
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم ليله عادل
️
{ ما أصعب أن تعيش حياتك كلها وأنت محاصر بالخوف والتهديد، وأن تأتيك الطعنة من أقرب من تظنه أمانك، الحياة قاسية، ومليئة بالاختبارات والندوب.قلة فقط ينجون، وحتى من نجا، لم يخرج سالما؛خرج مثقلا بجراح لا تُرى، لكنها تثقل الروح وتغير الملامح، كن على يقين: هكذا هي الحياة.}
ليلةعادل✍️🌹
الفصل الثاني والعشرين 🤫♥️
[بعنوان: الليلة الفاصلة]
اتسعت عينا مكي، ورفع النظارة مرة أخرى ليتأكد أن ما تراه عيناه حقيقي، وكأن عقله يرفض التصديق!!
أخرج هاتفه وقرب العدسة، والتقط صورة، ثم أخرى.
تأمل الصور بابتسامة جانبية وهو يتمتم: دي كده اللعبة احلوت أوي.
ابتعد بخطوات محسوبة بظهره، وغادر المكان بهدوء، كأنه لم يكن هنا من الأساس.
عند عماد وعثمان
كان عثمان وعماد متوقفين أمام بعضهما.
عماد بلهجة عادية تخفي ما خلفها: إيه الأخبار؟
عثمان بحذر: كل تمام، طلبت تقابلنى ليه خير؟
اقترب عماد خطوة: عايزك تعرفني كل تحركات ماسة الفترة الجاية.
تنهد عثمان: للأسف عشري حطني من حراسة الفيلا، ومرضتش أصر علشان ميتشكش فيا.
لوح عماد بيده بلا مبالاة: مش مهم، بس حاول مرة تكون خارجة من غير سليم لوحدها، تعرفني خط سيرها، وانا هعرف ازاى احبس سليم في المجموعة.
هز عثمان رأسه: تمام، حاجة تانية؟
هز عماد راسه بلا، أضاف وهو يهم بالتحرك: طب همشي أنا بقي لأني قولتلهم ساعتين وراجع.
وما كاد يبتعد، حتى اوقفه صوت عماد الذي تساءل بمكر: إلا قولى يا عثمان، هي كانت تستاهل كل ده؟ للدرجة دي بتحبها؟
التفت اليه ببطء، وتساءل وهو يضيق عينيه: هي مين؟
ابتسم عماد ابتسامة باردة: اللي دخلت حرب مع سليم الراوي وبتعمل كل ده عشانها، تفتكر سليم لو عرف انك الخيان هيعمل فيك ايه؟!
تبدلت ملامح عثمان، وصوته خرج مشحونا: طبعا بحبها وكنت خلاص هتجوزها، وهو جه وضيع كل حاجة.
عماد ببرود مقصود: طب ليه مخلصتش عليه؟
عثمان وهو يضغط على كلماته: هستفيد إيه بموته؟
هيرجعلي جميلة؟ بالعكس، أنا كنت مستني يقع في الحب، علشان ادوقه العذاب، ويتحرم من حبيبته زي ما حرمني..
أضاف بحقد وشماته: لما ماسة اتخطفت زمان وشوفت عذابه فرحت، وقولت خلاص كل فترة اعيشه نفسى الوجع والخوف من الحرمان، عذاب ميحسش بيه إلا اللي حب.
قضب حاجبه متعجبا: المفروض كنت تقتلها، ما هي بترجع له تاني ولا كأنه حاجة حصلت.
ابتسم عثمان ابتسامة قاسية: بس سليم بقاله عشر سنين متعذب وبيتوجع، وكل ما أشوفه بالحالة دي أحس إن حقي بيتاخد، وقريب ولو أنت معملتش اللي ناوي تعمله مع ماسة، أنا هعمله وهحرمه منها.
سأله عماد بنبرة اختبار: مش خايف يكشفك؟
عثمان بثقة باردة: مستحيل، أنا آخر واحد سليم ممكن يشك فيه، أنا فديته مرتين بحياتي، علشان أكسب ثقته.
هز عماد رأسه: بس متراهنش كتير على ثقه سليم الراوي، علشان دي بيشك في صوابع إيده.
ضحك عثمان باستخفاف: متخافش عليا يا عماد باشا.
ثم توقف فجأة، وضيق عينه بتساؤل: بس أنت عرفت موضوع جميلة منين؟
ضحك عماد بخفة مستفزة: معرفش حاجه، أنا رميت الصنارة بس، وأنت بلعتها، طلعت خفيف خالص يا عثمان.
شد عثمان فكه: أنت بتوقعني!
عماد بهدوء قاتل: مش بوقعك، بس كنت عايز أطمن، وأعرف خيانتك جاية منين.
عثمان بثبات مظلم: متقلقش أنا باخد حق حبيبتي من سليم.
أنهى عماد الحوار وهو يستدير مبتعدا: عموما، نفذ اللي اتفقنا عليه، سلام.
قال كلماته تلك ثم استدار وابتعد، تاركا عثمان واقفا بمفرده.
ظل عثمان مكانه للحظة، عيناه شاخصتان، وعقله يعمل بجنون، يفكر في الخطوة التالية، وفي أي طريق سيسلكه لينتقم من سليم، انتقاما يليق بكل ما تراكم في صدره من نار.
_______💕بقلمي_ليلةعادل💞_______
سياره مصطفى7:00 مساء
خرج من المستشفى بخطوات متثاقله وهو شبه تائه، صعد سيارته وأغلق الباب خلفه وهو ينهج بخفة، جلس خلف الدركسيون صامتا، يده ترتجف فوق المقود، وصدره يعلو ويهبط بسرعة وكأن قلبه يحاول الفرار من جسده.
أسند جبينه على المقود للحظة، وعيناه تتلفتان في الفراغ، لا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله، والأفكار تتزاحم في عقله وتنهال عليه دفعة واحدة: كلام محمود وتهديده، صوت آلاء وهي تبكي، وآثار الضرب على وجهها، جملة أمها وهي تمسك يده بارتعاش "ملناش غيرك يا ابني…"
شد شعره بأصابعه بقوة، وزفر بقوة: أنا عملت إيه؟ إزاي وصلت لكده؟!
طوال حياته كان يقف إلى جانب الناس، يسمعهم ويساعدهم ويخفف عنهم، لكن اليوم ما فعله لم يكن مساعدة، بل كان تهورا محضا، حفرة قفز فيها دون أن يرى عمقها، ودون أن يعرف أن قاعها مظلم للغايه.
وفجأة، رأى صور آلاء في ذهنه "وجهها كله كدمات، عينيها حمراوان، خجلها، خوفها"
هل يتركها؟ أم يحمل عنها العبء؟ هي نفسها تأذت كثيرا وتدهورت سمعتها!
عادت الافكار تتزاحم في رأسه من جديد حديث المدير، وهمسات الناس، وكأن الدنيا جميعها اجتمعت فوق رأسه.
ربما أخطأ عندما وقف بجانبها لهذه الدرجة، خصوصا حين واجه المدير وقال أنها زوجته؟ كيف له أن يندفع لهذا الحد؟!
حاول تشغيل السيارة، ولكن توقفت يداه في منتصف الحركة.
أغلق الكونتاكت، رأسه ليسند على الدركسيون، والأفكار كأنها أسنان تنهش جمجمته من الداخل: ظل يفكر في حديث أحمد، هل يتزوجها مؤقتا لحمايتها ولحماية سمعته؟ فربما يكون هذا هو الحل الوحيد بعد كل ما حدث.
ظل جالسا هكذا يفكر، حتى استمع الى آذن العشاء،
فهبط من السيارة وهو منهك، وتوجه إلى المسجد القريب، دخل وتوضأ وصلى العشاء، وبعد الإنتهاء جلس في زاويه يدعو الله من قلبه "اللهم أرشدني، ونور طريقي، ولا تتركني وحدي في هذا القرار."
فيلا سليم ماسة، 8:00 مساءً
غرفة المعيشة
جلس سليم وماسة متجاورين على الأريكة؛ كان يحيطها بذراعه من الخلف، بينما أسندت رأسها إلى صدره في ألفة هادئة، التفا معا بغطاء خفيف، وعيناهما معلقتان على أحد الأفلام الأجنبية المعروضة أمامهما، ووعاء الفشار بينهما، تتناوله ماسة بانسجام، تارة تضع حبة في فمها، وتارة أخرى ترفع يدها لتطعمه بابتسامة دافئة، فيبادلها نظرة ممتلئة بالرضا والحب.
قطع ذلك الهدوء طرق خفيف على الباب، فابتعدت ماسة على استحياء، واعتدل سليم في جلسته، دخلت الخادمة قائلة باحترام: سليم بيه، مكي بره وعايز حضرتك.
رفع صوته بهدوء: دخليه.
وما هي إلا لحظات حتى دخل مكي: مساء الخير.
ابتسمت ماسة وسليم معا: مساء النور.
تقدم مكي وهو ينظر لها بود: عاملة إيه يا ماسة؟
ماسة بلطف: الحمد لله، وانت؟
اومأ برأسه: الحمد لله.
ثم التفت إلى سليم، وألقى عليه نظرة ذات مغزى قبل أن يقول: إيه الأخبار؟
التقط سليم المعنى فورا، فأجاب بهدوء وهو ينهض: تمام، تعالي نروح المكتب.
تحركا معا، بينما ظلت ماسة تتابعهما بنظرة قصيرة، قبل أن تعود بعينيها إلى الشاشة مرة أخري، غير مدركة أن ما سيقال خلف ذلك الباب لن يكون عاديا.
في المكتب
مكتب سليم
دخلا معا، وأُغلق مكي الباب باحكام، كأن الجدران نفسها لا يجب أن تسمع ما سيقال.
جلس سليم على الأريكة، بينما جلس مكي على المقعد المقابل، يراقبه في صمت مشوب بالتردد.
رفع سليم عينيه ببطء، وصوته خرج منخفضا: ايه بقي الحاجة إللي مرضيتش تقولها قدام ماسة؟!
تنفس مكي بعمق، ثم أخرج هاتفه وضغط على الشاشة، وقربها من سليم.
مال سليم برأسه قليلا، مد يده يمسك الهاتف، فاتسعت حدقتا عينيه فجأة، وتيبست ملامحه، ثم رفع نظره ببطء نحو مكي، بصوت خرج مصدوما: عماد؟!
اومأ مكي وهو يزم شفتيه بأسف: أيوه عماد.
اعتدل سليم في جلسته بعنف، كأن شرارة سوداء اشتعلت داخله، غامت عيناه، وبرز عرق في عنقه، وصوته خرج مبحوحا، رجوليا، مشحونا بالغضب: تروح حالا، وتجيبهولي من قفاه، تحطه في المخزن وتعلقهولي على الرمانة.
رفع مكي يده بسرعة، محاولا تهدئته: أهدي بس يا سليم، هنستفيد إيه لما نجيبه بالطريقة دي؟ فكرك هيعترف؟
ابتسم ابتسامة باردة، لا تبشر بالخير: هيعترف، لما يشوف مراته وعياله قدامه، مربوطين زيه، هيتكلم.
مكي بصوت هادئ لكنه حازم: مش عايزين نستخدم طرق زمان يا سليم؟ إحنا مش تبنا وبعدنا عن السكة دي؟ مراته وعياله ذنبهم ايه؟!
أطرق سليم برأسه لحظة، ثم رفعه، وصوته صار أقل حدة لكنه أكثر إصرارا: صح تبنا وبعدنا بس النوع ده مبيتكلمش غير كده وأنت عارف.
مكي بعقلانية: عارف، بس إحنا أصلا مش عارفين هو متورط قد إيه؟! يمكن دي أول مرة.
ضحك سليم ضحكة قصيرة، خالية من أي مرح: أول مرة؟ أزاى وأنت بنفسك قولت إنه متلهف من فترة لحراسة ماسة؟!
مال مكي للأمام، ونبرته بقت جدية: سيبه طاير كده، وفاكر نفسه متكشفش، خليه يطلع إللي في بطنه واحدة واحدة، لحد ما نعرف آخره إيه، والمقابلة دي هتبقى عاملة إزاي؟! وايه إللى وراها! كدة عماد هو هدفنا مع رشدي، أصبر الصور بدأت توضح.
صمت سليم، وأخذ يحدق في اللاشيء أمامه، وفكه مشدود، وصدره يعلو ويهبط ببطء، ثم قال أخيرا، بحده قاطعه: أنا مش هفضل مستنى، ومعرفش بيدبروا إيه من ورايا يا مكي!
مكي بهدوء محسوب، محاولا كبح اندفاعه: أصبر بس، صدقني الاستعجال مش في مصلحتنا، هو خلاص تحت عنينا، واحنا دلوقتي اللى سابقين بخطوه، خلينا نفهم الأول.
رفع سليم عينيه إليه فجأة، نظرة شك لم تختفي: هو كده ليه تليفون تاني بيتكلم منه؟
لم يتردد مكي، أومأ بثقة: ده أكيد، وهوصله، وهيبقى معانا، بتثق فيا ولا لأ؟
ظل سليم ينظر إليه في صمت ثقيل يحمل صراعا بين الغضب والعقل، أدلف مكي جسدة للأمام وقال بنبرة حازمة: اديني لآخر الأسبوع، وأجيبلك قرار عثمان.
هز سليم رأسه إيجابا ببطء: ماشي، بس آخر الاسبوع مش أكتر.
اومأ مكي برأسه: حاضر، بس أهدى أنت بس.
عاد الصمت يخيم على المكتب من جديد، وسليم ما زال جالسا، عينيه ثابتتان في الفراغ، كأن العد
التنازلي قد بدأ، دون أن يسمع أحد صوته.
_______💕بقلمي_ليلةعادل💞_______
على إتجاه اخر عند مصطفى( المسجد)
كان لا يزال جالسا في مكانه يفكر ويدعو الله أن يرشده الي الصواب، وفجأه نظر للإمام وكأن جال في خاطره فكره، جلس بجانب الحائط وأخرج هاتفه، تنهد بعمق ثم ضغط على زر الاتصال وبعد رنة قصيرة، جاءه صوت الشيخ صالح من الطرف الآخر: السلام عليكم.
مصطفى بنبرة مهمومه: وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته، مساء الخير يا شيخ.
الشيخ صالح بابتسامة: مساء النور يا دكتور مصطفى عامل إيه يا ابني؟
أخذ مصطفى نفسا طويلا قبل أن يجيب: الحمد لله، أتمنى مكونش صحيتك، أنا عارف إنك بتنام بدري.
ضحك الشيخ قليلا: لا متقلقش كنت صاحي، اتفضل اتكلم يا ابني، أنت صوتك شكله شايل حمل جبال.
زفر مصطفي بهدوء: ومين سمعك يا شيخ، أنا هحكيلك يمكن تدلنى أعمل إيه..
وبدأ يروي له ما حدث، من ضرب أخو آلاء لها، لفضيحة المستشفى، ولحظة ما اضطر أن يدعي أمام الناس أنها زوجته لحماية سمعته وسمعتها.
وبعد أن انتهى، ساد صمت ثقيل على الطرف الآخر، ثم قال الشيخ صالح وهو يمسح لحيته: هو يا ابني البنت دي ملهاش حد؟ لا عم ولا خال ولا راجل من المنطقة يقف في ضهرها؟
هز مصطفى رأسه بسرعة: لا والله يا شيخ، ما ليها حد، سألتهم، قالولي إنها ليها عمة واحدة، وست مش هتعمل لها حاجة، علشان خايفة على عيالها منه، وأهل المنطقة بطلوا يدخلوا معاهم في أي حاجة، علشان أخوها بلطجي وبيعمل مشاكل لأي حد يقرب، علشان كده مامتها اتصلت بيا، ووالله لولا إنه هددني انه يعمل قضيه ويشهر بيا اني يعني مشغل شقتي في حاجات منافيه لآداب، والكلام الزفت اللي قالوا عليها وعليا في المستشفى وفي المكان اللي ساكن فيه في القاهرة، مكنتش فكرت في كده ابدا.
تساءل الشيخ بهدوء: يعني يا ابني لو إحنا موقفناش جنبها، البنت دي ملهاش باب تخبط عليه؟
أجاب مصطفى بثقة متألمة: لا والله يا شيخ مفيش.
صمت للحظه ثم تابع بحيرة وتوتر: مش عارف اعمل ايه هتجنن، اتخلى عنها؟! مع اني مش قادر اعمل كده؟! ضميري رافض ده! وفي نفس الوقت عايز اقف معاها بس من غير ما أذي نفسي أكثر من كده.
تنهد الشيخ وهو ينصحه بحنان وحكمة: يا ابني انت بتحمي ست مسلمة ويتيمة، وملهاش حد، ده ثواب كبير عند ربنا، فمتزعلش من اللي اتقال عليك ربنا قادر يجيبلك حقك.
نظر مصطفى إلى السماء كما لو كان يتلقى الطمأنينة، وقال بصوت خافت لكنه صادق: ونعم بالله يا شيخ، طب اعمل ايه؟ دبرني ارشدني للصح.
تنهد الشيخ، وصوته خرج دافئا وحنونا: بص يا مصطفى، مادام ملهاش ولي، وأخوها أصلا غير أمين عليها، وعايز يجوزها عرفي غصب، تبقى ولايتها تنتقل للقاضي، ولو القاضي مش موجود تبقى عند اللي يقوم مقامه.
أشار لنفسه بهدوء: وأنا يا ابني أقدر أعمل ده، زي القاضي، الناس بتجيني في الجواز والطلاق، والنزاعات، وأنا مسؤول قدام ربنا.
ارتفع صوت مصطفى قليلا، كأنه أخذ نفسا بعد غرق طويل: يعني حضرتك، ممكن تبقى وليها؟
نبرة الشيخ أصبحت أخف، لكنها ثابتة: أيوه يا ابني لو هي وافقت، وأمها موافقة، أنا أقوم مقام الولي مش لازم أنا، ممكن تروح الأزهر عندك، مش انت في القاهرة؟
مصطفى سريعا: أيوه، في القاهرة.
ابتسم الشيخ بحزم وهدوء: خلاص، روح الأزهر وهناك حد يكون وليها مش لازم أنا، حد يكوز محترم وأمين، ويشهدله إنه راجل حكيم وكبير في المنطقة ويعرف ربنا، ما دام هي ملهاش حد.
أكمل الشيخ بحزم وحنان: جوازك ليها حمايه أه، بس لازم يكون جواز شرعي طبيعي، بمهر، وشهود، والأهم طبعا موافقتها، ده اللي يرضي ربنا وده اللي يحمي سمعتها، لحد ماتقدر تتصرف في حياتها بعدين.
تنهد مصطفى، وهز رأسه بايجاب: تمام يا شيخ هشوف كده واكلمك
ثم أغلق الهاتف، ومسح وجهه بإنهاك، لم يكن يعرف ماذا يفعل، فالقرار ثقيل إلى حد يكاد يسحق صدره، ومن الصعب جدا أن يجبر الإنسان على اتخاذ قرار كهذا.
فكر أن يتصل بوالدته ويأخذ رأيها، ويستند إلى صوت يعرفه ويثق به، لكنه تراجع.
يعرفها جيدا، لو أخبرها سترفض دون تردد، ولن يكون بيدها ولا بيده أي شيء يغير الواقع، فالسمعة أصبحت على المحك، واسمها صار معلقا في الهواء، وهو ورط نفسه للنهاية، وادعي أمام الجميع أنها زوجته، وانتهى الأمر، فالآن لا يوجد سبيل للعودة، الموضوع أغلق، حتى لو كان قلبه ما زال عالقا في المنتصف.
ثم حرك السيارة وتوجه إلى المشفى أخري غير التي حدث بها المشكلة، حاول التركيز بالعمل رغم ثقل قلبه، وظل هناك حتى اليوم التالي، ليبلغ آلاء ووالدتها بما حدث، ولِيُخبرهما بالاختيار والحل الأخير.
في اليوم التالي
فيلا عائلة ماسة 10:00صباحا
جلس الجميع على طاولة الإفطار، كانت سعدية تتناول الطعام مع مجاهد، وفجأة جاءت سلوى: صباح الخير.
أجابت سعدية بابتسامة: صباح النور، رايحة فين؟
سلوي موضحه: عندي شغل، قضية جديدة ادعيلي هاخد فيها ممبلغ كويس لو كسبنها.
ابتسم مجاهد قائلا: ربنا يعينك يا بنتي.
تنهدت سعدية وهي تشير للطبق أمامها: اقعدي كوليك لقمة.
ابتسمت سلوى وهي تأخذ قطعة من الطعام: لا، متأخرة شوية، هبقي افطر في المكتب.
مجاهد وهو يتناول لقمه: أحنا هنروح عند أختك بعد الظهر، ابقي تعالي هناك.
سلوى هي تناول زيتون: هشوف، بس سلمولي عليها كتير.
نظرت سعدية لسلوى بفضول: أنا عايزة أفهم، أنتِ مش خلصتي امتحاناتك؟
سلوى موضحه: فاضل امتحان واحد، بتسألي ليه؟
اجابتها بتهكم لازع: علشان لازم نحط النقط علي الحروف في موضوعك مع طارق.
تنهدت سلوى وقالت بهروب: ماما، أنا متأخرة.
سعدية بحزم: طب شوفي يا سلوى، آخر الأسبوع ده خطوبتك وكتب كتابك على طارق وهتتجوزي أول السنة، انا هتصل عليه اكلمه، ومش عايزة كلام كتير، ياما نفض الموضوع، واجوزك الواد فاروق من البلد، لأن الطريقة دي مش هتنفعني، إحنا مش وش الكلام دى يا أختي.
شعرت سلوى بالارتباك، وترددت لحظة قبل أن تقول بصوت منخفض: ماشي بس مش كتب كتاب، خليها خطوبة بس.
قطبت سعدية حاجبيها: أنا مش فاهمة اللف والدوران ده ليه، أنتِ فاكرة نفسك لسه صغيرة؟
تدخل مجاهد بهدوء حازم: فعلا يا سلوى، كده مش هينفع يا حبيبتي لازم نحط حد للموضوع ده.
تنفست سلوى بعمق: يا بابا بس أنا لسه عندي امتحانات.
رفعت سعدية صوتها قليلا: بقالك خمس شهور على الحال ده! مرة امتحانات، ومرة علشان ماسة فقدت الذاكرة! إيه؟ أنتِ بتتلككي!؟ لو مش عايزة نفضها، بس رايحة جاية معاه والاسم مخطوبة؟ لا!
ثم أضافت بنبرة قاطعة، كأنها تسد أي باب للنقاش: اسمعي يا بت، أنا قولت اللي عندي.
سلوى بسرعة، وكأنها تتشبث بآخر أمل: طيب حاضر بس خليها خطوبة بس والنبي، بلاش جواز دلوقتي.
نظر إليها مجاهد بصرامة: امشي على شغلك دلوقتي يا سلوي.
سلوي بارتياك: يا بابا، اا..
مجاهد بحسم: يلا.
اومأت برأسها وتحركت نحو الخارج بخوف وارتباك، وعيناها زائغتان، كأنها خرجت من معركة خاسرة.
نظر مجاهد إلى سعدية، وقال بنبرة أخف: على مهلك على البت يا سعدية، هي ملهاش غرض، أخدته عند في مكي.
تنهدت سعدية بثقل: عارفه يا راجل هو أنا غبية؟ بس كده مينفعش يا مجاهد، البت كبرت وبقت 25 سنة، ومجيها ومروحها مع طارق مينفعش اللي قدها معاهم عيال خلاص.
هز رأسه: ربنا يعدلها.
اضافت سعديه بحزم: متدخليش تاني، وسيبيني أكسرها.
مجاهد بهدوء: المهم دلوقتي خلينا نشوف هنعمل إيه مع ماسه، لازم نتكلم معاها، وتقول لجوزها.
هزت رأسها بغلب: إلا ماسة دي كمان، حكيتها حكايه، ربنا يسترها عليها.
أثناء ذلك، اقترب عمار: صباح الخير.
نظر إليه مجاهد باستغراب: إيه ده؟ أنت لسه ممشتش؟
عمار وهو يتحرك: لا، ماشي دلوقتي أهو.
مجاهد بنبرة آمرة: طب إحنا رايحين لأختك النهارده، تعالي معانا، وعيب متشوفش أختك من ساعة ما رجعت لها الذاكرة، مينفعش تقاطعها كده.
انتصب عمار في وقفته، وصوته خرج حادا: بابا أنت عارف إني مستحيل أخش البيت ده.
تدخلت سعدية بحدة، وهي تلوح بيدها: جاتك داهية في شكلك! سيبه يا مجاهد، سيبه، أنا والله ما ربيت
عمار بعناد: أنا حر أعمل اللي أنا عايزه، انا عندي كرامة.
تنهد مجاهد بعمق، ثم قال بنبرة مليئة بالألم أكثر من الغضب: والله يا ابني، لما بشوفك وبشوف أخوك بتحسر، واحزن انكم فاهمين الدنيا غلط، الحياة مش كده، وعمر المسامحة والقلب الأبيض ما كانوا قلة كرامة، ده كرم وأخلاق كبيرة، سيدنا محمد عليه الصلاه والسلام، كان بيسامح اللي يسيء له، وإحنا بناخد شوية من أخلاقه، ربنا غفور رحيم، والراجل اعتذر وبقى كويس، واحنا شوفنا منه كل خير، وحتى غلطه ده سبق وقولتلك عنده حق فيه.
تنهد بتعب وهو ينظر بعيدا: بس نقول إيه، بكرة تكبر وتفهم إن اللي بتعمله ده مش صح، خصوصًا مع أختك، أختك محتاجاك ومينفعش تقاطعها كده.
عمار ببرود: أنا مش مقاطعها، أنا بكلمها في التليفون، وممكن أشوفها بره أو هنا، إنما ادخل بيت الراجل دى تانى، لأ.
نظرت له سعديه وقالت بتهكم: امشي غور يلا، قبل ما أقوم أمد إيدي عليك، وأنت طويل كده!
زفر عمار وهو يهم بتحرك: سلام.
خرج عمار، وأغلقت سعدية الباب خلفه بعصبية، ثم التفتت إلى مجاهد وهي تهز رأسها بأسى: أنا مش عارفة العيال بقت عامله كده ليه يا مجاهد، بقوا قاسيين اوي
تنهد مجاهد: هنعمل إيه؟ خلينا ندعي لهم وبس.
ثم ساد صمت ثقيل، يخفي داخله جروحا لم تلتئم بعد
فيلا سليم و ماسة القديمة 11:00 صباحاً
توقف مصطفي بالسيارة أمام الفيلا، ثم ترجل، وخبط على الباب، ففتحت له الخادمة.
مصطفي بهدوء: صباح الخير ، لو سمحتي هما صحيوا؟
أجابته الخادمة: الآنسة الصغيرة في الجنينة؟
اوما برأسه: طيب ماشي، شكرا.
تحرك نحو الجنينة، فوجد آلاء جالسة هناك، رأسها على يديها، ودموعها تتساقط على خديها، وقلبها مثقل بالوجع والخوف والضياع.
مصطفى بهدوء: صباح الخير.
رفعت آلاء عينيها نحوه، وقالت بصوت خافت: صباح النور.
مصطفى بابتسامه: عاملة إيه؟ عاجبك الجو هنا؟!
تنهدت، وقالت وهي تنظر للأرض بنبرة مريرة: عاجبني! هو أنا حاسة بحاجة، والله من امبارح عقلي مش مبطل تفكير في كل إللي حصل معايا، مش عارفة أعمل إيه، لقيت حل؟
تنهد مصطفى ونظر لأعلى: يعنى، أصلا حصل حاجات كتير إمبارح بعد ما مشيت من هنا…
ارتجفت آلاء، وشعرت بالخوف: إيه إللي حصل؟
مصطفى بحنان: خلي والدتك تصحى تفطر، وتاخد علاجها، وبعدين نتكلم.
تنهدت آلاء: أنت كده قلقتني.
زم شفتيه، وحاول أن يبدو هادئا: مش هقدر أقولك متقلقيش، بس كل إللي هقدر أقوله، إن حتى لو إحنا في مشكلة، فهي ليها حل.
تنفست بعمق، ونهضت من مكانها، وقالت بارتجاف: طيب أنا هروح أصحي ماما…
مصطفي برجاء: بس من فضلك متبينيلهاش حاجة؛ علشان متتعبش.
أجابته بهدوء: أكيد
صعدت آلاء لإيقاظ والدتها، ونزلت معها بالفعل، اقترب منها مصطفى بلطف: صباح الخير يا حاجة، أزيك؟
ابتسمت أنهار: الحمد لله، وأنت عامل إيه يا ابني؟
مصطفى: الحمد لله تمام، كويس إنك نمتي.
تنهدت أنهار: والله يا ابني، الدوا إللي باخده هو إللي بينيمني، آلاء منامتش كويس إمبارح، ولا داقت طعم الأكل.
آلاء بصوت مهموم: ومين له نفس بس.
أجاب مصطفى بحزم: لا إحنا هناكل دلوقتي كلنا، أنا هبعت أجيب أكل.
اقتربت ليزا وقالت: هل تريدون أن أحضر الفطار الآن؟
مصطفى بتردد: خلاص ماشي، يا ريت.
ابتسمت آنهار وقالت: قولي يا ابني، لاقيت حل؟
مصطفى بهدوء: نفطر بس الأول وبعدين نتكلم براحتنا.
بدأت ليزا بتحضير الفطار، ووضعته على السفرة، وجلس الجميع.
قال مصطفى لآلاء: كلي يا آلاء
أجابت بنبرة حزينه: مليش نفس بجد.
مصطفى بحزم وحنان: أسمعي الكلام، لازم تاكلي وترتاحي، وأنتِ كمان يا حاجة كلي.
بدأوا بتناول الطعام ببطء، مجرد لقيمات صغيرة، وبعد الانتهاء نهضوا وجلسوا في الصالون ليتحدثوا براحة.
الصالون
نشاهد آنهار وآلاء ومصطفى يجلسون في الصالون يبدوا عليهم التوتر.
بدأ مصطفى حديثه بنبرة هادئة محاولا تهوين الأمر عليهم: امبارح بعد ما مشيت من هنا، روحت المستشفى أعمل تقرير بالحاله زى ما اتفقنا وأكمل شغلي، بعد يعني ما قابلت أحمد وقالي على شوية حلول كده، لكن للأسف محمود كان موجود هو وصاحبه، وعملوا مشكلة كبيرة هناك، نفس إللي حصل في العمارة عندي.
لطمت آلاء خدها برعب: يا نهار أسود ومنيل.
أضاف على نفس ذات الوتيرة بتفسير متوتر بنبرة متلعثمة: الموضوع كبر، والناس اتلمت، الأمن والمدير كانوا هناك، وقعد يقول كلام مش صح عن علاقتك بيا، وقال انك عندي قاعده عندي في الشقة وهدد كمان إنه يروح القسم، ويعملي محضر إني مشغل شقتي في حاجات منافية للأداب.
وضعت انهار يديها على قلبها بدموع: يالهوي يالهوي يالهوي يا بنتي.
طمأنها مصطفى بعقلانية: يا حاجة، أهدي في حل ممكن ينهي كل القصة دي.
نظرت إليه آلاء بقلق: حل ايه، قول يا دكتور بسرعة، الله يخليك.
تنفس بعمق، ثم قال كلماته دفعه واحده: الحل إن إحنا نتجوز.
اتسعت عينا آلاء بصدمة: إيه!! نتجوز إزاي؟! أحنا كده بنثبت التهمة علينا؟
شرح لها مصطفى بهدوء: لأ، أحنا مش هيبقى علينا حاجة، أحنا هنتجوز مؤقتا، ونقول إن وجودك عندي في اليوم ده كان عشان بنحضر للجواز، وأني روحت واتقدمتله وهو رفض، وإن أنا كنت جاي أنقذك لأنه كان عايز يجوزك غصب، والحاجة شاهدة كمان إنه ضربك، وهنثبت ده بالتقرير، ممكن أجيب شهود يشهدوا إن أنا طلبتك وهو رفض، وإن إحنا اتجوزنا على سنة الله ورسوله، وبعدين أنا أصلا قولت قدام المدير لما لقيت الناس بتتكلم إننا متجوزين علشان احمي سمعتك، وقولتله إني هجيبله القسيمة من المأذون علشان نثبت قدام الناس.
صرخت آلاء بقلق وغضب، توقفت: أنت إزاي تعمل كده يا دكتور، إزاي؟
توقف مصطفى أمامها موضحا بعقلانية شديدة: علشان مكانش في ايدي حاجه تانيه اعملها، لو شفتي نظرة الناس ليا والهمهمات بتاعتهم، كنتي هتفهمي موقفي، صديقني لما يتقال علينا اننا متجوزين أحسن ما يتقال علينا إننا على علاقة محرمة..
اقترب خطوة وهو ينظر في ملامحها ويحاول اقنعها:
بعدين وانتِ مراتي، أنا أقدر أحميكي منه، لإنك هتبقي مسؤولة مني، والأهم سمعتك هتفضل محفوظة، وهو مش هيقدر يأذيكي تاني.
صرخت أنهار من الغضب: ربنا ياخدك يا محمود، منك لله، حسبي الله ونعم الوكيل!
أخذ مصطفى نفسا عميقا، وحاول تهدئتها: وعلى فكرة هو عرض عليا إني اديله فلوس علشان يسكت، بس أنا حقيقي مش معايا، وهو قالي لو عايز تتجوزها أدفع مليون جنيه.
صرخت آلاء: مليون جنيه؟ يا حيوان! يا حيوان!
تابع مصطفى علي نفس ذات الوتيرة بعقلانية: بصي يا آلاء مش هينفع نقعد هنا في البيت ده أكتر من كده، آخرنا بكرة، وحتى لو فضلتوا عايشين هنا كتير ده مش حل، لأن أخوكي مش هيسكت، دى عامل زي الكلب السعران واتجنن، ممكن يروح كل المستشفيات إللي شغال فيها، ويعمل نفس الموضوع، ممكن يروح الجامعة، ومستقبلك يتدمر، هتفضلي هربانة ومحبوسة طول عمرك؟!
آلاء بدموع ومرارة: يعني المحامي ده معندهوش أي حلول تانية؟!
هز رأسه بلا موضحا: قالي على حلول كتير بس أصبحت سراب بعد إللي عمله أخوكي قصاد العمارة وفي المستشفى، وتهديده إنه يقول إني مشغل شقتي في حاجات منافية للأداب، وحتى لو افترضنا إن القضية طلعت فشوش هتاخدلها وقت، في الوقت ده هتكون سمعتنا ادمرت، لا هتعرفي تخشي المستشفى ولا الشارع ولا حتى الجامعة، وهترجعي تاني لأخوك ومفيش قانون هيقدر يحميكي منه ولا حتى أنا، لإني ولا حاجة بالنسبة لك، ممكن يقتلك بدافع الشرف ومش هياخد حكم كبير، ده غير إنك أكيد هتتعرضي لكشف عذرية يا آلاء وأكيد أنتِ عارفة الكشف ده قد إيه مهين للست، أخوكي وقف قدام عيني وهددني وقالي، ولو ملقيتش تليفون أمي مفتوح هبلغ البوليس بالقضية إللي هددني بيها.
قرب وجهه منها بحزم وحنان ورجاء: آلاء أرجوكي متفكريش بالطريقة إللي بتفكري بيها دلوقتي، صورتك قدامي وأخوكي اللى خذلك، المشاعر دي حسيها بعدين، لكن دلوقتي لازم نتعامل مع الواقع، وده الحل الوحيد لحماية سمعتك، أنا راجل يعني الموضوع مش هيسببلي مشكلة كبيرة، أنا ممكن أسيب المستشفى وأسيب الشقة، لكن سمعتك أنتِ للأسف هي إللي اتدمرت، أنا مكنتش عايز ده على فكرة، أحمد قالي الفكرة دي وأنا رفضتها بس للأسف أصبحت هي الحل الوحيد!
أنهار بصوت مرتجف: حسبي الله ونعم الوكيل! ليه بس كده؟! لييييييه؟!
كانت ترتجف بالكامل، وصوتها يعلو ويهبط وهي تردد: حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل.
بدأ جسدها يميل، وأنفاسها تتثاقل بقوة، كأن الهواء أصبح عبئا عليها، فاتسعت عينا آلاء برعب، وصرخت: ماما!
تحرك مصطفى بسرعة، وجثا بجانبها، أصابعه تتحسس نبضها بقلق واضح: روحي اعملي ميه بسكر بسرعة، يلا!
ركضت آلاء إلى المطبخ وهي تلهث، يدها ترتجف وهي تملأ الكوب، في تلك اللحظات حاول مصطفى أن يبقي أنهار واعية؛ يرش قليلا من الماء على وجهها ويمسح على جبينها، ويفتح عينيها برفق، صوته منخفض لكنه مضطرب من الداخل: فتحي عينك يا حاجة، خليكي معايا.
عادت آلاء مسرعة وهي تحمل الكوب، وضعت الكأس على شفتي والدتها المرتجفتين، فاحتست منه قليلا حتى بدأ لون وجهها يعود ببطء، ويدها ترتفع إلى صدرها في محاولة لاستعادة توازنها.
جلست آلاء بجوارها، وأمسكت يدها بقوة، وصوتها خرج متهدجا والدموع تلمع في عينيها: والنبي يا ماما بالله عليكي متعمليش فيا كده، أمسكي نفسك شوية، أنا مش قادرة.
ردت أنهار بصوت متكسر، يخرج من صدر مثقل بالهموم: أعمل إيه يا بنتي؟! أعمل إيه بعد ما سمعت إللي أخوكي قاله عليكي وعلى سمعتك وعلى الراجل إللي وقف جنبنا! ده ملوش ذنب، ملكش ذنب يا ابني يحصل فيك كده؟!
نظر إليها مصطفى مطمئنا رغم الألم في عينيه: ده قدر ومكتوب يا حاجة، وصدقوني أنا مش متضايق.
صرخت أنهار بوجع أم: وأنت ليه يا ابني تعمل في نفسك كده؟!
أجاب مصطفى بثبات: أنا مبعملش في نفسي حاجة، أنا بعمل ده علشان أنقذ سمعة آلاء.
ألتفتت آلاء إليه، وصوتها مليء بالرجاء: يعني مينفعش نروح القسم؟ وهما يحموني منه؟
تنهد مصطفى بعمق، وضغط على جبينه، ثم نظر لها محاولا إقناعها دون زياده كسرها: هيحموكي إزاي؟
هيمنعوه يمد إيده عليكي؟! طب وسمعتك؟
تنهد بعمق وقال موضحا: أنا مش عايز أضغط عليكي، بس ده الحل المناسب، هتبقي مراتي على الورق، لفترة مؤقتة بس، لحد ما نعرف نوقف أخوكي عند حده، فكري كويس يا آلاء.
إنهارت آلاء، صدرها يرتفع ويهبط بسرعة، ودموعها بدأت تنزل بلا مقاومة: أنا مش عارفة أفكر ولا قادرة أفكر، وبعدين الجواز ده مش لازم له أوراق؟! أنا مش معايا أوراق
ساد الصمت للحظات، قبل أن يخرج مصطفى كفيه من جيبيه وينظر للأعلى، كأنه يبحث عن مخرج من وسط العاصفة.
قال بتفكير عميق: ممكن عمتك أو أي حد يكون معاه مفتاح شقتكم يطلع يجيب شوية الورق إللي إحنا محتاجينه وهو مش موجود، وأنا هروح قبل ما يرجع، ولو مينفعش هضطر أطلب من حد يساعدني يجيبهم، وهو ساعتها أكيد هيعرف.
جلست آلاء بعجز واضح، وعينيها تتحرك بين الأرض ووالدتها: قوليلي أعمل إيه؟
أجابت أنهار وهي ترفع كفيها بعجز مماثل: والله ما عارفة يا بنتي.
مصطفى بوضوح وثبات: جوازنا ده، هيبقى بينا إحنا التلاتة بس، يعني في المستشفى هيعرفوا، وأخوكي، لكن غير كده؟ محدش وهتعيشي حياتك عادي كإني مش موجود أصلا، أنا مش طالب منك حاجة، ووقت ما تحبي تنفصلي هننفصل، أنا بعمل ده حماية ليكي بس.
ردت آلاء بصوت مخنوق: أنا عارفة، بس مكانش نفسي يبقى ده الحل…
ابتسم مصطفى بمرارة: ولا أنا يا آلاء، بس للأسف، معندناش وقت نفكر، وأحنا مش عارفين هو عمل إيه ولا ممكن يعمل إيه دلوقتي؟!
تدخلت أنهار بصوت مرتجف: طب وأهلك يا ابني؟ هيبقي موقفهم إيه؟
نظر بعيد وهو يمد وجهه، وأجابه بنبرة هادئة رغم ما يعتريه من قلق: بعدين نفكر بقى، ونشوف هنقولهم إيه.
تمتمت آلاء دون وعي: طب نفكر في فكرة تانية !
أضافت بضجر: ربنا يضيقها عليك يا محمود زي ما مضيقها عليا.
وضعت أنهار يدها على ركبتها وقالت بحنان موجوع:
الدكتور قالك خلاص، مفيش حل تاني، سمعتك يا بنتي أهم من أي حاجة، أستري على نفسك، معاندة ليه.
حبست آلاء دموعها، ثم سألت والدتها بضعف: يعني أنتِ شايفة، إن إللي بنعمله ده صح؟
ردت أنهار بتنهيدة طويلة: مش صح، وبرضو مش غلط يا بنتي، إحنا عايزين نلم سمعتك، أخوكي اتجنن خلاص، وإللي بيشربه لحس دماغه، أنا عارفة إنها صعبة، بس فكري في حياتك ودراستك ومستقبلك، كل ده هيقف، وإحنا مش هنفضل طول عمرنا هربانين عند ناس غريبة.
هز مصطفى رأسه موافقا: بالظبط هو ده إللي بتكلم فيه، حل مؤقت، لحد ما نعرف نتصرف ونوقفه عند حده، أنا ممكن في أي لحظة وأنا ماشي يمسكوني، فلازم يبقى معايا ورق يثبت إنك مراتي؛ علشان لا أنتِ تضيعي ولا أنا أضيع، هو مش هيعرف يثبت أي قضية بس مجرد إننا نروح القسم دي كارثة، وسمعتك فكري في سمعتك، ممكن يروح الجامعة ويكرر نفس إللي عمله ساعتها مستقبلك كله هيضيع.
عم الصمت مرة أخرى.
نظرت آلاء أمامها في الفراغ، كأنها ترى حياتها كلها وهي تنهار أمامها، شعرت أنها داخل فيلم وكل الحلول خارجة عن إرادتها.
أغمضت عينيها وهزت رأسها بالموافقة، هزة انكسار وعجز ليست اقتناع.
رفع مصطفى حاجبيه قليلا وقال: حافظة رقم حد يساعدنا نجيب الأوراق الازمه؟ ولا نضطر نفتح تليفون والدتك؟!
أجابت بخفوت: أيوة حافظه رقم أم صفاء، ومعاها مفتاح الشقة، هكلمها.
مصطفى بسرعة: بس متحكيلهاش أي حاجة، قولي إنه ضربك علشان الفلوس، وإنك اخدتي أمك ومشيتوا، وعايزة بس الورق بتاعك وهو مش موجود.
هزت آلاء رأسها: طبعا مش هقولها حاجة.
امتدت يد آلاء المرتعشة نحو هاتف مصطفى، امسكته بثقل كأن وزن العالم كله فوق كفها، كانت أنفاسها قصيرة، وعيناها تتحركان بقلق وهي تكتب الرقم بأصابع لا تكاد تثبت.
ضغطت زر الاتصال، ورفعت الهاتف إلى أذنها ببطء، تكاد تسمع دقات قلبها أكثر مما تسمع نغمة الاتصال.
ثم فتح الطرف الآخر الخط.
آلاء بهمس مرتعش: إزيك يا أم صفاء، أنا آلاء.
أم صفاء، بصوت متفاجئ ومتوتر: آلاء؟ انتم فين يا بنتي؟ الولا محمود مبهدل الدنيا؟
أغلقت آلاء عينيها لحظة، تسند رأسها للحائط، تكتم رعشة صوتها قالت بصوت مخنوق لكن ثابت: هقولك على كل حاجة، بس والنبي ركزي معايا، وأوعي تغلطي.
أم صفاء بقلق يعلو نبرتها: خوفتيني يا بنتي، فيه ايه، قولي...
التفتت آلاء نحو مصطفى للحظة، وكأنها تبحث عن نقطة أمان صغيرة، ثم ردت نظرها للأرض، وسحبت نفسا عميقا، قبل أن تقول: عايزاكي تطلعي الشقه بتاعتنا، وتجيبيلي الورق بتاعي، هتلاقيهم في ملف أصفر تحت المرتبة بتاعتي، والبطاقة، في الشنطة بتاعتي أو أطلعي وأنا معاكي، وأنا هقولك كل حاجة وهوجهك. بس أهم حاجة اتاكدى إن محمود مش موجود.
ارتفعت أنفاس أم صفاء فجأة: هو في إيه يا آلاء، إيه إللي حصل يا بنتي، ما تفهميني!
آلاء، بحزم رغم الارتعاش: أعملي إللي بقولك عليه بس، وبعدها هفهمك كل حاجة.
سمعت صوت خطوات سريعة عبر الهاتف، وحركة مفاتيح: أنا معرفش محمود فوق ولا لأ، بس هاخد المفتاح، وهطلع، وأعمل نفسي بسأل عليكم، استني دقيقتين، وهكلمك.
آلاء، بلهفة خائفة: أوعي تديله الرقم ده مهما حصل، ولا تقوليله إني كلمتك
أم صفاء بنبرة مطمئنة: متخافيش مش هقوله، دقيقة ألبس وأكلمك.
أغلقت آلاء الخط ببطء، ومدت الهاتف لمصطفى، بيد مرتجفه.
آلاء، بصوت منخفض: هتلبس، وتطلع تجيبهم.
نظر لها مصطفى نظرة مليانة قلق وحماية: وأنا، هكلم أحمد دلوقتي.
كانت عيناهما مليئتين بالتوتر لكن للمرة الأولى، كان في ملامح آلاء بصيص قرار مؤلما.
_______💕بقلمي_ليلةعادل💞_______
فيلا سليم وماسة، 2:00 ظهرا
الريسبشن
جلست ماسة إلى جوار سعدية ومجاهد، بابتسامة واسعة مرسومة على وجهها.
ماسة بعتاب محب: مش بتيجوا ليه؟ بقالي يومين بقولكم تعالوا.
مجاهد تساءل: مجيتيش إنتِ ليه؟
ابتسمت ماسة بخفة: والله بقالي يومين قاعدة في البيت، مش بخرج، مكسلة، عاملة بيات شتوي.
نظر إليها مجاهد متفحصا: بس أنتِ ما شاء الله وشك منور، شكلك الحمد لله أمورك كويسة مع سليم.
اومأت بابتسامه: الحمد لله يا بابا.
تدخلت سعدية وهي تنظر حولها: أمال سليم فين؟
ماسة: في الشغل.
ثم أضافت بابتسامة سريعة: إنتم طبعا هتفضلوا قاعدين معايا لحد ماييجي ونتغدى سوا؟ فين سلوى؟
مجاهد موضحا: عندها شغل، شغالة على قضية كبيرة
ماسة بحماس: ربنا معها، هكلمها تيجي.
نظر لها مجاهد متساءلا: قوليلي الأول، حكيتي لجوزك؟
تنهدت ماسة، ونظرت بعيدا: لسه.
ارتفعت نبرة مجاهد: يعني إيه لسة يا ماسة؟ هتفضلي لحد إمتى مخبيه عليه؟ هو إحنا مش كلمناكي وفهمناكي؟
خفضت صوتها، وكأنها تعترف بذنب: والله حاولت أكلمه، بس الحيوان رشدي ده هددني تاني، فخوفت، دى هددني إنه يقتل سليم ! أنتم متخيلين.
ضربت سعدية كفا بكف بلوم: وإنتِ ليه مصوتيش وجبتي جوزك؟
ماسة بخوف: قالي هيموته أول ما يفتح الباب، كان معاه مسدس.
نظرت سعدية لأعلى باستهجان: حسبي الله ونعم الوكيل فيه.
اقترب مجاهد بجسده للأمام، وصوته صار أثقل: لازم تحطي حد للموضوع ده وتقولي لجوزك، أنا مش هفضل مستني يا ماسة، ليعملوا حاجة لحد من إخواتك، ولا حتى لجوزك، هتفضلي لحد إمتى مستنية؟ وخايفة كده؟! والله يا ماسه لو ما قولتيله لأقوله أنا وشوفي بقي وقتها هيزعل منك أزاى.
ارتبكت ماسة: يا بابا، حرام عليك، متضغطش عليا إنت كمان، قولتلك هقوله
مجاهد بحدة حاسمة: من أول الأسبوع وأنتِ بتقولي هقوله ومقولتيش!
رفعت عينيها بتوسل موضحة: حاجة زي دي لازم تتقال بطريقة معينة، أنا مستنية الوقت المناسب.
ضحك مجاهد بسخرية مريرة: إللي هو إمتى يعني؟ بعد شهر؟ بعد اتنين؟ بعد سنة؟ مش خايفه يعملوا حاجة في حد من إخواتك؟ ولا فيكي؟ ولا في جوزك؟ ما أنتِ بنفسك بتقولي إن إللي اسمه رشدي ده هددك تانى أهو!
هزت سعدية رأسها: أبوكي عنده حق.
مسحت ماسة وجهها بيد مرتجفة، ومررت أصابعها في شعرها بعصبية: خلاص، ماشي، هتصرف، وهكلم سليم، بس اصبروا عليا شويه.
نظر إليها مجاهد بصرامة: يومين يا ماسة، لو مقولتيش لجوزك، أنا هروح بنفسي أقوله كل حاجة.
هزت رأسها بإيجاب بخوف، وظل الصمت يهبط ثقيلا فوق المكان.
وأثناء ذلك، دخل سليم ما إن رآهم حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة: إيه ده؟ إنتم هنا؟ منورين والله.
اقترب منهم، وصافح سعدية أولا: إزيك يا ماما سعدية؟ عاملة إيه؟
ثم ألتفت لمجاهد: إزيك يا عم مجاهد؟
مجاهد بهدوء: الحمد لله يا ابني.
سعدية: نحمده ونشكره.
اقتربت منه ماسة، وابتسمت وهي تقبله: حمد لله على سلامتك.
لف ذراعه حولها، وضمها برفق ووضع قبلة على أعلى رأسها: الله يسلمك يا حبيبتي.
ابتعدت قليلا، وهي تشير بيدها: روح غير هدومك وخدلك شاور سريع، وأنا هخليهم يجهزوا الغدا، علشان ماما وبابا هياكلوا معانا.
اومأ برأسه: ماشي، عن أذنكم.
قال كلماته وتحرك مبتعدا وصعد لاعلى، بينما ظلت ماسة تتابعه بنظرها حتى أختفى، ثم التفتت إليهم بصوت هادئ برجاء: وحياتي بقى محدش يتكلم في الموضوع ده دلوقتي.
تنهد مجاهد: مش هنتكلم، بس أهم حاجة تعملي إللي قولنالك عليه.
تنهدت بتعب: ماشي يا بابا حاضر، أنا هروح أجهز الغدا.
واتجهت إلى المطبخ.
نظرت سعدية إلى مجاهد بعتاب: بالراحة عليها يا مجاهد، البت خايفة، وأنت عارف بنتك طول عمرها جبانة.
تنهد مجاهد بتعب: ما هو جبنها ده هو إللي مخليهم يعملوا فيها كده، وبعدين يا سعدية، عيلة سليم دي يتخاف منها.
سعدية تصبره: بس سليم ما شاء الله عليه يقدر يحميها ويحمينا.
مجاهد بتوضيح عقلاني: عشان كدة لازم يعرف، صدقيني، ممكن يعملوا حاجة حتى لو ساكتين من فترة، إحنا أصلا مش فاهمين ساكتين ليه، ومش عارفين إيه في دماغهم، ولا بيفكروا فيه، وبعدين من حقه يعرف.
تنهدت سعدية: ربنا يعدي الأمور على خير، ويجبر بخاطرك يا بنتي، ويحميكي إنتِ وجوزك.
عادت ماسة وجلست معهم، وبدأوا يتبادلون الأحاديث عن أشقائها وأحوالهم وبعد قليل، هبط سليم وجلس معهم، لتتحول الجلسة إلى جو عائلي دافئ، وتناولوا الغداء سويا، كانت ماسة قد اتصلت بسلوى، لكنها اعتذرت لارتباطها بالعمل.
قصر الراوي، 5:00 مساءً
البار
نشاهد إبراهيم جالسا عند البار، يحتسي كأسا من الخمر، ويقضم بعض المكسرات، وجهه متجهم، وعيناه تحدقان في الفراغ، كأن أفكاره بعيدة.
اقتربت فريده، ومالت نحوه متسائلة بقلق: مالك يا إبراهيم؟ بقالك كام يوم كده مش مظبوط؟!
رفع عينيه نحوها، وتنهد بصوت مكتوم: أكيد، يعني مش هبقى مبسوط وسعيد بعد ما الهانم والباشا رفضوا إن إحنا نمشي، مش عارف هنفضل تحت رحمتهم لحد إمتى؟!
لمست ذراعه برفق، محاولة تهدئه: وطي صوتك بس لحد يسمعنا.
ابتسم إبراهيم ابتسامة ضعيفة، وأدار رأسه بعيدا وهو يرتشف من الكأس: انا حتى مش عارفة أخد راحتي في الكلام معاكي!؟
نظرت له بعينين حازمتين: طب قولي أنا أعمل إيه؟
وضع يده على البار، ووقف يحدق فيها بحزم: يبقى عندك شوية شخصية وتتمسكي بقرارك.
زفرت باختناق، ونظرت للأسفل للحظة قبل أن ترفع رأسها: طب بص هنستنى بعد الفرح، وهفتح معاهم الموضوع تانى.
إبتسم وهز رأسه وهو يضع الكأس جانبا: ماشي يا فريده أما نشوف أخرتها.
وخلال باقي اليوم
التقي مصطفى بـ أم صفاء، واستلم منها الأوراق المطلوبة والبطاقة الشخصية، وحرص على طمأنتها بأن كل شيء بخير، وبعدها بدأ في تجهيز أوراقه هو الآخر، واضعا اللمسات الأخيرة لإتمام الأمر.
وفي الوقت نفسه نرى احتفال لوجين بليلة حنتها وسط الأصدقاء والعائلة، ارتدت لوجين أزياء متعددة؛ من الهندي المفعم بالألوان، إلى السوداني بطابعه المميز، وكأنها تتنقل بين عوالم مختلفة في ليلة واحدة، كانت ليلة صاخبة، جميلة، ومجنونة تماما كما تليق بلوجين وشخصيتها المتحررة.
أما عند مي، فكان المشهد مشابها من حيث الجو العام، لكنه أقل جنونا، حضرت الصديقات والعائلة، وملأت الأغاني المكان، غير أن الهدوء كان سيد اللحظة، ليلة حنة بسيطة تعكس روح مي؛ هادئة، رقيقة، ودافئة.
وعلى الجانب الآخر، كان حال العرسان مختلفا، لم يخرج رشدي من المنزل، إذ كان يخشى فعل أي تصرف طائش يكلفه خيانه لمي من جديد، فآثر البقاء بعيدا عن فكرة حفلة العزوبية، بينما جلس ياسين مع ابنته، يحاول طمأنتها والحديث معها، وفي الوقت ذاته كان يستعد لاستقبال هبة لتقيم في الاستراحة.
أما عند سليم وماسة، فكانت الدنيا هادئة على غير العادة؛ لا ضجيج ولا توتر فقط سكينة مؤقتة، وكأن الأمور قررت أن تسير على ما يرام، ولو بشكل مؤقت!
قصر الراوي، 10:00 مساءً.
الاستراحة
تحركت هبة داخل الاستراحة ببطء، تتفحص المكان بعينيها، فقد أحضر لهل أثاثا جديدا كما طلبت تماما، وكأن المكان يستعد لمرحلة مختلفة.
كان ياسين يقف بجوار نالا، ممسكا بيدها الصغيرة، بينما كانت هي تتشبث به ببراءة.
تنفست هبة بعمق، وقالت محاولة الثبات: خلاص أنا هفضل قاعدة من النهارده، وإن شاء الله الأمور تعدي على خير.
ابتسم ياسين ابتسامة مطمئنة: متقلقيش، كل حاجة تمام.
ثم انحنى قليلا لمستوى ابنته وقال بمزاح خفيف: قولي يا ستي نالا، هتقعدي معايا ولا تقعدي مع مامي.
هزت نالا رأسها بحماس، وضحكت: لا لا، هقعد معاك، علشان أنت مسافر.
ضحك ياسين، وحملها بين ذراعيه وهو يقول: ماشي، يلا قولي لماما باي.
لوحت نالا بيدها الصغيرة: باي يا مامي.
قبل ياسين خد ابنته، واستدار ليغادر.
وفي تلك اللحظة، توقفت هبة عن الحركة، ثبتت عيناها عليهما، نظرة طويلة تحمل الكثير من المعاني "غيرة مكتومة، وضجر ثقيل، وشعور موجع بأن الزمن لا ينتظرها"
الجميع يتحرك للأمام، الجميع يعبر المراحل واحدة تلو الأخرى، إلا هي، ما زالت جالسة في مكانها، بعد أن خسرت أشياء كثيرة، أكثر مما تعترف به لنفسها.
وبحركة غاضبة، ضربت المقعد بيديها، وكأنها تحاول تفريغ ذلك الثقل الذي استقر في صدرها، دون جدوى.
فيلا سليم وماسة القديمة، 10:00 مساء
جلست آلاء إلى جوار أنهار في صمت ثقيل، تنتظران مصطفى.
لم يطل الانتظار كثيرا؛ فبعد دقائق، وصل مصطفى، يحمل بيده ملفا يضم الأوراق الشخصية الخاصة بآلاء.
أخرج مصطفى الأوراق ووضعها على الطاولة، ثم قال بنبرة هادئه: أنا جبت الورق من أم صفاء،ومقولتلهاش أي حاجة واكدت عليها متتكلمش مع محمود.
تساءلت أنهار: طب دلوقت هنعمل ايه يا بني؟!
مصطفي موضحا: مفيش، محتاجين نروح نتصور، وبكرة إن شاء الله أعدي عليكم الصبح ونسافر إسكندرية.
نظرت إليه آلاء بقلق ظاهر، وسألته: لازم نتصور؟
اوما براسه بايجاب: آه طبعا، علشان القسيمة.
هزت رأسها إيجابا بصمت مستسلما، رغم أن قلبها لم يكن مطمئنا، وبالفعل، خرجوا معا، وأنهوا جلسة التصوير في صمت مشوب بالترقب، ثم أعادها مصطفي إلي الفيلا، ثم اتجه هو إلى العيادة، حيث قرر أن يبيت ليلته هناك.
كان كل منهما غارقا في أفكاره، هل ما يفعلانه صواب أم خطأ؟ هل يكملان هذه الخطوة حتى النهاية أم يتراجعان قبل فوات الأوان؟ لكن، وبرغم الشك والخوف، كانت هناك قوة خفية تشدهما إلى الأمام، كل شيء من حولهما كان يدفعهما للمضي قدما، وكأن التراجع لم يعد خيارا متاحا.
في اليوم التالى
ورشة الحاج شاهين، 10:00 صباحا.
جلس شاهين خلف مكتبه الخشبي العريض، يتفقد رزمة فلوس بين أصابعه، يقلبها بإبهامه ببطء، لم تمر لحظات حتى ظهر محمود عند المدخل، وقف متسمرا لثانية، ثم تقدم باكتاف منحنية، وكأنه يتهيأ لاستلام حكم.
محمود بصوت محمل بالتوتر: السلام عليكم يا حاج.
رفع شاهين عينه بحدة، ثم ترك الرزمة على المكتب بضربة خفيفة لها معنى: إيه يا محمود فينك؟! كلمتك كتير مبتردش ليه.
ابتلع محمود ريقه ومرر كفه على رقبته: كنت في مشوار كده، ومخدتش بالي.
مال شاهين بظهره للخلف، يضم ذراعيه بتساؤل: فتحت الموضوع مع أختك؟
هز رأسه بسرعة: آه فتحته.
تراجع شاهين في كرسيه، يرفع ذقنه قليلا وكأنه ينتظر بشارة: وردها ايه؟!
تلعثم محمود قليلا، ثم حرك يده على مؤخرة رقبته، كأنه يشتري دقيقة هدوء: هي دماغها مقفلة شوية
عمالة تقول “عايزة أكمل تعليمي، ومبفكرش في الجواز” بس أنا قعدت معاها وفهمتها إنك مش هتحرمها من حاجة.
هز شاهين رأسه بثقة، وفمه يبتسم ابتسامة صغيرة لكن عينه ثابتة وباردة: طبعا، هسيبها تكمل براحتها لحد ما تقول “كفاية”، الشغل ملوش لازمة، وأي حاجة تحتاجها على عيني، وهتعيش معايا ملكة، وهجيب لها شقة نضيفة في مدينة نصر.
أومأ محمود برأسه، وقال بتوتر: هقولها كل الكلام ده، وههديها متقلقش يا حاج، بس أنا خايف يعني لو دماغها ملانتش بسرعة، الزعيم يقتلني
ضحك شاهين ضحكة قصيرة من دون دفا، ثم مال بكتفه على جانب الكرسي: والله أنت وشطارتك بقى، خلي دماغها تلين بسرعة.
تنهد محمود بقوة، وصدره يرتفع وينخفض بقلق: طب يا حاج مينفعش تديني مبلغ، أسكت بيه الزعيم؟
تجمد شاهين في حركته، ونظر لمحمود نظرة طويلة تشبه سكين يدخل ببطء: متفتكرش إني لو دفعت الفلوس، ومتجوزتش أختك إني هسيبك، او حتى هسجنك؟ سجنك ده ميلزمنيش، أنا أقدر أعمل أكتر من كده بكتير
اهتز فك محمود، ورمش بسرعة، وبان في وجهه الخوف: يا حاج اعتبرها مراتك من دلوقتي، هي بس متلخبطة، بس أنا هتصرف معاها متقلقش
صمت شاهين قليلا، ونظر له نظره طويله من اعلى لاسفل وكأن هناك شيئا في عقله: طب اسمع، أنا هديك فلوس تخلص بيها من الزعيم، بس هتكتبلي وصلات بـ 250 ألف كل وصل بخمسين.
اتسعت عينا محمود، ومال للامام خوفا، فتابع شاهين على نفس ذات الوتيرة بتهديد: أختك اتجوزتها؟ الوصلات تتقطع متجوزتهاش؟ وصل وصل يروح المحكمة وبعد ما تطلع من السجن رقبتك هتكون التمن
محمود بسعادة: حاضرة يا حج، مش عارف اقولك ايه.
صمت شاهين لحظة، ثم قال فجأة بنبرة فيها خبث مقصود: بقولك إيه، إيه رأيك؟ تجوزني أختك انت، وحطها قدام الأمر الواقع.
شهق محمود بصدمة: إزاي بس؟!
شاهين وكأنه يتحدث عن شيء عاديا: عادي نروح للمحامي نقول إنها وكلتك، ونجيب شهود ونكتب
محمود بارتباك: بس ده مش حرام؟!
اقترب شاهين بنصف جسده للأمام: حرام إيه يا حودة؟
انت مش موافق؟ خلاص؟ فكر بس في رقبتك اللي هتطير وانت تعرف إنه عادى جدا.
ابتلع محمود ريقه بخوف: أنا هحاول مع أختي تانى، ولو منفعتش وفضلت منشفه دماغها نعمل كده.
ضحك شاهين بخفوت، ثم مال برأسه: هتحاول إزاي وهي هربانة؟ هي و أمها مع وواد حلو كده؟
تجمد محمود، واهتز وجهه: عرفت منين؟!
ضحك شاهين ضحكه مستنكره: مفيش حاجة بتستخبى يا حودة.
حك محمود في خده وهو يحاول التبرير بارتباك: أنا، ااا، أنا بس ضربتها جامد، والواد اللى بتقول عليه دى الدكتور بتاعها مش حاجة يعني
ضحك شاهين وهو يقول: ما أنا عارف إنه “مش حاجة”
لو كان حاجة مكنتش اتجوزتها، أنا بفهمك بس، اختك مش راضية دلوقتي، لكن أول ما تجيبهالي، وتشوف الشقة الجديدة، والعيشة اللي تمشي فيها على سكر، وتنام على بقلاوة، ساعتها هترضى
تنهد محمود وهو يقول: حاضر يا حاج، اديني بس لحد بكره اتكلم معاها، ولو فضلت كده نعمل اللي قولت عليه
سكت شاهين، وظهر في عينه ثبات مخيف: اللي يعجبك، يا حودة.
أمام أحد فندق الهرم، 12:00 ظهرا
توقفت سيارة أمام مدخل الفندق، خرجت مي ولوجين، والحراس وراءهما يحملون الأكياس والصناديق الكبيرة.
كانت مي عابسة الوجه ويبدو عليها الضيق الشديد، فنظرت لها لوجين وقالت محاول التهوين: خلاص بقي يا مي، ما إحنا معانا فستان زيادة، أنتِ أصلا مكنش يصح تسمعي كلام رشدي، بس اللى حصل حصل خلاص، فكي ومتعككنيش على نفسك في يوم زى ده، أنا جبتلك الفستان، وأنا معايا ثلاث فساتين، ويا ستي حتى لو الفستان إللي جبناه كان فيه أي مشكلة أو معجبكيش، ألبسي أي واحد من بتوعي.
عبست مي أكثر، وهي تمسك حقيبتها: معرفش دماغي كانت فين وأنا بسمع كلامه بجد؟ كأنه ساحرلي، المشكلة إني بكلمه مبيردش عليا، والله لو شوفته لاخنقه من كتر الغيظ.
مسحت لوجين على ظهرها لتهدئها: أهدي بس، مينفعش النهاردة أي توتر علشان وشك، يلا تعالي متخافيش أنا معاكي ومحلولة.
أكملا دخولهم الفندق حتى وصلا لغرفهما، والحراس من خلفهم يحملون الأكياس الكبيرة بعناية.
حاولت مي الاتصال برشدي لكنه لم يرد، فكشرت بتوعد: ماشي يا رشدي…
وصلوا إلى الغرف
قالت لوجين بلطف قبل أن تتجه إلي غرفتها: فكي يا مي، بإذن الله هتكوني زى القمر متقلقيش.
اومأت مي بصمت، فتحركت لوجين ودخلت غرفتها، أما مي ففتحت باب غرفتها بضجر، وفجأة وجدت رشدي واقفا أمامها ممسكا بوردة في يده.
جزت على أسنانها، واقتربت منه وضربته على كتفه بضجر: أقسم بالله أنا ما طايقاك! إيه رأيك أمشي واقول مفيش جواز، مبتردش ليه؟!
رشدي بإبتسامة هادئة: أهدي يا محمود، علشان كويس في حقك إنك تكون محمود خالص الليله دى.
نظرت له مي بضجر: ما أنت تجنن اللى ميتجننش، مبتردش عليا ليه وفين الفستان الرائع إللي مفيش منه في الدنيا !
أمسك يديها بصمت وسحبها إلى الداخل، ووضع يديه على عينيها، وفجأة كشفها عن مفاجأة مذهلة فستان مرصع بالألماس بالكامل، في غاية الجمال، وكأنه خلق لها خصيصا
تسمرت في مكانها واتسعت عيناها من جمال الفستان، فقال رشدي مازحا وهو يغلق فمها المفتوح بصدمه: اقفلي بوقك يا مشمش لتخش فيه دبانه، مش قولتلك اصبري تاخدى حاجه حلوه؟ أهو جالك صدمة من جمال الفستان اهو اعترفي!
نظرت له من طرف عينها، ثم أعادت النظر إلي الفستان بعيون لامعه من انعكاس ضوء الشمس على الألماس: بصراحه تحفة، بس ممكن ميطلعش على قدي.
رشدي بإبتسامة: متقلقيش كله تحت السيطرة أنا متأكد إن هو مقاسك، ولو يعني المصمم جوه بالمساعدين هيظبطلك كل حاجة، متقلقيش.
ابتسمت مي بسعادة: بجد شكرا يا رشدي، دى طلع تحفة أوى، عمري ما شوفت فستان بيلمع كده في حياتي، أنا طول عمري كنت بتخيل فستان فرحي بيلمع كده علشان ابقي عامله شبه النجمه المنوره في السما، بجد مبسوطه اووى.
نظر رشدي لفرحتها بعيون دافئة: أنت نجمه منوره من غير حاجه يا مشمش.
ابعدت عيناها عنه بخجل، وتساءلت: بس هو الالماس دى حقيقي؟
هز رأسه بإيجاب: أيوه طبعا، ألماس حقيقي، علشان يليق بالأميرة مي.
لمست التطريز بأطراف أصابعها: لا بجد تحفة، ده تصميم مين؟
رشدي بإبتسامة: آلي صعب.
تبسمت مي فهو من أشهر المصممين العالميين
وفجأة ضرب أصابعه ببعض، فجاء المصمم وخلفه المساعدين
المصمم : ألف مبروك يا مدام مي.
مي بابتسامة: الله يبارك فيك.
المصمم: اتفضلي، قيسي الفستان عشان لو فيه أي مشكلة نقدر نصححها.
هزت رأسها بابتسامة، وحملت الفستان وتوجهت نحو الداخل
تساءل رشدي: طب وأنا بدلتي جاهزة.
هز المصمم راسه: آه كل حاجة جاهزه، وأي تعديلات حضرتك تحبها المساعدين هيبقوا مع حضرتك فيها.
هز رشدي رأسه بإيجاب، ثم غادر إلى غرفة أخرى، ليتجهز هو الآخر.
دخلت مي غرفة لتقيس الفستان مع المساعدة، فوجدته مظبوطا عليها وكل تفاصيله تتماشى مع جسدها كما لو أنه صنع خصيصا لها، شعرت بالفرحة تتسلل إلى قلبها، فأخذت تدور حول نفسها بسعاده، وكأنها فجأة صارت بطلة مشهد حلمت به طوال عمرها، ادمعت عينيها من فرط الجمال فلم تتوقع أن يكون بهذا الجمال، تماما كما كانت تحلم به طول حياتها، فاعترفت في داخلها أن رشدي كسب الرهان حقا.
خرجت بخطوات هادئة، لتخبر المصمم بأن كل شيء على ما يرام ولا داعي لأي تعديل.
مي بهدوء: متشكره جدا الفستان كويس ومش محتاجه أي تعديلات.
المصمم بإنبهار رائع: واو ! متوقعتش أن يكون عليكي بالجمال ده.
مي بسعادة تغمرها بدموع: فعلا المقاس مظبوط، مش مصدقة إنه يجي عليا بالظبط، بس حاسة إنه تقيل شوية.
المصمم: مع الحركة هيبقى خفيف، ده أول مرة تلبسيه كمان الطرحة مظبوطة جدا، عندك أي تعديلات عليها!؟
لمست الطرحة: لا مفيش أي حاجة، شكرا جدا.
المصمم: عموما أنا معاكي لحد آخر اليوم، ألف مبروك مرة ثانية، هسيبك براحتك بقي تجهزى، والمساعدة هتفضل معاكي علشان تساعدك في خلع الفستان وتلبيسه مرة تانية.
هزت راسها بإيجاب، وجاءت الميك أب أرتست: ممكن بقى تقلعي الفستان عشان نبدأ نجهز البشرة ونحط الميك أب، ونعمل الشعر؟
اومأت بإبتسامة صغيرة، وكاد أن تتحرك للداخل، ولكن قاطعها فتح لوجين الباب، وهي ترتدي روبا، وشعرها نصف مصفف، وتساءلت بشكل تلقائي: إيه يا روحي! عملتي إيه؟
صمتت فجأة حين وقعت عينيها عليه، اتسعت عينيها بإنبهار: يا نهار جمال! ماشاء الله تحفة!
مدت يدها مسكت يدها، جعلتها تلف حول نفسها وهي تقول: لا لا، ده رشدي طلع فنان! لقد تسرعنا في الحكم علي رشدي بجد.
وقعت عينيها على المصمم: حضرتك إللي صممت الفستان؟
هز رأسه بإيجاب، فأضافت: على فكرة، أنا بعشق تصاميمك.
المصمم: ميرسي، بعد إذنكم.
ثم خرج من الغرفة، بينما لمست لوجين الفستان مرة أخرى وقالت: بجد تحفة! مبروك عليكي، هسيبك تجهزي بقي أنا كنت جايه أطمن لسه زعلانه ولا لأ، بس الحمد لله رشدي انقذ نفسه ف الوقت المناسب.
ضحكا معا، فاقتربت لوجين وقبلت خد مي بخفة، ثم خرجت مبتسمة.
بينما بدأت مي تخلع الفستان، وترتب شعرها، وتضع الميك أب، مستعدة ليوم الزفاف.
علي اتجاه آخر كانت لوجين هي الأخري تتجهز بحماس، ومعها اصدقائها وشقيقتها، كانوا يشغلون الأغاني وكان يبدو عليهم المرح، عكس مي كانت غرفتها هادئة فقط لمياء صديقتها وزوجة أخيها.
الإسكندرية، 5:00 مساءً
وصل مصطفى إلى مدينة الإسكندرية مع أول ساعات النهار توقف بالسيارة أمام أحد الجوامع الكبيرة، ترجل بخطوات مترددة، ثم أخرج هاتفه ورفعه إلى أذنه: ألو يا شيخ، أنا وصلت، أيوه، أنا بره الجامع أهو، حضرتك جوه؟ تمام، الشهود موجودين؟ خلاص، أنا داخل حالا.
أغلق الهاتف، وتقدم نحو السيارة، طرق على الزجاج بخفة، وأشار لهم: الشيخ مستنينا جوه
نزلوا من السيارة، وتحركوا خلفه بهدوء، ولكن توقفت آلاء فجأة.
انتبه لها مصطفى، فالتفت وجدها واقفة مكانها، وعيناها معلقتان بالأرض: آلاء؟
رفعت رأسها بصعوبة، وصوتها خرج مكسورا بدموع تلمع في عينيها: ماتيجي نشوف حل تاني؟ أي حل، بص، أنا ممكن أعيش أنا وماما هنا، وهو بعيد عننا، ونبدأ من جديد و..
قاطعها بهدوء حازم: طب وسمعتك اللي اتشوهت قدام الناس؟ ماشي أنتِ ممكن متروحيش شغلك تاني، وأنا همشي من العمارة، بس ليه تفضلي ماشية بالشكل ده؟ هربانه وخايفه واللي حصل هنا ممكن يحصل في اي مكان تاني، احنا بنوقف اي مصيبه ممكن تحصل قدام.
مدت وجهها بعدم اقتناع وضعف: بس برضو مش طبيعي إن حل المشكلة يبقى بالشكل ده !!
تنفست بعمق، ثم قالت وهي تحاول التفكير: أنا مش عارفة أفكر، بس حاسة إننا بنحل الغلط بغلط أكبر.
تدخلت أنهار بانفعال موجوع: يا بنتي، مفيش حل، سمعتك أهم من أي حاجة، وبعدين الراجل ده كمان سمعته اتلطت معانا...
مصطفى سريعا، بنبرة صادقة: لا يا حاجة، متفكريش فيا، أنا راجل وأتحمل.
نظرت إليه انهار باعتراض: إزاي يعني؟ حتى لو راجل، أنت دكتور وليك مكانتك ووقفت معانا، ليه نأذيك؟
اضافت بضجر وهي تنظر لالاء: هو قال قدام الناس انك مراته! هطلعيه كداب قدام الكل! بعد اللى عمله معانا؟!
اضافت بحسرة وقهر: يابنتى انتِ فاكرها سهل عليا اوفق انى بنتي الوحيده تتجوز كده! دى ربنا وحده يعلم كسرة قلبي، بس سمعتك اهم، نعمل ايه؟ ياريت بادينا حل!
اقترب منها مصطفى خطوة، صوته انخفض: آلاء، إحنا مش عايزين نضغط عليكي فكري، القرار قرارك.
توقف لحظة ثم تابع بعقلانية: بس صدقيني، ده الحل الصح، علشان تاخدي حقك من أخوكي، وترجعي سمعتك قدام الناس، أكيد اللي بنعمله مش صح مية في المية، بس مش غلط كمان، الله أعلم ممكن يعمل إيه؟! وأنا مش هفضل طول عمري هربان وبتجنب اماكن شغلي، هو عرف كل الأماكن اللي بشتغل فيها تقريبا، ممكن في مرة يمشي ورايا ويعرف مكانكم..
تنهد وأضاف بتوضيح لطمئنتها: أنتِ هتكوني مراتي على الورق مجرد شكل وبس يسكت الناس ويحميكي.
مسحت دموعها، واستسلمت أخيرا، وقالت بصوت مبحوح: طيب ماشي خلاص، يلا.
قال بسرعة: متعمليش حاجة أنتِ مش عايزاها.
ابتسمت ابتسامة باهتة موجعة:أكيد مش عايزاها، بس مضطرة. علشاني وعلشانك.
ثم أشاحت بوجهها: أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده تاني، خلينا نخلص.
هز رأسه بإيجاب، وتحركوا معا نحو داخل المسجد.
كان الشيخ صالح في استقبالهم، صافح مصطفى بحرارة: إزيك يا مصطفى يا ابني.
ثم التفت لآلاء بابتسامة أبوية: إزيك يا بنتي، متزعلِيش كله هيتعدل إن شاء الله، ربنا مبيعملش حاجة إلا وفيها الخير، حتى لو باين لنا شر، واللي حصلك ده، بعد فترة هتعرفي إنه كان خير ليكي.
رفعت عينيها إليه بتردد: أنا بس عايزة أعرف، اللي بنعمله ده غلط؟ أو فيه حاجة حرام؟
هز الشيخ رأسه نافيا: لا يا بنتي، مفيش غلط ولا حرام، ما دمتي موافقة، ومادام معندكيش ولي، وأخوكي مش أهل للولاية، فالشرع يجيز إن القاضي أو الشيخ يتولى، وأنا هبقى في منزلة والدك، وبالمناسبة مصطفى يمكن معرفهوش من سنين طويلة، بس في السنين اللي قضاها هنا، سمعت عنه كل خير هو وأهله.
أنهار بتأثر: ربنا يبارك له يا رب.
تنفس مصطفى بعمق: يلا يا شيخ.
جلسوا على الأرض، في سكينة ثقيلة، وبدأت إجراءات كتب الكتاب، وضع مصطفى يده في يد الشيخ صالح، وردد الكلمات خلف المأذون بصوت ثابت…
كانت آلاء تجلس صامتة، تنظر بعيدا، كأنها انفصلت عن المكان ودخلت عالما آخر، الأصوات من حولها لم تعد أكثر من همهمات مشوشة، تصل إلى أذنها دون أن تفهمها، دموعها جفت داخل عينيها، لكن قلبها كان يصرخ بآهات موجعة.
الآن تتزوج !! الحلم الذي تحلم به أي فتاة، لكنه يحدث بهذه الطريقة القاسية، المهينة، المليئة بالكسور كانت تريد أن تصرخ: لا .. لا أريد.
لكن كيف؟ وهي لا تملك حتى القدرة على الرفض! لا تستطيع رفع صوتها، ولا حتى الدفاع عن نفسها، لم يبقَ لها سوى القبول، والرضوخ لما يحدث.
لم يكن اعتراضها على مصطفى؛ ومن التى لا تتمنى أن تتزوج رجلا مثله؟ لكن ليس هكذا، ليس بهذه الطريقة الذليلة؛ فهو لم يتزوجها حبا ولا اختيارا، بل إجبار بدافع الجدعنه والشفقه، وهي كانت تعلم أن أكثر ما يكسر الروح، أن تكون زوجة بدافع الشهامة فقط!!
حتى مصطفى، وهو يردد الكلمات خلف الشيخ، لم يكن سعيدا، صوته ثابت، لكن قلبه مثقل، وكأنه يُجبر نفسه على كل حرف ينطقهح، لم يكن هذا الفرح الذي يُنتظر في مثل تلك اللحظات، بل ضرورة لا مفر منها.
اما إنهار فكانت تراقب المشهد بوجع صامت والدموع تملأ عينيها وقلبها ينكسر قطعة قطعة، لم يكن سهلا عليها أن ترى ابنتها الوحيدة تتزوج بهذه الطريقة؛ زواجا لا تحكمه الفرحة، بل الحاجة إلى الحماية، والهروب من بطش شقيق جردها من الأمان.
لم تكن تعرف ماذا تفعل؟! فالعجز والضعف والحيرة حين يجتمعون يصبحون حملا ثقيلا على أي إنسان، فكيف إذا كانت أما تري فلذة كبدها تكسر أمام عينها؟ ما تشعر به في داخلها أكبر من أن يُقال، وأقسى من أن يُحتمل.
كانت أنهار وآلاء قد اعتادتا على الأهوال، والخوف، والقسوة، لكن ليس بهذا الشكل، ليس في لحظة يُفترض أن تكون بداية عمر جديد.
ومع ذلك، حاولت أنهار التماسك، واخفاء انهيارها خلف صمت صلب، من أجل حماية ابنتها من ذلك الوحش الذي لوث سمعتها وداس عليها بلا رحمة، ومن اجل ايضا أن تخفف على آلاء الامر.
وبعد الانتهاء، ابتسم الشيخ ابتسامة هادئة: مبروك يا ابني.
أومأ مصطفى باحترام: الله يبارك في حضرتك.
ثم تردد لحظة قبل أن يضيف: بس لو تسمح، كنت محتاج أي ورق يثبت جوازنا، لو ينفع دلوقت.
المأذون بهدوء: عدي عليا بكرة، وهديك المستخرج.
اومأ برأسه والتفت إليهم قائلا بنبرة مختصره: يلا بينا؟
هزت آلاء رأسها إيجابا بصمت وتحركت معه، بينما خرجت أنهار خلفهما.
توقفت أنهار ونظرت إليه بقلق: هتعمل إيه دلوقت يا ابني؟
تنهد وأشاح نظره بعيدا لثواني قبل أن ينظر إليها مره أخري قائلا: مفيش، هقعدكم في مطعم، لحد ما أبلغ أهلي، وبكره هنعمل محضر عدم تعرض، وسب وقذف، هشوف أحمد بس يكون معايا ورق اثبات.
وقفت أنهار عاجزة عن الكلام، نظرتها وحدها كانت كافية.
مصطفى بهدوء: اتفضلوا من هنا، أنا ساكن قريب، هقعدكم دلوقت في مطعم على البحر لحد ما أبلغهم.
هزت أنهار وآلاء رأسيهما بإيجاب، وساروا خلفه بصمت كان أثقل من أي كلمة.