
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثاني والعشرون 22 ج 2 بقلم ليله عادل
علي اتجاه آخر في الفندق، 6:00 مساءً
انتهت مي ولوجين من التجهيزات، فجاء رشدي وياسين لاصطحابهم لبدأ جلسة التصوير الفوتوغرافي، وسط جو مليء بالفرحة والحركة.
كانت الخلفية تعكس الأهرامات والقاهرة وقت الغروب، وألوان السماء تغمر المكان بدفء خفيف.
وقف ياسين ولوجين بجانب بعضهم البعض، والتقطا العديد من الصور: بعضها مرح وطبيعي، وبعضها الآخر مليء بالدفء والتدلل، وكانت ضحكاتهما الرنانة تتردد في المكان، فتضيف جوا من البهجة والعفوية.
اقترب المصور أكثر وهو يلتقط أحدى الصور الحميمية لهم وقال: أيوه، جميل!
ثم اقترب أحد مساعديه ليضع وجهها قرب وجه لوجين ويهمس: بصيلي يا مدام لوجين، وأنت يا ياسين بيه بصلها، أيوه كده، جميل!
على الجانب الآخر، كان وقفا رشدي عابسا، يراقب مي، بينما يحاول المصور إقناعهما بالوقوف والتعاون معهم لالتقاط الصور المثالية.
دفعت مي رشدي بخفة وقالت: ياعم مش لازم تلزق فيا كده!
رشدي بضجر: أومال اقف أتصور يوم فرحي ازاى يعنى يا مي؟!
وقفت بجانبه محافظه على مسافه بينهم، وهي بتبتسم برقه للكاميرا، وتضم كفيها معا: أهو نقف كده! مالها الوقفه دى!؟
رشدي بتهكم ساخر: لا دى إحنا شايلنها لصور محكمة الأسرة، متشلنيش يا مي.
تدخل المصور باحترام: يا مدام مي، دى صور للذكري، وبعدين دى جوزك عادى يعنى.
أشارت مي باصبعها بتعديل: لا، لسه مكتبناش الكتاب.
كاد أن يرد عليها ولكن ارتفع فجأة صوت بتصفيق حار، بينما قال المصور بحماس: تحفة بجد! دى أحلى صورة اتلقطت.
التفت رشدي بسرعة، فتجمد مكانه حين وجد ياسين مال على لوجين وقبلها، والكاميرا تلتقط اللحظة في صور غاية في الجمال.
بينما أشاحت مي بوجهها للجانب الآخر وتورد خديها بخجل.
هز رشدي رأسه بضيق، وتعالى صوته بسخريه: والعه معاك يا ابن المحظوظة، عامل تبوس وتحضن من الصبح، وأنا بقالي ساعة هنا بقيس مسافات.
ياسين بنبرة مرحه: بص في ورقتك يا رشدي، وبطل نبر.
لوجين موجه حديثها إلي مي: يا مي دى صور عاديه، وللذكري، بلاش كسوفك الزياده يفسد عليكي اللحظه خلاص ده جوزك.
رشدي بتأييد: والله يا قطه يا شيرازي انت ارجل من جوزك، قوليلها.
واستمرت الأجواء مرحة بينهم، ضحكاتهم لا تتوقف، والكاميرا تلاحق كل لحظة عفوية بينهما، وبصعوبة شديدة، استطاع رشدي أن يلتقط بعض الصور اارومامسيه مع مي، إذ كان خجلها واضحا، تبتعد قليلا كلما حاول أن يقترب منها، ولكن في النهايه كانت الصور جميله ورقيقه تشبه روحها البريئه.
الاسكندريه، 6:00 مساء
في احد الكافيهات على شاطئ البحر.
كانت إنهار وآلاء تجلسان متقابلتين، بعد أن أوصلهما مصطفى إلى المطعم، ثم غادر متجها إلى منزل عائلته ليخبرهم بما حدث.
ابتسمت أنهار محاولة كسر الصمت وهي تنظر من حولها: تعرفي يا آلاء؟ دي أول مرة أجي إسكندرية من 15 سنة، اتغيرت اوي، بس حلوة برضو.
لكن آلاء كانت في عالم آخر، تحدق في الفراغ بعينين زائغتين، تحاول استيعاب ما انقلب في حياتها خلال لحظة واحدة !
أحلامها بحياة هادئة، تحطمت فجأة أمام عينها، لتجد نفسها بين خوف وهروب ومحاولة يائسة لإنقاذ سمعة أوشكت على الضياع.
زمت أنهار شفتيها بأسف، تشعر بوجع ابنتها وانكسارها، لكن ما باليد حيله، اخذت نفسا عميقا ومدت يدها تمسك يد ابنتها بحنان: حاسة بيكي يا بنتي، حاسة بكل اللي جواكي، بس هنعمل إيه؟ ده قضاء ربنا، وربنا له حكمته، والله يا آلاء، مصطفى راجل محترم الحمد لله ان ربنا رزقنا بيه الله اعلم من غيره كنا هنعمل ايه يا بنتي، قضى اخفي من قضى
تنفست آلاء بعمق، ثم رفعت عينيها ببطء: هو فعلا محترم، ومفيش زيه، بس أنا مخنوقة ونفسي أصرخ، بس في نفس الوقت مش قادرة أعمل حاجة بعد كل اللي عمله معانا.
صمتت لحظة، ثم انهارت كلماتها: مش قادرة أستوعب اللى بيحصلنا بجد، أنا كنت أتمنى أتجوز واحد زي دكتور مصطفى بس مش كده، مش بالطريقة دي!
اضافت بوجع وانكسار وعجز بعينين اغرورقت بدموع: حاسة إني رخيصة اوي يا ماما.
شدت إنهار على يدها أكثر: اوعي تقولى على نفسك كده يا آلاء، إحنا مضربنهوش على إيده هو اللي قال، وهو اللي اقترح، يا ريت كان في حلول تانية، بس هنعمل إيه؟ نمشي على اللي ربنا كتبه، كل ده مكتوبلك، وربنا أعلم باللي جاي، سيبيها على الله.
في تلك اللحظه جاء الجرسون، ووضع العصائر أمامهما.
نظرت آلاء إليه باستغراب: إيه ده؟
ابتسم الشاب: دكتور مصطفى هو اللي طلبهم لحضرتكم، وأي حاجة تحتاجوها قولوا لي.
ابتسمت أنهار بخجل: شكرا يا ابني.
تحرك الجالسون بعيدا بينما نظرت إليها أنهار: سيبيها الله يا بنتي، سيبيها على الله
نظرت آلاء نحو البحر، وعيناها معلقتان بالأفق البعيد، ثم تمتمت بصوت خافت: ونعم بالله…
ساد المكان صمت ثقيل، لا يسمع فيه سوى الموج البعيد، كأنه يشاركهما الوجع.
فيلا سليم وماسة، 6:00مساءً.
غرفة ماسة.
وقفت أمام المرآة الكبيرة، ترتدي فستانا أزرق طويلا، تحدق في انعكاسها بغيظ، كانت تحاول إغلاقه بكلتا يديها، تضغط على السوستة بعناد، لكن دون جدوى.
ملامح وجهها انعكست ضجرا وقلقا، فرفعت حاجبيها قليلا، وهمست لنفسها وهي تشد أكثر: أووووف، اتقفل بقي
حاولت مرة أخرى، سحبت نفسا عميقا وكأنها تحارب الفستان، ثم زفرت بحدة: ايه حصل ما كنت بتتقفل؟ أوف إيه ده؟!
شدت السوستة بعصبية أخيرة: ما تتقفل بقى! ده أنت رخم.
في الغرفة المجاورة، غرفة سليم
كان منشغلا بترتيب بدلته أمام المرآة، يضبط أزرارها بعناية، ويصفف شعره، لكنه توقف فجأة عند سماعه صوتها، رفع رأسه، ثم أتجه نحو الباب المشترك.
كان الباب مفتوحا، فتوقّف عند عتبته، وأسند كتفه قليلا إلى الإطار، يميل بجسده نحوها وهو يتأملها: في إيه يا ماسة؟ بتكلمي نفسك ليه، مالك؟
أدارت رأسها نحوه بسرعة، وعيناها تحملان استعجالا واضحا، وهي تقبض على طرف الفستان بقوة: تعالي أقفلي الفستان ده.
اقترب منها بخطوات هادئة، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، وقف خلفها مباشرة، ومد يده نحو ظهرها ليمسك السوستة بحذر، وقال بمداعبة: ماشي، بالراحة طيب مالك متعصبه كده ليه؟!
مرر نظره على الفستان، ولاحظ ضيقه الواضح، فتساءل وهو لا يزال ممسكا بالسوستة: هو الفستان ده ضيق كده ليه؟
التفتت إليه نصف التفاتة، بنظرة اعتراض صريحة: ضيق إيه بس يا سليم، ما إحنا شارينه مع بعض من يومين وشوفته عليا وكان كويس.
هز رأسه رافضا، وقال بنبرة رجولية واضحة، ممزوجة بصرامة خفيفة: لا ضيق جدا ! ومستحيل تنزلي بيه بالشكل ده.
ماسة بضيق، وصوتها خرج متشنجا وهي ما زالت ممسكة بالفستان: يا سليم، والله هلبس البالطو الطويل، ومش هيبان منه حاجة.
رفع رأسه بحدة، ونبرته كانت قاطعة لا تقبل نقاشا: قولت لا، يلا أقلعيه وشوفي غيره.
لفت بجذعها ناحيته، وعيناها تلمعان بمحاولة أخيرة، وصوتها لان عن عمد: يا سيدي أنا عايزة ألبسه، جرب بس تقفله وبعدين نتكلم، وحياتي يا سليم، يلا.
زفر بقوة، ثم قال باستسلام مشوب بتحذير: هقفله، بس أعملي حسابك إنك مش هتنزلي بيه برضو.
استدارت بظهرها له فورا، كأنها تخشى أن يتراجع، بدأ سليم يحاول رفع السوستة بحذر، بينما حبست ماسة أنفاسها، وسحبت بطنها للداخل بكل قوتها، ويديها تضغطان على جانبي الفستان. يا ماسة، مبيتقفلش، ضيق جدا !!
قالت وهي ما زالت تشد بطنها، وصوتها خرج متوسلا: حاول بس مرة كمان.
شد السوستة في محاولة أخيرة، ولكن انقطعت في يده فجأة، فتجمد للحظة.
في المقابل، اتسعت عينا ماسة بدهشة صادمة، استدارت إليه بعصبية، وصوتها أرتفع بغضب واضح:
كدة يا سليم؟! أنت قطعته قصد عشان ما ألبسوش؟! وتبقى حجة كمان؟!
ابتسم بثقه مستفزة، وهو يرفع إحدي حاجبيه: أنا مش محتاج أقطع الفستان علشان مخليكيش تلبسيه، لو مش عايزك تلبسيه، مش هتلبسيه.
ثم أضاف بنبرة متعمدة الاستفزاز: أنتِ إللي تخنتي.
لفت نحوه بعينين معترضتين: تخنت إيه؟! أنا لسة جايباه من يومين!
علق ساخر: ما هو أنتِ بتاكلي كتير الفترة دي.
أشاحت بوجهها لإتجاه الآخر بعصبية طفيفة، ورفعت كتفيها بتزمر طفولي: متقولش كده، بتعد عليا الأكل!
ضحك عاليا، واقترب خطوة، ومرر يده على خصرها برفق، في حركة تحمل مزيج بين الحب والامتلاك: لا طبعا يا حبيبتي، بس شوفي فستان تانى، عندك فساتين كتير لسة ملبستهاش.
التفتت له فجأة، ونبرتها خرجت متوترة، محبوس فيها قهر طفولي: ولا واحد فيهم ينفع! كلهم ضاقوا عليا!
ثم قالت بنبرة باكيه وهي تلوح بيدها: أنا مش هروح الفرح، روح إنت!
صمت لحظة، كأن غضبها لمس شيئا داخله مد يده وأمسك يديها بين كفيه بلطف واضح، كأنه يهدي ارتعاشها قبل كلامها.
رفع نظره إليها، ونظرته كانت مزيج حب وقلق وجدية صادقة: طب أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟
أنخفض صوتها بحزن طفولي: علشان نفسي أروح الفرح…
ابتسم ابتسامة مطمئنة، يحاول أن يخفف عنها: طب ما أنتِ هتروحي.
رفعت حاجبها بامتعاض، وعيناها امتلأتا بإستفهام واضح: هروح إزاي؟ الفستان اتقطع…
قال ببساطة، وكأنه يتحدث عن أمر بديهي لايستحق القلق: نشتري واحد تاني.
اتسعت عيناها بدهشة حقيقية: نشتري فستان تاني؟! إزاي؟ الفرح كمان ساعة!
هز كتفيه باستخفاف لطيف، ونبرته خرجت واثقة: وإيه يعني؟ مش هتفرق معايا نروح فرح رشدي متأخر.
ثم أضاف بإبتسامة جانبية: ولو على فرح ياسين، أنا أصلا مكنتش موافق على السرعة دي.
توقف لحظة، ثم قال بحسم حنون: ألبسي أي حاجة وخلينا ننزل نشتريلك فستان، أحلى مليون مرة.
نظرت إليه مترددة، ثم سألت بقلق: طب وتسريحة الشعر؟ والميك أب؟
قال بهدوء مطمئن، وهو ما زال ممسكا بيدها: هناك في غرفة القياس…
ثم أضاف بإبتسامة جانبية يعرف تأثيرها عليها: وبعدين، أنا بحبك تعملي تسريحة شعرك إللي أنا بحبها، بتبقي قمر.
وتابع بنبرة معتادة منه: والميك اب، إنتِ عارفة أنا مبحبش تحطي.
تنفست بتذمر، ولفت عينيها اليه: ده فرح يا سليم، متستهبلش.
ابتسم ابتسامة هادئة، وقال بثبات: يا ماسة أنتِ عارفة رأيي.
تنهدت بإمتعاض: أوف، يخربيت كده.
ثم قالت وهي تهز رأسها: مش موضوعنا دلوقتي، المهم هنعمل إيه؟
قال بسرعة كأن الأمر محسوم: ألبسي أي حاجة، ونروح نشتريلك فستان.
هزت رأسها بضجر: أوف طيب.
اقترب منها، وطبع قبلة خفيفة على خدها، وقال وهو يبتعد: أنا هروح أكمل لبس، وأنتِ يلا ألبسي أي حاجة.
وبالفعل، ارتدت ماسة فستانا بسيطا، بينما أنهى سليم ملابسه، وتوجها معا إلى أحد الأتيليهات، وبعد عدة اختيارات، توقفت ماسة أخيرا عند فستان أسود أنيق، زيّنته بعض المصوغات الذهبية التي زادت جماله رقيا.
رفعت شعرها في كعكة بسيطة، ووضعت القليل من مستحضرات التجميل، بأمر واضح من سليم، وبالرغم من بساطتها، كانت جميلة كعادتها.
خرجت من غرفة القياس، وكان سليم ينتظرها، وما إن وقعت عيناه عليها حتى صفر بإعجاب صريح: إيه الجمال ده؟! والله أنتِ هتغطي على العروسة.
ضحكت بخجل، وسألته وهي تعدل طرف الفستان:
بجد يا سليم؟ شكلي حلو؟
اقترب منها، أمسك يدها برفق، ورفعها ليقبلها بتقدير واضح: هو في كده؟! يا نهار أبيض قمر.
شبك أصابعه بأصابعها، وسحبها معه بخفة: يلا بينا.
وتحركا معا نحو السيارة، متجهين إلى الفرح، وابتسامتهما تسبق خطواتهما.
الإسكندرية، 8:00 مساءً.
منزل مصطفى
دخل مصطفى المنزل بعد أن فتح الباب بالمفتاح، كانت نبيلة تجلس بجوار عائشة تشاهدان التلفاز، بينما كان إيهاب يجلس على الأريكة منشغلا باللاب توب: مساء الخير.
ابتسمت نبيلة: مساء النور يا حبيبى، تعالى أنت مختفي فين؟ عائشة قالتلي إنك مرضيتش تيجي معاها، علشان مشكلة حصلت لواحدة ممرضة عندك.
تنهد مصطفى وجلس ببطء، وكأنه يحمل ثقل العالم فوق كتفيه، لم يكن يعرف من أين يبدأ. أخرج المفتاح ووضعه على الطاولة أمامه دون وعي.
لاحظت عائشة توتره، فقالت بهدوء:استني يا ماما، سيبيه يستريح شوية.
ظل مصطفى صامتًا للحظات، عيناه معلقتان في الفراغ. كيف يمكن أن يقول لهم إنه تزوج بهذه الطريقة؟ كان يعرف أن مجرد الكلام سيفتح باب مشكلة لا مفرّ منها.
أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يجمع شجاعته الأخيرة، ثم قال: أنا… لازم أحكي لكم على حاجة حصلت، ومحتاجكم تسمعوني للآخر.
نظر إلى إيهاب: سيب اللي في إيدك يا إيهاب، وخليك معانا شوية.
هز إيهاب رأسه بإيجاب، أغلق اللاب توب ووضعه بجواره، وانتبَه تمامًا.
ابتلع مصطفى ريقه، ثم قال بصوت ثابت رغم ما بداخله: انا، أنا اتجوزت.
نظروا إليه جميعًا في صمت، كأن الجملة لم تصل لعقولهم بعد.
قطعت نبيلة الصمت بذهول: بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
مصطفي بترفب: اتجوزت.
رفعت نبيلة حاجبيها: اتجوزت إزاي يعني؟! إنت بتهزر
ضحك إيهاب بارتباك: ماتبطل هزار يا ابني.
هز رأسه تحدث بجدية: أنا مش بهزر… أنا بتكلم جد.
تنفست نبيلة بحدة. جد إزاي؟!
أكمل مصطفى بسرعة، كأنه يخشى أن يتراجع:
البنت اللي عائشة حكيت لكم عنها اللي كانت في مشكلة.
اضطريت أتجوزها هي ووالدتها هييجوا يقعدوا كام ساعه لحد ما الشقة اللي فوقينا تجهز هقعدهم في شقة ماسة ومن فضلكم لما يجوا، تعاملوا معاهم كويس كفاية اوي اللي هم فيه.
نظرت إليه نبيلة باستغراب شديد: هو إنت بتتكلم بجد ولا إيه؟
هز رأسه بإيجاب: أيوه… بتكلم بجد.
نهضت ببطء، وهي تشيح بيديها في الهواء:
بجد إيه يا مصطفى؟! مين دي اللي اتجوزتها؟
مصطفي وهو يشير بيدة: ماما، من فضلك اهدي
صرخت: أهدى إيه؟! أهدى إيه؟! اتت سمعت الجنان.
تدخل إيهاب سريعًا وهو يمسك يدها يحاول ان يهدئها: يا ماما، استني.خلينا نفهم قول يا مصطفى، إيه اللي حصل بالظبط؟
اخذ مصطفى نفس عميق يحال ان يفهم برغم ثقل صدره: يا جماعة إدّوني فرصة أحكي.
جلست نبيلة مرة أخرى، لكن بعصبية واضحة: احكي احكي يا مصطفى مصيبة إيه اللي إنت جايبها المرة دي؟
بدأ مصطفى يسرد ما حدث، من البداية كانوا يستمعون إليه بصدمة، بشيء من الحزن، وشيء من التعاطف، إلا نبيلة، التي كان الضجر والغضب يتصاعدان على ملامحها.
قاطعته بحدّة: يعني إنت كل مرة تسافر القاهرة، تغيب، وترجعلي ومعاك واحدة؟! السفرية دي ما بقيتش تنزل من زور والله!
ثم أضافت بسخرية موجوعة:
أول مرة قلتلي: هي اللي خبطت على عربيتي، وربنا اللي حطها في طريقك إنما دي إيه بقى؟!
دي إنت اللي عملتها بمزاجك!
اقتربت منه أكثر:عايز تقف جنب الناس؟ قف.
بس مش بالجواز؟! مش بالجواز يا مصطفى؟!
توقف امامها حاول التوضيح'ما كانش قدامي حل غير كده…
هزت راسها برفض قاطع: لا، كان قدامك حلول كتير!
وبعدين إحنا مالنا؟! يعني إيه ما عندهاش حد؟
فين الجيران؟ فين الناس؟ ولا إنت الوحيد اللي اتخلقت في المستشفى؟!
تنفست بحدة ثم أكملت بسخرية: أمها اتصلت بي وقالتلي: انجدني يا ابني.يا سلام! أنا عبيطة أصدق الكلام ده؟تلاقيهم لعبوا عليك عشان يجوزوك البت لاقوك اهبل وصيده سهله ما كان قدامها ناس كتير؟ دكاترة؟إشمعنا إنت الدكتور الوحيد؟! والله كل ده اكيد اتفاق مع اخوها عشان يجوزك البت
اتسعت عينا مصطفي متعجباً: يا ماما الكلام ده
قاطعته بقسوة: بقولك اتلعب عليك! وكفاية اللي حصل مع ماسة والله ما هيحصل تاني يا مصطفى! كفاية مصيبه ماسة
رفع صوته لأول مرة: ماما! أنا اتجوزتها اتجوزتها خلاص وبقت مراتي
وانفجرت نبيلة أخيرا، قاطعة الصمت: وأنا مش موافقة! إيه الجنون ده؟!
نظر إيهاب إلى مصطفى بعدم رضا ولوم: أيوه يا مصطفى فعلًا! إيه اللي عملته؟ واحدة وقعت في ألف حل، بس مش يعني تتجوز!
وأضاف مستنكراً:ما لو كل مشكلة هنحلها كده مش هنخلص عقلك كان فين؟
عائشة وهي تزم شفتيها: بصراحة المرة دي وسعت منك.
صمت مصطفى لحظة، ثم قال بصوت يائس:
والله يا جماعة، ملقيتش حل.
قاطعته نبيلة بتهكم: لا في انك ما لكش دعوة! خدتِها المستشفى وخلاص، خلصنا.
مصطفى حاول يوضح: كنت هعملها إزاي؟! أخوها عمل مشكلة بقولك قال اني ماشي معها.
نبيلة بغضب: مش بجوز! مش بقولك، انت لازم تطلقيها وتوقف عن جنونك، سامع؟
مصطفى حاول يبرر: ماما… ده جواز مؤقت… بعدين هطلقها… دلوقتي الكلام مش هيفيد حاجة، اللي حصل حصل ي
نظرت نبيلة إليه، عيونها محملة بالأسى، وجلست بتعب:
مش عارفة أقولك إيه… الله يسمحك، يا بني.
ثم همست، وكأنها تزن كل كلمة: مس عارفة إيه اللي جرالك يا مصطفى… كان عقلك يوزن بلد! نقف مع ناس على عيني وراسي بس؟ مش كدة مش كدة
اقتربت مصطفي، بنظر ضعف حاول إقناعها:
امي الست كلمتني واستنجدت بيا… عارفة يعني ايه استنجد بيا. أنا ما كنتش هتجوزها، أنا كنت هعمل كل ده لولا اللي أخوها عمله أنا سألت أحمد على ألف حل، بس ما فيش انا مش مجنون الظروف هي اللي حطتني في الوضع ده.
إيهاب، متوتر:يعني دلوقتي كده هيحصل؟
مصطفى بهدوء: ولا حاجة… هتيجي تقعد هي ومامتها هنا لحد ما هجيب اتنين عملات عندي ينضفه الشقه وبكرة هاخد الورقة وأعمل محضر وهنكلم أحمد.
عائشة، مرتبكة: أنا مش فاهمة بصراحة، بحاول أستوعب.
مصطفى عقلانية: تعالوا تتعاملوا معاها كأنها واحدة ضيفة وبس الجواز ده عشان نحل مشكلة مش أكتر.
عاد السكون، ثقيلاً، كأنه ضغط على صدورهم جميعًا.
نظرت نبيلة إليه طويلًا، نظرة أمٍّ مُرهقة، ممتلئة بالخذلان أكثر من الغضب، ثم قالت بصوت خافت:
أنا… مش عارفة أقولك إيه والله.
زفر مصطفى باختناق قائلاً: عموما انا نازل دلوقتي اروح اجيبهم كلي بطلبوا منك تتعاملوا معاهم باحترام بعد اذنكم
فندق الهرم، 8:00 مساءً
غرفة مي
كانت مي تقف أمام المرآة بقلب يخفق بالحماس، أنفاسها متسارعة وهي تنتظر والدها ليهبط بها إلى الأسفل، إلى جوارها وقفت زوجة شقيقها وصديقتها، تبتسمان لها بسعادة وتأثر.
انفتح الباب بهدوء، ودخل راشد، ما إن وقعت عيناه عليها، حتى تجمد في مكانه، وارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه، تلك الابتسامة التي لا تشبه إلا قلب أب يرى ابنته الوحيدة ترتدي فستان زفافها، امتلأت عيناه بالدموع دون أن تسقط، وكأنهما تخشيان إفساد اللحظة.
اقترب منها ببطء، صوته خرج مرتعشا وهو يقول: ماشاء الله يا حبيبتي، زى القمر، ألف مبروك.
انحنى قليلا، وطبع قبلة رقيقة على جبينها، ثم أضاف بابتسامة مختلطة بالدموع: ربنا يسعدك يا مي في حياتك، مش عارف أفرح وأنا شايفك عروسة زى القمر، ولا أزعل إنك خلاص هتبعدي عني.
أمسك يديها بين كفيه، وضغط عليهما بحنان: بس أنا عايز اقولك حاجه واحده بس اوعي تنسيها، بيتى وحضني هيفضلوا مفتوحين ليكي طول العمر، ومهما كبرتي وروحتي وجيتى هتفضلي بنوتي الصغيره اللى احرق الدنيا كلها لو حد نزل دمعه من عنيها.
كانت تستمع له بعينين ترقرق بالدموع، وقلبها يخفق بشده، لا تعرف ماذا تقول.
تنهد راشد بعمق، ونظر إليها بفخر خالص: أتمنى لك حياة سعيدة، أنتِ النهارده بتبدئي حياة جديدة، هتبقي مسؤولة عن بيت وأُسرة كاملة، وأنا متأكد إنك قدها، وإنك هتديري الحياة دي صح، مستعده تخرجي من الباب وتبداي حياتك مع رشدي؟
هز مي راسها بإيجاب: مستعده.
هذا راسه، ووضع قبله على جبينها، ثم وضع يديها بين ذراعيه وبدأ يتحرك بها.
ابتسمت مي والدموع تلمع في عينيها، وفي تلك اللحظة، شعرت أن ظهرها محمي ليس لأن الطريق أمامها واضح، بل لأن من خلفها ثابت لا يهتز، شعرت أن لها بيتا لا يغلق، وذراعا لن تتخلى عنها إن تعثرت، وصوتا سينادي اسمها إن ضاعت وسط الزحام، مهما تغير العالم، ومهما قست الأيام، كانت تعرف الآن يقينا أنها لم تخرج من بيت أبيها لتترك وحدها، بل خرجت وقلبها ممتلئ بالأمان، تحمل دعاءه في صدرها، وتسير إلى حياتها الجديدة، وهي مطمئنة أن خلفها دائما ظهر لا ينكسر.
القاعة
مظهر عام للقاعة بدت كأنها لوحة أسطورية؛ الفخامة تعم كل مكان، زينة معلّقة تتلألأ بالأضواء، وموسيقى كلاسيكية هادئة تملأ الجو برقيا وجمالًا تعكس الطبقة المخملية لعائلة الراوي مشاهير المجتمع وكبار راجل الأعمال والدول بين الحضور
كانت جميع عائلات العروسين جالسة، تتبادل النظرات والابتسامات، والأجواء مليئة بالترقب والسعادة.
بينما، توقفا أسفل الدرج ياسين ورشدي، يرتديان السموكنج الأنيق، كانا في غاية الوسامة كأنهما فرسان من العصور الوسطى.
فجأة، ظهرت مي متعلقة بذراع والدها راشد، وعلى الجانب الآخر كانت لوجين متعلّقة بذراع عمها، ينزلان الدرج ببطء، وكل خطوة منهما تخطوها يملأها الفرح والرهبة الجميلة.
حين وصلا إلى الأسفل، استقبلهما ياسين ورشدي بابتسامة واسعة ويدين ممدودتين للترحيب.
نظر رشدي إلى مي بدهشة وحب واضح: إيه الجمال ده؟! يخرب بيت كدة، مش قولتلك ثفي فيا، الفستان هيبقى يهوس عليكي!
تنهدت مي بخجل، وعيناها تلمعان: هو فعلاً يهوس.
في اللحظة نفسها، قبل ياسين يد لوجين برفق، وهو يقول لها مبروك
ابتسمت وقالت: الله يبارك فيك.
ثم تحرّكا معًا بخطوات هادئة بإتجاه الطاولة الكبيرة.
بدأت مراسم كتب الكتاب وسط الهدوء والابتسامات، وبعد الانتهاء، التفت ياسين إلى لوجين بإبتسامة دافئة، قبل جبينها، وضمّها إليه بمحبة صادقة.
أما رشدي، فقد شد مي نحوه فجأة، وضمّها بعنفوان لكنه برقة، ودار بها في مكانها بينما كانت ضحكتها الخفيفة تملأ الجو بهجة.
أعلن الـDJ بصوت واضح: يتفضل العروسين على الرقصة الأولى!
وبدأ العروسان الرقص، يختلط الحب بالفرح في كل حركة، بينما همسات رشدي لها كانت تملأ قلبها دفئًا:
أنا مش مصدق إن إحنا اتجوزنا… أو أنا كرشدي اتجوزت أصلًا!
ثم ابتسم وقال بحب: واتجوزتك إنتِ بالذات يا مشمشتى
نظرت مي إليه بعينين لامعتين، وقالت بثقة:
لا صدق يا رشدي.
واستمرّ الرقص، والقاعة تمتلئ بالبهجة، وكأن اللحظة خُلقت لهما وحدهما.
وبعد قليل
دخل سليم وماسة، ممسكان بيد بعضهما، وكأنهما يشكّلان وحدة واحدة.
كانت أنظار الجميع متوجهة إليهما، لكن ليس بنفس الطريقة المشدودة التى كانت خلال الخطوبة.
تحركا بخطوات هادئة وواثقة، يسيران جنبًا إلى جنب وسط القاعة.
فايزة همست لنفسها بنبرة قلقة، وهي تراقب:
كل ما أشوفهم قصاد عيني بحس بتوتر والتوتر ده بيخليني أخاف من أي خُطأ، وأخاف إني أزعجه أكثر لإن أنا خايفة من خداعه.
صافيناز اقتربت منها بإبتسامة مطمئنة: مامي خلاص، يومين وهخلص كل حاجة.
بينما توقفا سليم وماسة جنب بعضهما على طاولة بمفردهما، نظراتهم تلتقي بعفوية، وهو يمسك يدها أكثر حنانًا.
في تلك اللحظه، اقترب مكي وهو يضحك بخفة، وتوقّف خلفه مباشرة، مائلًا برأسه قريبًا من أذنه، وقال بصوت خافت مازح: اخيرا فهمنا كان عايز كم الالماظ دي ليه
ضحك سليم، والتفت إليه بنظرة واثقة، ثم قال: اها
.
قهقه مكي وهز رأسه ساخرا: مكنتش اتوقع ان رشدي ممكن يحط نفسه في خطر عشان يعملها فستان ده طلع رومانسي
رفعت ماسة حاجبيها باستغراب ونظرت إلى سليم: إنتوا بتتكلموا عن إيه؟
تنفس سليم بعمق، ثم قال وهو يهز كتفيه بلا مبالاة: رشدي يا ستي اشتغل في حاجة كانت ممكن تعمله مشكلة كبيرة، كل ده عشان يعمل الفستان ده لمي بصراحة، ما كناش متوقّعين إنها تطلع منه.
هزت ماسة رأسها بإيجاب، وكأنها فهمت أكثر مما قيل، لكنّها فضّلت الصمت، تاركة الكلمات معلّقة في الهواء.
مال سليم براسه عليها قائلا: بقول لك إيه مش هنروح نسلم.
هزت رأسها بإبتسامة صغيرة، وابتسم سليم بإبتسامة خفية مليئة بالحب ثم تحركا معًا بخطوات واثقة تجاه الكوشة.
ماسة ابتسمت وقالت بحماس: مبروك يا مي!
مي برقة: الله يبارك فيكي يا حبيبتي.
ثم التفتت إلى رشدي بعينين تلمعان، ونبرة صوتها حملت قليلًا من التحدي والجدية وتهديد: مبروك يا رشدي! مالك حياه سعيده في حياتك الجديده كلها راحه وطمانينه.
هز رشدي راسه بإيجاب وهو لا ينظر لها بالطبع سليم لم يفوت تلك النظرة لكنه لم يعلق
ثم مدّت يدها نحو لوجين: مبروك يا لوجين! ألف مبروك يا ياسين!
ثم أضافت بفضول خفيف: أمال نالا فين؟
ياسين بإبتسامة: مع فريدة.
نظر سليم لهم، ثم صافحهم جميعا وضمهم مع تحية ودودة: مبروك يا جماعة.
عاد الجميع إلى أماكنهم، وبدأ المطربون بالغناء، المعازيم تتحرك على إيقاعات الموسيقى.
ظلت ماسة طوال الوقت بجانب سليم، تتبادل معه النظرات والابتسامات، وتتاميل برقه، بينما انتهت فقرة المطربين، وبدأت الأغاني الشعبية والمهرجانات، كانت بدلت لوجين فستانها الفخم، باخر بسيط، وتبدأ بالرقص بحماس، وشاركها ياسين.
ثم ابتعد ياسين قليلا، قبل أن يعود ممسكًا بيد نالا، وجذبها نحوه ليبدأ الرقص معها بخفة، كانت نالا تضحك وتدور معه بفرحٍ واضح، بينما لوجين تشاركهما الرقص في المكان، وملامح السعادة تملأ وجهها.
قالت لوجين بحماسٍ طفولي وهي تنظر إلى الفستان: نالا فستانك حلو خالص! إيه الجمال ده؟
ضحك نالا، وهي تدور حول نفسها بخفّة: بجد؟
لوجين بحماس: أيوه بجد وأحلى من فستاني كمان! تبقي تدهوني ألبسه.
نالا بطفوله: مش هييجي على قدّك، إنتِ كبيرة.
عقدت لوجين شفتيها بمشاكسة، ثم قالت بحسم: خلاص، أنا هخلي المصمّم يعملي واحد زيه.
عادوا يرقصون جميعًا بسعادةٍ صافية، ضحكاتهم تملأ المكان، والفرح ينعكس في كل زاوية لكن، بالطبع غابت هبه عن الحضور.
على إتجاه اخر عند طاوله سليم وماسة.
ماسة نظرت لسليم معلقة باستغراب: إزاي فايزة هانم موافقة على الكلام ده؟
ابتسم سليم بخفة: أكيد ماتعرفش وحطوها قدام الامر الواقع.
همست ماسة: طب ما تيجي نرقص معاهم؟
هز سليم رأسه بخفة، وابتسم: نرقص في البيت سوا.
ضحكت ماسة وهي تقول بمزاح: إنت رخم بجد!
اقترب سليم منها وهمس بحنان وهو يداعب أنفها بأنامله بدلع: أنا بغير عليكي يا قطعة السكر.
ابتسمت ماسة: هرقص معاك وحياتي يا كراميل خلينا نرقص.
ابتسم سليم بدلال فهو لا يستطيع رفض شيء لأميرة قلبه شيء: طب تعالي.
وفي منتصف القاعة، أمسك سليم بيدها، وبدءا يرقصان معًا وسط الحضور، يندمجون بالفرح مع العرائس، والابتسامات لا تفارق وجوههم.
على إتجاه آخر عند طاولة عائلة الراوي
نظرت فايزة حولها بإمتعاض قليل: إيه إللي بيحصل ده مهزله حقيقي؟
عزت ابتسم لها بحزم وهدوء: سيبي الولاد يفرحوا ده فرحهم. بعدين فيه إيه؟ يعني إيه المشكلة لما يشغلوا شوية أغاني من بتاع الأيام دي؟ الناس كلها فرحانة وبترقص.
فايزه تنهدت وقالت بابتسامة خفيفة: بس مش شايفة إن ماسة وسليم لطاف أوي مع بعض.
عزت ضغط على كتفها بخفة: أهدي شويّة وأنسي اولادك، بيتجوزوا. صدقيني، لو عماد قريب، أنا هنفذ المرة دي صدقيني هبهرك.
فايزة حدقت في مي، وقالت بفضول: أنا عايزة أفهم الفستان إللي لابساه مي رشدي عمله إزاي؟
عزت بهدوء: أكيد هعرف وأقول لك.
وأندمج الجميع في الرقص، بين الإيقاعات الشعبية والبلدي، كانت القاعة تعج بالبهجة والفرح، والابتسامات لا تنتهي، حتى انتهى الاحتفال في أبهى صورة.
💞___________بقلمي_ليلةعادل
الاسكندريه
المطعم
مازالت تجلس آلاء ووالدتها في الكافيه، تنتظران مصطفى.
كان الصمت يخيّم عليهما، حتى ظهر مصطفى أخيرًا.
مصطفي باعتذار: أنا آسف إني اتأخرت عليكم.
الجو برد، صح؟
ابتسمت إنهار بخفة: لا والله، الجو حلو. وبعدين إحنا قاعدين جوه، مش بره.
مصطفي: طب يلا، تعالوا معايا.
ترددت آلاء لحظة، وهي تتوقف ثم قالت: هما موقفهم ايه وافقه
صمت مصطفى لوهله ثم ابتسم وكذب من اجل يشعرها بالاحراج: آه… طبعًا. ماما قالت لي كويس إنك عملت كده.
نظرت انهار له بعدم تصدق: بجد؟ يعني ما حدش عندكم زعلان قولي يا ابني الحق
هز رأسه بنفي: لا خالص. بالعكس… زعلوا جدًا عشان اللي حصل مع الاء يلا بس نروح.
تحركوا معًا، وقال مصطفى وهو يتحرك معهم:
إحنا هناخدها مشي، البيت قريب. إنتوا هتقعدوا في شقة فوق شقتنا، بتاعة قريبة ليا. أنا بعت ناس ينضفوها، ودلوقتي شغالين فيها. هتقعدوا شوية بس مع ماما وإخواتي إيهاب وعائشة، ساعتين بالكتير، وبعدين تطلعوا الشقة الشقة مفروشة وفيها حاجات كتير، مش ناقصها حاجة.وأي حاجة تحتاجوها أنا أجيبها لكم بس معلش… هي فيها سرير واحد بس،
فهتناموا جنب بعض لحد ما نجيب سرير تاني.
قالت إنهار بسرعة، وقد غمرها الامتنان: يا ابني… كفاية اللي إنت عملته.
واصلوا طريقهم، حتى وصلوا إلى منزل مصطفى،
بينما كانت آلاء تمشي بصمت،وقلبها مثقل بأسئلة لا تملك لها إجابة بعد.
منزل عائلة مصطفى
توقّف مصطفى أمام الباب، طرقه، ثم أخذ نفسًا عميقا كأنه يتهيأ لمعركة لا يعرف نتيجتها.
بعد لحظات، فتح الباب، وظهرت عائشة بابتسامة مصطنعة: أهلًا وسهلًا… اتفضلوا.
في الداخل، كانت نبيلة وإيهاب يجلسان.
نهض إيهاب فورًا: أهلًا وسهلًا.
دخلت آلاء بخطوات بطيئة جدًا، كأنها تُجبر قدميها على الحركة، بينما سارت إنهار خلفها، عيناها مثبتتان في الأرض:
انهار بخجل وحرج: السلام عليكم… والله أنا مش عارفة أقول لكم إيه.
نظر مصطفى نحو والدته، يستجدي منها أي كلمة.
ترددت نبيلة، ثم قالت على مضض: اتفضلوا… ما تقوليش حاجة يا حاجة. أهلًا وسهلًا، اقعدوا.
كان الموقف قاسيًا، قاسيًا لدرجة أن آلاء تمنّت لو تنشق الأرض وتبتلعها.
أمٌّ وابنتها تدخلان بيت غرباء فجأة، بعد زواج لم يكن حلمًا ولا اختيارًا، بل محاولة إنقاذ.
الانكسار كان واضحًا في كل حركة، في كل نظرة، في كل صمت.
جلست آلاء وإنهار على الأريكة، رؤوسهما منحنية، كأن الأرض أرحم من مواجهة العيون.
قالت عائشة محاولة كسر الصمت:حمد الله على السلامة… تشربوا إيه؟ولا تحبوا أعمل عشا؟
انهتر بحرج: شكرًا يا حبيبتي.
تدخل إيهاب بسرعة: شكرًا إيه؟ يلا يا عائشة، اعملي عشا.
لاحظ مصطفى نظرات أمه الباردة، فاقترب منها ووضع يده على ظهرها في إشارة صامتة لتتحدث.
تنهدت نبيلة وقالت بفتور: إن شاء الله كل حاجة هتتحل… أحمد محامي شاطر.
هزّت إنهار رأسها بصمت.وقفت نبيلة فجأة:
وأنا بقى هروح أعمل العشا.
انهعر::ما تتعبيش نفسك يا حاجة، إحنا أكلنا والله.
نبيلةوهي تيشر بيدها: لا لا، إزاي؟ دقائق وراجعة… مصطفى، تعالى معايا.
خرج معها إلى المطبخ، وبقي إيهاب مع الضيفتين، يبتسم ابتسامة مجاملة، بينما ظلت آلاء وإنهار تنظران إلى الأرض.
المطبخ
توقفت نبيله امام البوتاجاز امام مصطفى بينما عائشه كانت تقوم بتحضير العشاء.
نبيلة بصوت منخفض لكنه مشحون: أنا مش قادرة… مش قادرة أتصرف شوف الناس اللي فوق خلّصوا الشقة ولا لسه؟
زفر مصطفي بضجر: يا ماما… اعتبريهم ضيوف.
ضحكت بسخرية موجوعة: ضيوف؟
دي تبقى حماتك، ودي مراتك! قول بقى… هتنام معاها ولا هتجيبها أوضتك؟
اتسعت عينا بستهجان: ماما، الجواز ده على الورق وبس بلاش بقى كلامك ده.
زفرت بعدم رضى: أستغفر الله العظيم، ربنا يصبرني ويعدي اليوم ده على خير أنا هحاول أبقى كويسة معاهم، ياكلوا ويطلعوا بس أكتر من كده… مش هقدر اخلص من ماسة وحوارات ماسة يطلع لي الاء مش هنخلص.
دخلت عائشة متوسلة: عشان خاطري يا ماما، عيب.
شكلهم مكسورين اوي صعب ا.
وفي اللحظة نفسها، دخل إيهاب: إنتوا سايبيني لوحدي ليه؟تعالى يا مصطفى، اقعد معانا.
مصطفى لوالدته برجاء: ماما… لو ليّا خاطر عندك، استحملي الساعتين دول
نظره لها برجاء بينما هي نظرت له ومسحت وضعها ثم شاحت به باتجاه اخر ثم خرج مصطفى للخارج مع إيهاب، كانت عائشة تنظر لها نظره فيها لوم
قالت نبيلة بضيق: عايزه تقولي ايه أنا كده بقيت الأم الشريرة؟
اقتربت عائشه ومسحت على كتفها: لا يا ماما… بس اديهم وش بسيط.
هزت راسها بإيجاب: حاضر حاضر.
في الصالة
اقترب مصطفى من الاء هو انهاره ويجلس.
قال وهو يخرج هاتفه: أنتم منورين.
ثم أجرى اتصالًا: أيوه يا حاجة سناء… الشقة خلصت؟ تمام بسرعه بس
نظر إلى آلاء بخفوت: ما نخلّينا قاعدين تحت…
مصطفى معلقا: الجو برد.
آلاء انا مش بردانه:
مصطفي بشدة لطيفه: اسمعي الكلام… ما بحبش أعيد.
في تلك اللحظة، حضرت السفرة، قالت نبيلة يلا مصطفي.
توقف مصطفى بحماس: يا جماعه خلينا ناكل عيش وملح مع بعض
انهار بخجل: يا ابني احنا مش جعانين
نبيله بترحيب مصطنع : يلا يا حاجه احنا بيت كرم ويلا يا بنتي.
تحركا معا والخجل يمحي ملامحها، جلست آلاء وإنهار، لكن لم تضعا لقمة واحدة في أفواههما.
الخجل كان أثقل من الجوع.
مصطفي انتبه تسال: مالكم؟ ما بتاكلوش ليه؟
نهار بابتسامه خجوله: بناكل أهو يا ابني…
نظر مصطفى لآلاء: كلي عشان تاخدي المضاد.
أخذت لقمة صغيرة جدًا، بالكاد تُسمّى أكلًا.
رنّ هاتف مصطفى: أيوه… خلصت؟
.
طيب، تسلم إيديكم… روّحوا دلوقتي، وبكرة نتحاسب. شكراً. سلّمي لي على أم سيد
ابتسم: الحمد لله… الشقة جاهزة.
وقفت إنهار فورًا: نطلع نقعد فيها؟
تسلم إيدك يا حاجة… وتسلم إيدك يا بنتي، العشا جميل.
عائشة: لسه ما أكلتوش.
الاء: الحمد لله، شبعنا بعد اذنك يا دكتور ممكن تورينا الشقه فين
مصطفي توقف حاضر يلا.
الشقة
صعدوا السلم، حتى وصلوا إلى شقة ماسة، فتح مصطفى الباب وتحرك وهو يقول: معلش… مش مفروشة اوي، بس هنظبطها.
نظرت إنهار حولها: لا والله، حلوة.
مصطفى: أنا هسيبكم دلوقتي.
هجيب لكم أكل ولبس، عشان تاكلوا براحتكم
لو محتاجين أي حاجة كلموني.
أنهار بامتنان: شكرًا يا ابني.
خرج مصطفى وأغلق الباب.
جلست آلاء على أقرب كرسي، وانهارت دموعها:
أمه مش موافقة… كدب علينا كان باين عليها اوي انها متضايقه.
تنهدت إنهار: طبيعي يعني يا بنتي انت فاكراني صدقته، أنا هبص على البطاطين واشوف لو في حاجه ناقصه خليه يجيبها اهدّي شوية.
تمتمت آلاء بصوت مكسور: حسبي الله ونِعم الوكيل حسبي الله ونعم الوكيل
أخذت تبكي بانهيارٍ صامت، وانكسارٍ لم تحتمله روحها.
اللوبي الخاص بالفندق، 12:00 بعد منتصف الليل.
تجمع أفراد عائلة الراوي، ومعهم عائلة مي و والدة لوجين، وشقيقتها، يودّعون العروسين، بإبتسامات هادئة، يختلط فيها الفرح بالحنين.
سألت نهى وهي ترتب حقيبتها: هتسافروا بكرة الساعة كام؟
لوجين بإبتسامة: طيارتنا الظهر.
تدخلت تقى وهي تنظر إلى مي: وإنتِ يا مي؟ طيارتكم إمتى؟
مى برقة: الطيارة بكره الساعة اتنين.
ربّت راشد على كتف رشدي وهو يقول بنبرة تحمل وصية واضحة: خد بالك منها يا رشدي.
نظر رشدي إلى مي بنظرة دافئة، وقال بثقة:
هاتوصيني على حتة من قلبي.
تنهدت فايزة وقالت بالأرستقراطية: خلاص بقى، يلا نمشي… أكيد مش هانفضل واقفين ؟
هز الجميع رأسهم بإيجاب بدأت عائلة الراوي، أن تتحرك، وبينما اقترب راشد والد مي وإخوتها وأخذوا يودّعونها، اقتربوا منها واحدًا تلو الآخر، يطبعون قبلة وداع على جبينها، وكذلك شقيقة ووالدة، لوجين التي احتضنتها برفق قبل أن تبتعد.
بعدها تحرّك الجميع إلى الخارج، تاركين خلفهم صدى الوداع ودفء اللحظة.
نظر ياسين إلى لوجين مبتسمًا: يلا بينا نطلع أوضتنا.
بادلته الابتسامة: يلا.
وفي الخلف، نظر رشدي إلى مي وقال بنبرة خفيفة:
وإحنا هانفضل واقفين كده؟ يلا نطلع يا مشمشتي أوضتنا.
نظرت إليه مي برِقّة، وأومأت برأسها موافقة، ثم تحرّكت بجواره.
وساد اللوبي هدوء دافئ بعد أن تفرق الجميع، كأن المكان احتفظ بآخر صدى للفرح.
لكن تبقي سليم وماسة التى كانت تنظر لآثارهما بإبتسامة سعادة بريئة، اقترب سليم من ماسة توقف أمامها مباشرة بإبتسامة هادئة.
سليم متسائل: إيه مالك؟!
رفعت عينيها نحوه، ونبرة الفرح ما زالت عالقة بصوتها: الفرح كان حلو أوي ومي لوجين شكلهم أمور خالص.
ركز سليم نظره في ملامحها، واقترب منها مباشرة وهو يبتسم: بس فرحنا إحنا أحلى، وإنتي كنتي أجمل من كدة كتير حتى النهاردة إنت أحلى منهم.
تبسمت برقة وهي تقول: إنت بتقول كده علشان بتحبني وعلشان أنا مراتك.
سليم نافياً بتأكيد قاءلا بغزل: لا علشان هي دي الحقيقة.
تقدّم خطوة أخرى، مد يده أغلق بلطيها من الأمام بحركة تلقائية دافئة بنظرة ذات معنى: أنا بصراحه
كنت عملك مفاجاه وحجزت لينا سويت النهاردة
نقضي اليلة الحلوه دي سوا.
قربت وجهها قليلا، وسألته بنبرة أنثوية: إيه؟ عايز نحتفل بآخر ليلة في الفرصة هنا؟
ابتسم وهو يهمهم: أمم… بالظبط.
صمتت لوهلة، وهى تغوص في نظراته العاشقة، ثم قالت برقة: جميل موافقه نقضي الليلة دي هنا.
تبادلت عيونهما ابتسامة عاشقة، مشبعة بسعادة صامتة لا تحتاج تفسيرا، قال هروح اجيب المفتاح ثم غمز لها
توجه سليم إلى الريسبشن، واجلب المفتاح، ثم عاد إليها، وأومأ برأسه ليتحركا، والابتسامة ما زالت مستقرة على ملامحه كأنها ولدت هناك.
تشابكت أيديهما، كقلبين تعلقا ببعضهما، وتحركا معا نحو المصعد، كتفا إلى كتف، وهما ينظران لبعضهما، بعينين لا ترمش، تبوح بكل ما عجزت الكلمات عن قوله خرجا من المصعد وتوجها إلى غرفتهما.
جناح ياسين ولوجين
دخل ياسين ولوجين غرفتهما، وهي ترفع طرف فستانها بخفة، توقف ياسين في مكانه، وعيناه تجولان في أرجاء الغرفة التي ازدانت بالورد الأحمر، والشموع التي تنثر ضوءًا خافتًا دافئًا.
ابتسمت بإنبهار: الله تحفة بجد، عملت ده إمتى؟
اقترب منها من الخلف، فاحتواها من خصرها، وأسند رأسه على كتفها وهو يقول بنبرة دافئة: حبيت أعملك مفاجأة حلوة… تليق بيكي.
وضع قبلة خفيفة على خدها.
التفتت إليه، ولفّت ذراعيها حول عنقه بابتسامة مشاكسة:ويا ترى ده النهاردة بس؟
ولا هايبقى على طول؟
ابتسم، وضَمّها إليه أكثر، ونظر لها بنظرة مليئة بالوعد: ده على طول… وها أحاول أخلّيه أحلى كمان.
أقترب ليقبّلها، طرق الباب رسمت ابتسامة على وجههما:
ياسين ده أكيد الأكل!
ثم خطف قبلة سريعة من شفتيها وقال بمكر: ثواني
ضحكت وقالت وهي تربت على بطنها: كويس… أنا جعانة موت.
توجّه ياسين إلى الباب، فكان الجرسون بالخارج يدفع عربة عليها الطعام وزجاجة نبيذ. أستلمها منه، ثم عاد وأعطاه المبلغ وشكره، قبل أن يغلق الباب ويعود إليها.
نظرت لوجين إلى الطاولة بعينين لامعتين:
شكلها حلو أوي.
أضافت وهي تتحرك نحو الخزانة: أنا هغيّر هدومي الأول.
هز ياسين رأسه بإيجاب. ثم توجهت لوجين إلى الحمام، وبينما خلع ياسين ملابسه وارتدى بيجامته، خرجت لوجين بعد قليل ترتدي قميص نوم أبيض، وفوقه روب طويل شفاف بخفة.
توقّف ياسين ينظر لها من أعلى لأسفل وقال مبتسمًا:
إيه الحلويات دي؟
مدّ يده، فمدّت يدها إليه، تشابكت أصابعهما، ولفّها بخفة وهو يقول: إيه القمر ده؟
أحمرّ وجهها خجلًا، وارتسمت ابتسامة ناعمة على شفتيها، ثم جلست وقالت أقعد بقى.
أنا جعانة موت.
أخذت قطعة من الجمبري، قشّرتها، أكلت نصفها، ثم مدّت النصف الآخر إليه. ابتسم ياسين وأخذه منها.
ملأ الكؤوس بالنبيذ الأحمر، وقدّم لها واحدًا، ثم اصطدمت الكؤوس بخفة: تشيرس.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهيهما،
وسعادة صافية غمرت المكان…سعادة هادئة، دافئة، تشبههما.
بعد تناول الطعام، مدّ ياسين يده ببطء، فاحاطته بأناملها، وشبك أصابعه بأصابعها كأنما يخشى أن تفلت اللحظة. اقتربت لوجين، فأصبح بينهما نَفَس واحد، ونبض واحد.
إنحنى برأسه حتى لامس جبينه جبينها، وهمس بصوت خفيض: حاسة باللي حاسس بيه؟
أغمضت عينيها، وارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها: طبعاً وأكتر
مال عليها ببطء، ووضَع قبلة هادئة على شفتيها، ثابتة وصادقة…
قبلة لا استعجال فيها، كأن الزمن قرر أن يتوقّف احترامًا لها.
ارتجفت الشموع، وانغلقت الغرفة على لحظةٍ لا تخصّ سواهما.
💕__________بقلمي_ليلةعادل
جناح رشدي ومي.
دخلت مي الغرفة بخطوات مترددة، والخجل يكسو ملامحها ويثقل حركاتها، بينما كان رشدي إلى جوارها، بابتسامة واسعة لا تفارق وجهه، عيناه تلمعان بمزيج من الفرحه والعشق.
مد يده وأغلق الباب خلفهما بهدوء، فاتسعت عيناها فجأة، والتفتت إليه بإرتباك واضح: قفلت الباب ليه؟
أجابها وهو يضحك بخفة، مبتسما ابتسامة جانبية ماكرة: أمال أسيبه مفتوح؟ هو إحنا هنقضي الليلة لايف ولا بمشاركة الجمهور؟
شهقت بخجل، ورفعت حاجبيها بحدة مصطنعة: أحترم نفسك يا رشدي.
اقترب خطوة، ونبرته مليئة بغزل خبيث: ولو ما احترمتش نفسي، هتعملي إيه؟
تراجعت خطوة للخلف، ووضعت يديها خلف ظهرها بخجل طفولي: بس بقى يا رشدي، هزعل.
ضحك بصوت عالي، ورفع يديه مستسلما: طيب خلاص.
أبتعد قليلا، وبدأ يخلع جاكيت بدلته، بينما وقفت هي في منتصف الغرفة، عيناها معلقتان به، قبل أن تنتبه لنفسها فتشيح بوجهها سريعا.
وحين بدأ يفك أزرار قميصه، صاحت وهي تضع يدها على وجهها: بتعمل إيه يا قليل الأدب؟!
نظر لها ببراءة مصطنعة وهو يكمل: بقلع !
استدارت فورا وأعطته ظهرها: مش هنا!
ضحك وهو يقترب منها: أمال فين؟
هزت رأسها: معرفش روح أي حتة.
اقترب أكثر، حتى صار صوته خلف أذنها مباشرة: لا هغير هنا.
قالت بنبرة أقرب للرجاء: والله يا رشدي هزعل منك بجد، أطلع ألبس بره.
توقف أمامها وأجبرها على التراجع خطوة، نظراته دافئة ومليئة بالغزل: وأسيبك لوحدك؟ طب أفرضي احتاجتي حاجة؟
ارتبكت أكثر، وخفضت عينيها: لا مش هحتاج أطلع بقى.
ابتسم، ورفع كفيه باستسلام حقيقي هذه المرة: طيب.
تحرك بخطوات هادئة بعدما أخذ البيجاما من خزانة الملابس، وتحرك ليبدل ملابسه في الريسبشن، بينما ظلت مي بالداخل، مضطربة بشدة، تمسك أطراف فستانها بتوتر ظاهر، ونظراتها معلقة بالباب كأنها تنتظر حكما لا تعرف كيف تهرب منه.
دارت بعينيها في المكان، تشعر أن الأمر أثقل من قدرتها، وأصعب مما توقعت.
اقتربت من الباب واغلقته بالمفتاح بهدوء، ثم تراجعت وسحبت مقعد التسريحة ووضعته خلفه بتردد، وراحت تفرك يديها بعصبية، خلعت الطرحة ببطء، وهمست لنفسها بصوت مرتعش: يا ربي، أعمل إيه؟ أنا خايفه!
وعلى الجانب الآخر، كان رشدي نقيضها تماما، كان يختار ملابسه وهو يدندن بأغنية شعبية، ويرقص بخفة وعفوية، وكأن القلق لا يعرف طريقه إليه.
انتهى، وجلس على الأريكة ينتظرها بحماس واضح، وهو يتخيل اللحظة التي طالما تمناها، مر الوقت، ولم باب يفتح.
فنهض من مكانه، وطرق الباب بخفه: إيه يا مشمش، كل ده؟
ارتبكت مي، التي كانت تجلس على الفراش وعدلت جلستها سريعا، وصوتها خرج متوترا: عايز إيه يا رشدي؟
رشدي بمرح: ولا حاجة بس بسأل، خلصتي ولا لسة؟
مي بتوتر: لسه.
ثم أضافت بارتباك: وبعدين أنت مستعجل ليه؟
رشدي ضاحكا: لا يا ستي مش مستعجل، خدي راحتك.
داخل الغرفة، كانت مي تتحرك بلا هدف، الخوف يشد صدرها، والتردد يشل خطواتها، لم تكن الفكرة غريبة على أي فتاة، لكنها بالنسبة لها كانت أثقل من الطبيعي، وكأن بين قلبها وتلك الخطوة مسافة لا تقاس، والخجل يمتلك منها بشدة.
أما رشدي، فعلى الجهة الأخرى، كان مغمورا بالحماس، ينتظر اللحظة التي يدخل فيها ليعيش ما ظل يحلم به طويلا معاها.
💕_________________بقلمي_ليلةعادل
جناح سليم وماسه.
دخلا الغرفة بخطوات بطيئة، مغمورة بإحساس ثقيل دافئ، يحمل في صمته حكاية كاملة لم ترى بعد.
أخذت ماسة تتأمل المكان من حولها، شعور غامض تسلل إلى صدرها، كأنها عادت إلى غرفة تعرفها جيدا !!
بينما كان سليم يتحرك خلفها وعلى شفتيه ابتسامة دافئة، خلع البالطو ووضعه على الأريكة بهدوء وعينه لا ترفع من عليها.
تساءل وهو يراقب ملامحها: عارفة إحنا فين؟
التفتت إليه بابتسامة خفيفة، وهزت رأسها: أيوه في الأوضة اللي قضينا فيها ليلة فرحنا.
هز رأسه، واقترب منها حتى توقف امامها مباشرة، ونظر داخل عينيها، قائلا بنبرة تحمل الكثير: أمم، فاكرها؟!
اقتربت خطوة صغيرة، وصوتها خرج صادقا بابتسامة تخرج من قلبها قبل عينيها: عمري ما أنساها.
نظرت حولها تتأمل المكان بحنين: يــاه يا سليم، أنا لسه فاكره الليله دي كأنها دلوقتي، الورد الاحمر والشموع والبالونات، ولما قولتلي انا مبحبش الحاجات دي بس احبها علشانك، ولما قولتلي مستعد ابقى قيص و روميو علشان خاطر عيونك الزرق الحلوين دول..
رفعت يديها تركز النظر في ملامحه بعشق يفيض قلبها، وهي تحرك اناملها على لحيته: فاكرة كل حاجة وعمرى مانسيتها، كويس أنك جبتنا هنا.
نظر إلى ملامحها بنظرة مثقلة بالمشاعر، ولمعت عيناه بوهج حزين خافت، وقال بنبرة متأثرة: حبيت نقضي الليلة دي هنا، يعني نرجع الذكريات، إحنا ابتدينا حياتنا هنا أول مرة...
توقف قليلا، ثم أضاف بصوت أخفض: وكنت حابب أسمع قرارك؟ هنا في الاوضه دي.
نظرت داخل عينيه بعمق، وتساءلت بهدوء: عايز تسمع الإجابة دلوقتي؟
نظر إليها مطولا في صمت، تسلل إلي صدره خوفا خفيا؛ خوف من خيبة أمل من إجابة قد لا تحتملها روحه، رغم شعوره العميق بأن غفرانها بات قريبا، لكن قلبه مازال مترددا.
هز رأسه نافيا، وقال بصوت متردد: ينفع نخليها بكرة؟ خلينا نقضي الكام ساعه دول سوا، ولما نصحى بكرة تقوليلي.
تسالت وهي تحرك أناملها على لحيته بنبرة ناعمه: وليه مش عايز تعرف دلوقتي؟
نظر داخل عينيها لحظة، ثم أبعد بصره سريعا، وكأنه يهرب من ضعفه، وقال فجأة: تيجي نرقص؟!
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها وهي تهز
رأسها بإيجاب، خلعت البالطو ووضعته جانبا، وأخرج سليم هاتفه وشغل أغنية «قرب كمان» لتامر حسني.
لف يديه حول خصرها، فأحاطت هي عنقه بذراعيها، وبدآ يتمايلان ببطء على انغام الأغنية، كانا يسبحان في عيني بعضهما بعشق بعيون لا ترمش، كأن العالم اختفى من حولهما.
كانت نظراتهما تقول كل ما عجزت الكلمات عن قوله، كأنه وداع صامت، أو وعد لم يُنطق بعد!
اقتربا بشدة، حتى بدا وكأنهما يرقصان داخل حضن واحد.
انتهت الأغنية، لكنها لم تبتعد، ظلت بين ذراعيه، ترفع عينيها إلى وجهه بعشق يلمع بدموع الحب، بقيا هكذا لدقائق، غارقين في صمت حي.
وفجأة، اقتربت أكثر، وأمالت رأسها ببطء لتضعه على كتفه، ثم ضمته بقوة، وغرست أصابعها في ظهره، فبادلها العناق بذراعيه، واحاطها بشدة، وكأنه يريد أن يزرعها داخل قلبه، الذي تضخم خلف اضلعه بعشقها.
وبصوت متهدج خرج من قلبها قبل لسانها، قالت: أنا بحبك يا سليم، بحبك اوي.
ابتعدت قليلا و وضعت كفها على صدره، بعيون تلمع بالدموع، وبينما كان سليم ينظر لها بتاثر اضافت: كل حاجه وعدتني بيها نفذتها، من اول جوازنا من اول ليله لينا هنا لحد النهارده، وانت اتغيرت كتير، اليوم ده عمري مانسيته، لأنه بدايه حياه تانيه خالص؛ كأني اتولدت من جديد.
هزت رأسها عدة مرات، ووضعت ضمت بيدها الاثنين وجهه، وقالت بنبرة مرتعشه بعشق يفيض من قلبها: انا مش هستنى لبكرة، مش هضيع وقت تاني، انا بحبك، بحبك.
نظرت داخل عينه تابعت بيقين: وأنت عندك حق، أنا خلاص اتأكدت إن اللي اتكسر ممكن يتصلح، ويمكن يرجع أحسن من الأول كمان، لو الاتنين عايزين يصلحوا، وأنا عايزه اصلحه معاك، عايزه بكره معاك، ولحد آخر العمر معاك.
كانت عينا سليم متسعتين من الدهشة؛ لم يكن مستعدا لتلك الكلمات، ولا لذلك الاعتراف، لا يعرف ماذا يقول؟! أما ماسه لم تتوقف تابعت: أنا وأنت هنصلح كل حاجه مع بعض، مش هنسيب العلاقة دي تنتهي ولا تتدمر.
أمسكت يديه بقوة، وكأنها تثبت وعدا: إحنا الاتنين مع بعض، وماسكين في إيد بعض هنصلح كل حاجة.
ثم ضمته بقوة، تشبث به كأنها تخشى أن يفلت منها،
أما سليم فبقي جامدا لحظة، عيناه متسعتان، كأنه مازال يحاول تصديق أن مايعيشه حقيقة، لا حلما عابرا، ومع ذلك كان قلبه يلح عليه أن يتأكد ويطمئن.
ابتعدت قليلا، ورفعت عينيها إليه: مالك يا سليم؟
قال بصوت خافت، يحمل دهشة طفل: حاسس إني مش مصدق، أنا مش بحلم صح !!
ابتسمت بحنان، وهزت رأسها نافية بين دموعها: لا يا سليم صدق، دى حقيقة مش حلم، ماسة متقدرش تعيش من غير سليم، زي ما سليم ميقدرش يعيش من غير ماسة.
تأملته لثواني بعشق يفيض من عينيها، وفي لحظة صادقة بلا تردد توقفت على أطراف أصابعها، ووضعت شفتيها على شفتيه، وطبعت قبلة عميقه عاشقه كأنها تاكد له انها عادت له مره اخرى.
تجمد سليم للحظه، لكن دهشته لم تدم طويلا؛ وسرعان ماجذبها إليه، وبادلها القبله بشغف مكبوت طال انتظاره.
وأخذا يتبادلان القبلة بحرارة يملؤها العشق والشوق، وكأن الفؤاد بدأ يفيض بما كتمه منذ زمن طويل.
تعانقت أنفاسهما، وتوالت القبل كأنها اعتراف صامت، بكل ما عجزت الكلمات عن قوله "شوق مؤجل، وعشق لم يخفت رغم طول الغياب"
نعم، حدث بينهما شيء في زمن فقدان الذاكرة، لكن هذه المرة كانت مختلفة؛ فهذه ماسة بكامل وعيها، وبكامل ارادتها، بكل جوارحها، وهو ما جعل اللحظة أثقل وأصدق.
كانت تلك القبلة الأولى لهما منذ قرابة عامين، قبلة تقول كل شيء "حبا مؤجلا، واشتياقا طال انتظاره، وعودة طالما انتظرها القلب"
مع كل حركة، وكل احتضان، وكل قبلة، كان كل منها يكتشف الآخر من جديد؛ لم يكن الأمر متعلقا بالجسد وحده، بل بقلبين عاشقين يملأهما الحنين وتغمرهما نشوة مكبوتة تراكمت على مر السنين.
امتد الشغف والشوق بينهما، حتي تصاعدت رغبة جامحه ليكونا جسدا واحد، وروح واحده.
فراحت ماسة تخلع له جاكيت بدلته، ثم أخذت تفك أزرار قميصه بارتباك عاشق، وشفاههما لا تفترق، أما سليم فلامس صدرها، شاعرا بكل نبضة فيه، وكل لمسة منها كانت تعكس اشتياق قلبه، فأمتدت يده خلف ظهرها يسحب سحاب فستانها ببطء حتى وقع إلى الأرض، وكأن كل لحظة منهما تعيد كتابة شوق مكبوت دام عامين.
تحركا معا نحو الفراش، وكأن خطواتهما تقودهما غريزيا، بلا إرادة واعية.
استلقت ماسة على ظهرها، فمال سليم فوقها يبثها عشقه باشتياق عارم، ووسط هذا الجنون، كانت قبلاته تهبط على عنقها المرمري بشوق لا يوصف، فاغمضت عينيها لتستمتع بتلك اللحظات، لكن فجأة تدافعت ذكريات تلك الليلة التي حاول أن يأخذها فيها قسرا، كأنها خطاف حاد يخطفها من قلب اللحظة.
شدت جفونها بقوة، تحاول أن تصارع نفسها، فعلى الرغم من رضاها التام عما يحدث الآن، ورغبتها الصادقة في المضي فيه، إلي أن عقلها أعاد عليها صور متقطعه من هذه الليله رغما عنها، فهزت رأسها بإصرار، عازمة على ألا تسمح لتلك الذكريات بأن تفسد صفاء هذه اللحظة.
شعر بها سليم، فحاول انتزاع نفسه من تلك المشاعر رغما عنه، وما أن حاول الابتعاد، حتى وجدها تتشبث به اكثر، وتضمه إليها بلهفه وإصرار: متبعدش يا سليم، كمل.
دفن وجهه في عنقها، وقال بصوت متهدج، وهو يحاول السيطره على رغبته بها: متضغطيش على نفسك يا عشقي، أنا فاهم اللي أنتِ بتمري بيه، ومش زعلان.
هزت رأسها بشده، وضمته إليها أكثر تتشبث به وكأنه طوق نجاتها من ذكرايتها المشوه، وقالت باصرار وعيون تلمع بالدموع: لا يا سليم، مش هنفضل طول حياتنا واقفين عند نفس النقطه، أنا بحبك، وهنحارب مع بعض وهنعديه سوا، كمل...
ارتفع بجسده قليلا، ينظر إليها نظرة عشق حقيقي، بابتسامه تخرج من عينيه قبل شفتيه، ثم رفع يده يمررها على وجنتها وهو ينظر داخل عينيها يبحث عن إجابه لقراره، فلم يجد سوي عشقا خالصا وإصرار على المضي قدما، فال عليها ووضع قبلة طويلة على جبينها بعشق صادق، قبل أن يعود إلي شفتيها مرة أخرى في قبلة ملتهبة بالحرارة،
فصل القبله، وابتعد قليلا، يحدق في ملامحها بأنفاس متلاحقه كما لو يراها للمرة الأولى.
نظرت إليه ماسة بعينين تفيضان شوقا، ورفعت يدها إلى خده مرورا بشعره، وهمست بصوت مرتعش: وحشتني اوي يا سليم، وحشتني أوي.
اقترب منها أكثر، وصوته خرج مبحوح من شدة المشاعر التي يشعر بها: وأنتِ كمان وحشتيني يا ماسة، وحشتيني أوي، وحشتيني لدرجة صعب أوصفها، أنا بحبك اوى.
نظرت إليه بعشق يفيض من عينيها قبل قلبها، وقالت بصوت مغمور بالحب: أنا كمان بحبك يا سليم، أنت أول حب وآخر حب، أنت روحي وحياتي كلها، بحبك اوي، وهعيش وأموت وأنا بحبك، قلب ماسة ميعرفش غير إنه يحبك.
تبادلت عيناهما نظرة عشق وسعادة للحظة قصيرة توقف فيها الزمن، وارتسمت على شفتيهما ابتسامة هادئة، ممتلئة بالطمأنينة.
مد سليم ذراعيه، لفهما حول ظهرها، وجذبها إليه بقوة، كأنه يحاول أن يعوض كل ما سرق منهما من وقت.
فرفعت ذراعيها، وضمته هي الأخري بشوق جارف، شاعرة بقشعريرة تتناثر في جسدها، وبحرارة شوق ورغبة لم تعرفها منذ زمن، فاغمضت عينيها مستسلمه لهوية تلك اللحظه وكأنها لم تعد تخاف شيئا، ولم تعد أسيرة ذكريات مشوهة لتلك الليلة المشؤمه
وحينما شعر سليم ذلك، عاد يقبلها قبلة أعمق وأصدق؛ قبلة عاشقين التقيا أخيرا بعد طول انتظار بعشق يفيض من القلب، ويعيد لهما إحساسا غاب عامين كاملين.
وانغمسا معا في بحر من العشق والشوق والرغبة، لم يكن هناك استعجال، بل شغف متحكم فيه، متصاعد، ممتد من أعماقهما، يعانق حبهما منذ عامين، ويجمعه كله في لحظات واحدة.
كل قبلة، كل همسة، وكل نظرة كانت تقول "سنكمل معا بعد كل ما مضى بعد كل فقد، بعد كل شوق"
وفي النهاية، كانا قلبين وروحين متوحدتين، بجسد واحد، بحبهما بكل حواسهما، يعيشان أخيرا ما انتظراه منذ عامين كاملين؛ حب حقيقي، واشتياق صادق يفيض في كل لمسة وكل نفس.
جناح رشدي ومي
كانت مي مازالت بالداخل، ومر الوقت ولا تخرج، بينما رشدي كان جالسا بانتظارها، ينظر بساعته، حتى سئم، تنفخ متعجبا: بتعمل ايه كل ده ؟!
نهض من مكانه، وطرق الباب مرة أخرى، هذه المرة بنفاد صبر: إيه يا مي؟ اتأخرتي أوي في إيه؟
أضاف بسخرية: عطلانة ولا إيه؟!
صرخت مي الجالسة على طرف الفراش، والتي ما
زالت ترتدي فستان زفافها، وصدرها يعلو ويهبط بتوتر واضح: إيه عطلانة دي؟
جاءها صوت ضحكه خفيفة من خلف الباب: مشكلتك إيه يعنى؟ لو عطلانه في سوسته الفستان، تعالى افتحهالك !
توقفت فجأة، واقتربت من الباب، وصوتها خرج حاسما: احترم نفسك يا رشدي!
حاول فتح الباب وهو يقول بنبرة مسترضية: طيب أفتحي طيب، ووانا هحترم نفسي، وأحترمك جدا.
اقتربت من الباب أكثر، نظرت إلى المقبض وهو يتحرك: أنت بتعمل إيه؟
رشدي بضجر: بحاول أدخل أوضتي، يعني هكون بعمل إيه؟ ما تفتحي.
أخذت نفسا عميقا وقالت بوضوح: بص يا رشدي، إللي في دماغك ده مش هيحصل، أنت تنام عندك النهاردة، وأنا هنام هنا، أنا متوترة وخايفة.
رد باستنكار: متوترة وخايفة إيه بس؟ متهزريش، ده أنا مستني اليوم ده من يوم ما عرفتك.
خرج صوتها غاضبا متوتر: ما هي طريقتك إللي شبه طريقة المغتصبين، هي إللي مخوفاني منك.
تغير صوته سريعا، أقرب للتوسل بمكر: لا لا، متخافيش، أقسم بالله هعيشك في الأحلام.
مي بعناد حاسم: قولتلك مش هفتح يا رشدي.
رشدي بضجر: مي، متهزريش بقى، أفتحي، بلاش شغل عيال.
صاحت بشدة: مش هفتح يعني مش هفتح، وروح نام يلا.
تنهد بضيق: أنام فين بس؟ مفيش مكان أنام فيه.
مي بلا مبالاة: عادي، أنت راجل غني، أحجز أوضة تانية.
ضحك بسخرية: يا سلام! يعني ابقي عريس وأروح أحجز أوضة يوم فرحي؟ الناس تقول عليا إيه؟ دى حتى عيبه في حقي!
مي بإستنكار: مش هيقولوا عليك حاجة.
حاول استرضائها: طب أفتحي هاتي بطانية طيب الجو سقعه.
مي: كلم الروم سيرفس يجيبولك بطانية، مش هفتح، نام بقى، عشان أنا كمان هنام.
أرتفع صوته مهددا: لو مفتحتيش هكسر الباب!
صاحت بعند أكبر: والله العظيم لو كسرت الباب، لأرمي نفسي من البلكونة، وأكلم بابا.
ساد صمت ثقيل، ثم قال بتهكم مازح: إيه جو الأفلام القديمه اللى انت عايشه فيه دي يا مي !! على فكرة، إحنا كبار على شغل العيال ده.
قالت برجاء: وحياتي النهاردة بجد مش هينفع؟
تنهد رشدي: طب دخليني بس، وهبقى مؤدب.
مي بإصرار: قولتلك لا يعني لا، سيبني بقى وروح نام.
ضرب بكفه على الباب: بتهزري والله، ماشي هتروحي مني فين يعني، مسيرك هتخرجي.
تحركت وجلست على الفراش، وما زال التوتر يملأها، لكن بعد قليل بدأت تتمدد فوقه بإرهاق، ولم تلبث حتى غرقت في سباتٍ عميق.
بينما ظل رشدي جالسا على الأريكة، يدخن سيجارته بملل، وعيناه معلقتان بالفراغ بضجر واضح.