابقًا.
هز دييجو رأسه نافيًا بسرعة:
- لا تعتذري من فضلك سيدة باولا، لقد انتهى الأمر.. وأنا من يجب عليه أن يعتذر لأن ماحدث كله كان بسببي.
التمعت عينا السيدة وأخذت تتذكر زوجها الراحل ولكنها هزت رأسها بسرعة وابتسمت في هدوء:
- نحن الآن نفكر في المستقبل يا بٌني.. تشرفت بلقاءك دييجو.
ثم التفتت نحو إيلينا قائلةً بهدوء:
- اجلسا في حديقة المنزل الخلفية إيلينا، سيعجبه المكان كثيرًا.
- حسنًا، أمي.
ثم تركتهما ورحلت، بينما التفت دييجو نحوها لتقول إيلينا بابتسامة لطيفة:
- هيا بنا.
أومأ في هدوء ثم حمل فنجان فهوته وتبعها وحينما أصبحا بالحديقة أعجبه المنظر كثيرًا، حيث كان يبعث الراحة والطمأنينة على من يراه، جلسا أمام بعضهما وارتشف دييجو من القهوة التي أعجبته كثيرًا، ثم تقابلت عينيه مع خاصتي إيلينا ليقول بابتسامة هادئة:
- اشتقت إليكِ.
ابتسمت بخجل ولكنه قرب يده منها ليُمسكها، ضغط عليها برفق وعاتبها بلُطف:
- هل ينبغي عليكِ أن تقومي بتعذيبي هكذا حتى نتقابل؟
أجابت ببساطة:
- قلت لك أنني كنت مشغولة.
صمت دييجو قليلاً وهو يرمقها في هدوء ثم استأنف:
- لا بأس، ولكن عديني أنكِ بعد ذلك ستُجيبين على إتصالاتي حسنًا؟
هزت رأسها موافقة له بينما ظل الإثنان يتحدثان يتعرفان على بعضهما أكثر ولم يترك دييجو يدها ثانية واحدة.
كانت سيارة سايلِس تنطلق بنعومة على الطريق الريفي الملتوي وتخترق قطرات المطر الخفيفة سكون الجو لتغسل زجاج النافذة وتضيف على المشهد لمسة دافئة، كان المطر هادئًا وجميل يزيد من نضارة الخضرة حول السيارة كما أن عطر الأرض المبللة قد انتشر حولهم بين التلال .. التفتت سيلفانا نحو النافذة ومسحت بأطراف أصابعها الضباب الخفيف المكون على الزجاج وأخذت تشاهد هذا المشهد بشغف وذلك حينما لمحت المزرعة من بعيد وسط قطرات الأمطار .. كانت الأشجار الضخمة والعالية والجميلة أيضًا تحيط بتلك المزرعة تحت السماء الغائمة وما أن هدأت حركة السيارة في الطريق تأملت المبنى الحجري بعينيها وليس ذلك فقط بل الأرض الخضراء المحيطة بهذا المبنى، حيث كانت الخيول تقف به بهدوء تحت المطر الخفيف تغمرها الرطوبة المنعشة وصلها صوت صهيلهم الناعم لتتسع ابتسامتها وشعرت بمشاعر دافئة تجتاحها، والسكينة أيضًا.. وتمنت لو للحظة أن تعيش هي وسايلِس هنا بعيدًا عن ضجيج العالم.
- هل أعجبتكِ؟
وصلها صوت سايلِس الذي يراقب ملامحها السعيدة تلك، التفتت إليه بعينين تحملان الكثير من الشغف والتأثر:
- أجل، إنها رائعة.. أقصد جميلة... لا أدري أي وصف يجب أن أصفها به.
أمسك سايلِس بيدها يقبلها بهدوء ثم تحددث بابتسامة:
- لقد أردت أن نقضي العطلة هنا سويًا، لأنكِ لم تكوني بخير بالأمس.. لذلك أردت إسعادكِ ولو قليلاً.
ظلت سيلفانا تنظر في عمق عينيه لترى لمعة خفيفة قد مرت في عينيه لثانية ولكنها اختفت، اقتربت منه أكثر لتختبئ بين ذراعيه بينما ضمها سايلِس بقوة مقبلاً رأسها ..
- شكرًا سايلِس.
تحدث سايلِس هامسًا لها:
- أنتِ لم تري شيئًا بعد سيلفانا.
ابتعدت عنه تنظر إليه بحيرة، ليتابع بابتسامة لطيفة:
- مازلنا في بداية اليوم لا تتعجلي.
وحينما قال تلك الكلمات توقفت السيارة بداخل المزرعة، ثم خطت سيلفانا بقدمها للخارج لتستنشق الهواء الممزوج بعطر الأرض المبللة بسبب المطر.. نزل سايلِس من السيارة أيضًا بينما حمل بعض رجاله الحقائب ليضعوها بالمنزل، وبعدما انتهوا أمرهم سايلِس بالعودة لروما ليمتثلوا لأمره.. ثم بعد ذلك أخذ سايلِس يراقب سيلفانا بابتسامة هادئة وهي تفتح ذراعيها هكذا بينما الهواء البارد يحرك شعرها الأسود يضفي على مظهرها النعومة والجاذبية أيضًا.. اقترب منها ثم تحدث قائلا:
- هل تحبين أن نرتاح قليلاً، أم نبدأ بركوب الخيل؟
التفتت إليه بابتسامة:
- نرتاح؟ كيف يكون المرء في مكانٍ رائعٍ كهذا ويرتاح؟ هيا بنا نبدأ بركوب الخيل، ولكن يجب أن تعلمني أولاً، لأنني لا أستطيع فعلها.
تحدث بابتسامة:
- حسنًا، بالطبع سأقوم بتعليمكِ.
ثم أمسك بيدها ودخلا المنزل والذي يكون دافئًا من الداخل بسبب المدفأة المشتعلة به والتي قام رجاله بإشعالها منذ قليل.. أخذت سيلفانا تتأمل ذلك المنزل الرائع واللطيف للغاية بينما جاءت عينيها على المدفأة المشتعلة ولوهلة تخيلت أنها تجلس أمامها ببطنٍ منتفخ بينما سايلِس راكعًا أرضًا يضع أذنه فوق بطنها... لمعت عيناها وهي تتخيل هذا المشهد المستحيل حدوثه..
- سيلفانا، هل أنتِ بخير؟
التفتت إليه بعينان تلمعان بينما حاولت كتم عبراتها قائلة بهدوء:
- أجل، أنا بخير.
-
- هيا سأريكِ غرفتكِ تعالي معي.
أمسكت بيده وجذبها خلفه ليصعدا فوق الأدراج الخشبية الموجودة بداخل المنزل، حتى أصبحا يسيران في ممرٍ صغيرٍ في الأعلى، اقترب سايلِس نحو غرفة بابها مغلق وقام بفتحها قائلاً بابتسامة:
- هذه هي غرفتكِ، لقد تركت لكِ ثيابًا تخص ركوب الخيل هنا، ارتديها.
أومأت بابتسامة ناعمة واقترب منها مجددًا وقبلَ مقدمة رأسها وابتعد برأسه عن رأسها مسافة بسيطة وقال وهو يضع يده على إحدى وجنتيها بنعومة:
- فقط أريدكِ أن تكوني سعيدة، سيلفانا.
تحدثت بعينان تشع بهجة ودفء:
- أنا سعيدة معك دائمًا، سايلِس.
ابتسم بدفء وأردف قائلاً:
- هيا ادخلي.
دخلت الغرفة وأغلقت الباب وراءها وأخذت تتأمل الغرفة الجميلة من حولها.. غرفة دافئة حقًا بألوانها الزاهية اللطيفة.. أما سايلِس فقد اختفت ابتسامته وذهب لغرفته يقوم بإجراء مكالمة وذلك بعدما رأى رسالة قد وصلته منذ قليل بتأكيد شيءٍ ما.. وبعد ثوانٍ قليلة أجاب الطرف الآخر، تحدث سايلِس بنبرة رسمية وغامضة:
- مرحبًا آنسة جلوريا، أنا سايلِس إيفانوف معكِ، لدي أخبار جيدة لكِ.
تحدثت جلوريا بهمس وهي بداخل غرفتها خائفة من أن يسمعها أحد:
- أجل سيد سايلِس، لو تعلم كم أنتظر مكالمتك تلك منذ الأمس.
ظهرت ابتسامة شيطانية على وجهه، ابتسامة تعكس حقيقته تمامًا بينما قال بهدوء:
- أعتذر إذا تأخرت، إن كل شيءٍ أصبح جاهزًا، إن موعد طيارتكِ بعد يوم غد.. ولا تقلقي سيكون آل مارينتوس مشغولون وقتها.
تحولت نبرته للقسوة وهو يتابع حديثه:
- فلدينا جميعًا في هذا اليوم عملٌ مهم نفعله سويًا.. لن يشعر برحيلكِ أحد، وكما أخبرتكِ قبلاً أنني سأحرص على أن لا يعلم أحدٌ أين أنتِ.
تحدثت جلوريا بامتنان وهي تنظر للفراغ أمامها:
- شكرًا لك سيدي، لا أدري كيف أرد ماتفعله لي.
هز سايلِس رأسه نافيا، ثم همس بنبرة شيطانية:
- لا تشكريني، الأهم أن تبتعدي عن جحيم آل مارينتوس.
صمت سايلِس لثوانٍ ثم تحدث:
- بالمناسبة يا آنسة، سيتم تحويل المال إليكِ بمجرد وصولكِ إلى لندن لتبدأي حياتكِ من جديد وذلك بعد أن تنتهي من عمليتكِ الجراحية.
تحدثت بذهول:
- كيف ستقوم بالتحويل لي سيدي، فأنا لم أقم بإعطاءك أي شيء من بيانات حسابي.
تحدث سايلِس بنظراتٍ غامضة:
- لا تقلقي آنسة جلوريا؛ فكما استطعت الوصول لبيانات جواز سفركِ وقمتُ بحجز تذكرة لكِ للذهاب إلى لندن.. أستطيع أيضًا الوصول إلى جميع حساباتك البنكية.
انهمرت عبرات جلوريا قائلة بامتنان شديد:
- أشكرك حقًا، سيد سايلِس.
أنزل سايلِس هاتفه وهو يغلق المكالمة ثم تحدث لنفسه بابتسامة لعوبة:
- لا شُكر على واجب.
توقفت سيارة ديميتري أمام قصر آل مارينتوس.. ترجل ديميتري من السيارة ونزلت روزالين تتبعه ولم تكف عن البكاء طوال الطريق.. كانت تسير شاردة لا تصدق حتى الآن كيف يكون ديميتري مارينتوس هو والدها البيولوجي؟، ولكن ماسمعته من حديثهما جعلها تصدق هذه القصة، انتبهت عندما أمسك ديميتري بيدها قائلاً بابتسامة هادئة:
- تعالي روزالين يجب أن أعرفكِ على عائلتك، ولا تقلقي.. أمامنا الكثير من الوقت لنتقرب فيه أنا وأنتِ.
التمعت عيناها بدفءٍ غريب اجتاحها فجأة وهزت رأسها موافقةً له.. دلف ديميتري داخل القصر وهو يُمسك بيد روزالين بينما شاهد هذا المشهد ستيفانو الذي كان ينزل على أدراج القصر بهدوء، هيئته تبدو مستعجلاً وكأنه يستعد للخروج؛ أما لوكا فقد كان يفعل شيئًا ما على حاسوبه المحمول..
- ديميتري!
تحدث ستيفانو بتعجب حينما رآه يمسك بيد روزالين، غريبٌ هذا الامر صحيح؟ استفاق لوكا من انشغاله ثم رفع رأسه ينظر حيث يكون ديميتري، عقد حاجبيه بضيقٍ خفي واعتدل وهو يغلق حاسوبه، بينما كانت روزالين تنظر إلى كليهما بشرود، ولكن وقعت عينيها على لوكا بالأخص، ازدادت شهقاتها حينما تقابلت نظراتهما.. شعرت أنها تريد أن ترتمي بين ذراعيه.. تريد أن تخبره عن ما يؤلمها ولكنه أشاح ببصره عنها ونظر إلى ديميتري من جديد والذي تساءل بهدوء تلك المرة:
- أين دييجو؟
أجاب لوكا بهدوء:
- إنه يقوم بزيارة خطيبته.
همهم ديميتري ثم تحدث بابتسامة هادئة:
- سيعلم حينما يأتي إذًا.
عقد ستيفانو حاجبيه بحيرة وهو يقترب نحوه:
- ما الذي سيعلمه ديميتري؟
ثم وقعت عينيه على روزالين وتساءل بحيرة:
- ولماذا روزالين تبكي؟ هل هي بخير؟
أجاب ديميتري بابتسامة هادئة:
- أجل هي بخير... ستيفانو..
ثم التفت ديميتري بعينيه نحو لوكا:
- لوكا .. أعرفكما بابنتي روزالين مارينتوس.
الصدمة! كان رد فعلهما هو الصدمة .. لوكا الذي وسعت عيناه من الذهول فجأة من قول ديميتري هذا وستيفانو الذي لم يستوعب ما قاله ورمش بسرعة وشعر أنه سمع بشكلٍ خاطئ...
- ماذا قلت ديميتري؟ لم أفهم؟ روزالين ماذا؟
أكد ديميتري قائلاً:
- روزالين مارينتوس، أحد ورثة آل مارينتوس.
ثم التفت بعينيه نحو لوكا بنظراتٍ حادة قائلاً:
- روزالين تكون ابنتي البيولوجية، ابنتي أنا وريبيكا.
كانت سيلفانا قد تجهزت وارتدت ثوبًا أبيض جلدي ضيق شعرت أنه يعيقُ حركتها قليلاً، ولكنها حاولت التكيف به، لأنه يقوم بتدفئتها حقًا.. كما أنها كانت ترتدي حذائًا ذو كعبٍ عالٍ يناسب تلك الملابس، نزلت من غرفتها لتجد سايلِس ينتظر بابتسامة لطيفة حيث ارتدى هو أيضًا نفس النوع من هذه الثياب، ارتدي بنطالاً أسود مصنوع من الجلد وفوقه سترة سوداء جلدية.. وحذاءه أسود ذو كعبٍ قصير..
- هل انتهيتِ من تأملي؟
قال تلك الكلمات بتسلية ولكنها عقدت حاجبيها وابتسمت بتسلية هي الأخرى:
- لا لم أنتهي بعد، ولكنك تبدو وسيمًا جدًا حبيبي.
ثم اقتربت منه وقبلته فوق وجنته ثم ابتعدت وقالت وهي تنظر في عمق عينيه:
- أنا جاهزة هيا بنا.
غمز لها سايلِس قائلاً:
- هيا.
سارا للخارج واقتربا من الخيول التي تقف على الأرض العشبية المحاطة بالأسوار الخشبية، توقف سايلِس أمام جواده الأسود اللامع أخذ يُربت فوق رأسه بنعومة ليصهل الجواد بخفة.. بينما كانت سيلفانا متوترة وفي ذات الوقت متحمسة لأنها ستقوم بتجربة شيءٍ جديد، اقترب سايلِس من سيلفانا بخطواتٍ متزنة وأمسك بخصرها بلطف رافعًا إياها بنعومة لتستقر فوق السرج الجلدي الدافيء، ارتعشت قليلاً خوفًا من أن يتحرك الجواد حركة مفاجأة ولكنها استفاقت حينما قفز سايلِس خلفها بخفة وأحاطها بذراعيه القويتين ليقبض على الزمام..
- راقبي ما أفعل سيلفانا، ولا تتوتري.
أومأت بهدوء وهي تنظر ليد سايلِس القابضة على الزمام ولكنه همس بصوت خفيض ودافيء في أذنها:
- أنا لا أشد على الزمام أنا أمسكه فقط .. اتركيه ينساب مع حركة عنقه ودعي جسدكِ يتحرك مع إيقاع خطواته.
هزت رأسها بسرعة بينما مسدَّ سايلِس بيده على عنق الحصان الأسود بهدوء ليعطية إشارة بالتحرك.. وبالفعل تحرك الحصان بخطواتٍ منتظمة ومتقطعة.. شعرت سيلفانا بضربات أقدامه الثقيلة وخافت لوهلة ولكنها شعرت بالأمان بسبب حماية سايلِس لها لأنها كان خلفها فوجوده حولها يجعلها تطمئن.. حينما انتبه سايلِس على سكون سيلفانا وثباتها المبدأي فوق الحصان، استدار ببطء ونزل من فوق الحصان بخفة تاركًا إياها بمفردها.. بينما تحدث بابتسامة تشجيعية:
- الآن دوركِ، أريد منكِ أن تتحركي به لعدة خطواتٍ وحدكِ.
أومأت بحماس، عقدت حاجبيها وقبضت على الزمام كما علمها ووضعت يدها بخفة بالقرب من عنقه لتعطية الإشارة بالتحرك مثلما فعل سايلِس منذ قليل ولكن صوتًا مفاجئًا لغصن كسر بالقرب من السور من قِبل حصانٍ آخر أدي إلى خوف الجواد الأسود.. انتفض الحصان فجأة وانطلق بجموح وسرعة فائفة ليركض بين الأشجار المحيطة بالمنزل.. صرخ سايلِس بصوتٍ مسموع:
- سيلفانا!
تسمرت سيلفانا وتعالت صرخاتها وهي تتشبث برقبة الحصان بكل ما أوتيت من قوة.. بينما ابتعدت الأرض من تحتها وأفلت الزمام من يدها.. بدأت بالبكاء وهي تحتضن الحصان بقوة.. لم ينتظر سايلِس ثانية واحدة حيث اعتلى حصانًا آخر قريبًا منه بسرعة دون تفكير وأنطلق خلفها كالبرق، كانت الريح الباردة تصطدم بوجهه وصوت حوافر حصانه يطرق الأرض بجنون.. نظراته كانت متعلقة بها وهي تفقد توازنها من فوق الحصان شيئًا فشيئًا.. اقترب منها سايلِس وتحدث بصراخ مسموع:
- اتركي الحصان سيلفانا.. اتركيه هيا.
تحدثت ببكاء وصراخ:
- أنا خائفة سايلِس.
تحدث سايلِس بصراخ وهو يحاول أن يواكب حركة الجواد الأسود بحصانه:
- لا تخافي، ثقي بي.
لكن حركة الحصان العنيفة جعلت قدماها تنزلق من الركاب وفي لحظة خاطفة فقدت توازنها وسقطت من فوق السرج نحو الأرض وقبل أن تصطدم بالتراب اندفع سايلِس بجسده من فوق جواده بسرعة ليلتقطها بين ذراعيه ويمتص بقوة جسده شدة الإصطدام بالأرض، تدحرجا معًا لمسافة قصيرة على العشب الناعم حتى استقرا تمامًا.. ضمها بدفء وحماية ويده تحيط برأسها وجسدها ليتأكد من سلامتها.. تنفسه كان متسارعًا وحادًا وجسده كان يرتجف بسبب الرعب الذي عاشه لثوانٍ .. نظر لملامحها المذعورة وهمس بصوتٍ:
- أنتِ بخير.. لا تخافي سيلفانا.
كانت تبكي بين ذراعيه لا تصدق أنها مازالت على قيد الحياة، بينما استمر سايلِس من التأكد من عدم وجود أي إصابة بها، ثم اعتدل ورفعها بين ذراعيه برفق شديد متجاهلاً ألم جسده بسبب التدحرج على الأرض وحملها متجهًا بها إلى المنزل الصغير الدافيء.. وحينما دلف داخله كانت هناك أريكة صغيرة بالقرب من المدخنه، وضعها بعناية فوقها.. ثم قام بخلع حذاءها الجلدي بتمهل .. كانت أنفاسهما لا تزال متسارعة بسبب التوتر الذي أنشأه ما حدث منذ قليل..
- سأترككِ قليلاً هنا بالقرب من المدفأة.. سأذهب لأعيد الأحصنة للإسطبل.
كاد أن يبتعد ولكنها أمسكت بيده تمنعه، قائلة بارتعاش:
- سايلِس، لا تتركني رجاءًا.. أريدك بجانبي.
التفت ينظر إليها في هدوء:
- سيلفانا، إذا بقيت الآن؛ فلا أضمن ماسيحدث.
ولكنها اعتدلت بارتعاشة تجري في جسدها ووقفت أمامه، ارتعشت قدامها وكادت أن تقع ولكنه أمسكها بقوة من جديد .. بينما نظرت في عمق عنييه وتحدثت بتأثر:
- لا تتركني، من فضلك.. أنا أحتاجك.
ظل سايلِس ينظر إليها بهدوء حاول جاهدًا أن يحافظ عليه ولكن نظراتها تلك، وتعلقها به يطلبان شيئًا آخر.. شقَّ سايلِس المسافة بين وجهيهما في قبلة عميقة بثَّ من خلالها شوقه إليها، لتضمه سيلفانا بقوة هي الأخرى بينما انهمرت دموعها بسعادة.. ليعيش الإثنان قصة حبٍ تخص عالمهما فقط، عالمًا أدرك فيه كلاهما أن البقاء معًا لم يعد مجرد خيارً، بل هو حقيقة أزلية.
...................................................
الفصل طويييييييييييييييييييييييييل ولو خلص بسرعة معاكم فهو خلص من حلاوته
آرائكم؟ توقعاتكم؟ ريفيوهاتكم؟ هنتظر الصياح على الجروب .. بس عامة بعلن حبي الشديد لسايلِس إيفانوف..(شريري اللطيف)
سارة بركات (صاحبة القلم الذهبي).
الفصل الثالث والثلاثون من هنا