
بقلم خديجه احمد
كانت خطواتها سريعة، والقلق سابقها وهي داخلة مكتب المقدم. وشّها كان مشدود، وصوتها اتكسرت فيه حاجات كتير وهي بتقول:
– "أنا مش عايزة أكون في فريق الحماية."
سيف رفع عينه ليها، ملامحه ما فيهاش تردد، وصوته كان ثابت كعادته:
– "ده مش اختيار، ده نظام. كل حد بيكون في المكان اللي يناسب كفاءته... وإنتِ من أشطر البنات اللي دخلوا الوحدة. المفروض تكوني فخورة إنك في فريق الحماية."
قلبها اتخبط من الكلام، قربت خطوتين وقالت بصوت فيه وجع مكتوم:
– "بس أنا مش مبسوطة... أنا كنت عايزة أدخل فريق العمليات الخارجية... علشان أقدر أدور على هاني."
سكتت ثانية، وبعدها كملت بصوت أهدى بس فيه رجفة:
– "إنت عارف هو ضحّى عشاني قد إيه... وعارف أنا بحبه قد إيه... أرجوك يا سيف، سيبني أروح أدور عليه."
بصّ لها سيف، وسكوت تقيل وقع بينهم. باصّ في الورق اللي قدامه كإنه بيهرب من نظرة عينيها، وقال بتردد:
– "فريق الحماية محتاجك..."
قاطعت جملته، صوتها كان حاسم ورافض الضعف:
– "وأخويا كمان محتاجني!"
فضل ساكت ثواني طويلة، وبعدها قال بصوت فيه حزن وقلة حيلة:
– "اللي تشوفيه يا هانيا... هحول ورقك لفريق العمليات الخارجية. وربنا يقدم اللي فيه الخير."
ابتسمت هانيا ابتسامة صغيرة فيها شكر وراحة، وعينيها دمعت من غير ما تدمع. أدّت له التحية، وخرَجت من المكتب وخطاويها أخفّ شوية...
لأول مرة من شهور، قلبها حس إن الطريق لهاني ممكن يكون قريب.
بعد ساعات، اتجمّع الكل في ساحة المجمع. الجو كان مشحون، والهدوء تقيل كإنه بيسمع دقات القلوب.
كل واحد واقف في مكانه، في الصف اللي اتعيّن فيه، كأن القدر حط كل جندي في موضعه... استعدادًا لبداية مش جديدة بس مصيرية.
هانيا كانت واقفة في صفها، ضهرها مفرود، ونفسها عميق، بس عينيها ماكنوش ساكنين.
بصّت على هند اللي كانت واقفة في الصف اللي جمبها، وبابتسامة خفيفة زي نسمة بتعدي، بعتتلها أمل صغير من غير كلام.
هند ردّت بابتسامة أهدى، فيها دفء وصداقة، كأنها بتقول "أنا معاكي، مهما حصل".
وبدأ كبار الجنود يتحرّكوا وسط الصفوف، يوزعوا الأسلحة والبدل على كل فريق.
الصناديق كانت بتتفتح، والخشب بيصرّ، والحديد بيبرق تحت الشمس اللي كانت لسه واقفة في نص السما.
أصوات التعليمات كانت هادية لكنها حاسمة، وكل واحد بيستلم سلاحه كأنها لحظة استلام قدره.
هانيا خدت بدلتها... لمست القماش ببطء، كأنها بتحسّ بثقل المسؤولية قبل ما تلبسها.
ما كانتش لابسة مجرد بدلة، دي كانت خطوة أولى في طريق يمكن يقرّبها من اللي بتحارب عشانه... هاني.
لونها كان رمادي غامق مائل للسواد، بس مش سواد قاتم، لأ... سواد فيه هيبة، سواد العسكري اللي اتعوّد يمشي في الظل علشان يحمي النور.
القماش خشن شوية، بس متين، باين عليه اتفصّل عشان يستحمل التعب، والرصاص، والسفر، والتخفي...
وفي الكتف كان فيه علامة صغيرة، شعار الوحدة مطرّز بخيط فضي لامع، باين وسط القماش كأنه بيقول: "أنتِ واحدة منّا دلوقتي".
البدلة فيها جيوب كتير، متوزعة بذكاء، علشان السلاح الصغير، أو الخريطة، أو حتى صورة قديمة محتفظة بيها من غير ما حد يعرف.
كمّينها مشدودين، وفيهم فتحات للدرع الواقي، والسوستة المعدنية في النص بتلمع تحت الشمس كأنها سيف صغير متخبي في قلب البدلة.
وهانيا، وهي لسه ماسكة البدلة، حسّت إن دي مش مجرد قطعة قماش... دي مسئولية.
هتلبسها مش بس علشان تحارب، لأ، علشان تكمّل الطريق اللي بدأه هاني... وتحاول توصله، أو على الأقل، توصّل لهدفه.
وقبل ما تبدأ تلبسها، بصّت للسماء لحظة، كأنها بتاخد نفس من ربنا، وقالت في سرّها:
"استناني يا هاني... أنا جاية."
هانيا لبست بدلتها، عينها مليانة حماس وثقة، وكأنها مستعدة تواجه الدنيا كلها.
سيف وقف على المنصة، واقف بثبات وصوته مليان جدية وقوة.
قال سيف:
"من دلوقتي، دي بداية إنقاذ مصر من الكائنات دي. من اللحظة دي هنخلص عليهم من غير رحمة، زي ما هم ما كانوش رحيمين مع أهلنا.
كل فريق ليه القائد بتاعه، هو اللي هيشرح لكم الخطة، ومحدش يقدر يعترض عليه، لأنه أذكى واحد وأحسن حد يخطط."
الكل وقف صامت، عيونهم مليانة عزيمة وإصرار، مستنيين اللحظة اللي يبدأوا فيها
وقف فارس المهدي، قائد فرقة العمليات الخارجية، قدام فريقه، نظر في عيون كل واحد فيهم وقال بهدوء وثقة:
"أنا فارس المهدي، قائد الفريق ده. هاعرض عليكم الخطة وبعدين لو حد عنده أي سؤال يسأله من غير تردد.
احنا هنخرج من البوابة، وهنمشي مسافات طويلة، عشان ما نقدرش نركب عربيات ولا أي حاجة، لأن ده هيعمل دوشة ومش بعيد الكائنات تهاجمنا.
معانا خمس ساعات نخلص فيها المهمة دي. المطلوب: نقتل 200 كائن. وطبعًا لو ما خلصناش في الوقت المحدد، هنبدأ نفقد نجوم من رصيدنا. النجوم دي اللي بتخلينا نقدر نطلع برا بوابة المجمع. خمس نجوم، ولو قلّت، مش بعيد يعزلونا ويجيبوا غيرنا.
عشان كده لازم كل واحد هنا يبذل أقصى ما عنده، عشان المهمة دي تنجح.
في حد عنده أي استفسار؟"
واحد من الفريق رفع إيده وسأل:
"طب لو حد مات في العملية؟"
فارس رد بحزم، ما فيش مكان للشك في صوته:
"ده قدرنا. كلنا رايحين المهمة دي وقلبنا في إيدينا. ما نعرفش هنرجع عايشين ولا لأ."
بيبدأوا ف العمليه كله متحمس وعنده أمل ف الحياه