
بقلم خديجه احمد
بعد ما هانيا فهمت إنهم مش هيسمحولها توقف القطر، قالت لهم بصوت مكسور: "أنا هروح أقعد في العربات." وسابوها فعلاً.
جريت عينيها بتلف في كل ركن، قلبها بيرفرف، وإيدها مرتجفة: "أخويا فين؟"
في دماغها صوت هاني بيرجع يرن: "لا... مستحيل... مستحيل يكون مش موجود... هو وعدني... أكيد هييجي... لا."
عيونها وقعت على سيف اللي كان تعبان لحد آخر رمق، والقطر حواليهم بيهدر بصوت متقطع، والكائنات بتتحرك في الظلال، بتزحف عليهم ببطء، كأنها بتأكل في الهواء.
جريت عليه بخطوات متسارعة، وعينيها كلها رجاء:
"أخويا فين يا سيف؟"
سيف بصلها بنظرة مليانة وجع، وقال بصوت ثقيل كأن الدنيا كلها سقطت:
"حاولت أنقذه... بس معرفتش... كان مستسلم للموت... ماكنش خايف."
دموع هانيا نزلت بحرقة، والكلمات بتتقطع من حلقها:
"مستحيل... مستحيل... هاني قال مش هيسيبني... مستحيل."
بكت بحرقة متكسرة، وكملت بصوت كأنه بينكسر:
"إنت شفته بيموت؟ ده كدب!"
سيف حاول يهديها وهو كمان قلبه بيتوجع:
"مشفتوش... بس حاولت أشده بكل قوتي... معرفتش..."
وقع قدامي، والكائنات حواليه فكل حته .
هانيا صرخت بصوت مملوء أمل وكبرياء:
"لا! لا! أخويا لسه عايش! قولتلك... لسه ما ماتش!"
سيف حضنها بقوة، وطبطب على ظهرها بحنان مش قادر يواسيها:
"اهدِي... أخوك مات... مات شجاع."
هانيا بعيون مكسورة لكن مش منكسرة، بتتمسك بأمل صغير بيهرب من قلبها رغم الألم.
من بعيد، هند بتتفرج عليهم، عيونها مليانة تعاطف وحزن، ورجعت تقعد في مكان تاني، مش قادرة تدخل.
نامت هانيا، وصحيت فجأة على وجود سيف جنباها، وجهه مشرق بابتسامة فيها أمل خافت.
همست متوهّمة، بصوت مرتجف:
— إحنا فين؟
سيف ردّ بابتسامة واثقة:
— خلاص، قربنا نوصل.
لكن هانيا، وعيناها تغرقان في ذكريات مؤلمة، قالت بخوف وحيرة:
— الناس اللي معانا دي... هم نفس الناس اللي خدعونا يا سيف، هم السبب اللي خلا هاني وباقي الناس ما يركبوش القطر.
سيف اتأمل الكلام بجدية:
— فعلاً... عرفت دلوقتي إنهم نفس الأشخاص اللي ضحكوا علينا قبل كده. بس إزاي هم السبب إن الناس ما تلحقش تركب القطر؟
أجابت هانيا بحزن ثقيل:
— القطر اتسرّع عن قصد، عشان يتحركوا بسرعة قبل ما الكائنات توصل. ماهمهمش اللي هيموت بسببهم.
في عيني سيف، النار ولعت، والغضب سيطر عليه. قرر في لحظة أن يواجههم، يعرفهم قيمتهم، وما يسيبش الظلم يمر.
لكن هند، بيدها ماسكة إيده، بصوت حازم:
— هم اللي في إيديهم يوصلونا، من غير السواق القطر ده مش هيوصل. متخاطرش بحيات كل اللي جوه، عشان مشاعر غضبك.
سيف تردد للحظة، وبالرغم من الغضب اللي بيملأ صدره، اقتنع بكلام هند، ورجع قاعد حزين، يضرب بقبضته على القطر، وكأن الغضب ده وسيلته الوحيدة للتعبير عن قلة حيلته.
فجأة، صوت خبط عنيف هزّ القطر كله...
الكائنات هجمت!
سيف بصوت عالي، فيه رعب وأوامر متداخلة:
— أي حد فاتح الشباااابيك، يقفلها بسرعههه!
الناس كانت في حالة فوضى، ذُعرهم سبقهم، والجريان جوه القطر بقى زي موج متلاطم.
كل واحد بيحاول يقفل شباكه، بس كانت السرعة مش كافية.
الكائنات بدأت تقتحم، تقفز من الشبابيك، تنهش وتهاجم بوحشية!
وسط الفوضى، هانيا وقفت، صوتها ثابت رغم كل الجنون:
— كلّنا نكمل قفل الشبابيك! لو معرفناش نخرجهم، على الأقل منسمحش يدخلوا أكتر!
لكن محدّش سامع...
الكل مشغول بصراخه، بدفاعه عن حياته، بالموت اللي بيحاوطهم.
هانيا بتلف بعينيها بسرعة، قلبها بيخبط،
وبتشوف هند... متحاصرة.
الكائنات دايرة حواليها، أنفاسها بتسرق منها.
هانيا بتندفع، تمسك شنطة من الأرض، وبتجري!
هجمت على الكائنات بكل غضب، بكل ما فيها من قهر،
كأنها بتضرب الحياة اللي خطفت منها أعزّ ناسها.
شريط الذكريات بيعدّي قدام عينيها...
أمها، أبوها، ضحكات بقت ذكرى، حضن راح للأبد.
وبتصرخ...
صرخة ملهاش وصف
صرخة وجع دفين، كأن قلبها انفجر من شدته.
القطر كله تهزّ،
حيطانه رنّت من الصوت.
والغريب…
الكائنات وقفت!
تجمدت مكانها لثواني.
كأن الصرخة كسرت فيهم حاجة، أو لمست وتر خوف خفيّ.
هاني، اللي كان مترقّب، استغل الفرصة.
انقضّ عليهم كالصقر،
نزل وسطهم قتال بلا رحمة، كأنه بينتقم للي فات.
لكن...
بعد لحظات،
كل الكائنات هربت.
سكون غريب نزل فجأة، كأن الموت نفسه انسحب.
الكل بيتساءل:
ليه؟
إيه اللي حصل؟
الصرخة؟
الخوف؟
ولا في شيء تاني… بيقرب؟
أسئلة تقيلة سكنت في العقول،
بس ولا إجابة في الأفق...
"مفيش حد فهم ليه الكائنات هربت... بس الإجابة كانت أقرب مما يتخيلوا."