
بقلم خديجه احمد
كان سيف غارق في دوامة أفكاره، جبينه معقود والقلق ظاهر في عينيه، كأن الحمل على كتفيه بيزيد يوم بعد يوم. صوت طرقات خفيفة على الباب قطع شروده، فاعتدل في جلسته وقال بنبرة هادئة تخفي اللي جواه:
– اتفضل.
دخل فارس بخطوات واثقة لكنها مثقلة بهموم واضحة، قعد أمامه وتنهد بعمق قبل ما يتكلم:
– كنت عايز أقولك حاجه يا سيادة المقدم.
ابتسم سيف ابتسامة دافئة، فيها لمحة من الصداقة وسط الجدية:
– بلاش الرسميات وإحنا لوحدنا… قول يا معلم، في إيه؟
فارس بعد بنظره قليلًا، كأنه بيخاف يصدمه بالكلام:
– الذخيرة اللي عندنا مبقتش كفاية… ومعندناش موارد كافية نصنع غيرها.
ارتجف قلب سيف للحظة، القلق اتسرب لملامحه:
– طب والاحتياطي اللي كان موجود؟
فارس بهدوء مُثقل:
– اتوزع كله ع الناس اللي انضمت جديد… ومبقاش فيه موارد كمان نصنع منها القنابل المزروعه من النوع الخاص والاكل برضه قرب ينفذ.
الصمت يلف الغرفة ثوانٍ طويلة، بعدها تنفس سيف ببطء كأنه بيكتم غضبه:
– تمام… هكلم القائد الأعلى وأشوف حل. المهم دلوقتي… وأنت بتدرب الناس، علّمهم إن الحرب مش رصاص بس… الحرب روح وصبر.
هز فارس رأسه بالموافقه، وقف يستأذن في الخروج، لكن صوت سيف وقفه قبل ما يفتح الباب:
– استنى… كنت عايز خدمه منك.
التفت فارس بتركيز، ملامح استغراب ممزوج بالترقب:
– تحت أمرك.
خفض سيف صوته كأنه خايف الجدران نفسها تسمع:
– أنا محتاجك تراقب هند.
ارتسمت الدهشة على وش فارس، قلبه اتقبض:
– هند؟! ليه؟
عيون سيف اتلونوا بشك قاتم، كأنهم مرايه لليل غامق:
– في تصرفات مش داخلة دماغي… ووجودها وسطنا مش مريحني.
اتردد فارس، صوته خرج أضعف من العادة:
– ولو طلع شكك غلط؟
قرب سيف بجسمه للأمام، صوته حاد لكنه مهزوز بوجع داخلي:
– لو طلع غلط… يبقى ظلمتها وأنا هتحمل. لكن لو صح… ساعتها هكون أنقذت الكل.
ساد صمت ثقيل للحظة، ثم اتنهد فارس ببطء، بعينه لمعة وفاء:
– اعتبر الموضوع خلصان.
ابتسم سيف ابتسامة مريرة، فيها امتنان ممزوج بقلق:
– عارف إني أقدر أعتمد عليك.
في المطبخ ريحة الأكل مالية المكان، بخار الطواجن طالع والجو دافي.
هند داخلة بابتسامة هادية:
– أساعدكوا في إيه؟
الطباخ رفع راسه وقال وهو بيهزر:
– ولا حاجة يا بنتي، خلاص قربنا نخلص.
هند بإصرار:
– لأ والله، لازم أساعد… أنا شاطرة في المطبخ، خدوا بالكوا مني.
الطباخ ضحك وهو بيهز راسه:
– طب ماشي… قطّعيلنا السلطة بس.
مسكت السكينة وبدأت تقطع الخضار واحدة ورا التانية. ملامحها باينه عادي، بس جواها دماغها شغالة بسرعة… كأنها مش بتقطع طماطم وخيار، دي بتقطع أفكار وبتخطط لحركة جاية من ورا الكل.
وفي الوقت ده، فارس كان بيتسلل بهدوء لجوة أوضتها. كل خطوة محسوبة، قلبه دق بسرعة وهو بيمسح المكان بعينه. بيدور في كل ركن، كل درج، لحد ما عينه وقعت على ورقة محطوطة على الترابيزة.
مد إيده ببطء عشان ياخدها… فجأة سمع صوت خطوات بتقرب. اتجمد مكانه لحظة، وبعدها بسرعة فتح ضرفة الدولاب ورمى نفسه جواه.
الباب اتفتح بعنف، ومالك دخل متضايق وصوته باين فيه الغيظ:
– راحت فين دي كمان؟!
بص حوالين الأوضة وهو متحفز، ثم خرج وهو بيتمتم بكلام غاضب، قافل الباب وراه.
فارس جوة الدولاب كان حابس أنفاسه، حاسس قلبه هيوقع من كتر الخبط. عينه معلقة ع الورقة اللي لسه مستنياه… ورقة شكلها بسيط، بس ممكن يكون جواها سر يغيّر كل حاجة.
بعد ما اتأكد فارس إن مفيش حد ف الأوضة، خرج من الدولاب بخطوات هادية، قلبه لسه بيدق بسرعة. لمس الورقة اللي قدامه، فتحها وشالها بين إيديه وهو حاسس إن قلبه اتجمد شوية.
الورقة كانت مليانة رسومات وخطوط، كأنها خطة محطوطة بعناية… مستنية اللي ينفذها. وأول ما قراه، وقع نظره على اسم واحد مكتوب واضح: سيف.
ابتلعت الفكرة روحه، حس بمزيج من الصدمة والفضول، إيده رجّت وهو بيطوي الورقة بحذر ويحطها في جيبه.
بص حواليه تاني، اتأكد إن الأوضة فاضية، وبخطوات هادية لكنه متوتر، خرج من الغرفة، وهو عارف إن اللي اكتشفه ممكن يقلب الدنيا كلها.
بس فجأه!
هند شافته وهو خارج من الأوضة، عينيها اتسعت شوية من المفاجأة. من غير ما تسيبه ياخد نفس، زقته جوه الأوضة تاني وقالت بصوت حاد:
– بتعمل إيه هنا؟
فارس بصوت فيه تهديد وهو بيقرب منها:
– لعبتك اتكشفت خلاص، يهند… إنتي اللي عملتي كل ده وهتتحاسبي.
ضحكت هند ضحكة قصيرة، مليانة سخرية وثقة بالنفس:
– معندكش دليل على أي حاجة.
فارس ضحك هو كمان، بس ضحكته كانت مرّة ومليانة سخرية:
– لأ… عندي.
طلع الورقة من جيبه، نظرها لعينيها، والسكينة اللي كانت مخبياها ف ضهرها مترقبه.
هند ببرود وكأنها مستعدة لكل حاجة:
– أمم… والله ماكنتش عايزة أدخلك في اللعبة دلوقتي كنت هستنى عليك شويه… أنا عارفة إن عندك عيال… بس ياه، خسارة… إنت اللي جنيت على نفسك يا فارس.
فارس اتلخبط، مش فاهم قصدها إيه، وقلقه ارتفع. مدتهوش فرصه يفكر… فجأة، حركت يدها بسرعة، السكين اتجهت لقلبه، والطعنة كانت حاسمة.....
بعد ما السكين دخلت قلبه، الدنيا ضلمت حواليه شويّة، لكنه حس كل حاجة… كل حركة، كل خفقة قلب. وقبل ما يسقط على الأرض، دماغه اتفتحت على كل اللي كان عايش عشانه.
فكر في مراته… ضحكتها، حضنها، كل لحظة كانت فيها جنبه.
فكر في ولاده التوأم، ضحكهم، لعبهم، صوته لما بيناديهم… قلبه اتوجع من الحب والحنين ليهم.
وفكر في صاحبه سيف ومالك… الرجاله اللي وقفوا جمبه في كل المخاطر، اللي عمرهم ما خذلوه.
وفكر في فريقه… كل واحد اتعلم منه، كل تدريب عمله بإيده، كل لحظة تعب فيها عشان يكونوا أقوى…
كل اللحظات دي عدت قدامه في ثواني قليلة، كأن حياته كلها بتتجمع في وميض. قلبه اتوقف، ونفسه الأخير خرج… والدنيا اتسكت حواليه، وهو واقف في نصها، بين الحياة والموت، بفكر في اللي بيترك وراه.
وقع فارس على الأرض، عينيه مفتوحة من الصدمة، والقلب اللي كان بيخبط من التوتر دلوقتي سكن إلى الأبد. هند وقفت قدامه، نظرتها هادية، وكأنها بتقرا النهاية اللي هي رسمتها بعناية… والهواء في الأوضة اتجمد من الصمت اللي بعد الموت.
وبسرعة قبل ما حد يلحق، قفلت هند الباب عليها بإحكام. قلبها كان بيخفق بس عينيها كانت باردة، عارفة إنها خلصت المهمة. شالت جثة فارس بكل هدوء وحطتها جوه الدولاب، كأنها تحط حاجة عادية وما فيهاش أي وزن.
بعدها دخلت على الحوض، حطت إيديها تحت المياه الجارية وبدأت تغسل السكين من الدم اللي على الشفرة. المياه كانت بتلمع وهي بتجرف الدم بعيد، وهند واقفة هناك… ضحكت. ضحكة طويلة، عالية، هستيرية. الضحكة كانت فيها سخرية، غضب، وفرحة مظلمة بنفس الوقت… كأنها استمتعت بكل لحظة من اللي حصل.
المرآة قدامها عكست عيونها اللامعة، مبتسمة بطريقة مرعبة… وكل صوت ، كل قطره مياه، وكل خفقان قلبها الداخلي، كان بيزيد الجو توتراً وغرابة.
عند سيف
سيف (بصوت متوتر، وهو بيتلفت حوالين المخزن الفارغ): إيوه، يفندم… الأكل عندنا قرب يخلص، ومعندناش موارد كافية حتى لصنع القنابل المزروعة. محتاجين إمدادات بسرعة.
القائد الأعلى (بهدوء صارم): متقلقش يا سيادة المقدم. إحنا أخدنا احتياطنا وبعتنا لدول برّه. هيبعتولكم كل اللي محتاجينه.
سيف (بتنهيدة، وحيره على وشه): بس… يفندم، أكيد هياخدوا شهور عشان يوصلوا…
القائد الأعلى (بصرامة): طبعا، ولغاية ما يوصلوا، لازم تصرفوا نفسكم، .
سيف (بيقفل التليفون، ووجهه مرسوم عليه علامات عدم الرضا والخوف): طب وإحنا هنا… هناكل كل الناس دي منين؟
اتجه سيف لهانيا دخل أوضتها وقلقه واضح على وشه وعينيه. وقف جمبها وقال بصوت هادي بس فيه وجع:
– معلش… أنا كنت مشغول عنك اليومين دول… بس غصب عني.
هانيا ابتسمت له بحزن، عيونها مليانة دموع خافتة:
– ولا يهمك…
سيف مد عينه ناحية العلبة اللي فيها صاب*ع هاني، ولحظات قليلة بس كل حاجة اتقالت بالنظرات. هانيا لاحظت نظرته بسرعة، وبصّت هي كمان للعُلبة. صوتها اهتز وهي بتقول:
– هي دي آخر حاجة متبقية منه…
سيف قرب منها وطيّب على وشها برقة، كأنه بيحاول يحمل عنها جزء من الألم:
– إنتي قدها يا هانيا… هتعدي كل ده وهتكوني أحسن من الأول… صدقيني.
هانيا بتتلمس الكلام، قلبها يهدأ شويّة وسط الحزن، وفي عينها لمعة أمل خافتة، كأن صوته هو البلسم اللي بيخفف وجعها في اللحظة دي.
هند رجعت للمطبخ، ماسكة السكين وبتقطع الخضار، بس دماغها كانت في مكان تاني خالص. حركتها قدام الطباخين طبيعية، ضحكتها على وشها، لكن جواها كان فيه صراع مش قادر تهديه.
وفجأة، دماغها رجعت لموقفها مع مالك قبل شويه
فلاش بااكك
مالك واقف قدام هند، عينه مليانة غضب وريبة:
– انتي ليه بتتصرفي كده؟ حاسس إن في حاجة بتجهزيها…
هند ضحكت ضحكة قصيرة، فيها سخرية وهدوء مصطنع:
– مالك… ما كل حاجة واضحة ليك، صح؟
نظرته اتحولت من شك لحدة:
– أنا عارف إنك السبب في موت هاني… وكل اللي عملتيه لحد دلوقتي كان لعبة كبيرة… بس دلوقتي حاسس إنك بتحاولي تعملِي حاجة جديدة، ومش هسيبك تعملِيها.
هند اتنهدت، وابتسامة هادئة اتكونت على وشها، وعيونها مليانة حذر:
– مالك… اللي فات فات… واللي جاي، خلي بالك… أنا اللي ماسكة الخيوط لو حسيت بأي خطر منك هخلص عليك.
صوت مالك اتقلّ، عينه ما زالت مركزة عليها:
– أنا عارفك كويس… ومش هسيب أي حاجة تعدي من غير ما أعرفها ومش هسيبك تقتليني زي م قتلتي هاني ي هند!.
هند ضحكت ضحكة صغيرة، وفي قلبها كان فيه مزيج من الذكاء والتخطيط، وهي عارفة إنها لسه ماسكة اللعبة في إيدها، ومستعدة لأي مواجهة.
ي ترى الدور ع مين؟