
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الواحد والعشرون 21 ج 2 بقلم ليله عادل
فيلا سليم وماسة، 4:00 عصرا.
دخلت ماسة بخطوات هادئة، وعيناها تبحثان سريعا عن سليم
ظهرت سحر من المطبخ بابتسامة دافئة: حمد لله على سلامتك يا حبيبتي.
ماسة بهدوء: الله يسلمك يا ماما سحر، سليم فين؟
سحر بتوضيح: لسه مرجعش من وقت ما خرج معاكي.
اتسعت عيناه بصدمه، فأخيرا انتبهت أن سليم كان ينتظرها في الكافيه، ضربت على جبينها: يا نهار ابيض، إزاي نسيت؟!
أخرجت هاتفها بسرعة، وأجرت مكالمة، وبعد قليل، جاءها صوته من الطرف الآخر متمتما بغضب مكبوت: الو…
زمت ماسة وجهها باعتذار: حبيبي، أنا آسفه بجد، أنا روحت حقك عليا، والله نسيت خالص، حقك عليا بجد، أصل حصل موقف كده، لما تيجي هحكيلك.
أجابها بهدوء حذر: ماشي.
أغلقت الهاتف، ونظرت إلى سحر: أنا طالعه اوضتي.
تساءلت سحر: مش عايزة حاجة؟!
هزت رأسها نافيه، وصعدت الدرج بخطوات بطيئة، حتى وصلت إلى غرفة سليم نظرت حولها، وكأنها أخيرا وجدت راحتها، اقتربت من صورته، توقفت أمامها، تتأملها بحب، وهمست لنفسها بحيرة: اااه يا حبيبي، مش عارفة بجد هقولك إزاي؟! أسمع كلامهم وأقولك الحاجة إللي ممكن تكسرك، وتدخلنا في حروب وخوف! ولا أخدك ونسافر بعيد ونهرب عن كل حاجه؟!
هزت رأسها بنفي والدموع تلمع بعينيها: بس هو عنده حق هيفضل خوفي ملازمني، عمر الهروب ما كان حل، لازم اواجه..
تنهدت، وقالت بصوت منخفض: هقولك، بس اجمع أفكاري وأشوف طريقة وهقولك وعد.
زفرت بتعب، وارتجف صدرها قليلا، حين استمعت فجأة لصوت رشدي يهمس في أذنها، ويهددها مرة أخري، فالتفتت للخلف، وقالت بصوت يبدو متحديا: مش هسيبك تعمل فيا كده تاني.
شعرت برعشة الخوف تتسلل إليها للحظة، لكنها قبضت على نفسها، وتغلبت على ذعرها، ونجحت في التحكم في صوتها ونبرتها، وفجأة، ارتسمت على وجهها قوة لا تقهر، والصوت الذي يهددها قد تلاشى واختفى، كأنه قتل في لحظة شجاعة واحدة.
تحركت بهدوء، وتوجهت إلى غرفتها، بدأت بتبديل ملابسها وارتدت بيجاما مريحة، ثم عادت إلى غرفة سليم، اشعلت ضوء خافت، وقرآن وتمددت على فراشه، ضمت مخدته التي عليها رائحتة إلي صدرها، وكأنها تستمد منها القوة والطمأنينة، وهدأت تدريجيا في حضن المكان الذي يشعرها بالأمان، متذكرة أنها استطاعت التغلب على خوفها للمرة الأولي.
بعد قليل، عاد سليم، سأل عنها، فأخبرته سحر أنها في غرفتها، فصعد ودفع الباب بهدوء، فوجدها مستلقية على الفراش، تضم وسادته إلى صدرها كأنها تحتمي بها.
مال برأسه يتأمل ملامحها بعشق موجع، وضيق مكتوم اختلطا معا في صدره.
تنفس ببطء، ثم اقترب وجلس إلى جوارها، وظل يراقبها للحظات في صمت، قبل أن يمد يده ويمسح برفق على كتفها.
ففتحت عينيها فجأة، بسرعة توحي أن نومها لم يكن عميقا، التفت حولها بزعر حتى وقعت عيناها عليه، فابتسمت له بخفوت.
سليم يصوت هادي: صاحية؟
اجابته بنبرة محشرجه: مش بالظبط، بس لسه مروحتش في النوم.
جلست أمامه، أمسكت يده بين كفيها، وظلت تنظر إليه بصمت فبادلها النظرة بصمت للحظات، ثم قال بنبرة جاهد ان يخرجها هادئة: مشيتي ليه من عند الدكتور من غير ماتقولي؟
صمتت قليلا، كأن الكلمات ثقيلة على لسانها، ثم قالت بصدق: الجلسة كانت طويلة شوية، واتكلمنا في حاجات كتير، حسيت إن الموضوع ضاغط عليا، فخرجت ومشيت ونسيت خالص.
شد فكه وقال بغضب مكتوم: وهو ده برضه اللي خلاكي تنسي تقوليلي انك وديتي مصطفى ومعاه ناس الفيلا بتاعتنا القديمه؟!
زمت شفتيها باسف صادق: والله ايوه، هو كلمني وطلب مساعدتي ومعرفتش اقوله لا، أنت عارف مصطفي له جميل في رقبتي.
على صوته، وقال بتهكم وهو يسحب يده من بين يدها: يادى الجميل اللى كل ما تيجي سيرته تفكريني بيه؟! ومكلمتنيش تقوليلي ليه؟ تفتكري كنت هرفض اساعده؟! هو نفسه مكلمنيش ليه رقمي تاه منه ولا ايه؟! وبعدين هو جاب رقمك منين أصلا؟؟
ماسة بهدوء متوتر: ما هو خد رقمي لما قابلته يوم عائشة.
رفع يده ومسح وجهه بانفعال، ثم نظر إليها بنظرة خذلان واضحة: ومقولتليش يومها ليه، إحنا مش اتكلمنا في الموضوع ده وقولتلك انى رافض كلامك معاه، ازاى تديله رقمك؟! هو ليه كلامي دايما مبيتسمعش؟
نهض من مكانه وحاول ان يتحكم في غضبه: يعني انا دلوقتي لو اتعصبت هتقولي اني رجعت زي زمان، لكن انت ترمي كلامي ورا ظهرك كأنه متقالش ده عادى..
نهضت ووقفت امامه باعتذار ممزوجه برجاء: مش هقول كده، بس بجد هو قالي خلي رقمي معاكي ورقمك معايا علشان لو حصل اي ظرف، وفعلا مكلمنيش الا لما وقع في مشكله، والله ما كان قصدي اتجاهل كلامك واضايقك..
نظر إليها، والضيق يملأ صدره، وقال بضيق ممزوجا بعتاب محب: كان لازم تتصلي تعرفيني قبل ما تروحي.
نظرت إليه بضعف واضح، وفي عينيها أسف صادق، مدت يدها وأمسكت بيده:أنا آسفة، أنت عندك حق، بس والله العظيم كنت خارجة من عند الدكتور، دماغي مصدعة ومش مركزه خالص، حتي مكنتش قادرة ارد عليه لحد ما لقيته بيرن كتير، ولما قالى إنه واقع في مشكله اتصرفت من غير تفكير، ونسيت خالص انك مستنيني، مفتكرتش غير لما وصلت هنا وسالت سحر عنك...
اقتربت منه أكثر، وطبعت قبلة خفيفة على خده، قالت بصوت ناعم: أنا آسفة، خلاص بقى، حقك عليا، مش هكررها تانى والله.
مسح وجهه وهو يجز على أسنانه، يحاول أن يتمالك غضبه ويبقى هادئا، ضغط على يديها بين كفيه بحنان: ماسة، ارجوكي ساعديني مرجعش لأي خطوة ورا، أكيد لو كنتي اتصلتي بيا وقولتيلي إن مصطفى محتاج حاجه، مكنتش هقول لأ، بس كدة طبيعي اغضب.
هزت رأسها بإيجاب: أنت عندك حق تزعل وتعمل كل اللى انت عايزه والله، بس معلش علشان خاطري عديها، علشان فعلا دماغي مكانتش مظبوطة.
نظر إليها متفهما؛ كان يدرك أنها ليست على ما يرام منذ اللحظة التي رأها مع رشدي، فتنهد وسألها بهدوء: طب مش حاسه إنك بقيتي أحسن شوية بعد ما قابلتي الدكتور؟
اومأت براسها: بقيت أحسن، بس زي ما قولتلك، الجلسة كانت كتير وضغطت عليا شوية، ونسيت أصلا إنك مستنيني، والله العظيم أنا كل ده كنت بتعامل على إنك رجعت من المجموعه على هنا.
لم يكذبها، فهو يعرف صدقها ويثق بها أكثر من روحه، حاول أن يمرر الأمر، فتسأل: طب هو كان عايز إيه؟ ومين الستات دي؟ وليه طالب حراسه؟!
بدأت تشرح بهدوء: معرفش كل اللى قاله إنه محتاج مكان آمن يقعدوا فيه يومين، قولتله يجيبهم هنا قالى لا، فقولت خلاص يروحوا الفيلا القديمه، وسألته إيه الحكايه مرضيش يحكيلي وقالى بعدين هقولك وانا بصراحه مكانش فيا دماغ الح..
رفع حاجبه بغيظ ساخر: هو اي حد يقولك يا ماسة محتاج مكان، تقولي له أوكي كده؟ مش تعرفي أسبابه، وتعرفي مين الناس اللي مدخلاهم بيتك؟
ردت بثقة باتساع عينيها: سليم ده مصطفى، مش حد غريب، ده واحد وقف جنبي وحماني في بيته 6 شهور، طبيعي أديله عيني لو طلبها، وبعدين الناس اللي دخلهم دول شكلهم ناس غلابة والبنت شكلها واخدة علقة وشها كله ضرب وإيديها مكسوره.
ضيق عيتيه بسخرية لازعه: هو مصطفى تخصص بنات مضروبة بس ولا ايه؟!
ابتسمت ابتسامه باهته، واومأت بتأكيد: أيوه، راجل شهم وجدع.
رفع حاجبه مستنكرا بغيظ: يا سلام، طب لمي نفسك ومتغظنيش علشان مروحش اقتلهولك دلوقت.
اتسعت عيناها، وقالت بسرعه: تقتل ايه!! سليم متنساش ان دى مصطفي اللى...
قاطعها متمتما بسخريه، مقلدا نبرتها وهو يقلب وجهه بسخريه طفولية: اللى وقف جمبي وانقذني، وصدقني ودخلنى بيته، ولولاه كنت فضلت في الشارع، والننينينننييي، حفظت يا ماسه حفظتتتت.
لم تستطع كبح ضحكتها، فانفجرت ضاحكه ضحكه صافيه من أعماق قلبها على نبرته وطريقته في تقليدها: يا سليم بطل غيره، قولتلك مصطفي مفيش منه قلق اتعامل معاه كأنه عمار او يوسف، ولا اقولك اعتبره سلوي.
ثم نظرت إليه بعشق يفيض من عينها، وامسكت يده ووضعتها عند قلبها: هنا مفيش الا سليم وبس، وعيني وقلبي عمرهم ما هيشوفوا الا سليم وبس..
لانت نظراته مع كلماتها الأخيرة، وخمدت النيران التى اشتعلت في قلبه فور رأيته للصور، خمدت من مجرد كلمه ولمسه منها كما لو لم تكن موجوده من الأساس، تضخم قلبه بالعشق، فنظر إليها بعيون لامعه مستسلما: بقيتي تعرفي تثبتيني يا قطعه السكر اللى محليه حياتي.
ردت عليه بثقه، وهي تنظر داخل عينيه: أنا جامده برضو.
ابتسم على كلماتها، ولكن ظلت الأفكار تعصف برأسه بلا هوادة، فتساءل بنبرة حذره محاولا وضع نهايه للشكوك التى تعصف بقلبه: بقولك إيه يا ماسة، أنت ايه رأيك في شخصية مصطفى؟ يعني تحسيه راجل محترم؟ ولا من النوع اللي بيوقع؟
ضيقت عينيها باستغراب: النوع اللي بيوقع!! مش فاهمه تقصد ايه؟!
حاول الشرح بحذر: يعني مثلا، تفتكر هو اختارك أنت تساعديه علشان يرخم عليا؟ لإنه عارف إني مش قابل يبقى في بينكم كلام؟ فاتصل بيكي مخصوص علشان نتخانق
هزت راسها بسرعه وثقه: لا لا متسحيل، مصطفي راجل محترم اوي هو واهله، أكيد اختارني لأني الشخص الوحيد اللي هيعرف يساعده.
رفع كتفه بتفكير: طب ما يكلم محمد؟ أو يكلم أي حد من صحابه، ما هو أصلا من القاهره وعنده أصحاب كتير هنا، وعنده شقه في القاهره كمان، إيه إللى ميخليهوش يستضيفهم في شقته مثلا؟!
هزت رأسها بحيره: والله يا سليم مش عارفه، أنا حسيت إن الموضوع فيه حاجة كبيرة، وعايز حد يأمن الناس دول، حتى لما قولتله أقول لسليم يساعدك، قال لا مش عايز حاجة ضد القانون، فحسيت إن الموضوع كبير، وعلشان كده مختارش حد من أصحابه.
لم يعلق بكلمه، ولكن عقله لم يكف عن العمل، فكلماتها أكدت ظنونه، وأن مصطفي قصد أن يفعل ذلك عن عمد لافتعال المشاكل بينهم، ولكنه حافظ على هدوؤه، ولم يصارحها بما يختلج صدره من الظنون حتى يحتكم على دليل قاطع، ففضل الصمت وأحكام سيطرته زمام اللعبه.
تابعت ماسه بابتسامه ناعمه وتفسير عقلاني: أنت دماغك سرحت بعيد اوي بصراحه، يعني هو هيختارني أنا علشان يوقع ما بيني وبينك؟ معلش يعني، لو عايز يعمل حركة زى دي، فيه طرق تانية كتير، ملهاش علاقة إنه يطلب مساعدتي ويحط ست وبنت مضروبة عندي، دماغك راحت بعيد يا سالوملوم
تنهد ومد شفتيه للامام: هنشوف، يمكن أنا غيرت شوية.
اقتربت منه، وقبلت خده بخفة: لا متغرش، ومتخليش الخناقه اللى حصلت ما بيتكم تخليك تغير رايك في مصطفى، هو بجد طول ال6 شهور اللي عشتهم هناك كان معايا في غايه الاحترام.
هز رأسه بعدم اقتناع، وقرر إنهاء الحوار عن مصطفي إلي هذا الحد حتى لا يتحول الحوار بينهم إلي مشاجرة، فتساءل محاولا تغير مجري الحديث: طب الدكتور كان عايزك إيه؟
اشاحت عينيها عنه، وتحرك بتوتر حتي جلست على حافة الفراش: ما قولتلك كان عايز يعمل معايا جلسة، ويطمن بعد مابقينا ننام جنب بعض، وقعد يديني شوية تمارين ويتكلم معايا، ويحاول يغير طريقة تفكيري وكده.
مال برأسه وهو يتأمل ملامحها بدقة، وعينيه تضيقان بشك واضح، ثم هز رأسه قائلا بنبرة قاطعة: ماشي، بس خلينا نتفق اتفاق، أول وآخر مرة الموضوع ده يحصل، المرة دي هعديها..
رفع سبابته محذرا: إنما لو اتكررت تانى يا ماسه إن مصطفي يتصل بيكي وتتقابلوا من غير ما تعرفيني، فمش هعدى الموضوع عادى، أنا قولتلك اهو.
ثم اضاف بسخرية: وعموما هبقي ابلغ الحراس يقولولي تحركاتك، بما إنك الفترة دي بتنسي كتير، وابقي اقولهم يشترولك اوميجا 3، علشان الشيخوخة المبكره اللى بقت عندك دى.
رفعت عينيها إليه بنظرة طويلة من أعلى لأسفل، وانقلصت شفتيها بنفاد صبر: متهددنيش يا سليم، أنا مش عايزة أتخانق معاك.
تنفس بعمق، يفتح كفيه أمامه في محاولة للسيطرة على نفسه: هو أنا لما أقولك الصح ابقي كده بتخانق؟!
لم ترد، وتحركت فجأة، وتتمدد على ظهرها، ادارت وجهها للجانب الآخر وأغلقت عينيها وكأنها تضع حدا لهذا الحديث
زفر بضيق، ومرر يده على شعره، وتحرك للخارج بخطوات بطيئة.
نزل إلي الحديقة، ووقف يحدق في الفراغ بشرود، وحين راه مكي اقترب منه متسائلا: كلمتها؟
هز رأسه بإيجاب، وكأنه يجبر نفسه على القبول: اه بس مرضيتش أضغط عليها، زي ما قولتلك، هكلم الدكتور الأول.
هز مكي رأسه بتفهم: طب أنا هروح ألف كده على الحراس، وأرجعلك تاني.
هز رأسه بإيجاب، فتحرك مكي مبتعدا، بينما أخرج هو هاتفه، وضغط على زر الاتصال، ثم سار خطوات قليلة حتى توقف عند حافة النيل.
ثبت نظراته على المياه بملامح مشدودة، وبعد لحظات أتاه صوت الطبيب.
الطبيب بهدوء: مساء الخير يا سليم.
عدل وقفته، ورد برسميه: مساء النور يا دكتور، أخبار حضرتك إيه؟
الطبيب: الحمد لله تمام، في حاجه ولا ايه؟!
تردد قليلا، ثم قال وهو يمرر يده على جبينه: آه بصراحه، فيه موضوع شاغلني بقالي فتره ومش عارف اتصرف فيه ازاى.
صمت قليلا، ثم تابع بتنهيده: حاسس إن ماسه مخبيه عليا حاجه، وكذا مره أسألها مش بتجاوبنى، بس أنا قلبي حاسس إن فيه حاجه بينها وبين رشدي اخويا، أنا مش عايز اضغط عليها، بس في نفس الوقت عايز أفهم إيه إللى بيحصل..؟!
الطبيب بهدوء واضح: متضغطش عليها يا سليم فعلا، وسيبها براحتها، وهي لو فيه حاجه أكيد هتقولك.
نفخ بضيق، صوته على قليلا: اسيبها براحتها لحد إمتى؟ بقولك حاجة تخصها مع أخويا، أنا متأكد إن في حاجة، وهي كذبت عليا وعايز أواجهها؟ وأقولها "أنتِ كذبتي، وأنا عرفت إن اللي قولتيه مش حقيقي؟"
الطبيب بعقلانية: وأنت اتأكدت منين يا سليم؟
شد على الهاتف في يده: سمعته بيتكلم مع أخويا الصغير، وقال كلام غير اللى ماسه قالتهولى..
الطبيب تحذير: طب مش يمكن هي قالتلك الموضوع بشكل مختلف علشان تشوفك اتغيرت فعلا ولا لأ؟ أو بتلاعبك؟
هز سليم رأسه بثقه: لا لا، ماسة مستحيل تفكر بالطريقة دي، أنا عارف ماسة كويس.
الطبيب بتفسير وكانه يطلعه على شي غاب عنه: متنساش إنها غابت عنك 6 شهور، ودي فترة كافيه إنها تغير تكوين أي بني آدم، خاصة مع الأحداث اللى مرت بيها.
تنهد صوته صار أهدى: مش هنكر إنها اتغيرت فعلا، بس مش للدرجة اللي حضرتك بتصورهالي دي.
تنهد الطبيب محاولا اقناعه بعقلانية عملية: بص يا سليم، ماسة الفترة دي أفكارها مشوشه ومش مرتبه، فمتضغطش عليها، خصوصا النهارده، وسيبها براحتها، ولو فيه حاجه هي هتيجي تتكلم معاك لوحدها صدقني.
مرر يده على رقبته بتوتر: بس أنا مخنوق، ومتعصب، ومش قادر استني اكتر من كده...
الطبيب بحزم هادئ: اسمع الكلام يا سليم ومتبقاش عنيد، أنا وهي النهارده اتكلمنا كتير، وكانت متوترة جدا، وأنت مجرب النوع ده من الجلسات فالأفضل دلوقتي إنك تخليك معاها، وتطمنها إنك مش بترغمها على أي حاجه، ومتقبل سكوتها ومتفهمه، علشان تحس إنك فعلا اتغيرت ومبقتش زى زمان..
اغمض عينيه لحظة، ثم تنهد: حضرتك شايف كده يعني؟
الطبيب بتاكيد: أيوه يا سليم، مش كل حاجة لازم نعرفها، كل حاجة بتيجي في وقتها أحسن، اديها فرصه تحس إنك محترم مساحتها الشخصيه، وحاول تكسر التوتر دى وقضوا وقت حلو مع بعض، أنا عرفت انكم مديتوا أسبوع الفرصه فحاول تستمع معاها فيه للنهايه، بعيد عن أي أفكار ممكن تعكنن عليكم، أنت بقيت تقدر تتحكم في نفسك دلوقتي مش كده ولا ايه؟!
فهز رأسه، وزفر باختناق: آه بقيت بعرف اتحكم في نفسي، خلاص ماشي، شكرا يا دكتور.
ثم أغلق المكالمة، وظل واقفا عند حافة النيل، ينظر أمامه بلا تركيز، الهواء يمر من حوله باردا، لكن صدره كان مشتعلا.
حاول أن يهدئ نيران قلبه، ويستعيد اتزانه مرة أخري كما اخبره الطبيب، إلي أن القلق كان ينهش من الداخل، والشك يتسلل بداخله رغما عنه، فقبض على الهاتف بقوة، ثم أرخى أصابعه ببطء، كأنه يحاول أن يفلت غضبه قبل أن ينفلت منه، تنفس بعمق مرة، اثنان..
ولكن الهدوء لم يأت، ما زال قلبه معلقا بين خوف لا يسميه، وغضب لا يريد الاعتراف به، وبرغم حديث الطبيب، لم يستطع أن يطمئن.
💕____💞بقلمي_ليلةعادل💞____💕
في أحد المطاعم الفاخرة على النيل، 5:00 مساءً.
انسابت أضواء النيل من خلف الزجاج العريض، بينما يجلس رشدي ومي متقابلين، وملامح مي مشدودة، حاجباها معقودان، وأصابعها تضغط على حافة الطاولة في ضجر واضح.
تنفخت مي بضيق: فيه ايه يا رشدي، دي مش طريقة، بقولك الفرح كمان يومين!
عاد بجلسته مسترخيا، يشبك أصابعه بهدوء مصطنع: وأنا قولتلك ثقي فيا.
تنفخت بضجر أكبر، وقالت بعصبية: اثق فيك ايه؟! بقولك الفرح كمان يومين!! من حقي اشوف فستان فرحي!!
رشدي بضجر: قولتك الفستان هيكون عندي يوم الفرح الصبح يا مي ولو عندك أي تعديلات هيتظبط يومها متخافيش، وعلى فكرة أنا كمان مضغوط!
رفعت حاجبها باستغراب: مضغوط في إيه؟ أومال أنا أعمل إيه؟
تنهد يمرر يده على جبينه بارهاق: يا بنتي أنا بحاول أخلص شغلي، وكمان الفستان، أنا أول مره في حياتى اتحط في الضغط دى، فمتضغطنيش أكتر لافرقع منك.
ابتسمت رغما عنها: مش كنت عايز تتجوز في أسبوع، اشرب بقي.
ثم أشارت له بتهديد صريح يليق بشخصيتها: والله يا رشدي لو الفستان معجبنيش، أو في أي حاجة مش مظبوطة، مش هتجوزك، وهمشي وأسيبك.
راقبها لثواني، ثم ضحك ضحكة قصيرة غير مكترثة، وقال بابتسامة جانبية: نبقي نشوف الكلام ده بعدين، المهم عجبني اللي عملتيه في الأوضة، كويس إنك كبرتي المساحة، وأخدتي الأوضة اللي جنبها.
مي بحماس: دى فكرة لوجين..
ابتسمت واضافت بإعجاب: بس ايه لوجين دى!! طلعت شخصية جميلة خالص، بس عندها فرط حركة بتلف كتير ما شاء الله، عندها طاقة مش طبيعية، اقسم بالله بحس إن أنا امرأه مسنة جنبها.
ضحك ضحكة قصيرة: اه عارف، علشان كدة كل مل اكلمك اسألك اكلتك ولا لسه؟!
ضحكت باعتراض: حرام عليك، والله دي عسل خالص.
نظر لها بترقب، وتساءل: طب وأخبار الهانم معاكي ايه؟! ضايقتك في حاجه؟!
ثم اعتدل في جلسته وأضاف بتحفز: اسمعي يا مي، لو فيه حاجه ضايقتك من أي حد أيا كانت ايه هي الحاجه دى او مين هو، لازم تقولى لى فورا، اوعي تسكتي أو تخافي من أي حد أيا كان.
ثم تمتم في سره: أنا عارف العيله الشمال دى كويس.
اشارت بيدها مهدئة: إيه يا ابنى مالك، هو أنا داخله حرب.
ثم هزت رأسها بابتسامه: محدش ضايفنى خالص، بالعكس فايزه هانم لطيف خالص معانا، وبجد كويس إننا أخدنا رأيها، حقيقي شيك جدا وذوقها يجنن، وطريقتها جميلة اوي، حبيتها خالص.
اتسعت عيناه بصدمه، مشيرا إلى نفسه بفاه مفتوح: أمي أنا طريقتها جميله أوى وحبتيها خالص!!
هزت راسها بحماس هادئ: جدا، هانم كده في نفسها، ومحترمه، وذوق خالص.
اتسعت عيناه بصدمه اكبر: أنتِ بتتكلمي عن أمي أنا؟! فايزه هانم رستم أغا!!! هي عايشه بشخصيتن ولا ايه؟!
تسألت باستغراب: مالك يا رشدي.
قال وهو يضحك بسخرية: أنا دلوقتي بس فهمت، أنتِ حبيتيني ليه يا مشمش.
امالت رأسها بعدم فهم: مش فاهمة!!
أجابها ضاحكا، وحاول تغير الحدييث فقال بمكر واضح: مش مهم، بس مقولتليش جبتي لبس إيه امبارح؟
وانهي كلامه بغمزة
شهدت على حجابها بارتباك خجول: عادي يعني، شوز، وكام فستان، وطرح، وسكرت، بانطلونات، وشميز...و
قاطعها محركا حاجبيه بمشاكسه: مليش دعوة بدول، قصدي الحاجات التانية بتاعت البنات
غمز لها ثانية، وكأنه يتعمد إحراجها.
فرفعت يدها بسرعة وضربته على كتفه بخفة محاولة إخفاء إحراجها بابتسامة: احترم نفسك واتلم يا رشدي، والله هقوم اسيبك وأمشي!
ضحك مسمتعا برؤية خجلها، ثم قال رافعا كفيه باستسلام: خلاص خلاص اتلميت اهو، كلها كام يوم وأشوفهم على الطبيعه...
احمر وجهها بدرجة واضحة، وحركت يدها سريعا تعدل أطراف طرحتها بخجل، وهي تبعد نظرها عنه، وقالت بنبرة متلعثمه بشدة: طب يلا، كلم أخوك، وشوفهم فين خلينا نروح نشوف القاعه سوا.
اومأ لها، وأخرج الهاتف وهو ما يزال يراقبها بابتسامة صغيرة، بعينين مسلطه على ملامحها لا تتزحزح مستمتعا بخجلها، بينما نظرت هي بعيدا تحاول بصعوبة منع ابتسامتها من الظهور.
في احد الشوارع، 5:00 مساءً.
وقف مصطفي أمام سيارته يبدو عليه التوتر وبعد قليل جاء شاب بهيئه عاديه لكنها مهندمه.
نظر له مصطفى، وقال باستهجان: ايه يا احمد كل ده!!
احمد باعتذار موضحا: حقك عليا كان عندي ناس وحاطط التليفون على الصامت، ايه اللي حصل فهمني؟!
مصطفى بضجر: اخوها جه وعملي مشكله كبيره في العمارة، وهددنا ان هو هيبلغ ويعملنا قضيه.
تقلص وجه أحمد بتفكير: لا كده الموضوع دخل في حته تانيه خالص، ولازم نتحرك اسرع، المهم مشيوا من الشقة عندك ولا لسه ؟!
هز رأسه بإيجاب: ايوه انا اخدتهم مكان كده عند حد اعرفه.
اخذ احمد نفسا قصيرا قبل أن يضيف بجدية: انت كمان مينفعش ترجع البيت ولا تظهر، هو اكيد هيبلغ البوليس، ولانه خلاص عرف اسمك وعرف عنوانك فممكن يجيلك المستشفى.
لوح مصطفى بيده بازدراء: هو أي حد يروح القسم، يقول انا اختي شوفتها ماشيه مع واحد وقاعده معاه في شقه، يصدقوه؟!
أحمد بتوضيح: يابني مفيهاش قضية من الأساس ولا حتى محضر !!
مصطفى يتجهم: إزاي يعني؟ ده بيقول هيودينا في ستين داهية!
ابتسم احمد بسخرية هادئة: يا ابني أهو ده اسمه تهويش، آلاء راحت بمزاجها، معاك يعني مفيش خطف، ولا هتك عرض، ولا زنا لأنها مش متجوزة أصلا، ولا فعل فاضح لأنها كانت في شقة مش في الشارع، أي محضر هيعمله، هيسقط ويتحفظ بعد خمس دقايق فشوش، مفيش في القانون المصري حاجه تدين وجودها عندك إلا قضايا الزنا ودى الزوج اللى بيرفعها.
تنفس مصطفى بعمق: طب الحمد لله، يبقى إحنا كده في السليم؟
هز احمد رأسه ببطء: قانونيا أيوه بس اجتماعيا لأ، الفضيحة هتحصل لو هو عايز يعمل دوشة في الشارع، أو المنطقة، أو المستشفى ده سهل، ومش هيحتاج قانون، مجرد إنه يزعق، الناس هتتلم، وانت دكتور ليك سمعتك وهي بنت سمعتها هتبقي على المحك خصوصا انهم من منطقه شعبيه.
تراجع مصطفى خطوة للخلف، وصوت القلق يتسلل لحلقه: يعني برضو يقدر يعمل فضيحه، من غير مايمسك علينا حاجة؟!؟
زم احمد شفتيه: أيوه، ولو دماغه سودا، ممكن يأذيك أو يأذيها بدافع الشرف، والقانون ساعات بيقف في صفه، اوعى تستهون بحوار الفضيحة ده، خصوصا لما يكون عنده شهود، وهي طالعة ونازلة معاك، والناس بتصدق اللي بتحب تصدقه.
صمت مصطفى لحظات قبل أن يسأل بصوت منخفض: طب والحل؟
تنهد احمد، قبل أن يرد بثبات: بص الموضوع ليه 3 حلول، ومفيش رابع.
*يا إما تقعد مع الواد ده وتلم الدنيا بالفلوس وتديله المبلغ اللي أصلا بيسعى يجوزها بيببه غصب عنها..
*يا إما تعمله محضر " تعدي" بما إنه طلع مطوة وسط الناس وهو ممكن في المقابل يعمللك محضر "خطف أخته"، وده هيتقفل لما البنت تقول إنها كانت بمزاجها بس بعدها؟ ممكن يقول انك بتدير شقتك في حاجات مخالفة للآداب! ويتعملكم قضية آداب مش هتخلصوا منها، وممكن الموضوع يوصل لكشف عذريه للبنت وحاجه آخر مرمطه، بس ممكن انت ترفع في المقابل قضيه تشهير او سب وقصف، يروح هو ضارب نفسه باي حاجه ويقول ان انت تهجمت عليه، وتبقى قضية بقضية، ومش هنخلص، وانتوا الاتنين تتحبسوا، وهو شكله سوابق مش هيفرق معاه، أنت طبعا سمعتك اللي هتدمر.
رفع احمد حاجبه وهو يختم بوضوح: انت بتتعامل مع واحد معندهوش حاجة يخسرها، وانت عندك حاجات كتير تخسرها، انا من رايي الحل التاني ده بلاش، جرب تحلها بالفلوس.
شق مصطفى بقلق: انا ممعيش فلوس أدفعله!
رفع أحمد حاجبه وأضاف: يبقى مفيش قدامك إلا الحل الثالث والأخير، بس قولي الاول البت دي تهمك، ولا مش فارقة معاك؟!
هز مصطفى راسه بإيجاب: أكيد تهمني، البنت صغيرة وصعبانة عليا، وأمها استنجدت بيا وقالتلي بالحرف "ملناش غيرك " ومن ساعة ما عرفت إن الواد ده عايز يجوزها عرفي ويعمل فيها البلاوي دي أنا حسيت إني مينفعش أتخلى عنها، مش هحترم نفسي لو سبتها وقولت "أنا مالي" حتى لو ده يضرني، وبصراحة لو أنا بعدت؟ مش عارف الواد ده ممكن يعمل فيها إيه؟!
اوما أحمد برأسه: يبقي مفيش غير الحل الثالث انك تتجوزها، طبيعي مراتك تطلع على شقتها، ونقول إن اليوم اللي راحت فيه عندك كانت جاية عشان تحضروا لكتب الكتاب، وإنك كنت طالب إيديها، بس أخوها رفض علشان كان عايز يجوزها لواحد تاني غني.
اتسعت عينا مصطفى بصدمة: اتجوز مين يا احمد؟! انت عبيط؟! دى عيله صغيره.
ضحك احمد بخفوت: أنا مش بقولك اتجوز اتجوز، اكتب ورق بس زواج شكلي، يحميك ويحميها، ويبقلك حق تدافع عنها، ساعتها أي كلمة منه هتتقلب عليه هو، وخلاص مش هيعرف يعمل ولا فضايح ولا تشهير ولا يعمل اي حاجه لانها مراتك، إنما دلوقتي؟ انت مجرد دكتور يقدر يدمرك بفضيحة، دي ورق بسيط تنقل القوة من إيده لإيدك، يا تدفعله الفلوس زى ما قولتلك.
هز مصطفى رأسه بقهر: ممعيش والمبلغ اللي معايا اكيد مش هيكفيه.
تنهد احمد بعقلانية: هيوافق غصب عنه الواد مزنوق، زي مافهمت، ولو قولتله "أديلك جزء والباقي علي تقسيط" هيبلعها، هو محتاج الفلوس، متعرفش تستلفهم حتي؟!
مصطفى بصوت مكسور: الشخص الوحيد اللي ممكن يديني المبلغ ده، مستحيل أطلب منه، عشان لو طلبت هيفهم إني بستغل وقفتي القديمة معاه.
حاول احمد إقناعه: بس أنت فعلا مزنوووق.
غطى مصطفى وجهه بيده، وظل صامتا قبل أن يتمتم: مش عارف يا احمد هفكر وأشوف، يمكن أقدر أحلها ودي.
اوما أحمد وأشار محذرا: بس إوعي ترجع بيتك النهارده، شوف أي مكان تبات فيه، لحد ما نلاقي حل.
هز رأسه موافقا، وصعد سيارته بخطوات ثقيلة، ثم انطلق بها.
فيلا سليم وماسة، 7:00 مساءً
الحديقة
نرى سليم، يرتدي ملابسه المنزلية، ويمسح عرقه من جبينه بينما ينحني ليربط الحبال، كان يصنع أُرجوحة بيديه، بكل صبر واهتمام؛ يبدو انه ارد ان يسمع حديث الطبيب وان يخفف عنها.
وقف مكي بجانبه، فقال بجديه حينما رآه يتصبب عرقا: يا ابنى خليني أساعدك.
رفع رأسه وهو يلهث قليلا: لا، أنا اللي هعملها بإيدي.
قالها بإصرار وابتسامة صغيرة، وكأنه يصنع شيئ
عظيما لقلبه.
واصل العمل حتى انتهى، كانت الأرجوحة بسيطة لكن جميلة، تماما كما تحبها ماسة.
ربط الحبال بإحكام حول جذع الشجرة، ثم انحنى قليلا ولف عند العقدة شرائط صغيرة ملونة من القماش، بعدها أشعل الفوانيس الصغيرة واحدة تلو الأخرى، فتوهج المكان بضوء دافئ، وانعكست الإضاءة على أوراق الشجر في مشهد حميمي.
تراجع خطوة للخلف، تأمل ما صنعه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة فخر خفيفة، والتفت الي مكي متسائلا: إيه رايك؟!
مكي بابتسامة واسعة: جميلة بصراحة، تسلم إيدك.
وقبل أن يرد سليم، اقترب منهما عثمان قائلا بنبرة مترددة، وهو يقف باحترام: سليم بيه، ممكن أمشي ساعتين وأرجع؟ مراتي تعبانة، وهوديها للدكتور.
توقف عن الابتسام ، ورمقه للحظة طويلة، نظرة ثابتة تحمل تفكيرا صامتا، شعر بشيء خفي خلف الطلب، إحساس لم يستطع تفسيره!!
اومأ بهدوء حذر: ماشي، ولو حابب تيجي بكرة، مفيش مشكلة، ألف سلامه عليها.
عثمان بسرعة وكأنه يقطع الشك: لا، كفاية ساعتين،
وأنا ظبطت مع صبحي بعد إذنك.
تحرك مبتعدا بخطوات سريعة، تابعه مكي بنظره حتى اختفى، ثم التفت إلى سليم، بملامح مشدودة: أنا مش مطمن.
رد سليم دن ان يبعد نظره عن الاتجاه الذي تحرك فيه عثمان: وأنا، مستني إيه؟ وراه، بس خد بالك.
هز مكي رأسه بثقة: متقلقش.
وتحرك مبتعدا، بينما ظل سليم واقفا مكانه، عينيه معلقتين بأثرهما، والتفكير واضح في نظراته.
ثم همس لنفسه: يا ترى وراك إيه يا عثمان؟!
صمت للحظات، ثم هز رأسه كأنه يطرد الفكرة، لا يريد لها أن تفسد جمال اللحظة، أخرج هاتفه، ضغط على اسم عشقي واتصل، انتظر… ولا رد.
زفر بهدوء، وقال في نفسه: شكلها لسه نايمة.
أعاد الهاتف إلى جيبه،و تحرك متجها إلى الداخل، بخطوات بطيئة، وقلبه معلق بين فرحة يحاول الحفاظ عليها، وقلق لم يجد له تفسيرا بعد!!
على اتجاه آخر…
غرفة نوم سليم
كانت ماسة غارقة في سبات عميق، ملامحها ساكنة، لكن ابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيها، ابتسامة صادقة توحي بأنها تحلم بشيء جميل، شيء بعيد عن القلق.
داخل الحلم، سويسرا.
مظهر عام للجبال الشاهقة، قمم خضراء تلامس السماء، شلالات مياه تنساب بقوة وهدوء في آن واحد، مساحات خضراء ممتدة كأنها لا نهاية لها.
في المنتصف، بيت كبير من الخشب، مكون من دورين يحيطه الدفء والبساطة.
تعلو أصوات ضحكات أطفال، بنتان وولدان يركضون خلف بعضهم بمرح، ضحكاتهم تملأ المكان حياة.
كانت ماسة وسليم يجلسان على أرجوحة خشبية، تتأرجح بهدوء، ينظران إلى الأطفال بعيون ممتلئة بالحنان.
رفعت ماسةصوتها قليلا، بابتسامة أم خائفة: يا جاسر، متجريش بعيد، وخد بالك من إخواتك.
ضحك سليم بخفة، مال برأسه نحوها: سيبيهم براحتهم يا عشقي.
مالت ووضعت رأسها على كتفه، ملامحها يشوبها قلق لطيف بدلال: بخاف عليهم يا كراميل.
لف ذراعه حول ظهرها، يشدها إليه بحنان، ويطبع قبلة دافئة على جبينها قائلا بهمس عاشق: متخافيش يا عشقي.
ظلان ينظران للأمام لثواني، وابتسامة هادئة تخرج من القلب قبل أن تظهر في العينين، بسعادة خالصة صافية.
نظرت إليه بعينين تلمعان بمزاح ناعم: نفسك في إيه يا سلوملوم؟
مد يده ببطء ووضعها على بطنها بحنان: إن البيبي اللي جاي تكون بنوته شبهك، نفس عيونك الزرق اللي بعشقهم، وعنادك وجنونك.
ابتسمت ولمعت عيناها بخفة: أنا بحبك أوي.
قرب وجهه منها: وأنا بعشقك.
ظلا يتبادلان النظرات، عشق كبير، شوق متراكم، لهفة تسكن الصدر، اقتربا أكثر، وتلاقت شفاههما في قبلة عميقة، قبلة مليئة بالهيام، كأن الحلم اختصر كل ما تتمنياه في لحظة واحدة.
في الواقع، كانت الابتسامة ترتسم على شفتيها، أوسع وأصدق، كأن أثر الحلم ما زال عالقا بها.
في تلك اللحظه دخل سليم الغرفة بهدوء، وما إن وقعت عيناه عليها حتى ارتسمت ابتسامة تلقائية على وجهه.
توقف لحظة يتأمل ضحكتها باستغراب محبب، ثم اقترب وجلس إلى جوارها على الفراش.
سليم بصوت ناعم، وهو يمد يده نحوها: عشقي، يلا قومي ..
مال عليها قليلا، قرب وجهه من وجهها برفق، ومسح على خدها بإبهامه قائلا بدلال: قطعة السكر، يلا اصحي.
بدأت تحرك عينيها ببطء، بين بقايا الحلم والواقع، وابتسامة حالمة على شفتيها، قالت بصوت مبحوح من النوم: سليم أنا بحبك اوووى..
وفجأة، لفت ذراعها حول عنقه، وجذبت وجهه إليها، ووضعت شفتيها على شفتيه في قبلة عميقة.
تجمد سليم للحظة، واتسعت عيناه بدهشة، ثم سرعان ما استسلم للموقف وبادلها القبلة بحرارة، كأنه اختار أن يعيش اللحظة التي تتمناها.
تعمقت القبلة، ازداد الشوق، وماسة مندفعة وهي تظن أنها ما زالت داخل الحلم.
بعد لحظات، اقترب سليم أكثر وضمها بذراعيه وزادت القبله حرارة وهما يتبادلونها، وحينما بدأت الرؤيه تتضح أمامها، شهقت وفتحت عينيها على وسعهما، وابتعدت بسرعة.
لا تصدق أن كل ما عاشته الآن كان واقعا ملموسا وليس حلما، فابتلعت ريقها بتوتر، لا تصدق أنها من بادرت بمثل هذه اللهفه، هى فقط أرادت الهرب من التوتر والضغط التى تحياه، بحلم جميل تمنت لو كان بإمكانها العيش فيه إلي الأبد، ولكن لم تكن تدرك أنا بعض تفاصيله كانت واقعا ملموسا بالفعل.
ابتعد سليم قليلا وهو يبتسم باستمتاع: في إيه؟
ماسة بانفعال وخجل: أنت إيه اللي بتعمله ده؟
رفع يديه ببراءة مصطنعة: والله ما عملت حاجة! أنتِ اللي بوستيني.
اتسعت عينيها: أنا؟!
سليم ضاحكا بمزاح: آه والله، كنت طالع اصحيكي، وفجأة لقيتك حضنتيني وبوستيني، واتحرشتي بيا كمان، أنا مليش دعوة!
جلست بسرعة، تضم الغطاء إلى صدرها، وقالت محرجة: كنت بحلم، أنت ما بتصدق؟
مال برأسه بابتسامة ماكرة: ما أنا قولتلك يا قطعه السكر، لو أنت اللى قربتي مش هقولك لاء ..
ثم ضيق عينه بمكر محبب: وبعدين كنتي بتحلمي إنك بتبوسيني؟! وحشتك أوي كده؟!
قالت بتتلعثم بتصنع الاستهبال: إيه؟!
سليم بخبث: بقولك وحشتك أوى كده؟!
ماسة باستهبال: مين؟!
مازحها سليم: استهبلي استهبلي، إيه مش سمعاني؟!
رد ضاحكه: لا
قال ضاحكا: اه فقدتي السمع دلوقتي!؟ ماشي يا قطعه السكر، ربنا يكتر من الأحلام الحلوه دى، بس المره الجايه خليها اغتصاب علطول وأنا راضي.
ضحكت برقة وخجل، وقالت بعصبيه محاولة مدارة خجلها: طب اتلم بدل ما اعضك والله، أنت بقيت قليل الأدب كده ليه.
ضحك بعلو صوته، ونهض يمد يده لها: طب يلا قومي عاملك مفاجأة.
تساءلت بابتسامه واسعه: مفاجأة إيه؟
سليم وهو يشدها: مفاجأة وخلاص، وقبل ما تتكلمي، أنا لابس زيك اهو، لبس البيت.
ضربته على كتفه بخفة: بس بدل ما اعضك!
ضحك، وشد يدها لتنهض: يلا يا لمضة.
الحديقة
هبطا معا إلي الحديقة وهما يمسكا بيد بعضهما البعض، وفور وصولهما أشار لها بيده نحو الأرجوحة، بابتسامة واسعة ترتسم على وجهه: عملتلك دي.
اتسعت عيناها باندهاش طفولي، وابتسمت ابتسامة كبيرة من القلب: الله تحفة!
اقتربت تلمس الحبال بيدها: انت اللي عملتها بإيدك؟
هز رأسه بابتسامة واسعه: أه والله، مخلتش حد يساعدني خالص.
هزت رأسها بإعجاب لا تخفيه: تحفة يا سليم.
جلست فورا على الأرجوحة، قدماها تتدليان، ثم نظرت له بحماس: زوق!
ابتسم وهو يقترب خلفها، ووضع يديه بخفة على ظهرها ليدفع الأرجوحة، وقال بصوته الدافئ: من عيوني يا ماستي الحلوه...
أخبرها بإبتسامة وهو يدفعها برفق: أنا اللي صممتها وخلتهم يجيبولي المعدات، وركبتها..
ارتسمت إبتسامة لطيفه على شفتيه وأضاف: علشان قريت في كتاب إن الهدايا اللي معموله بمجهود، قميتها أغلى من الهدايا الغالية اللي بتتقدر بملايين الجنيهات، فقولت أعملك حاجة بإيدي.
أمسكت الحبال بكفيها كأنها تضم الهدية نفسها: فعلا انت لما بتعملي حاجه بايدك بالنسبالي بتبقى احسن مليون مره عن لما بتجيبلي اسوره الماظ ولا خاتم،
تاملت الارجوحه بعينيها: تحفة بجد، تسلم إيدك، تعرف وحشني أوي الأيام دي.
رد عليها وهو يعيد دفعها: إحنا اتفقنا مش هنفكر في أي حاجة وحشة.
اومات براسها بطفوله: ماشي.
داعبها بمزاح: يلا خليني امرجحك بمرجلة.
ضحكت من قلبها: انت لسه فاكر؟!
اقترب من اذنها هامسا: أنا قولتك قبل كده، استحالة أنسى حاجة انتِ قولتيها.
مالت براسها نحوه، تبادلا النظرات بعشق غامر بعينين لا ترمش، بانفاس مختلطه مرتفعه للحظات، اخذ يسبحان في اعين بعضهما بعشق، وبعد لحظات اشاحت بوجهها للامام وقالت: يلا.
انتصب في وقفته وقال: جاهزه علشان ازوقك بمرجله
قهقهت، وتمسكت بالحبال بقوة: جاهزه
وبينما كان يدفعها بخفة، كما تحب دائما، كانت الأرجوحة تتحرك ببطء، والوقت يمر بين ضحكاتهما دون أن يشعرا.
تسللت البهجة إلى قلب ماسة، فنسيت تقريبا كل ما مرت به خلال اليوم، وكأن تلك اللحظة محت آثار التعب واحدة تلو الأخرى.
أما سليم، فحاول هو الآخر أن يترك خلفه ما حدث،
مستجيبا لنصيحة طبيبه، باحثا عن هدوء مؤقت يجمعه بها.
كلاهما كان ينفذ ما طلب منها، لا عن ضعف، بل عن رغبة صادقة في أن ينعما بحياة أكثر طمأنينة، على أمل أن يأتي الوقت المناسب، الذي تقال فيه الكلمات المؤجلة، ويفصح فيه القلب عما أخفاه طويلا.
أمام المستشفى، 7:00 مساءً
كان الجو مشحونا أمام بوابة المستشفى، والهواء يحمل أصوات سيارات تمر مسرعة، بينما توقف محمود بجوار موتوسيكله، متكئا عليه بكتفه، يراقب البوابة بعينين ضيقتين توحيان بالترقب والقلق.
إلى جواره وقف توتو، يضرب كفا بكف، ويمد عنقه ناحية الطريق كأنه يبحث عن شبح قادم من بعيد.
قال توتو وهو ينفخ بضيق: انت إيه اللي ضمنك يعني إنه هييجي النهارده؟
حرك محمود قدمه على الأرض بعصبية، ثم مسح على ذقنه: ما أنا سألت الواد بتاع الأمن، وقالي عنده شفت سهر، ولو مجاش نجيبه...
هز توتو رأسه بتردد: ماشي.
مر الوقت بطيئا، دقائق ثقيلة كأنها عالقة بين السماء والأرض، وفجأة توقفت سيارة مصطفى أمام البوابة.
لمحها محمود أولا، فاعتدل واقفا بسرعة، وصوته ارتفع بحماس غاضب: أهو وصل بسلامته! يالا يا توتو.
تقدم مصطفى نحو البوابة بخطوات هادئة، لكن قبل أن يصل إليها، انقض عليه محمود وتوتو من الجانبين كأنهما كمين محكم، ليغلقا عليه الطريق.
رفع محمود ذقنه في وجه مصطفى، وابتسامة مستفزة ترتسم على شفتيه: ايه يا بطل الأبطال، داخل كده عادي؟ ولا كإنك عامل حاجة!
تنفس مصطفى بعمق، محاولا الحفاظ على هدوئه: بقولك إيه، خلينا نتكلم بهدوء، أنت عايز إيه؟
لوح محمود بيده بحدة: طب ما أنا قولتلك تعالى نحلها ودي، وانت اللي مرضيتش.
شد مصطفى كتفيه قليلا: ماشي، عايز إيه؟
اقترب محمود منه خطوة، كأنه يستمتع بالضغط عليه: أنا عايز أختي.
شد مصطفى حاجبيه، وصوته علا قليلا: عايزني أسلمهالك أزاي، وانت عايز تجوزها لراجل قد أبوها وعرفي؟!
انخفض صوت محمود وهو يلوح بيده باستهزاء: وانت مال أهلك؟
حاول مصطفى التحكم في أعصابه، فرفع كفه كأنه يوقف موجة غضبه: طب من غير غلط، خلينا نتكلم بأدب.
لكن توتو تدخل فجأة، واقفا بينهما وهو يضحك بسخرية: بقولك إيه يا دكترة، لو انت عايز البت إديها حقها.
رمش مصطفى بعدم استيعاب: حقها؟!
اقترب محمود حتى كاد أن يصدمه بجبينه: أيوه حقها تيجي تطلبها منى بالحلال، وتدفعلها مهرها وشبكتها، ووقتي مليون جنيه مينقصوش مليم.
اتسعت عينا مصطفى: عايز تبيع أختك بالفلوس؟!
رد محمود دون تردد، مشيرا لنفسه بفخر زائف: أنا هجوزها بالحلال على سنة الله ورسوله، الجواز أصله قبول ورفض، والناس تكون عارفة، وأنا عارف، إيه بقى الحرام في كده؟
ارتفع صوت مصطفى هذه المرة رغم محاولته للتهدئة: الحرام إن أختك رافضة! والحرام إنك تتجوزها عرفي؟! ليه ترمي أختك كده؟!
لوح محمود بيده أمامه بقوة: ملكش دعوة! إحنا أسبابنا إيه؟! مش انت عاملي فيها بطل الأبطال! خلاص يا بطل اتجوزها! عشان صدقني، اللي أنا عملته في العمارة هعمله هنا وفي أي مكان هتشتغل فيه، أنا جبت كل عناوينك ولحد دلوقتي، مروحتش القسم ومقولتش إنك مدورها انت وأختي! في شقتك.
شهق مصطفى، وصدمته الكلمة: هو انت محترم نفسك وانت بتقول الكلام ده عن أختك؟! وانت عارف ان هو غلط وعايز تفضحها؟!
انفجر محمود فيه بنظرة وحش مطارد: على أساس يعني إن انت وهي كنتوا بتقرأوا قرآن وهي عندك في الشقة؟
ارتفع صوت مصطفى فجأة، بخط دفاعي صادق: أقسم بالله اختك عندي علشان أحافظ عليها منك، مش علشان القذارة اللى في دماغك دي!
لوح محمود بكفه بعنف: أنا قولت اللي عندي.
تقدم مصطفى خطوة للأمام وهو يضغط أسنانه: وأنا كمان بقولك اللى عندى، اختك وأمها هيفضلوا عندي، وأنا اللي هقفلك وهحميهم منك، وانت اعمل اللي انت عايزه، مش هاممني.
ضحك محمود ضحكة قصيرة، مليئة بالتهديد: وأنا اللي عندي كتير! وهيزعلك، قابل بقي..
وفجأة علا صوته وهو يصيح: يعني برضو جايلك باحترام وأقولك اتجوز البنت بدل ما أنت ماشي معاها تقول لا؟!
اتسعت عينا مصطفى بذهول: أنت اتجننت؟!
اتسعت عينا محمود وهو يصيح مما جعل الجميع ينتبهون للحديث: اتجننت علشان بقولك اتجوزها؟! فين المدير اللى هنا، أنا عايز مدير المكان.
زقه محمود بعنف ودخل المستشفى من بوابة الاستقبال، وصوته يجلجل في المكان، يجذب الأنظار: أنا عايز مدير المكان! يشوف المستشفى دي! الممرضات هنا بيشتغلوا ولا بيتشقطوا؟!
اشتعل غضب مصطفى، واندفع خلفه: انت محتاج تتربى!
حاول ضربه، لكن توتو ظهر خلفه بسرعة، ماسكا إياه من الخلف، بينما محمود وجه ضربة خاطفة لوجه مصطفى.
تجمع الأمن سريعا، أصوات صراخ وزعيق، هرج ومرج داخل الاستقبال.
صرخ محمود وهو يتصنع المظلومية: انت كمان بتضربني؟! علشان بدافع عن شرف أختي؟!
في تلك اللحظة ظهر المدير مسرعا، وجهه متوتر: في إيه هنا؟! أنا المدير!
رفع محمود يده عاليا كأنه يقدم بلاغا رسميا: أيوه يا بيه، أنا عايز اشتكيلك من اللى بيحصل في المستشفي عندك!
امسكه توتو من ذراعه محاولا تهدئته: استنى يا محمود، مش قدام الناس، ده برضو شرف وسمعة أختك، تعالى نتكلم جوه المكتب.
مسح مصطفى وجهه بتعب، وقد بدا عليه الانكسار والغضب معا، فهو في وضع لا يحسد عليه الآن ولا يعلم ما الذي ينبغي عليه فعله؟! فاتجه معهم إلى مكتب المدير بصمت.
في المكتب
كان الطبيب المناوب والممرضة والسكرتيرة يقفون بارتباك.
رفع المدير حاجبه وتساءل بحدة: خير؟ إيه اللي حصل للمشاكل دي؟
تقدم محمود خطوة للأمام، نافخا صدره: أختي آلاء الممرضه يا باشا، ماشيه مع الدكتور ده! والنهارده قفشتهم في شقته، وروحتله وقلتله اتجوزها، واكتب عليها! وهو مش عايز، وبيقولي "مفيش جواز.
صرخ مصطفى: انت كذاب! والله العظيم كداب.
التفت له محمود، ووجهه اشتعل غيظا: أنا مش كذاب، أنا معايا صور! وأنت داخل العمارة انت وهي! والجيران كمان تشهد، واخدها شقتك تعملوا إيه؟ فاكرني هسيبك؟
رفع المدير كفه يطلب الصمت: بس! الحاجات الشخصية دي تتحل بره المستشفى، مش عندي هنا.
محمود بصوت مبحوح من الغيظ: يعني ايه يا بيه، مش هتجيبلي حق اختي؟ بقولك واخد اختي عنده الشقه، ومش عايز يديهاني.
رد المدير ببرود متوتر، وكأنه يريد إغلاق الصفحة سريعا: احنا ملناش دعوة بالحاجات دي، مشاكلكوا تحلوها بره المستشفى، عندك القسم روح بلغ، روح شوفلك حل، وإذا كان على أختك فهي مرفودة من اللحظه دى.
وضع توتو يده على كتف محمود محاولا تهدئته: خلاص يا حودة، يلا نطلع على القسم، ونشوف هناك هنعمل ايه.
لكن محمود لم يهدأ، بل التفت نحو مصطفى وجره من ذراعه، واقترب من وجهه وهدر بصوت منخفض لكنه مرعب: رجع البت أنا بقولك أهو، قصادك ساعة، لو تليفون أمي متفتحش وقالتلي تعالى خدني من المكان اللي هي فيه، والله العظيم هطلع على القسم وأقول إنك مدورها في شقتك، وحلني بقى لحد ما تثبت العكس.
خرج محمود مع توتو في الممر، بخطوات سريعة متوترة، وملامحه كأنها صخر مشقوق بالنار، بينما قال توتو وهو يلوح بيده بضيق: اللي انت عملته ده مكانش يصح، كده اختك سمعتها بقت زفت في المستشفى.
رد محمود بعناد أسود: انا عايزها تبقى زفت، علشان متخشش هنا تاني، وتيجي محتاجة الفلوس، وهو كده كده هيظهرها، أصل هو مش هيقدر يتحمل سمعته اللي بقت زي الزفت هنا وهيتخلى عنها، وساعتها هي تيجي تبوس رجلي علشان أجوزها، وبعدين قولتلك الحاج قالي هديني الفلوس خلاص.
هز توتو رأسه بيأس: خلينا نشوف.
في مكتب المدير كان الجو مشحونا.
وقف مصطفى أمامه، بوجهه شاحب لكنه يحاول التماسك.
قال المدير بنبرة غاضبة متحفظة: بص يا مصطفى، انت دكتور محترم، وبقالك سنين معانا، وكلنا بنقدرك، بس اللي أنا سمعته ده...
قاطعه مصطفى بانفجار: والله العظيم كداب! امها بايته معاها.
رفع المدير حاجبيه بصرامه: كداب مش كداب انا مليش دعوة، بس اللي حصل ده مينفعش، البنت دي مش هتخش هنا تاني، أما حضرتك أنا مش عارف بقي، هتعرف تتعامل تاني مع المرضى والزملاء بعد اللي حصل ده ولا لأ..؟!
نظر له مصطفى نظره طويله لا يعرف ماذا يقول لكن انتبه للهمهمات التي خلفه، من السكرتيره والممرضه، فابتلع ريقه، وخرج دون كلمة.
الممر بدا أطول مما كان، والهمسات تتخبط حوله كالرصاص، كل عين ترتفع نحوه كانت كأنها سكين، شعر بأن الأمور تفلت من يده، وأن سمعته التي بناها لسنوات تتهوى أمامه لحظة بعد لحظة.
توقف للحظة، وأعاد كلمات أحمد في رأسه " اتجوزها على الأقل تحمي سمعتها وسمعتك".
وتذكر كلمات محمود عندما قال "هروح القسم واقول انك مدورها"
أغلق عينيه وتنفس عميقا، كأن شيئا ينهار بداخله.
عاد إلى المكتب المدير فجأة وفتح الباب دون استئذان، كانت السكرتيرة، والطبيب، والممرضة، وكأنهم كانوا يتحدثون عنه للتو، قرأ وجوههم جميعا، وحين شاهدوه توقفوا عن الحديث...
قال بهدوء غريب وكأنه يرمي قنبلة: على فكرة، آلاء مراتي، احنا متجوزين، وأخوها كان عايز يجوزها لواحد تاني، وانا حاولت أروحله كذا مرة وهو كان بيرفضني علشان عايز يجوزها لحد غني، انا مكنتش حابب اقول علشان طريقه جوازنا يعني، بس إن الموضوع يوصل لحد شرفها لا مش هسمح بكده، وبكرة هاجيبلكم ورق يثبت كلامي، لحد ما القسيمة تطلع...
شهق المدير بدهشة: انت بتتكلم جد؟
رد مصطفى بثبات مصطنع: أيوه بتكلم جد، انا بس مكنتش عايز أقول غير لما الوثيقة تطلع، بس هجيب من المأذون ورقة تثبت كلامي وبكرة تكون عندكم، واللي عنده كلمة يخليها لنفسه، آلاء مراتي أشرف من الشرف نفسه، وإياكم أسمع حد بيقول عليها نص كلمه.
قال كلماته وخرج مسرعا وهو يمسح وجهه براحة يده، لم يعرف كيف خرجت الكلمات منه، لكنه شعر أنها الخيار الوحيد، والباب الأخير قبل سقوط الجميع في الهاوية.
قصر الراوي، 7:00 مساءً
السفرة.
جلس جميع أفراد العائله، حول مائدة العشاء، الأطباق متفرقة، والحديث يدور بهدوء.
تساءلت فايزة بتهكم: جبت هبه برضو يا ياسين؟
رفع كوب العصير ليأخذ رشفة قصيرة، ثم وضعه على الطاوله بهدوء: كانت لازم تيجي، علشان تشوف الاستراحة ونبلغ البنت بخبر جوازي، احنا سالنا ثيرابيست في الموضوع ده، وقال لازم نوصلها الموضوع مع بعض بهدوء، وفي نفس الوقت مينفعش حد فينا ينسحب ويختفي من حياتها فجأة.
فريده بتأييد: برافو عليك.
تساءل طه بتوجس: طب والبنت عملت إيه؟
ياسين موضحا وهو ياكل مافي الشوكه: فرحت لانها بتحب لوجين
فريده: يا روحي نالا صغيرة، ومش فاهمة يعني إيه طلاق.
هز عزت رأسه ببطء، وقال معاتبا: فايزة قالتلي على موضوع الاستراحة وأنا موافق، البنت برضو مينفعش تعيش بعيد عن مامتها، مع إن اللي حصل ده المفروض يبقى ثمنه كبير بس علشان خاطرك وعلشان خاطر البنت، انا هوافق، رغم انك مخذتش رايي، وجبتها ودخلتها القصر، ومشيت في كل حاجه من غير ما ترجعلي!؟
مال ياسين للأمام، بحسم: أنا مصلحة بنتي عندي أهم من أي معتقدات أو أي كبرياء، بعدين هو انا ممنوع استقبل ضيوفي في القصر!؟
فايزه بشدة: استقبل اي حد الا البنت دي.
ياسين بهدوء: هي مش هتيجي تاني.
مالت منى للأمام قليلا، ولمعت عينيها بالفضول: ويا ترى بقى بلغت لوجين بالخبر ده؟
هز ياسين رأسه مطمئنا: أكيد بلغتها، وهي رحبت جدا ووافقت، بالعكس، هي أصلا اضايقت إن لحد دلوقتي ماخدتش خطوة زي دي.
ضحك رشدي بخفة: القطة الشيرازي طيبة قوي، شكلها مش عارفة قوانين عيلة الراوي، هتتعب معانا خالص، خلى بالك منها، علشان إحنا عيله مليئة بالحربوقات.
رفعت فايزة حاجبها بهيمنه: بكره تعرفها هي ومراتك، بما إنها يعني فاضل كام يوم وتبقى مراتك.
ابتسم رشدي، ووضع كوعه على الطاولة وهو يهز رأسه ساخرا: آه، على فكره مي عاجبها أوى طريقتك وزوقك في الديكورات، تخيلي يجي اليوم اللى يتقال فيه على فايزه هانم شخصيه لطيفه..
هزت فايزة راسها بإيجاب: طبيعي، بنت عندها نظر.
هز رأسه بثقه: آه طبعا، مش أختارتني.
ساد الصمت في المكان، وتابعوا تناول العشاء بهدوء.
في أحد التكاسي الاجره، 8:00 مساءً.
كان مكي يقود التاكسي بثبات، بينما أعصابه مشدودة كوتر على وشك الانقطاع.
ملابسه بعيدة تماما عن بدلته السوادء المعتادة؛ قبعة منخفضة، سترة فاتحه كوفيه، وملامح مطموسة لا تثير الشك، بدا كأي سائق عابر ولكنه لم يكن كذلك..
كان يقود بهدوء مصطنع، عيناه مثبتتان على السيارة أمامه، يلاحقها عبر التفافات الشوارع الضيقة دون أن يقترب أكثر من اللازم.
بعد عدة لفات مفاجئة، توقفت السيارة التي يراقبها داخل أحد الأزقة شبه المعتمة.
خفف السرعة وتوقف بعيدا قليلا، سحب الهاتف سريعا، نظر إلى الموقع ليتأكد، ثم رفع عينيه في اللحظة نفسها، فوجد عثمان ينزل من السيارة وهو يلتفت حوله بحذر واضح، كتفاه مشدودتان، ونظراته سريعة كأنها تحسب كل حركة حوله.
مال مكي بجسده قليلا داخل المقعد، يخفي ملامحه، لكن عينيه لم تتركا عثمان لحظة.
راقبه وهو يقترب من سيارة أخرى مركونة على بُعد خطوات، فتح الباب وانطلق بها فجأة، بعجلة
في اللحظة نفسها، استقام مكي مسرعا، ضغط على دواسة الوقود بقوة، وانطلقت سيارته خلفه دون تردد
قال في نفسه، بنبرة مشحونة: واضح إن وراك بلاوي يا عثمان، يا تري رايح على فين وعمال تأمن نفسك بالشكل دي؟
وظل هكذا يتحرك خلفه حتى وصلا الى هضبة المقطم، ركن مكي التاكسي بعيدا، وأطفأ المحرك، وساد صمت ثقيل.
نزل بخفة، انحنى قليلا، وتحرك بين الصخور بحذر شديد، تعثرت قدمه بحجر صغير...
وتجمد في مكانه، لثواني بدت كالدهر، ثم أكمل السير، وأخرج نظارة مكبرة وثبت نظره.
فرأي سيارة أخرى تتوقف، ونزل منها عماد بثقة باردة، فاقترب عثمان نحوه، وصافحه بحرارة شديدة، وتبادلا كلمات لم تصل إليه..!!
اتسعت عينا مكي، وارتفعت أنفاسه، ورفع النظارة مرة أخرى ليتأكد من حقيقة ما تراه عيناه، وكأن عقله يرفض تصديق ما يرى..!!
ثم أخرج هاتفه، قرب العدسة، وثبت الزوم،
والتقط صورة.
ثم أخرى.
ونظر للصور بابتسامه متمتما: دى كده اللعبه احلوت قوي...
تفتكرو ايه هيحصل بعد ما مكي كشف عثمان مع عماد؟!