رواية القدر الفصل التاسع عشر 19 بقلم خديجه احمد

رواية القدر الفصل التاسع عشر 19
بقلم خديجه احمد



الهدوء اللي رجعوا بيه المجمع كان أهدى من الموت نفسه، كأن كل واحد شايل على كتافه جبل من الهمّ. هانيا قفلت أوضتها، مش عايزة تشوف حد ولا تسمع صوت، دموعها كانت بتجري من غير إذن، ووجعها كان أكبر من إنها تشرحه بكلام.

المكان غرفة شبه مظلمة، الإضاءة خافتة، والجو مشحون.
الأصوات خطوات مالك وهو داخل تقيلة كأنها تحدي.

مالك (بغضب مكتوم، صوته مهزوز من القهر):
إنتِ… إنتِ السبب في كل اللي حصل!
إنت اللي قتلتي هاني!

هند (ترفع راسها بتحدي، عينيها فيها بريق كره):
متجيش تلومني… هاني مات لأنه كان لازم يموت.
إنت فاكر إنكم أبطال؟ إنتو مجرد أوراق في لعبة أكبر منكم.

مالك (يتقدم خطوة، عروقه باينه من شدة الغضب):
لعبة إيه؟! ده كان أخوها.. كان آخر حاجة ليها في الدنيا!
إزاي قلبك استحمل؟!

هند (تضحك بسخرية مرة):
القلب؟ أنا قلبي مات من زمان… زي ما ماتت كل حاجة كنت بحبها.

مالك بغضب مكتوم، صوته بيتقطع بين الغضب والحزن:
— ليه تعملي كده؟ أنا كنت شايف فيكي شخصية طيبة، حنينة… أنا مصدوم مصدوم من اللي عملتيه.

هند، بعينين باردتين وبسخرية:
— ما اعترفتش عليا ليه.

مالك بسخرية حادة:
— عشان حبيتك.

هند، ضحكة قاسية تقطع الجو:
— عايز تقوللي إنك عملت كل دا لمجرد حبك؟ أنا حاولت أقتلك… فإنت دلوقتي عايز إيه مني بالظبط؟

مالك، يقف ثابت، عروقه باينة من شدة التوتر، صوته صارم:
— مش عارف التفكير المريض دا جبتيه منين، بس اللي عايز أقولهولك… إني مش هسمحلك تأذي حد تاني بسبب غلك وكرهك.

مالك مشي بخطوات سريعة، ملامحه متجهمة، والغضب باين في كل حركة من حركاته. سيف لمح الاضطراب اللي جواه، وقف قدامه وسأله بقلق صادق:
— مالك يا مالك؟ وشك مش مطمّنني.

مالك حاول يخفي اللي جواه بابتسامة باهتة:
— لا… مفيش. الجرح بيوجعني شوية، هروح أخلّي الدكتورة تبص عليه.

وراح ماشي من غير ما يدي فرصة لسيف يتعمق أكتر. كأنه بيهرب من مواجهة كان عارف إنها هتكشف كتير.

في الوقت ده، هند كانت غرقانة في ذكريات بتلسع قلبها.
فلاش باك…
وقفت قدام هاني بخوف:
— تفتكر العملية هتنجح؟

هاني، بابتسامة كلها أمل، رد:
— مش عارف… بس لو فشلت، في شئ هتخلص كل حاجة.

وأخرج قنبلة صغيرة من جيبه، كأنه بيوريها مصير محتوم.
هند اتسعت عينيها برعب:
— انت عارف انك هتضحي كدا بحياتك !

هو ابتسم ابتسامة حزينة، وقال:
— يمكن… بس على الأقل هكون حميتك إنتي وهانيا.
وبصّ في عينيها نظرة أخيرة، وأضاف:
— بس أوعي… أوعي تقولي لهانيا.
هزت راسها بتردد

بس الليلة دي، قلب هند انقسم نصين… غيرة ممزوجة بخوف، واندفاع مالوش تفسير. راحت للمكان اللي زارعين فيه القنابل، وشالت منهم، وسابت هاني يواجه مصيره بإيديه. اللحظة دي، كتبت نهايته. ومن يومها، كلمة "خيانة" بقت محفورة جواها زي نار مش راضية تطفي.

رجعت هند من ذكرياتها وهي شايلة ابتسامة باهتة كلها خبث. قررت تروح لهانيا، كأنها عايزة تتأكد إنها لسه ماسكة زمام الأمور.

هانيا كانت قاعدة في أوضتها، عينيها منفخة من كتر البكا، صوتها مخنوق حتى في سكاتها. كل نفس بتاخده تقيل كأنه بيتسحب من صدرها بالعافية.
دخلت هند، قعدت قدامها، وقالت بصوت هادي مصطنع:
— عارفة إنك زعلانة ومخنوقة… بس صدقيني يا هانيا، دي مش النهاية.

هانيا بصتلها بعينين مشبعة بالشك:
— تفتكري يا هند… موت هاني كان مدبّر؟

قلب هند وقع للحظة، بس بسرعة حطت قناعها:
— مدبّر إيه! كلنا شفنا إنه ضحّى بنفسه عشاننا.

هانيا رفعت حاجبها، بنظرة حادة كأنها بتحاول تقرأ ما ورا الملامح:
— طب مين اللي شال جهاز التنفس من عليه قبل كده؟

هند اتوترت، قلبها يدق بعنف، ولسانها اتلخبط:
— أكيد حد بيكرهه… مش عارفة والله.

هانيا زادت نبرتها قوة:
— ومالك؟

هند ابتلعت ريقها:
— مالُه مالك؟

هانيا قربت منها وقالت بهدوء قاتل:
— تفتكري مين اللي ضرب عليه نار؟

هند ابتسمت ابتسامة متكلفة، حاولت تسيطر:
— إنتي تعبانة، ما تشغليش بالك. سيبي التحقيق ده لسيف.

هانيا غمضت عينيها لحظة، وبعدين فتحتهم وقالت فجأة:
— على فكرة… سيف قالي إنه شاكك فيكي.

هند قامت من مكانها مصدومة، وشها اتغير:
— شاكك فيَّ أنا؟! إزاي؟

هانيا فضلت ثابتة، صوتها فيه ثقة:
— بيقول إنك إنتي اللي عملت كده.

هند ضحكت ضحكة باهتة، لكن ارتباكها كان فاضح:
— وأنا هعمل كده ليه؟ إنتوا اللي متبقّينلي… وهاني دا مش ابن عمتي بس، دا أخويا.

هانيا ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
— عشان كده… أنا عمري ما صدقت.

هند قربت منها، وصوتها مليان حنان مصطنع:
— فاكرة وعدنا زمان؟

هانيا ابتسمت بصدق رغم دموعها:
— فاكرة… وكنت عارفة إنك عمرك ما تعملي كده. إنتي بتخافي تقتلي حتى صرصار.

ضحكت هند بخفوت… لكن في سرها، كانت بتهمس لنفسها:
"كده هانيا صدقت."

هانيا كانت ماسكة صباع أخوها وكأنها ماسكة آخر حتة من روحه، عينيها محمرة من كتر البكا، صوتها بيرتعش وهي بتقول للدكتورة:
— ممكن… ممكن تحطيه في محلول عشان مايتحللش؟

الدكتورة رفعت عينها ليها، فيها شفقة وكسرة:
— حاضر… حالاً.

كأن الكلمة نزلت برد وسُم في نفس الوقت، برد إنها وافقت، وسُم عشان أكدت إن هاني خلاص بقى ذكرى محتاجة تتحفظ.

وفي ناحية تانية، ماريا لما وصلها خبر موته، دموعها نزلت من غير صوت، نزلت بحرقة كأنها بتغسل قلبها. حبيته! حبت شجاعته… حبت إخلاصه… حبت حبّه لاخته قبل أي حاجة، وحبت القوة اللي كانت بتسنده دايمًا. بس اللي كسرها إنها ملحقتش تودعه، ولا تقول له إنها بتحبه. مات… ومعاه ماتت كل حاجة حلوة كانت بتعيشها في أحلامها.

ماريا ماقدرتش تتحمل، قلبها كان بيتقطع، رجليها خدوها من غير ما تحس لحد أوضة هانيا.
بتخبط بخفة، ولما ما سمعتش رد فتحت الباب ببطء.

هانيا كانت قاعدة ع السرير، عينيها منتفخة من كتر الدموع، ماسكة صباع هاني جوه علبة صغيرة كأنها ماسكة عمرها كله.

ماريا قربت بخطوات مترددة، وقعدت جنبها، إيدها بترتعش وهي بتحاول تحضنها.
— أنا… أنا عارفة وجعك يا هانيا.

هانيا رفعت عينيها ليها، نظرة كلها انكسار:
— إزاي هعيش من غيره يا ماريا؟ دا كان كل اللي باقيلي…

ماريا حاولت تبتسم رغم دموعها:
— يمكن راح بجسده… بس فضل جوانا. فضل فشجاعته… فذكرياته… فحبّه لِك.
إنتي بالنسباله الحياة اللي كان بيدافع عنها. مات عشان تفضلي عايشة.

هانيا انفجرت في بكا وهي بتترمي في حضن ماريا، وماريا فضلت ماسكاها بقوة كأنها بتحاول تحميها من كسرة قلبها ومن الفراغ اللي سابُه هاني.

وفي اللحظة دي، اتنين قلوب مكسورين اتعانقوا… واحده فقدت أخوها، والتانية فقدت حلم حبها اللي ما بدأش، بس جمعهم نفس الوجع ونفس الدموع.

لكن في أوضة تانية… كان فيه عيون مختلفة.
هند قاعدة لوحدها، عنيها بتلمع بلمعة مش طبيعية، إيدها بتتحرك ببطء وهي بترسم خطط فدماغها.
صوت هانيا وهي بتقول "سيف شاكك فيكي" لسه بيرن ف ودانها، وهي مش عايزة تدي له فرصة يكشفها.

— "لازم يختفي… سيف لازم يختفي قبل ما يوقعني."
همست بيها وهي بتشد نفس عميق.

مسكت ورقة وقلم، بدأت ترسم الخطة، تفاصيل صغيرة، خطوات محسوبة.
قلبها بيدق بسرعة، مش من خوف… لكن من لهفة مريضة للسيطرة.

في اللحظة اللي هانيا بتصرخ من وجع الفُقد، وفي اللحظة اللي ماريا بتحاول تضمّد جرحها…
كان فيه قلب تاني بيدبّر خيانة جديدة، مؤامرة سودا هتهدد الكل.



                   الفصل العشرون من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة