
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الاول 1 ج1 بقلم ليله عادل
العودة (عناق الدم)❞
{" لم أرد أن أكون كاذبة، لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تُقال، وأضعف من أن تُحمى. فالحقائق، حين تنكشف، لا تحمل الخراب وحده؛ فبعضها يمد يد الغفران ليعيد القلوب إلى دفئها، وبعضها يشتعل كنارٍ تلتهم ما تبقى من الزيف. وفي لحظة واحدة، أجتمع الصفح والانتقام، وعرف كل منهما طريقه؛ قلوبٌ تصالحت، وأخرى حُكم عليها بالسقوط. "}
[بعنوان: حقائق لا تنسى]
لازالت ماسة جالسة على الأريكة في ذات الموضع، منكمشة كطفلة خائفة، عيناها تنزفان دموعًا لا تنضب، كأن قلبها قرر أن يبكي عمرًا كاملًا في لحظة واحدة، وجهها غارق بالدموع، وأناملها ترتجف، وكل مافي داخلها يصرخ بالآهات.
من حولها، جلس مصطفى وعائلته، ومحمد الصدمة تلتهم ملامحهم، تمحوها تمامًا، فقصتها سودوية بشدة، أشبه بفيلم مأساوي لا حقيقة فالكلمات التي تفوهت بها ماسة، كانت كفيلة بخنق أنفاسهم بدهشة موجعة.
كانت عينا عائشة ونبيلة دامعة، وقلوبهم نابضة بالحزن، كانتا تحدقان بها في ذهول، والحزن مسكون في أعينهما، على ماكابدته، أنها خاضت كل ذلك وحدها.
بينما مصطفى غارقًا بمزيج من المشاعر؛ صدمة، حيرة، حزن قلبه يضج بالأسئلة التي لا يملك لها جوابًا، وكأنه يحاول ترتيب الفوضى داخله دون جدوى.
أما محمد، فكان ينظر إليها بعدم تصديق، وجهه مشدود، ونظراته حادة، كأن الصدمة لديه تحولت إلى رفض تام لما سمعه.
بينما إيهاب كان شاردًا لم يتحرك، لم ينبس بكلمة، فقط جلس هناك يستمع، وعيناه تتسعان مع كل كلمة، وفي قلبه أنين لا صوت له، كأن شيئًا ما انكسر فيه ولم يعد يمكن إصلاحه.
خرج صوتها واهيًا، وكأن الحكاية كانت تنتزع من روحها لا من فمها.
ماسة بحزن وضعف بنبرة مبحوحة: ساعتها خرجت من الفيلا مش عارفة أروح فين؟! كل إللي كان في دماغي إني عايزة أمشي، عايزة أحمي نفسي، قعدت أجري في الصحراء وأنا مش عارفة رايحة فين؟ مش عارفة أصلًا أنا فين؟! لحد ما قابلتك والباقي إنت عارفه.
بمرارة وألم يعصف قلبها: هي دي قصتي ودي أسبابي إللي خلتني أكذب، أو مش أكذب، أخبّي الحقيقة أو أغير منها شوية..
أخذت نفسًا عميقًا، ومسحت وجهها بأنامل مهتزة، رفعت عينيها إليهم، تحاول أن تمحو تلك الاتهامات العالقة في الهواء، أن توصل ماعجزت عنه الكلمات من قبل، كانت صادقة، أكثر من أي وقت مضى، ها هي، ماسة، كما عهدناها، بشخصيتها الحقيقية، التي نعلمها جيدًا.
ماسة بنبرة معتذرة بها رجاء: أنا مش طالبة منكم تسامحوني، ولا حتى تدوني فرصة، أنا بس كنت عايزة أفهمكم أنا ليه عملت كده؟ أنا حقيقي أسفة.
ثم أخذت تنظر إليهم واحدًا تلو الآخر، تتذكر أسمائهم، تنظر بأسف على كل وجه عرف طيبتها يومًا:أسفة يا مصطفى أسفة يا ماما نبيلة أسفة يا عائشة أسفة يا إيهاب أسفة يا محمد أسفة ليكم كلكم، عارفة إن الاعتذار مش كفاية، ومش هطمع في قلوبكم الصافية إللي ماشفتش زيها في حياتي إنكم تسامحوني، لكن أنا أسفة لإني عارفة إني غلطت في حقكم، بس هي دي قصتي والله ماكذبت عليكم في حاجة وهي دي الحقيقة وهي دي أسبابي.
علقت عائشة بدهشة: أنا مش مصدقة، إن فيه ناس بالبشاعة دي؟ قصتك كأنها قصة فيلم، مش حياة!
نبيلة اقتربت منها قليلًا، متسائلة بقلق: طب هما ماحاولوش يكلموكي؟ أي حاجة؟
أمالت ماسة رأسها جانبًا، ومرت على شفتيها ابتسامة حزينة: هيكلموني إزاي؟ أنا مشيت وماحدش يعرف، حتى لما روحت لأهلي أكدولي إن سليم أصلًا ماعرفهمش إني هربت، يعني بنسبة كبيرة هما كمان مايعرفوش حاجة، وحتى لو يعرفوه، هيوصلوا ليا إزاي؟
مصطفى متسائلًا بنبرة مهتزة: يعني سليم هو إللي كان ضربك كده يوم مشفتك؟
مسحت ماسة دموعها وأخذت أنفاسها بتأكيد: أيوة كل حاجة حكيتها عن جوزي كانت حقيقية، بس الفرق إن اسمه مش إسماعيل، زي ماقلت، اسمه سليم مش ظابط رجل أعمال.
نبيلة متعجبة: يعني الضرب والعلقة الجامدة دي كلها بس عشان قلتي أستنى شوية؟
ماسة هزت راسها بإيجاب: أيوه، لما خنقني، ضربته على دماغه وجريت، أصلا ماكنتش أقصد أهرب أنا كنت بجري من خوفي لحد ماقابلت مصطفى.
نبيلة وهي تضرب كف بكف: فعلاً، قصتها غريبة وكل ده علشان كنتي خدامة ما ربنا كان قادر لما خسروا فلوسهم يخسف بيهم الأرض زى قارون ولا فرعون عالم ماتعرفش ربنا.
عائشة رفعت حاجبيها بضجر: عندك حق يا ماما ولاصافيناز ورشدي وفايزة؟ إيه الناس دي؟ فيه بشر بالبشاعة دي؟ يخرب بيتهم، والله يا بنتي، كويس إنك فضلتي بعقلك!
محمد فجأة، بصوت مليء بالشك: استني يا عائشة، إنتِ مصدقة كلامها؟ دي بتكذب من أول يوم عرفناها؟!
رفعت ماسة عينيها له، نظرتها فيها وجع: أنا هكذب ليه يا محمد؟
محمد بإنفعال وشك: ونصدقك ليه؟ ما من أول ماشفناكي وإنتي بتلفي وتدوري، مرة اغتصاب، ومرة جوزي معرفش بيضربنى، ومرة جوزي بيلفق قضايا لأهلي، ومرة اسمك دينا، ومرة حور سبحان الله! فجأة طلعت بنتك!
شهقت ماسة بصوت خافت، وقالت بنبرة غليظة: أنا ممكن أتحمل منك أي حاجة، بس بلاش بنتي، مالكش دعوة بحور، وخرجها من أي كلام بعد إذنك.
محمد بسخرية وهي يشد على الكلمة: ولكي عين تتكلمي؟
ماسة بصوت مكسور وهي تنظر إلى الأرض تحاول أن تبقى ثابتة: محمد بعد إذنك بلاش حور.
رفعت عينيها بألم ومرارة: أنا مش طالبة منكم حاجة، إنتوا سألتوني عن حكايتي، وأنا حكيت وعرفتكم ليه كذبت، وليه خبيت، ماعنديش حكاية تاني أقولها دي المرة الوحيدة إللي فعلا بقول فيها كل حاجة بصدق.
تحاول تبرير وتوضيح موقفها بصدق: ولما خبيت الحقيقة والله العظيم، كنت بحميكم! كنت خايفة من اليوم إللي سليم يوصلي فيه ويعرف إنكم كنتوا عارفين وساعدتوني، مش هيسامح، أديكوا شفتوا عمل إيه في أهلي إللي كانوا بيحبوه، ماشافش منهم حاجة وحشة، بس عشان عرف إنهم ساعدوني مارحمش، وإللي ماساعدونيش ماسبهمش، كنت بحميكم، ورحمة بنتي.
رفع مصطفى عينيه نحوها، ثم وقف دفعة واحدة، كأن جسده لم يعد يحتمل ثقل الصدمة، أنفاسه كانت تتلاحق، يده متشنجة بجانبه، وعيناه يملؤهما الغضب والضياع معًا، مشاعر متضاربة تسابق الوقت في داخله، لا يعرف أيها يسبق.
قال بنبرة غاضبة، لكنها هادئة على نحو غريب، كأنها آتية من أعماق الألم: تحمينا من إيه يا ماسة؟ ولا أقولك يا حور؟ أنا أنا مش قادر أصدقك، ولا قادر ماصدقكيش، ولا قادر أكرهك، ولا حتى قادر أسامحك، ولا حتى عارف أغضب منك زي
مالمفروض أعمل، بس إللي متأكد منه، أنا متضايق أنا سألتك كتير، وقلتلك قولي لو مخبية حاجة وقلتيلي لأ..
توقف لحظة، وحول نظره إلى ملامحها يتأملها بضجر وإنكسار، يبحث عن الصدق في عينيها، رغم أن جزءًا منه لا يريد أن يجده.
ثم تساءل بغضب: كام مرة سألتك؟ كام مرة؟ وإنتي قلتي لأ؟ ردي.
توقفت ماسة، واقتربت من منه خطوة واحدة، وعيناها ما تزالان غارقتين في دمعٍ لم يجد له طريقًا للتوقف.
صوتها خرج مترددًا، يجر خلفه أنفاسًا متقطعة، كأنها تبحث عن مخرج أخير من دوامة الخذلان التي غرقت فيها:
كنت بحميك، معرفتك للحقيقة ماكنتش هاتغير حاجة؟!
لكن صوت مصطفى جاءها كصفعة: إزاي يعني؟! إنتِ خبيتي خبيتي كل حاجة يا حور، أقصد يا ماسة، ده مافيش حاجة حكيتيها كانت صح، وأنا وثقت فيكي! أنا اتحديتهم علشانك! صدقتك، بس إنتي خبيتي، وإنتي عارفة كويس إنك بتعملي ايه؟! إنتِ هتخليني بعد كدة مصدقش حد تاني، ولا أثق في حد تاني!
أنهارت ماسة تمامًا، ودموعها لم تعد تخفى، ولا صوتها يخرج كما يجب: أنا أسفة.
لكن مصطفى هزّ رأسه برفض، وعيناه لا تطاوعان قلبه على الصفح: مش قادر أقبل أسفك.
نظرت إليه بعينين فارغتين من الأمل، ممتلئتين بالخذلان، ثم خفضت بصرها إلى الأرض، فما من كلمات تستطيع أن تقولها الآن.
كانت تقف أمامه كطفلة مذنبة لا تملك غير الخجل، تفتش في الأرض عن غفران لن يأتي.
لكنه لم يسكت، رد على صمتها بنبرة من قلب مخذول، نصفها غضب، ونصفها ضياع: أول مرة أبقى مش عارف آخد قرار، جوايا صوتين بيتخانقوا، قصتك توجع القلب وتكسره، بس أنا غضبان إنك خبيتي، مهما كان مبررك كان لازم تقولي لي
مسح جبينه ثم مسح وجهه بحيرة نظر لها بضجر: أنا تايه، والله العظيم أنا تايه أسامحك ولا اخدك من إيديكي وأرميكي برة مش عارف المفروض أعمل إيه؟!
وفي لحظة، أنشق صمت الغرفة بصوت محمد، الذي أنفجر: تايه إيه؟! وتسامح مين؟! إنتوا بتتكلموا جد؟ دي خطر علينا!
وجه نظراته إلى ماسة بحدة، وإنفعال ممزوج بتهكم:
وإنتي ياهانم يا إللي عاملة نفسك غلبانة والدنيا جاية عليكي؟! إزاي تبقي عارفة إن فيه خطورة بالشكل ده على ناس حافظت على حياتك، وتسكتي؟! إزاي تستني اكتر من شهرين ونص؟! وإنتي عارفة إنك بتعرضي حياتهم للخطر؟!
رفعت ماسة وجهها بصوت متكسر، وكأن الكلمات تكسر في حلقها قبل أن تخرج: كنت عايزة أمشي، وحاولت كتير ومصطفى هو إللي منعني.
رفع محمد حاجبيه بسخرية: يا سلام؟! ولو إنتِ أصلًا زي ما بتقولي، حد كويس، ماكنتيش قبلتي تؤذي الناس إللي وقفوا معاكي! علشان إنتي عارفة كويس إن جوزك ممكن يعمل فيهم إيه؟!
هزت ماسة رأسها بإنكسار، وكأنها تسلم نفسها للحقيقة التي لا مهرب منها.
نبرة صوتها كانت ضعيفة، مجروحة، تنبع من روح تعبت من الاختباء، ولم تعد تملك سوى الصدق:عندك حق، بس أنا كنت فاكرة إن بكذبي هحميكم وبعدين، والله، فكرت أمشي، بس كنت هروح فين؟ ماكانش ليا مكان ولا حد ولا ضهر، كنت خايفة، إنت ماتعرفش الأسبوع إللي قضيته في الشارع، حصلي فيه إيه...
توقفت لحظة، حاولت السيطرة على دموعها، ثم أكملت بقَسم خرج من أعماقها، صوتها يرتجف لكنه ثابت: بس أقسم بربي العزة أنا أفديهم بحياتي، مستحيل أقبل إن حاجة تمسهم.
ثم ألتفتت إليهم، بعينين امتلأتا بالصدق، وبنبرة وعدٍ نقي لا رجعة فيه: ماتخافوش، والله محدش هايأذيكم، حتى لو ثمن ده حياتي.
لكن محمد أنفجر من جديد، بصوت غاضب، لا يحمل في طياته سوى الخوف والخذلان: وإحنا مالنا؟! هو ده ذنبنا؟ نضمن منين إن جوزك مايأذناش؟ كفاية بقى!
ثم ألتفت إلى إيهاب، وهو يصرخ بانفعال: ما تقول حاجة يا إيهاب؟! قاعد ساكت ليه؟
لكن إيهاب، كان مختلفًا عن الجميع لم يتكلم، فقط كان يستمع، بصمت عيناه شاردتان، وقلبه في مكان آخر عقله حاضر، لكن روحه منهارة.
هو لم يكن يسامح في الكذب، وكان أول من أعترض على وجودها، ثم صدقها، ثم صار صديقًا لها مقرباً، والآن يشعر أنها خدعته، لكنها في نفس الوقت، قصتها لمست شيئًا عميقًا في قلبه، شيء لم يستطع تجاهله.
جلس مكانه، لا يعرف ماذا يفعل، ولا ما يجب أن يقوله فقط، ظل صامتًا.
عندما وجد محمد إيهاب صامتا، نظر لنبيلة قال بإستهجان: جرى إيه يا خالتي؟ مش هاتقولي حاجة؟ ولا إنتِ كمان هاتبقي زي مصطفى، وعندك استعداد تسامحيها؟
ضربت نبيلة كفها على كفها، وخرج صوتها متهدجًا من فرط الحزن والشفقة:يا ابني أقول إيه بس؟ والله ما عارفة؟! دي مسكينة يا محمد، ماسمعتش كانت بتقول إيه؟ كانت عايشة مع عالم مؤذي ميعرفوش ربنا، واتبهدلت أنا أكتر واحدة حاسة بيها.
لكن محمد لم يهدأ، زفر بغضب، ثم نظر إلى ماسة بتهكم واضح، ونبرة قاسية: لا ماتجننونيش إوعي تفتكري إني هخليكي تشتغلي على ضعفهم، وتستغلي التشتت والتذبذب إللي عندهم ده، أو قلبهم الأبيض أكتر من كده!
نظرت إليه ماسة، وضاقت عينيها بإعتراض، كانت على وشك الانفجار، لكنها كتمت نصف الغضب، وتركته يخرج على هيئة حزم مختلط بالخذلان: مين قالك إن أنا هقعد تاني؟ أنا همشي مش هاتشوفوا وشي تاني، وأنا عمري ماستغليت حبهم أو ضعفهم أنا اتشعبط فيه زي الغريق علشان أنا ماقابلتش حد زيهم في حياتي، لازم تصدقني اني عملت كده غصب عني علشان أحميهم وأحميك معاهم.
ثم تابعت، ودموعها تسبق كلماتها، وقلبها يتهشم مع كل حرف:
مش كل الكذب يا أستاذ محمد بيكون كذب علشان الكذب نفسه، ساعات بيكون حِماية، أنا طول الفترة إللي قضيتها معاكم، كنت بتعامل بشخصية ماسة، ماسة إللي تاهت مني، ماسة البريئه اللي مكنتش تعرف ان الصندوق الصغير اللي فيه ناس بتتحرك اسمه تلفزيون ولا الجبل إللي نازل منه ميه شلال اللي بتصدق كل حاجة واي حاجة، حتى لما عملت نفسي مش بعرف أقرأ، كنت بتمنى أرجع زي زمان، وقت ما سليم عرفني قولت اسرق لحظات من زمان بس ماعرفتش، علشان كدة اتعلمت بسرعة يا إيهاب..
صمتت للحظة تابعت بحزن:
أنا عارفة إن ليكم حق ماتصدقونيش، وتلوموني، وتشوفوني وحشة بس أنا ماقصدتش والله، أنا ضحية، ضحية ناس استغلوا خوفي على أهلي، ناس قاسية، أنا ماخترتش الطريق ده، ولا اخترت أكون بالشكل ده، ولا أكون كذابة، بس كنت مضطرة أنا كنت مشتاقة لماسة البنت البسيطة إللي من الأرياف بس حتى دى ماعرفتش أرجعها..
نظرت بعدها إلى مصطفى، واقتربت منه بخطوات واهنة، بعينين ممتلئتين بالحزن والامتنان: مصطفى، انا بشكرك على كل حاجة عملتها معاياأنا آسفة، من قلبي إني خذلتك وهزيت ثقتك، مش هقولك حط نفسك مكاني، أنا بس مش عايزاك تتغير، خليك زي ما أنت بقلبك الأبيض، وأفهم وصدق إن أحيانًا الكذب بيكون نجاة، مش للطرف إللي بيكذب، للي حوالين منه وده إللي عملته.
صمتت لحظة، أخذت نفسًا عميقًا، ثم أكملت: كل إللي بطلبه منكم، إنكم تتعاملوا مع سليم بحذر مش علشاني،علشانكم.
قالت كلماتها الأخيرة بخجل، وعينها مكسورة تمامًا، لا تملك حتى أن ترفعها في وجوههم صوتها خرج هامسًا، مرتجفًا:
أنا بس بطلب، تسيبوني أبات هنا النهاردة أنا والله بكرة همشي مش هتشوفوا وشي تاني، ولو قدرتوا تسامحوني سامحوني.
وهبطت دموعها بكثرة، وجع حقيقي، لم يكن فيه شيءٌ مصطنع أرادت أن تتحرك، أن تبتعد، أن تهرب من المكان وكل من فيه.
لكن مصطفى، في لحظة صادمة، مد يده فجأة وأمسكها من معصمها، كأنه ينقذها من هاوية لا قرار لها.
مصطفي بمنع ونبرة رجولية مبحوحة: أستني، أقفي هنا ما تمشيش.
قبل أن تلتقط أنفاسها، تدخل محمد بسرعة، بنبرة ضيق ورفض قاطع: هتستنى ليه؟ سيبها تغور في أي داهية!
لكن نبيلة رفعت يدها كأنها تهدئ عاصفة، ونظرت إلى محمد بنظرة هادئة، فيها مزيج من الحكمة والانكسار: يا محمد، يا ابني، أصبر هي هتروح فين دلوقتي الدنيا ليل؟ وبعدين أنا مصدقاها، إنت ماسمعتش أهل جوزها عاملين إزاي؟ دول شياطين، والشياطين أحن منهم!
محمد صرخ بهم، ووجهه يتلوّن بالغضب: ايه إللي إنتوا بتقولوه ده؟! هو إنتم أصلا مصدقين التخاريف بتاعتها دي؟!
لكن مصطفى بادره، محاولًا تهدئته، وكأنه يقاتل داخله أيضًا: أيوة أنا مصدقها أنا تعاملت مع سليم كتير ماكانش طبيعي فعلًا إنسان غريب، شفت كان بيكلمنا إزاي لما كنا في المستشفى؟
محمد زفر بحدة، وضرب بكفه على صدره بضجر: حتى لو هي بتقول الصح، وإحنا مالنا؟! يا إيهاب، اتكلم بقى قبل مايحصللي حاجة هتفضل ساكت؟!
وهنا الجميع ألتفت إلى إيهاب لكنه ظل صامتًا لثوانٍ ثقيلة.
عينيه جامدتين، لكن روحه كانت تتحرك بعنف في داخله.
ثم توقف ببطء، دون كلمة، وسار نحو الشرفة فتح بابها بهدوء، ووقف هناك، يحدق في البعيد الليل كان ساكنًا، والهواء باردًا، لكنه لم يتحرك، لم يقل شيئًا فقط صمت.
مسح محمد جبينه بكف غاضب، ناظرًا إليهم جميعًا وكأنه يشعر بجنون: لا بجد كلكم اتجننتوا؟ هي عملتلكم سحر؟!
رد عليه مصطفى بنبرة ثابتة، فيها هدوء مر: لا إحنا عندنا قلب، مش زيك.
محمد صرخ ساخرًا: وفين العقل بقى؟!
مصطفى رفع حاجبه، ورد بنفس الثبات: موجود.
لكن محمد لم يقتنع، ضرب الأرض بكعب قدمه وقال بحدة: لااا مش موجود البِت دي بتكذب، ومش تمام وأنا مش مصدق كلامها، وحاسس إنها بتألف زي كل مرة، إحنا لازم نسمع من جوزها، أصلاً واحدة بتكذب بالطريقة دي لازم جوزها يأدبها! واحدة كدابه بتهرب بتتكلم بأسلوب زفت إللي عمله معاها ده حاجة بسيطة، أقسم بالله شكلها هتطلع شمال.
نظرت له ماسة، بعينٍ امتلأت بالوجع، لكن صوتها خرج هادئًا، حازمًا: لو سمحت، خد بالك من كلامك
محمد ضحك بسخرية، وأقترب منها خطوة، وقال بوقاحة: ولو ماخدتش؟ هتعملي إيه يعني؟ هتجيبي سليم يموتني.
نظرت له بعين حادة لكنها لم ترد، تقدم مصطفى بسرعة، ووقف بينه وبينها، ثم صرخ بإنفعالٍ مكتوم: خلاص بقى! فعلاً، حاسب على كلامك واأعقل!
عائشة بشدة توقفت جانبه: محمد مالك إيه الأسلوب إللي إنت بتتكلم بيه ده عيب مايصحش كدة.
محمد بإنفعال: ما إنتم هاتجننوني.
ماسة ببراءة بصوت خافت، تحاول التماسك رغم رعشة صوتها: يا جماعة، اهدوا ماتتخانقوش بسببى، أنا همشي خلاص يا محمد أنا فاهمة إنك خايف عليهم عندك حق، بالله عليكم كفاية ماتتخانقوش بسببى، أنا مش هينفع أقعد هنت، مش هاينفع أأذيكم زي ماقلت لكم من الصبح، إن شاء الله أكون مشيت مش هتشفوني تاني
نظر لها مصطفى وقال، بنبرة حاسمة: مش هتمشي يا ماسة.
ماسة برفض: لا همشي.
مصطفى بحسم ببحة رجولية: قولت مش هتمشي ماتعصبنيش..
صمت للحظة حاول أن يستعيد هدوءه: بص دلوقتي هتطلعي شقتك فوق، أنا مش قادر أفكر، ولا حتى أدي قرار دلوقتي، أكيد أنا مش طيب أوي علشان أسامحك على طول، ولا أنا عديم الإحساس عشان أسيبك تمشي بعد ماعرفت كل ده بس، أنا محتاج أفكر، محتاج أهدى علشان اخد قرار صح
ماسة بحزن، وهي تمسك طرف الجلباب: بس يا مصطفى...
قاطعتها نبيلة بلطف، وهي تربت على كتفها بحنان: أطلعي يابنتي وارتاحي، تبات نار تصبح رماد خليها على الله، ليها رب يدبرها، أرمي حمولك على ربك، وماتخافيش وإحنا مش هنشوف غير إللي ربنا كاتبه لنا، فعلا خلينا نهدى عشان لا نظلمك ولا تظلمينا.
ماسة برجاء: بالله عليكم سبوني أمشي.
عائشة بهدوء: أسمعي الكلام بقى.
هزت ماسة رأسها موافقة، وقالت بصوت منخفض: حاضر، وشكرًا من قلبي إنكم سمعتوني، وصدقتوني عن إذنكم.
تحركت نحو الباب، وخرجت بهدوء، بينما كان محمد واقفًا، ملامحه متصلبة: أنا بجد مش مصدقكم!
عائشة بصوت غاضب وهي تشير له: تعرف تسكت شوية؟ إنت ماعندكش إحساس، ولا ريحة الدم، والله!
محمد بإستهزاء: إنتوا إللي ياريت تبطلوا عبط وطيبة!
مصطفى بصوت حاد: محمد! بقولك إيه؟! أهدى كده
إنت مش مبطل كلام! من الصبح وأنا جبت إخري منك.
محمد بتحدي: أنا إللي مش مصدقك إنك أصلًا عايز تسامحها.
مصطفى متعجباً: ما أسامحهاش ليه؟ كذبها ما أذناش في حاجة بالعكس، هي إللي اتأذت، عاشت مع إنسان مجنون، الراجل المفروض يكون أمان كان هو الخوف بعينه، أنا أكتر واحد حاسس بيها، عارف ليه؟ علشان أنا كمان، عشت مع واحد زي ده، أبويا، كان مصدر الرعب والخوف لينا طول عمرنا، بدل مايكون مصدر الأمان، بعدين المشكلة مش في سليم في أهله هما سبب كل المصايب.
نبيلة بتأييد: بالظبط، وبعدين هي ماكانتش تقصد تكذب علينا وأنا مصدقاها من قلبي، ودايما كنت حاسة إن فيها حاجة مستخبية، البت مالهاش حد حرام نخلا بيها.
محمد، وهو يشد في شعره من العصبية: لاااا! أنا همشي قبل ماتجنن، إنتوا مش طبيعيين، إزاي تفكروا كدة؟! إزاي تهدوا بالشكل ده؟!
نظر لمصطفى، وقال بحدة: لازم تحط في دماغك حاجة يا أستاذ مصطفى يادكتور، البنت دي لو كلامها صح، يبقى إنت بتحط رجلك في النار، إنت وأهلك إللي إنت مخبيها عنه لو عرف هيقتلكم كلكم هيقتل أمك، وأخواتك أنا لو منك؟ كنت سلّمتها لسليم وماليش دعوة، فوق يابنى دى وراها ناس شغالة في مافيا.
جز مصطفى على أسنانه قال وهو يتك على الكلمة باستهجان: محمد أمشي بجد عشان أنا مش قادر أستحمل كلامك، أنا مش ندل ولا واطي علشان أسلمها بعد ما ادتنى الأمان ووثقت فيا، وفي نفس الوقت أكيد خايف على أهلي بس أنا عمري ما هبقى خاين، والبنت دي ربنا حطها في طريقي علشان عارف إني هقدر أساعدها.
زفر محمد بعصبية: أنا همشي قبل ماتجنن منكم.
وبالفعل، خرج وأغلق الباب خلفه بعنف.
اقتربت نبيلة من مصطفى، وقالت بهدوء:زإنت عملت الصح سيبك من محمد هو خايف علينا ومش حاببها من وقت ماجت.
نظر إليها مصطفى، وصوته متردد: تفتكري؟ ولا أنا إللي غبي وساذج؟
نبيلة هزت رأسها بأسى: لااا، دي ست في ضيقة دي تقطع القلب، حرام هي تمد إيدها وتطلب النجاة وإحنا نخذلها، حرام بلاش نعمل فيها إللى أتعمل فيا، أنا بقولك أنا مطمنلها ومصدقاها قلبي مصدقها.
عائشة أضافت بصراحة: بصراحة، إللي عملته كان صح، أنا مش شايفة إنها كذبت، هي من أول ماجت، وهي بتشتكي من جوزها، وإنه كان بيضربها، وكان شخص مؤذي، إحنا بس مادخلناش معاها في تفاصيل مافرقتش ظابط من رجل أعمال، سليم من إسماعيل حور من ماسة.
مصطفى، وكأن داخله سؤال لم يجاب بعد: بس هي خبت، خبت حاجات خطيرة
عائشة: هو إنت ماسمعتش كانوا بيعملوا فيها إيه؟ وماخفي، أعظم! دى محتاجة علاج نفسي.
نبيلة تنهدت وقالت بصوت دافئ بحكمة: بص يا مصطفى، إحنا دلوقتي يا حبيبي كلنا مش عارفين ناخد قرار، أنا متعاطفة معاها أختك متعاطفة معاها وإنت متلخبط وأخوك على قد ما هو زعلان، على قد ما هو كمان متضايق مش عارف ياخد قرار يمكن بكرة، لما ننام ونرتاح ونصلي ربك يسهلها وينور بصيرتنا بصح، لازم نفكر صح ونوصل لقرار إحنا مش عايزين نظلمها، ولا نظلم نفسنا نفكر بقلب، مش بس بعقل وربك كريم وعالم بالصح هو إللى يسهلنا الطريق.
صمت مصطفى للحظات بتفكير ثم هز راسه بإيجاب بصمت تابعت نبيلة: كلنا نصلي استخارة ونشوف وإللي عايزه ربنا هايكون.
مصطفى تمتم: بإذن الله أنا هروح أتكلم مع إيهاب.
نبيلة منعته بهدوء: لا، سيبه بكره كلنا هنتكلم روح إنت نام وأرتاح.
وبالفعل أتجه كل منهم إلى غرفته، لكن لم يكن هناك نوم.
جميعهم كانوا يفكرون يفكرون في الحقيقة، وفي تلك القصة الصعبة بين المغفرة، وعدم المغفرة.
على إتجاه آخر منزل ماسة.
صعدت ماسة إلى شقتها، وحزن ثقيل يملأ قلبها، وألم ينبض في رأسها، لا تدري أهو من التوتر، أم من الذكريات التي هاجمتها دفعة واحدة، كل ماروته منذ قليل كان صعبًا، كأنها أعادت فتح جرح لم يندمل، واستخرجت منه كل مانزفته روحها بصمت.
تذكرت كل شيء الأشياء الجميلة التي تمنت أن تبقى، والأشياء المؤلمة التي تمنت أن تمحى، كانت تلك اللحظة هي الأصعب، أن تقف أمامهم وتحكي، أن تشرح، أن تبرر، وهي تدرك أن نظراتهم لن تعود كما كانت.
رغم كل شيء، رغم وجع الكلمات واتهامات محمد، شعرت بالراحة. أخيرًا، قالت كل شيء، نعم، كانت حزينة لأنها كذبت عليهم، لأنهم رأوها بذلك الشكل الكاذبة، الخادعة، التي وضعتهم كما قال محمد، في دائرة الخطر لكنها، كانت تحميهم، أقسمت لنفسها أنها كانت تحميهم.
دخلت الغرفة بخطوات واهنة، وكأن كل مابداخلها خائر جلست على طرف السرير، ثم انسابت ببطء حتى استقرت كجسد هارب من معركة مدت يدها نحو الهاتف، كانت أصابعها ترتجف، لا تدري أهو خوف أم حنين كتبت: "سليم الراوي"، وبحثت.
ظهرت صورته، تجمدت عيناها أمام الشاشة نظرت إلى ملامحه، تلك التي تحفظها عن ظهر قلب، لكن اليوم، رأتها بطريقة مختلفة، بداخلها سؤال يصرخ، لم يسمعه أحد فقط، همست بصوت حزين، يائس، مكسور: يمكن بكرة نتقابل تاني، يمكن خلاص، أنتهى كل شيء، بس أنا مستحيل أقبل أكون سبب في دمار الناس دي، والله العظيم ماكنت أقصد أكذب عليهم كل الحكاية إني كنت بحميهم منك.
سكتت للحظة، وشعرت بالفراغ ينهشها من الداخل، كأنها أصبحت نسخة منه تبتسمت تمتمت: تخيل أنا كمان بقيت بعمل زيك بقول نص الحقيقة، وبخبي الباقي لإني صدقت وآمنت إن مش كل الحقيقة ينفع تتقال؟!أوقات الحقيقة بتضر، وبتكسر، وأنا كنت بحميهم، زَي ما إنت كنت بتحميني. أنا دلوقتي بستخدم قوانينك، وبمشي بأفكارك، وأنا مش واخدة بالي، وإنت، للأسف، كنت صح.
انزلقت دموعها على خديها دون استئذان، نامت على جانبها وهي ممسكة بالهاتف، ما زالت صورته تملأ الشاشة همست من جديد، بصوت خافت:تفتكر يا سليم لو كنت قولتلي الحقيقة؟ الحقيقة إللي خبيتها علشان تحميني؟ تفتكر كنا وصلنا لنفس النتيجة؟!
مدت وجهها بعدم معرفة بنبرة متألم بدموع: معرفش!!! بس على الأقل كنت هبقى عارفة آها إنت حميتني، بس من الناحية التانية، أنا كنت بتأذي؟! لو قولت، مكنش اهلك عملوا فيا كدة، اها متاكده أنك توبت، بس مشكلتي في اللي عملته فيا، كلمة منك واحده، "أنك استحال تاذي اهلي" كانت نهت كل شيء، كان زماني في حضنك في سويسرا دلوقت، الله يسامحك..
سكتت قليلًا، ثم أكملت: شكل بكرة لينا لقاء أو بعده، أو إللي بعده! على قد ما أنا موجوعة، وحزينة علشان الناس دي زعلانة مني، على قد ما أنا مبسوطة، إني أخيرًا قلت الحقيقة أنا كنت حزينة وأنا بكذب، وأنا مخبية عليهم كل حاجة بس الحمد لله، أخيرًا، الهم إنشال من على قلبي.
أغلقت الهاتف، أطفأت الشاشة، ثم أغمضت عينيها ونامت
لأول مرة، منذ أن هربت، نامت نومًا عميقًا، هادئًا، خاليًا من الخوف. لأول مرة.
على إتجاه آخر
لم يستطع مصطفى أن ينام تلك الليلة، كان يتقلب في فراشه، كأن قلبه أثقل من أن يستقر، وكأن أفكاره تطارده في ظلمة الغرفة دون رحمة، كلما أغمض عينيه، تراءت له صورتها، وجهها المبلل بالدموع، صوتها المرتعش، وصدقها الذي جاء متأخرًا
عاد بذاكرته إلى تلك الليلة الأولى، حين أوقفته فجأة وسط الطريق، تلطخ جسدها بالدم، ويدها ترتجف وهي تضرب على نافذة السيارة، تتوسل إليه أن ينقذها، لم يكن يعرف من تكون، لكن عينيها المذعورتين كانت كفيلة بأن تخرس أي سؤال.
تذكر كيف كانت تبتسم له صباحًا رغم انكسارها، كيف تخفي وجعها خلف كلمات بسيطة، كيف بدت قوية وهي في قمة الضعف. واليوم فقط فهم، كانت تكذب لتنجو كانت تخفي لتعيش.
تنهد ببطء، ونظر إلى السقف بعينين ممتلئتين بالتساؤل والخذلان: هي أخطأت، نعم لكنه، ورغم كل شيء لم يكن متأكدًا إن كان يريد مسامحتها، أم أن يراها من جديد.
ظل الصباح ينساب من خلف الستائر، وماسة غارقة في نومٍ عميق، كأن جسدها سدد ما عليه من دين للأرق.
كانت نبيلة تصعد بين حين لاخر لتطمئن عليها، فإذا بها ممددة في سكون تام، فتكتفي بأن تسدل الغطاء على كتفيها وتعود أدراجها.
أما إيهاب، فظل عاجزًا عن اتخاذ موقف واضح؛ الغضب من كذبها يغلب عليه، لكن إحساس الخذلان أشد مايوذيه، فهو يكره أن يمنح ثقته ثمّ يخذل، خرج يتمشى على الشاطئ وحده، غارقًا في أفكاره، لا يكلّم أحدًا.
استيقظ مصطفى في موعده المعتاد، أرتدى ملابسه على عجل وهو يتهيأ للخروج إلى عمله.
جلس في الصالة يحتسي كوب الشاي ويتناول ساندويتش، حين فتح الباب ودخلت نبيلة.
قال وهو يرفع عينيه بإستغراب: صباح الخير يا ماما، كنتِ فين على الصبح كده؟
أجابته بهدوء وهي تخلع حجابها وتضعه على الكرسي: كنت فوق عند ماسة نايمة زي الطفل إللي بقاله سنين مادقش طعم النوم قلت أطمن عليها كده بعد إللي حصل امبارح. أكيد تعبانة، بس الحمد لله نايمة،هي سايبالي المفتاح عشان أطلع أبصّ عليها كل شوية، لأنها بتخاف ياحبة عيني، فهمت دلوقتي، هي بتخاف ليه؟! من إللي حصل لها.
أشار لها مصطفى أن تجلس بجواره: ماتيجي أقعدي كده جنبي، عايز أكلمك.
جلست نبيلة ووضعت المفتاح على الطاولة: خير يا حبيبي؟
نظر إليها قليلًا ثم قال: هو إنتِ، عندك استعداد تسامحي؟ يعني تتعاملي معاها كأن مافيش حاجة حصلت؟
سكتت نبيلة لثوانٍ، ثم تنهدت وقالت بطيبة: بصراحة أنا من إمبارح واخدة قراري، أنا مش زعلانة منها، ومش عارفة أزعل، يمكن لو حد تاني يسمعني يقول دي ست مجنونة، بس الحكايه إللي قالتها، والمعاملة إللي شافتها من أهل جوزها، وإللي شافته وهي صغيرة، ولما أخيرًا الدنيا ضحكت لها وقعت في عصابة بهدلتها، وحبها إللي ضاع، بنت ماشافتش لا طبطبة ولا حنية، فأنا مصدقاها.
ثم تابعت بحكمة: يمكن ماقالتش كل حاجة، بس مش مهم، سيبك من حتة إنها خايفة علينا، بس بالعقل يا مصطفى، شايف القصة دي ينفع تتحكي لناس ماتعرفهاش؟ أكيد لأ، أنا لو مكانها هقول جوزي بيضربني وخلاص، ومش هكمل، في يابني قصص تتحكي، وفي قصص لأ، وكفاية إنها شافت أبوها بعنيها بيتخبط بعربية، والتهديدات إللي نازلة عليها.
هز مصطفى رأسه وتنهد وهو ينظر أمامه: أنا كمان فكرت وصليت، ولما صحيت لقيت نفسي مش زعلان منها بالعكس، حاسس إنها صعبت عليا أكتر بس قلت أكلمك، يمكن عشان من الأول متعاطف معاها، والعاطفة غلبت العقل.
نبيلة وهي تقبض يديها بعقلانية: والله يا ابني، أنا شايفة نديها فرصة، بس لازم نقعد معاها ونتأكد إنها ماخبتش حاجة بس إللي مقلقني، جوزها لو عرف إنك مخبيها، وإنت عارفه وبتقابله خايفة يعمل فيك حاجة، عشان كدة مترددة.
ابتسم مصطفى ابتسامة باهتة: قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا، وبعدين أنا متأكد إنه مش هيعمل حاجة لما يعرف إننا أكرمناها، ومش هينفع تفضل مستخبية كده، لازم نلاقي حل، هو قالي إنه مسافر لفترة.
نبيلة بهدوء: خلاص، نشوف بقى عائشة وإيهاب.
مصطفى زم شفتيه: إيهاب مش في أوضته كلمته، قالّي بيتمشى على البحر شكله لسه بيفكر.
نبيلة بابتسامة خفيفة: وعائشة امبارح اتكلمت معايا ماعرفتش تنام، وقعدت تقول لي: أمي، أنا مسامحاها. خلاص والله دي بنت طيبة وغلبانة،
ابتسم مصطفى: يعني خلاص؟ متأكدة؟ ولا نفكر تاني؟
نبيلة بثقة ورضا: سيبها على الله وقلبي بيقول إننا نعدي، زي ماقلتاك يا ابني، قصتها صعبة، وهي ماكدبتش، قالت إنها متجوزة. وبعدين، هنتكلم معاها النهاردة ونشوف إنت هاتيجي إمتى؟
رد وهو ينهض من مكانه: يعني على المغرب.
نبيلة بحنان الأم: خلاص، يلا روح شغلك، ماتتأخرش ربنا يسهل لك، ويكتبلك الخير، ويبعد عنك كل شر.
مصطفى وهو يهم بالخروج:يا رب يا أمي
ثم إنحنى ووضع قبلة على أعلى رأسها، وتحرك خارجًا.
جلست نبيلة في مكانها لثوانٍ، ثم نظرت نحو السماء، ورفعت كفيها بالدعاء: يا رب لو ماسة فيها شر، أبعدها عننا، ولو فيها خير، قربها لينا.
منزل ماسة الرابعة مساءً
استفاقت ماسة بتعب، نهضت مصممة على الرحيل لكي لا تؤذيهم لكنها، ما إن فتحت باب الغرفة، حتى فوجئت بنبيلة جالسة في الشرفة، تتأمل البحر بهدوء.
انتفضت من المفاجأة، وضرب قلبها بقوة.
ابتسمت نبيلة في هدوء وهي تلتفت إليها برقة:حقك عليا يا بنتي، شكلي خوفتك.
مسحت ماسة وجهها وغمغمت بصوت ناعس: صباح الخير.
نبيلة، بإبتسامة دافئة، ردت ممازحة: قولي مساء الخير روحي أغسلي وشك وتعالي نقعد شوية، أعملك الشاي زي مابتحبي.
هزت ماسة راسها بإيجاب بابتسامة ناعمة ودخلت الحمام تغسل وجهها، والرهبة تملأ قلبها، كانت تعرف أن المواجهة قادمة، وأن الموقف لم يمر مرور الكرام.
وعندما عادت، كانت نبيلة تعد الشاي على السبرتاية، والهواء الرطب يداعب الشرفة.
جلست ماسة أمامها، وأخذت رشفة بخجل، كأنها تبحث عن دفء يهدئها: تسلم إيدك اتفضلي، أنا سامعاكي.
سألتها نبيلة بشفقة، وعيناها تتفرسان في وجهها المتعب: تعرفي إحنا كلنا مانمناش إمبارح.
ماسة بإبتسامة مليئة بالحزن: أنا بقي أول مرة أنام ارتحت لإني قولت كل حاجة أوعي تكوني فاكراني كنت مبسوطة أو مش فارق معايا إني كذبت والله كنت بموت واتألم بس مش عارفة أعمل إيه؟!
نبيلة تساءلت بهدوء: قوليلي يا ماسة، إحنا هبل علشان سامحناكي؟ ولا طيبين فوق اللزوم؟
ماسة نظرت لها بدهشة، صوتها خرج متلعثمًا: هو إنتو سامحتوني؟
ابتسمت نبيلة بهدوء وهي تهز رأسها، وصوتها مليء بالسكينة: أنا عن نفسي سامحتك، من أول ما شفتك وأنا حاسة إن جواكي وجع كبير، بس إنتِ غلطانة.
ماسة رفعت حاجبيها بإستغراب، وعيناها تبرقان بالحيرة: غلطانة في إيه؟
اعتدلت نبيلة في جلستها، وتحدثت بنبرة أم فيها من العقل بقدر مافيها من وجع: سنة كاملة ساكتة! ليه ماقولتيش لجوزك إن أهلك بيأذوني وبيهددوني؟
تنهدت ماسة، ونظرت إلى الأرض، ثم رفعت عينيها بعينين مهمومتين: هو كمان هددني.
نبيلة وضعت يدها على كتفها، ونظرت لها بحنانٍ مشوب بالحكمة: بصي يا بنتي، الرجالة غير الستات، إحنا ممكن نسامح على الخيانة، بس لو جه وأعتذر وطلب فرصة تانية بنعديها، لكن لو الست هي إللي عملتها، الراجل مستحيل يسامح، هو ربنا خلقه كدة، وإنتِ اتغيرتي معاه فترة كبيرة وهربتي منه مرتين، ودايمًا كان حاسس إنك مش عايزاه، والراجل لو حس إن مراته مش عايزاه، أو بتديله حقوقه وهي مكروهة، بتيجي على كرامته، آه فيه رجاله مابيهمهاش، بس فيه رجاله ولاد حلال زي جوزك كده، بيفرق معاه،وهو أستنى سنة عارفة؟ في الحفلة إنتِ طلعتيه لسابع سما، وفجأة مسكتيه من رقبته ونزلتيه الأرض، هو ده إللي حسه لما راح معاكي، إنتِ ماعرفتيش تسايسيه، وهو كمان سلم ودنه لشيطانه يومها، ويومها كان ممكن كل حاجة تتغير لو كان سمعك، بس أنا متقصدش غلطانة في اليوم ده،أنا أقصد طول السنة يا بنتي، كان ممكن تقوليله، بس إنتِ عاندتيه.
ماسة بإنفعال، تدافع عن نفسها وعينيها تلتمعان: على أساس يعني إنه كان ملاك؟ما هو كمان كان بيعاندني!
نبيلة أومأت برأسها، وتنهدت بنبرة صادقة:
هو بيعاندك، وإنتِ كنتي بتعاندي، والعناد لو دخل بين الراجل والست بيخرب الدنيا، بس إنتِ برده كان ممكن تليني دماغك شوية، ماينفعش الست تعاند، رجلها غلط كبير، وبتخرب البيوت الراجل مايتعندش يتسايس..
بعقلانية ودهاء تابعت: كان فيها إيه لو قولتله إنت كمان بتهددني بأهلي زي أهلك وقتها هيقولك إزاي؟؟ تقوليلوا هات أهلي وهفهمك والله كان جبهم بس العند قفل دماغك..
هزت راسها بإعتراض وضيق أضافت: إنتي أمك مشكلتها كانت حامية عليكي، ماكانش بتفهمك كده بالهدوء وبالحكمة كانت بتزعق وبتضربك، والله إنتي لو كنتي بنتي كنت خليت سليم ده شوفي بيحبك قد ايه؟! كنت هخليكي تخليه يحبك أكتر وأكتر، والفترة إللي كلها مشاكل دي وتخويف، هعرف إزاي أخليكي تكسبيه، بس إنتي أمك كانت صعبة، بس حرام تعليمها والحياة إللي عاشتها وقاسيتها خليتها كده ماتزعليش منها.
تبسمت ماسة بحزن وهي تهز راسها: أنا عمري مازعلت منها، عشان أنا عارفة إن هي كانت بتعمل كده لإنها خايفة عليا بس بدماغها بقي للأسف زي ماحضرتك قولتى ماتعلمتش غير كدة.
تبسمت نبيلة معلقة: وإنتِ جوزك ده بعد كل إللي حكيتيه إمبارح، والله طيب وغلبان، وبيجي بالمسايسة، بس إنتِ ماعرفتيش تمشي على دماغه.
ماسة بمرارة، وعيناها تلمعان بدمعة مكبوتة: ويبقى أنا السبب؟ ماما نبيلة، أنا بقولك أنا اتهددت من أهله، وهو كمان هددني، والله العظيم، لو ماكانش هددني، كنت قلت، وفي الآخر، بعد كل إللي حضرتك سمعتيه امبارح، وعرفتيه، أنا إللي غلطانة؟
نبيلة بعقلانية، وهي تربت على يدها برفق: ماتشكريش بس، اسمعيني يابنتي، إنتوا الاتنين غلطانين، بس غلطك أكبر، لأنك كنتِ عارفة كل حاجة، وهو مايعرفش لو كنتِ اتكلمتِ بدري، كان يمكن كل ده خلص، إنما كله قدر ربنا بقى ويمكن ربنا مخبيلكوا حاجة في الآخر، يعني يمكن ربنا خلاكي تفضلي ساكتة كل ده، عشان تنكشف الحقيقة، ويعرف إللي أهله عملوه، والله يا بنتي إنتي مقطعة قلبي بس بفهمك إن جوزك كويس مش هو السبب في إللى حصلكم وإللي سمعته بيقول إنه بيحبك أوي وعمل علشانك كتير وإن أهله هما السبب في دماركم منهم لله توبته عشانك دي تغفرله.
صمتت للحظة، ثم مالت نحوها وهمست، عيناها تتفرسان في نظرتها متسائلة بقلق:إنتِ متأكدة إن توبته حقيقية؟
ماسة بثقة حزينة: أيوه، سمعته وهو بيتكلم مع مكي وقبلها أنا كنت متأكدة إنه بعد عن طريق الحرام.
نبيلة عقدت حاجبيها بشكّ خفيف: تفتكري بقى إن كل إللي قاله لك أخوه ده حقيقي؟
ماسة هزت رأسها بنفي وإرتباك: أنا مش مصدقة إن كل إللي قاله رشدي صح أنا أصلاً قلت له: انت كداب، وإن مستحيل سليم يتاجر في الأعضاء أو يبقى قواد يمكن سلاح، لكن الآثار دي متأكدة منها شفت التماثيل، والدهب والألماس تجارتهم.
نبيلة تسألت بهدوء: طب وإنتِ هتعملي إيه يا ماسة؟ هتفضلي هربانة على طول؟
نظرت ماسة لها بصمت، ضائعة، كأنها لم تحضر
نفسها لذلك السؤال: أكيد لا…
ثم تمتمت بصوت مخنوق، مبحوح بحيرة وهى ترفع كتفها: بصراحة ماعرفش.
نبيلة عدلت جلستها، ومالت قليلاً للأمام، نبرتها حازمة: لازم تعرفي.
ترددت ماسة، رفعت رمشها بتوتر، ثم سألت بصوت هامس مرتبك: هو إنتِ سامحتيني ليه؟
ابتسمت نبيلة ابتسامة صغيرة، بعينين فيها دموع لم تسقط، وقالت بصوت خافت:علشان صدقت، أنا جوزي كان بيبهدلني، وأهل جوزي كمان،آه طبعًا ماكانوش بيهددوني زي أهل جوزك،بس كانوا بيعملوا مشاكل كتير، وبيتبلوا عليا، وهو كان بيصدق، وكنت بتضرب عشت نفس خوفك وبهدلتك.
أطرقت ماسة رأسها، والحزن يرسم ظلًا ثقيلًا على ملامحها، نظرتها فقدت البريق.
تابعت نبيلة بهدوء حزين، وكأنها تروي من جرح قديم لم يطيب: يمكن الحلو في جوزك إنه كان دايمًا في صفك وعلشان كدة كانوا بيخافوا منه، يعني إللي فهمته من كلامك وإللي حكيتيه، إنهم كانوا بيهددوكي علشان سليم مايعرفش، وده بيأكد إنه كان راعبهم،زوعارفين إنه لو عرف إللي بيعملوه، هايبهدلهم وإنتِ قلتي إنه كان بيبهدلهم كتير عشانك وعلشان أهلك صدقينى يابنتى إللي بوظ حياتكم كده، أهل وجوزك.
رفعت ماسة عينيها، وقالت بصوت مهزوز،ممزوج بوجع متراكم: أنا عارفة إنهم السبب إن حياتي اتدمرت، بس هو ساعدهم، لما مشي على نفس الخط، على نفس المسار، في اللحظة إللي كنت محتاجة أمان، سرقوه مني وهددني زيهم.
شهقت شهقة صغيرة، وحاولت تتماسك، لكن صوتها أختنق: والله العظيم يا ماما نبيلة، أنا ماكنتش عايزة غير كلمة وعد، أنا مش هعمل لهم حاجة الخوف كان لجمنى مش عند زي ماحضرتك فهمتى والله خوف.
نزلت دموعها بغزارة وهي تتابع بإنهيار حقيقي: وآخر يوم لما ضربني، وحاول، يغتصبني، ماكنتش متوقعة إنه ممكن يعمل كده! أصلًا ماكنتش حاسة إنه سليم حاسة إنه بني آدم تاني!
إنهارت بالبكاء فجأة، ودفنت وجهها في كفيها، صوتها مخنوق بالنشيج: أصلاً مش عارفة ليه كل ده حصل! كنت بتمنى حياة بسيطة بس فجأة، كل حاجة اتهدت كأن مش من حقي أعيش وأفرح.
نبيلة مدت يدها، ومسحت على كتفها، وهمست بحنان موجع، ونظرتها كسيرة: طب لو وصلك واعتذر هاتديلو فرصة؟! هتسامحي
رفعت ماسة عينيها، نظرة حزينة، ودموع معلقة على خدها المرتجف: بعد إللى عمله لا، أنا عاوزة أتطلق وأمشي، إن شاء الله أرجع خدامة، بس أعيش بأمان، أنا وأهلي.
نبيلة شدت إيدها بلطف، صوتها خافت كأنها تقيس نبض قلبها بإيديها: بس إنتِ لسه بتحبيه.
نظرت لها ماسة لها بإستغراب، وقالت بصوت متردد، خائف من الجواب: أنا؟ أنا بكرهه.
ابتسمت نبيلةبثقه: لا إنتِ بتحبيه بس موجوعة.
سكتت لحظة، ثم تنحنحت بخفة، وأكملت وهي تنظر لها بجدية فيها صدق وأمومة: عموماً ده مش موضوعنا، بس أنا عايزة أسألك سؤال يا بنتي فيه حاجة تانية مخبياها؟
صمتت ماسة للحظة، ثم نظرت أمامها، وجدت كتاب قرآن بعيد على الطاولة، نهضت بخطوات هادئة وأجلبته، عادت وجلست أمام نبيلة، ومدت إيدها تقسم وهي تتنفس ببطء.
وضعت إيدها على المصحف، وبصوت فيه رجفة، قالت: وحياة كتاب القرآن وحياة المصحف ده، والله العظيم، ولا كلمة من إللي أنا قلتها امبارح كانت كدب، ولا فيه أي كلمة ناقصة، كل حاجة أنا حكيتها وعموماً، أنا مستعدة أرد على أي سؤال حضرتك عايزة تسأليه، ممكن أكون نسيت أقول حاجة غصب عني.
أومأت برأسها، نبيلة وقالت بعقلانية وحنان دافي: لا، فترة الأسئلة دي بقى لما نقعد كلنا مع بعض ساعتها نشوف، أنا مصدقاكي يا بنتي، ومطمنة ليكي، بس ما أعرفش ولادي هايعملوا معاكي إيه؟! أنا برضه بخاف على أولادي.
اضافت بتوتر خفيف، ونبرة قلقة: إللي فهمته إن جوزك، ممكن يؤذي أي حد يعرف مكانك، وماقالهوش؟خصوصًا مصطفى عارفه.
ماسة ردت بحزن، بعينين بترتعش فيها دمعة بتستأذن: علشان كده أنا بقولك:همشي
أشارت نبيلة بإيديها بسرعة، واهتزاز في صوتها: لا، أنا مش بقولك كده عشان أقولك أمشي، أنا بس بقولك، هنقعد نتكلم مع بعض، ونشوف هنعمل إيه؟! علشان لا تؤذي ولادي، ولا برضه نتخلى عنك في محنتك دي.
ماسة رفعت نظرها برجاء وقالت بصوت متعب، كأنها تلقي آخر أملها: أرجوكي يا هانم، أنا مش عايزة أكرم أكتر من كدة أنا همشي، بخيري قبل شري، وشكرًا على كل حاجة عملتوها معايا.
نبيلة قالت بابتسامة مكسورة، فيها حنية سيدة كبيرة قلبها يتحمل وجع الناس: أسمعي الكلام، وأهدي يلا، روحي كدة، أعملينا غدوة من إيديك الحلوة دي وبالليل يحلها الحلال.
ماسة نظرت لها، وبصوت مرتجف، ودموع بتغرق عينيها، قالت بصدق: أنا يمكن ماشفتش ناس كتير في حياتي، بس أنا متأكدة، مهما شفت، مهما قابلت، مستحيل أشوف زي كرم حضرتك، مش عارفة أقولك إيه بجد، شكرًا. وتأكدي، عمري ما هخذلك أبدًا.
نهضت ماسة، بنظرة امتنان حقيقي، مدت إيدها وقبلت يد نبيلة، ثم وضعت قبلة على رأسها، واحتضنتها بقوة بدموع، نبيلة ضمتها لصدرها، وسكتت، كأنها تحاول تطبطب على كسر لا تبان.
صمتت نبيلة، تقلب أفكارها، بينما جلست ماسة وأخذت رشفة أخرى من الشاي، تشعر بأن الشاي يهدئ ارتجاف قلبها، لكن القلق ما زال يربض في عينيها.
بعد قليل أعدت ماسة الغداء لها ولنبي̀لة، وجلستا تتناولانه في هدوء، لم يكن هناك ما يقال، فداخل ماسة كان القرار قد حسم؛ سترحل، لم يعد في قلبها رغبة للبقاء أكثر، فهي لا تريد أن تنجر إلى مشاكل جديدة، ولا أن تبدو في صورة سيئة، ولا أن تتكرر المواقف المزعجة كما حدث بالأمس كل ما كانت تخشاه أن تؤذى، وهذا وحده كان يكفي ليدفعها للابتعاد
باتت تشعر أن وجودها أصبح خطرًا فإن وصل سليم إليهم، وعلم أنهم كانوا على دراية بالأمر وتغاضوا، فقد يؤذيهم.
نزلت نبيلة إلى شقتها كي تصلي المغرب، استعدادًا للتجمع بعد حضور الأولاد.
نبيلة وهي على الباب: أنا هنزل بقى أصلي المغرب، يكون إيهاب جه خلاص، أنا كلمتهم جايين، نقعد بقى ونتكلم مع بعض ونشوف هيحصل إيه؟!
ماسة بتردد:ما بلاش
نبيلة ألتفتت لها بحزم حنون: أسمعي الكلام، يلا روحي صلي إنتِ كمان وإنزلي
أومأت ماسة برأسها، لكنها كانت قد أنتهت من التفكير، وأخذت القرار دخلت الغرفة، جمعت ملابسها في حقيبة ظهر صغيرة، فلم تكن تملك الكثير فتحت الدرج، وأخذت الخاتم، وضعته في الحقيبة أكثر ما دفعها لاتخاذ قرارها بالمغادرة كان ما سمعته من إيهاب وهي خلف باب الشقة.
كان إيهاب جالسًا في الصالة مع نبيلة وعائشة.
إيهاب بغضب: أعملوا إللي عايزين تعملوه، أنا مالي؟!
نبيلة بهدوء: يعني إيه إنت مالك؟ هو إنت مش واحد عايش معانا هنا؟ يا ابني استهدى بالله.
أجاب إيهاب بنبرة حاسمة وهو يحاول التماسك: أنا هادي يا أمي، إنتوا واخدين قراركم وسامحتوها، وهاتتعاملوا معاها تاني؟ خلاص بقى فارق معاكوا في إيه يعني قبولي من رفضي؟! هل مثلا لو قلت لكم لا هيتغير قراركم.
عائشة بعقلانية: مش دي القصة يا إيهاب بس هي فعلًا ضحية.
زفر إيهاب بضيق، ثم تمتم: برضو أنا مالي.
نبيلة بتهكم هادئ: يعني إيه إنت مالك؟ إنت مش فرد في البيت ده؟
تبسم إيهاب بإستهجان، ورد بنبرة ساخرة: فرد؟ آه... بس مش مهم، إنتوا عايزين تتعاملوا معاها براحتكم، إنما أنا حر بقى في إللي هعمله.
نبيلة برجاء: طب ممكن تستنى بس لما ييجي مصطفى ونطلع ونتكلم معاها شوية؟
إيهاب بحدة وهو يلوح بيده متهكم: تتكلموا في إيه؟ ما هي قالت كل حاجة إمبارح، عايزين تعرفوا أكتر من كده إيه؟ وبعدين أنا مش عايز أقعد معاها ولا عايز أعرف حاجة تاني عنها، خلاص بقى.
في تلك اللحظة، كانت ماسة واقفة خلف باب الشقة، تستمع لكل كلمة، كأنهم يوجهون حديثهم إليها مباشرة، فالصوت كان عاليًا بما يكفي.
نزلت دمعة من عينها، وحسمت قرارها، وبدأت تنزل على السلم، تستعد لجولتها التي لا تعرف إلى أين ستأخذها، لكنها فقط أرادت الرحيل.
وحين كانت تخرج من باب العمارة، صادفت مصطفى أمامها.
توقف مصطفى فجأة، وحدق بها بإستغراب: رايحة فين؟
ماسة بحزن: همشي
مصطفى تبسم قال بمزح محبب: هتهربي تاني يا سنووايت الهاربة؟
ماسة تعقد حاجبيها بهدوء: ليه بتسميه هروب؟
تبسم مصطفى: أمال هانسميه إيه؟! وإنتِ ناوية تمشي من غير ما تقوليلنا؟ ولا حتى تودعينا وبالطريقى دي؟! يبقى أسمه هروب وإنتي واخدة على الهروب، مش بقول لك إنتي سنو وايت الهاربة
تنهدت ماسة ونظرت له بحزن: لازم أهرب لإني عارفة إنكم هاتسمحوني
مصطفي متعجباً قال وهو بضيق عينه: مين قالك كده؟ أنا قلتلك، أنا لسة ما أخدتش قرار، ماما وعائشة، أنا معرفش موقفهم، ولا حتى إيهاب، لإن إيهاب من إمبارح ساكت.
نظرت له ماسة بهدوء: أنا اتكلمت مع ماما نبيلة، وهي مسامحاني، بس مستنية تكلمكم، وحتى لو سامحتوني، أنا مش هقبل ده، يا مصطفى، أفهم، إنت ماتعرفش سليم.
مصطفى تبسم بهدوء: لا، أنا عرفته كويس أوي كمان، يمكن أكتر ما إنتي عرفتيه.
ماسة رفعت حاجبها بإستنكار: يا سلام؟
مصطفى بتأكيد: آه والله.
ماسة، بتنهيدة ورجاء: ممكن تسيبني أمشي بالله عليك، أنا مش عايزة أعملكم مشاكل.
مصطفى: طب هاتروحي فين؟
نظرت ماسة للأمام بتعب: معرفش هاتدبر،
نظرت له بعينيها بإبتسامة أمل: يوم ما قابلتك، ماكنتش عارفة حاجة، بس ربنا حطك في طريقي، مش إنت بس، أبرار بنت الشيخ صالح، وهم إللي وصلوني لعم ماهر، وقعدت عنده، وأهتم بيا، بعدها القدر جمعني بيك تاني، فأنا عندي أمل طالما ربنا حط في طريقي ناس كويسة إن شاء الله هقابل ناس كويسة
مصطفى، مازحًا: المرة الجاية هتسمي نفسك إيه؟
ثم تابع، وقد غير نبرته إلى الجد: بس مش لازم تقابلي نفس الناس تاني، ممكن تقابلي زي رشدي، أو صافيناز، أنا مش بخوفك، بس ده الواقع، آه، فيه ناس كويسة، بس للأسف الوحشين أكتر.
ماسة، بحزم وهي تشد نفسها:والله لو حصل هكلم سليم من غير لحظة تردد، هي ناقصة؟
مصطفى، مبتسمًا: طب تعالي بقى، أسمعي الكلام، ماتعصبنيش.
ماسة، بتوسل خافت: مصطفى، بلاش، وحياتي!
مصطفى برجاء: وحياتي أنا، يا شيخة يلا،
ثم شدها من يدها، وصعدت معه في هدوء.
وبالفعل، صعدت ماسة إلى شقة مصطفى فتح مصطفى الباب، وكانت نبيلة وعائشة تجلسان في الصالة.
دخل مصطفى أولًا، بينما وقفت ماسة مترددة عند الباب ألتفت إليها وقال لها بهدوء:يا بنتي، أدخلي
دخلت ماسة بهدوء نظرت إليها عائشة وسألتها:
مالك؟ فيه إيه؟
مصطفى: مافيش، جبتها من على السلم، كانت هتهرب تاني
ماسة بمزاح: إنت علقت؟
مصطفى: آه، علقت
ثم نظر من حوله كأنه يبحث عن شيء، وسأل:
فين إيهاب؟
نبيلة: جوه، مش عايز ييجي، بيقول أنا مالي.
مصطفى بإستنكار: يعني إيه هو ماله؟ أنا هادخله.
قاطعته ماسة برجاء: يا مصطفى، خلاص بقى، بالله عليك يا جماعة، أنا مش عايزة أعمل لكم مشاكل.
عائشة تدخلت بهدوء: مشاكل إيه يا بنتي؟ مافيش أي مشاكل أقعدي بس.
تحرك مصطفى بهدوء نحو الغرفة؛ فتح الباب فوجد إيهاب واقفًا عند النافذة، يمسك بسيجارة، وقد بدا عليه الضيق، وما إن شعر بوجود مصطفى حتى ألقى السيجارة أرضًا وسحقها بقدمه احترامًا، ثم ألتفت إليه.
إيهاب بصوت خافت: لو إنت جاي تتكلم معايا في موضوع حور أو ماسة من فضلك بلاش.
اقترب منه مصطفى بهدوء: ممكن أعرف ليه؟
نظر إيهاب إليه بعين ثابتة، لكن داخله كان يغلي:
علشان أنا مش عايز أتكلم، ولا عارف آخد قرار، ولا حتى أقول رأيي.
تطلع إليه مصطفى مباشرة: لو إنت عايزها تمشي، قولي بس فهمني.
نظر إيهاب بعيدًا، ثم قال بصوت مبحوح، وكأنه يهرب من مواجهة قلبه: مش عايزها تمشي، ولا عايز أتكلم معاها، ولا عارف أتصرف، مش عايز أكون موجود في الموضوع أصلًا.
تنهد مصطفى: مش عايزها تمشي؟ عشان ماتشلش ذنبها؟ عشان لو طلع إللي بتحكيه صح، وإنت عارف إنه صح، ضميرك يفضل يأنبك؟ وفي نفس الوقت مش قابل اعتذارها، ومش قادر تسامح إنها فضلت كل الفترة دي مخبية علينا حقائق كتير.
سكت لحظة، ثم تابع، كأنما يسترجع ذكرى مؤلمة: عارف لما قالتلي إمبارح إن أوقات الواحد بيكدب علشان يحمي الناس إللي بيحبهم، أفتكرت قصة حد.
رفع عينيه نحو إيهاب كأنه يسترجع مشهدًا محفورًا في ذهنه:
كنت أعرف واحد، مراته كان عندها مرض خطير وماكنتش تعرف، هو عرف قبلها، والدكتور قاله حالتها صعبة؛ ممكن تموت في أي لحظة، ولو عرفت هاتنهار أسرع، ففضل شهور يكدب عليها يقولها تحاليلك كويسة، ويضحكها، ويمشيها أماكن بتحبها لحد ماماتت ولما ماتت، الناس كلها قالت إنه خدعها، بس أنا كنت عارف إنه كان بيحبها بجد، وكان بيكدب علشان يحميها من الحقيقة إللي كانت هتموتها قبل المرض نفسه.
نظر إلى إيهاب بعين حزينة: فاهم قصدي؟ ماسة يمكن كدبت، بس مش علشان تخدعنا ولا علشان تأذي حد؛! عشان تحمينا، أو بتستنى اللحظة الصح تقول فيها الحقيقة، هي غلطت، بس مش كل غلطة معناها إننا نعدم إللي غلط، خصوصا إن كذبتها مش مؤذية لينا، هي قالت إن هي ست متجوزة وهي فعلا ست متجوزة،إسماعيل طلع سليم بس هما الأثنين أسوء من بعض بالعكس قصة حقيقية أسوأ بكتير.
أطرق إيهاب برأسه ثم قال: بص يا مصطفى، أنا مش زيك أنا مش متسامح زيك، ولا قادر أسامحها، أنا زيك شايف إنها ممكن تكون مظلومة، عندها حق، قصتها صعبة مشاعر الخوف إللي عاشتها في الفترة الاخيره وإن هي انخدعت في أكثر ناس كانت بتحبهم، جوزها اللي عاشت معاه أجبرها تختار السلوك ده، بس برضه مش قادر أتعامل مع الوضع كأنه عادي، متفاهم كذبها بس مش قادر أنسي ولا أعدي، عمومًا، أنا مش هقولك مشيها، ولا هقولك ماتتعاملش معاها، لكن أنا حر في قبولي أو رفضي للتعامل معاها؛ أنا مقدرش أفرض عليكم رأيي.
مصطفى بهدوء: أهم حاجة بس يا إيهاب إنك ماتكونش متضايق من وجودها.
إيهاب دون تردد: أنا ولا متضايق ولا مش متضايق، مش فارق معايا، بس ماتجبرنيش أتعامل معاها بعد النهاردة.
هز مصطفى رأسه موافقًا؛ لم يشأ أن يضغط عليه أكثر، إذ كان يعلم أن ما جرح إيهاب حقًا لم يكن ماحدث، بل الكذب ذاته، لا الحقائق التي كشفت لاحقًا.
خرج مصطفى إلى الصالة،وقف لحظة يتأمل الجميع ثم قال بهدوء: إيهاب مش عايز ييجي خلينا نتكلم إحنا مع بعض.
ماسة بتوتر: سبوني أمشي أنا مش عايزة أكون سبب إن إيهاب يكون متضايق علشان خاطري يا مصطفى علشان خاطري يا ماما.
مصطفى بهدوء: إيهاب ذات نفسه ماعندوش مشكلة خالص بوجودك، هو بس زعلان عشان الحاجات إللي إنتي خبيتيها شوية وهايفك دي طريقة إيهاب يلا بقى خلينا نقعد عشان نتكلم مع بعض شوية.
جلس وأشار بيديه أن تجلس
رفعت ماسة عينيها ببطء، وجهها شاحب، وصوتها ضعيف جلست: هو إنتوا بتعملوا كده ليه؟
ابتسم مصطفى بخفة: يا ستي إحنا طيبين شويتين زيادة عايزين نثبتلك، ونثبت لسليم الراوي وأعوانه وعيلة الشياطين إللي كنتِ عايشة معاهم، إن لسة فيه ناس طيبة بتدي بدل الفرصة ألف فرصة، بس أنا أتمنى تكون أي أكاذيب أو حاجة تانية مخبياها خلصت.
نظرت ماسة للأرض بصوت خافت: أنا قلت كل حاجة ممكن أقولها، لو عايز تسألني عن حاجة، أتفضل، هاجاوبك.
تدخلت عائشة بسرعة، وقد بدا الفضول في عينيها:
فيه سؤال هيجنني.
رفعت ماسة نظرها: اسألي.
عائشة بتوتر: هم ليه عملوا كل ده في الوقت ده بالذات؟ مش غريبة أستنو ٩سنين كاملين؟!
تنهدت ماسة وهي تحاول لملمة أفكارها: رشدي قال إن سليم بقى يستوحش أكتر من الأول، وأي مشروع بيجيبوه هو وصافيناز بيرفضه، وبعدين أنا قلت هما فضلوا أول فترة في جوازي لما نزلت مصر يتعاملوا معايا وحش بالذات فايزه هانم، بس سليم كان شادد عليهم وبعدين أنا رحت فيلتى ما كنتش بروح القصر خالص إلا كل فين وفين أنا مارجعتش القصر غير بعد الحادثة.
مرر مصطفى يده على ذقنه بتفكير: أنا مش داخل دماغي الكلام ده، إنه بس علشان خاطر سليم بقى خطر عليهم وبيرفض مشاريعهم عملوا كدة !!
عائشة بتعجب: أمال ليه؟!
مصطفي بدهاء: اختاروا الوقت ده لإنهم عارفين إن سليم، على حسب كلام ماسة، مش متوازن نفسيًا وكنتي بتقولي إنه كان عصبي معاكي؟
هزت ماسة رأسها بإيجاب: ماكانش عصبي بالشكل المبالغ فيه، بس كان بيهدد.
سألت نبيلة بحنو وهي تميل بجسدها قليلًا نحو ماسة: هو عمره نفذ تهديد منهم؟
أجابت ماسة بصوت خافت: صراحة؟ لأ وأنا من جوايا كنت متأكدة إنه مستحيل يعمل كدة..
نظرت أمامها بحزن وهي تقول بخذلان: ما بداأتش أصدق وآمن غير بعد ما فعلا هددني بأهلي وضرب أخويا بالرصاص، يعني بعد ماهربت.
نبيلة بهدوء مستنكرة: لا يا ماسة إنت غلطتي يا بنتي أنا فهمتك مافيش راجل في الدنيا دي يقبل على نفسه إن مراته تهرب منه، مش مرة وبعدين يا حبيبتي هو مش فاهم هو على عماه، وبعدين هو الفترة دي كان كويس معاكي زي مابتقولي، كذا مرة قال لك تعالي نمشي تعالي نسافر، وإنتي كنت متغيرة علشان تهديدات أخواته، فلما تهربي منه أكيد هتأثر في نفسيته، كمان بصراحة أنا مش مصدقة إن ممكن يعملها، يعني حاسة إنه هو كان بيهوشك بس، لكن يوم ما يحصل بقى الحاجة هاتلاقي كله كلام وده في الهوا.
صمتت للحظة وقالت بهدوء: طب هساألك هو عمل حاجة في أهلك لما روحتي زورتيهم قالوا لك إن هو يعني عمل أي حاجة من إللي كان بيقول لك عليها؟!
هزت ماسة راسها بلا: لا زي ماقلت لحضرتك دول حتى مايعرفوش حاجة ودي حاجة أنا كنت مستغرباها جدا.
نبيلة بهدوء مستنكرة: شفتي بقى ده بيأكد لك إنه ماكانش هيعمل حاجة وإنه كان بيهدد على الفاضي إنتي بس إللي عيشتي نفسك في وهم.
مصطفى بنبرة حازمة بإعتراض: بس مافيش راجل محترم يهدد مراته، الرجولة مش بالتهديد كان ممكن ياخد أي رد فعل غير إللي عمله أي راجل عاقل كان طلق مراته وسابها بدل ما هي مش عايزاني مهما كنت بحبها لكن هو ماكانش طبيعي.
هزت نبيلة رأسها ببطء: عندك حق يا أبني هو غلط، بس برضه مش قادرة ألومه.
أضافت عائشة: ولا أنا كفاية حبه ليها.
مصطفى بعقلانية: الحب وحده مش كفاية لنجاح العلاقة الزوجية يا عائشة لازم تفهمي ده، فيه حاجات تانية مهمة، مش معنى كدة إني مغلط سليم لوحده!؟ فيه حاجات إنتي غلطتي فيها يا ماسة، مايقبلهاش أي راجل على كرامته، إنتوا الاتنين مشتركين في الغلط، بس يمكن إنتي عندك مبررات،
بس طبعا هو لإنه ما كانش فاهم أسبابك، ردود أفعاله في بعض الأحيان كانت صعبة، لكنها طبيعية مع شخصيته وتركيبته النفسية وتربيته فاحاجة متوقعة.
مصطفى فجأة: الفيديوهات إللي رشدي ورهام ليكي معاكي؟
هزت رأسها بسرعة: لأ طبعًا.
مصطفى: تفتكري إن كل الفيديوهات دي حقيقية؟!
مدت ماسة شفتيها السفلية بعدم المعرفة:ماعرفش بس زي ماقلت لماما الصبح أنا مش مصدقة إن هو قواد او تجار أعضاء.
أقترب مصطفى أكثر،: طب سليم ماهددكيش بتنفيذ؟ كل إللي قلتيه كان من رشدي؟ ليه قلتي إن إسماعيل هو إللي عمل كده؟ إللي هو سليم يعني؟!
ماسة وهي تتنهد: كنت بحاول أكسب استعطافكم. فزورت شوية حقايق، ماتسألنيش ليه؟! والله ما كنت عارفة بعمل ليه كده؟! بس لما كنت بقعد مع نفسي أقول لنفسي: إزاي ناس فتحوا لك قلبهم وتكوني معاهم كذابة بالشكل ده؟ بس كنت مضطرة أقول إني هربانة من جوزي، وكان لازم أزود حاجات عشان تصدقوا لإني ماكانش ينفع أقول لكم الحقيقة، إللي رشدي قالهالي..
وضعت يدها على صدرها بزهول وعيون دامعة بصدق: أقسم بجلال الله أنا لحد دلوقتي معرفش أنا قلتها إزاي مش قادرة أقول لكم أنا مرعوبة إزاي؟! وخايفة عليكم من رشدي وصافيناز والهانم أكتر من سليم، يمكن سليم يعمل لي أعتبار شوية لإنه بيحبني بس هما استحالة.
نبيلة بدهشة: طب إشمعنى ضابط؟ يعني اشمعنى ماقلتيش مثلا مكي مش اسمه مكي برده صاحبه؟!
ضحكت ماسة ضحكة باهتة: يوم ما مصطفى لقاني، كان فيه ضابط قاعد قدامي، افتكرت إسماعيل، وأنا بكرهه، ففجأة قلت له إسماعيل وضابط أمن دولة، من المسلسلات عارفة إنهم صاعبين يعني لو مصطفى فتش وسأل على ظابط باسمه هيلاقي فعلا ما كنتش عايزة أجيب سيرة سليم لإن مجرد ما أذكر سليم الراوي أنا هتعرف.
مصطفى وهو يتأمل ملامحها: وإيه التهديدات إللي سليم قالها؟
أجابت دون تردد: ماكانش بيقول حاجات واضحة، يقول لي: هندمك، هوريكي، هعمل حاجات خيالك مايتصورهاش، وكان بيقول مش واثق هعمل إيه لو أهلي جم، وهدد إنه ينزلهم جثث من السما لو يعني كانوا سبب أن إحنا نبعد عن بعض، ولما ضرب أخويا بالنار، حتى لو بيهوش، وقتها أنا قلبي شال أوي وخفت وأصبح بالنسبه لي زيهم بالظبط.
قاطعها مصطفى: لما قابلتك، سليم إللي خنقك واغتصبك فعلا؟ ولا كنتي بتستعطفينا؟ يعني إيه حقيقة الليلة دي.
قالت بسرعة، كأنها تخشى أن يساء فهمها: مافيش حاجة من إللي قلتها كانت استعطاف، هو فعلًا خنقني بس ماغتصبنيش، قلت إنه حاول، ولما قلت له "ما تعملش كده، عشان إنت مش كده"، سابني،وطول جوازنا عمره ما أجبرني ويمكن دي أكتر حاجة كنت بحبها فيه، قصدي كنت، هو عمره ماخاني وعمره ماجبرني عليه.
مصطفى بهدوء: يعني سليم عمره ماهددك إنه يلفق قضايا لأخوكي أو لأبوكي الحاجات دي كلها كانت من أهله مش منه.
ماسة بتأكيد: أيوة وزي ماقلتلك هو لما كان بيهددني كانت تهديدات مبهمة بس أنا كنت بخاف طبعا.
رفعت نبيلة حاجبيها بقلق وضعت كفها على كتفها بحنوٍ لا يخلو من الخوف: إنتِ متأكدة يا بنتي؟ لو عرف إننا خبيناكي عندنا، هيأذينا؟
هزت ماسة رأسها ببطء، دون أن ترفع عينيها: من إللي عشته في آخر فترة، آه، بس سليم إللي أنا اتجوزته وحبيته، مستحيل يأذيكم، هيتضايق شوية، بس مش هيعمل لكم حاجة، عموماً يا جماعة، أنا قلت لكم خلوني أمشي وبلاش مخاطرة.
كان مصطفى يراقبها بصمت، عيناه مشدودتان، ونفسه ثقيل كأنه يقاوم شيئًا في داخله، مال بجسده للأمام قليلًا، ثم قال:
بصي يا ماسة قصتك صعبة وتمس القلب، الصعوبات إللي مريتي بيها في سن صغير حاجة مش سهلة، أنا ماعرفتش أغضب منك، يمكن لو كنتِ حكيتي لنا من الأول معرفش كنا هنعمل إيه بس أكيد ماكانش الوضع هيتغير كتير،أنا عن نفسي هصدقك وهسامحك وهعدي، بس دي آخر فرصة، لو فيه حاجة لسة مخبياها يا ريت تقوليها.
رفعت ماسة وجهها نحوه ببطء، وكأنها تلتقط أنفاسها من تحت الماء: أنا أقسمت الصبح لماما على القرآن، وأقسملك تاني، برب العرش العظيم، إن مافيش حاجة من إللي قلتها فيها كذب ولا خبيت نص الحقيقة، كل حاجة حكيتها ولو نسيت حاجة اسألني، وأنا هجاوبك.
قطعت عائشة الصمت بنبرة متحمسة، وهي تلتفت للكل وكأنها تسرد عليهم قائمة أدلة: هي فعلًا قالت كل حاجة: قالت اتجوزت سليم إزاي، وكانوا بيعاملوها إزاي، وإنهم كانوا بيهددوها، والكوابيس والهلاوس إللي جاتلها، وأبوها إللي اتضرب بالعربية والحادثة وبنتها
قاطعتها ماسة، وهمسها يأتي وكأنه زفرة وجع: وأختي كمان رشدي حاطط لها سم.
هزت عائشة رأسها بتذكر سريع: آه، أنا فاكرة إنك قلتي ده إمبارح، هم كانوا كل شوية،يهددوكي
مصطفى فجأها بالسؤال: مخلفة؟!
تبسمت ماسة بهدوء: دكتور إنت أذكى من إنك تسأل سؤال زي ده، أنا لو عندي طفل تفتكر كنت هسيبه وأهرب؟! أنا كنت أموت نفسي ولا أسيبه.
عائشة:هو إنتي بجد قعدتي سنة شهر عسل.
تبسمت ماسة على السؤال الغريب في توقيته: آه قعد سنة عسل وسافرت دول كتير.
عائشة بفضول: أبقي أحكيلي بقى التفاصيل إللي ماحاكيتيهاش أنا متأكدة إن فيه حاجات كثيرة ماحكيتهاش ده إنتي خدتي السنة دى في دقيقة واتغفلنا.
نبيلة بشدة: بطلي تفاهة.
عائشة: بفك الجو.
مصطفى تساءل: ليه قلتلنا إنك مابتعرفيش تقري وتكتبي رغم إنك تعرفي أكثر من لغة ودخلتي الجامعة.
ماسة بنظره فيها دمعة صادقة تنهدت: يعني كان نفسي زي ماقلتلك إمبارح أرجع زي ماسة بتاعة زمان أسرق لحظات منها بس فشلت.
نظر لها مصطفى هو يراقبها بنظرات مثقلة، قبل أن يطرح سؤاله فجأة: ماشكيتيش لحظة يا ماسة إنهم يكونوا ورا الحادثة؟ ناس في الجرم ده ممكن يكونوا هما السبب فيها؟!
اندهشت ماسة من السؤال ضيقت عيناها وهي تجاوب: سليم دور كتير وحتى دور وراهم ماوصلش لحاجة.
تمتمت عائشة بنبرة مريبة: هم أكيد المافيا إللي كان جوزك شغال معاهم قبل ما يتوب.
هزت ماسة راسها بإيجاب: سليم برضه قال لي كده
بس هو طبعًا ماكانش بيقول إنه شغال في حاجات غلط.
نبيلة، وضعت يدها على قلبها، وبدت عيناها دامعتين:
والله يا بنتي قلبي معاكي إنتِ اتحطيتي في الحياة دي غصب عنك، بس هرجع وأقولك تاني: إنتِ غلطانة، كان ممكن تقولي من الأول وتنهي كل ده، بس هم لعبوا على خوفك، وعرفوا يدخلولك منين، منهم لله حسبي الله ونعم الوكيل، فيه أم تعمل كده في ضناها؟ ايه يعني لما يتجوز واحدة مش من توبه، ما إنتي ما شاء الله عليكي أهو قمر وذكيةواتعلمتي، والله أنت لو مش متجوزة كنت أجوزك واحد من ولادي؟ أعوذ بالله، الحمد لله يا رب على نعمة التربية، هي دي تربية الناس الغنية.
ماسة: مافيش أي أسئلة تاني حابين تسالوها؟!
مصطفى: لحد دلوقتي أنا مش قادر أجمع أسئلة ماما، عائشة فيه حاجة؟!
هزت عائشة راسها بـلا أضاف مصطفى: لو فيه سؤال تاني هبقى اساألهلك وأتمنى منك الصراحة في الأجابة.
رفعت ماسة عينيها فيهم جميعًا بدهشة: يعني إنتوا بجد، هتقبلوا إني أعيش هنا؟ وتتعاملوا معايا زي زمان؟ عادي؟
ابتسمت عائشة، وأشارت بيدها: أيوة يا ستي، بس دي آخر فرصة ليكي، مش معايا أنا عبيطة وبسامح، لكن مصطفى؟ إنتِ دلوقتي وصلتي لليفل الوحش، المرة الجاية هتشوفي منه سليم الراوي على صغير، أخويا ده على قد ما هو طيب بس قلبته وحشه، أديكي شايفة ندى عاملة إزاي عمالة، تلف وراه زي النحلة الدايخة.
ضحكت ماسة، لأول مرة منذ زمن كانت ضحكة مرتعشة، يملأها الدمع: مصطفى قلبه طيب هو رفض إللي عملته ندى لكن سابها في حالها ماغصبهاش ولا حتى هددها صدقيني يا شوشو أكتر حاجة تكسر قلب زوجة إن زوجها يهددها.
سكتت لحظة، ثم تابعت بصدق وإمتنان: أنا بجد بشكركم من قلبي، أنا لو سليم وصللي في يوم من الأيام، هخده من إيده، وهوريه إن لسة فيه ناس طيبة، مش كل الناس وحوش.
لكن عينيها غامت قليلًا حين تمتمت بإسمه:بس إيهاب؟!
مصطفى بهدوء: مالكيش دعوة بيه دلوقتي، هو مابيقبلش فكرة إن حد يخبي أو يكذب، لكن أنا قلتلك زمان: أحيانًا بقبل لو فيه مبرر قوي...