
بقلم خديجه احمد
بعد ساعة من الترقب والسفر المجهد...
وصلوا أخيرًا.
قدّامهم وقف شامخًا مبنى المجمع الحربي 14 – القاهرة.
مبنى ضخم، رمادي، لكن في عيونهم كان منوّر بالأمل.
عند البوابة، استقبلهم جنود بابتسامات هادئة وصافية، كأنهم بيطمنوا القلوب قبل الأجساد.
هانيا حسّت لأول مرة من أيام بشعور خافت من الأمان… بس في قلبها كان في غصة.
"أخويا... يا ترى فين دلوقتي؟ حي ولا..."
ما قدرتش تكمل السؤال حتى لنفسها.
أما هند، كانت بتضحك بدموع في عنيها، ممسوكة في إيد واحدة من الناس كأنها مش مصدقة إنهم نجوا.
سيف تقدم خطوة، وسلّم على واحد من الضباط بثقة.
الناس اللي حواليه بدأت تبصله باندهاش.
إزاي؟ هو يعرفهم؟
هانيا، بهدوء، همست للي حواليها:
"سيف... من الجيش."
نظرات الدهشة اتحولت لاحترام.
وفي اللحظة دي، حسوا إنهم أخيرًا في أيد أمينة.
بيبدأ الناس تدخل المجمع
من اللحظة اللي دخلوا فيها بوابة المجمع، اتحول كل شيء.
المكان منظم بشكل يثير الإعجاب، وكأن الزمن نفسه واقف جوّه المجمع، بين الجدران اللي شايلة قصص ناس كتير عدّوا من هنا قبليهم.
الممرات واسعة، أرضيتها ملمّعة بشكل لافت، خطوات الجنود عليها بتصدر صوت خفيف لكن ثابت، كله انضباط.
الحيطان لونها رمادي فاتح، وعليها لافتات مرتبة بالأرقام والأسماء، بعضها مكتوب عليه "غرفة العمليات"، "الإمداد"، "إيواء مؤقت"، "الفرز الطبي"، و"قسم المعلومات".
الناس اللي جوا شغالين في صمت وهدوء، مفيش فوضى، كل واحد عارف دوره وبيعمله.
جنود بزيهم الرسمي، أطباء بلبسهم الأبيض، ومُتطوعين بيشيلوا صناديق أو بيساعدوا الناجين إنهم يستريحوا.
فيه صالة كبيرة في أول المجمع، فيها كراسي موزعة بنظام، والناس اللي وصلوا قبلهم قاعدين هناك، بعضهم بياكل، وبعضهم نايم وهو قاعد، وفيه اللي ماسك بطانيّة وبيبص في الفراغ.
الإضاءة فوق بيضاء وثابتة، مش باردة ولا مرهقة، لكنها كفاية توضح كل حاجة.
فيه ريحة خفيفة، مزيج ما بين مطهرات وعرق وتعب.
بس الأهم… إن في الهوا إحساس غريب بالأمان.
المكان مش مجرد مبنى... ده ملاذ.
في آخر الممر، باب حديدي كبير، وراه القيادة.
هانيا كانت ماشية جنب سيف، قلبها بيخبط، مش عارفة إذا كانوا هيكملوا هنا، ولا لسه في اختبارات تانية.
وقفوا قدام الصالة الكبيرة، زي ما قالوا لهم الجنود.
أول ما دخلوا، حسّوا بفرق الجو…
أجساد مرهقة بتتحرك بهدوء، وأصوات خفيفة، وحدها ساعات التعب اللي بتتكلم.
جندي شاب وقف قدّامهم، ملامحه فيها حزم لكن نبرته كانت مطمئنة:
— "دي صالة المساعدة، تقدروا تستريحوا هنا، في أكل خفيف ومية نظيفة.
خدوا نفس، بعد شوية القائد هييجي، وهيتكلم معاكم في موضوع مهم…
ياريت كله يكون جاهز."
الناس بدأت تتحرك، كل واحد بيدور على كرسي، أو بطانية، أو حتى حتة حيطه يسند روحه عليها.
لكن هانيا وقفت مكانها، عينها بتدور في المكان، ودقّات قلبها بدأت تعلى.
"موضوع مهم؟
ليه هو جاي بنفسه؟
هو عايز مننا إيه؟
ولا في حاجة إحنا مش عارفينها؟"
سيف لمح قلقها، قرب منها وهمس:
— "متخافيش… أيًا كان، إحنا عدّينا حاجات أصعب."
بس قلبها ما اقتنعش.
حسّت إن اللي جاي... أكبر من مجرد كلام.
من بعيد...
هند كانت قاعدة لوحدها، عنيها متعلقة بـ سيف وهانيا.
نظرتها مش كانت بس مراقبة...
كان فيها غضب مكتوم.
بس يا ترى الغضب دا سببه إيه؟
غيرة؟ خيانة؟ ولا حاجة أعمق من كده؟
ماحدش يعرف... حتى هي نفسها مش قادرة تترجم اللي جواها.
وفي اللحظة دي، سيف مشي مع الجنود.
قالهم إنه محتاج يتابع موضوع مهم، ومشي من غير ما يشرح أي تفاصيل.
هانيا فضلت تبص في ضهره وهو بيبعد، قلبها مش مرتاح، لكن عقلها بيحاول يطمنها:
"أكيد رايح يساعد... زي ما دايمًا بيعمل."
مرت ساعات.
الناس بدأت تهدى، وبعضهم نام، والبعض التاني كان بيعد الوقت على أمل يسمعوا خبر يطمنهم.
وفجأة...
باب الصالة اتفتح.
الكل قام من مكانه، الأنفاس اتحبست، النظرات اتجمعت عند الباب.
دخل القائد.
خطواته ثابتة، وهيبته واضحة من قبل حتى ما يتكلم.
وكانت المفاجأة الصاعقة...
القائد هو سيف!
العيون اتسعت، الدهشة ارتسمت على كل الوجوه.
حتى هانيا، حست إن الأرض تهز تحت رجليها.
سيف كان لابس الزي العسكري الرسمي دخل الصالة بخطوات ثابتة، كأن كل خطوة منه بتحكي حكاية قديمة عن الانضباط والولاء.
كان لابس الزي العسكري الرسمي بكل تفاصيله الدقيقة:
بدلة ميدانية بلون زيتوني داكن، مكويّة كأنها خرجت من تحت الحديد حالًا، بتلمع تحت الإضاءة.
الجاكيت مقفول للنهاية، وعلى صدره، فيه شارة الوحدة العسكرية، وشريط معدني محفور عليه اسمه:
"المقدم / سيف الدين عمر".
على الكتف الأيمن، نجمتين وسيفين متقاطعين، دليل واضح على رتبته: مُقدم.
على ذراعه، علم مصر مطرّز بخيوط ذهبية، وتحته شارة صغيرة مكتوب عليها: "قوات خاصة".
الحزام العسكري كان مشدود حول وسطه، عليه مسدس جانبي في جرابه.
الحذاء الأسود اللامع بيصدر صوت واثق مع كل خطوة… صوت مش غريب على المكان، لكن جديد على اللي عرفوا سيف خارج الزي.
عينيه ما كانتش فيها لا خوف ولا ارتباك،
كانت نظرة قائد... رجع لمكانه الطبيعي.
رتبته واضحة على كتفه.
نظراته جدية، وحاسمة... مفيهاش أي ارتباك.
ماكانش سيف اللي عرفوه في الطريق.
كان القائد سيف.
وقف سيف قدّامهم، بصوت ثابت ونظرة مفيهاش تردد، وقال:
— "أنا عارف إن كل اللي هنا مر بحاجات صعبة…
كلنا تعبنا، وكلنا فقدنا ناس غالية.
وأنا أولكم… فقدت أختي.
بس ده ما منعنيش إني أفضل أدافع عن حياتي، وعن حياتكم،
وأكمل لحد ما وصلنا لهنا."
سكت لحظة، عينه بتلمح نظرات الإنهاك والدموع اللي بتتخبى بصعوبة.
رجع يكمل، بصوت أهدى لكن أوضح:
— "الحزن مش عيب، ومش ضعف…
لكن لازم نتخطاه، عشان نعرف نتصرف قدام اللي جاي."
شد نفسه، وقال بجدية:
— "الكائنات غزت مصر بالكامل.
الوضع أخطر من أي حد ممكن يتخيله.
وإحنا لازم نتحرك."
العيون اتعلقت بيه، فيه اللي حاسس إنه بيحلم، وفيه اللي بيكذّب ودانه.
— "عدد الجنود هنا مش كافي.
عشان كده…
إحنا هنجنّد كل اللي يقدر يقف على رجله.
رجالة وستات."
الصالة كلها اهتزت.
همسات، شهقات، نظرات بعضها مرعوب وبعضها مش مصدق.
واستمر سيف، نبرته ما اهتزتش لحظة:
— "عارف إن القرار صعب.
بس مفيش حل تاني.
كل إنسان زيادة…
ممكن يكون السبب في إنقاذ البشرية.
لأن الكائنات دي مش هتقف عند حدود مصر."
الناس في حالة ذهول.
وشوش شاحبة، عنيهم بتدور تدور كأنهم بيدوّروا على مخرج،
لكن مفيش مخرج.
مفيش غير الحقيقة المرعبة اللي نزلت عليهم فجأة.
ي ترى الناس هتوافق ع الحل دا ولا لا؟