رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثاني والعشرون 22 ج 3 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثاني والعشرون 22 ج 3 
بقلم ليله عادل
 

نرى ماسة مستلقية على صدر سليم، وشفاههما متورمتان من ملامح العشق، وعرق سليم يلمع على جبينه، وخصلات شعرها تتساقط على صدره.

كان يحيط ظهرها بذراعيه، بينما كانت هي تدفن جسدها بين أحضانه براحه وطمأنينه، وقد غطى نصفهما غطاء خفيف.

همست ماسة بلهفة: كنت وحشني أوي يا سليم.

هبط بعينيه إليها، ومرر يده على ظهرها العاري، وقال بصوت مبحوح بالشوق: وأنت كمان كنتي وحشاني اوووي، ولسه مشبعتش منك، اللى حصل ده كان بروفا.

ابتسمت بخجل، فوضع قبله على جبينها وشدها إلي أحضانه أكثر.

نظرت له بمداعبة أنثوية: مع إننا كنا لسه مع بعض لما كنت فاقدة الذاكرة، يعني تقريبا من اسبوعين.

ابتسم وقال وهو مازل يمرر أنامله علي ظهرها: لا الفرق دلوقتي إنك معايا بكل طاقتك وإرادتك ووعيك، ماسة دي اللي وحشاني ومشبعتش منها.

وضعت قبلة على عنقه، وضمته أكثر، وهمست: أنا بحبك اوي يا كراميل ..

ثم أكملت بخجل: سليم إحنا مش معانا هدوم.

ضحك وقال مازحا: مش مهم هنجتاج اللبس في إيه؟

ضربت صدره بدلال خجول: عيب يا سليم، بقيت قليل الأدب أوي.

قالت كلمتها تلك واستدارت واعطت ظهرها له، فابتسم واقترب منها حتى التصق صدره بظهرها، ولف ذراعيه حول بطنها مشددا عليها: يعني بعد أكتر من عشر سنين جواز، ولسه مكتشفه إني قليل الأدب!!

رفعت حاجبيها: تقصد إيه؟

اقترب أكثر، من أذنها وقال مازحا وهو يضع قبله على خدها: أنا قليل الأدب من زمان، مش كنت بعلي الليفل كل سنة!

ابتسمت، والتفتت له تقول بمداعبة: لا أنا أقصد الكلام.

لفها نحوه أكثر، ونظر داخل عينيها متسائلا: هو أنا كده قولت حاجة عيب؟

ضحكت وضربت كتفه بخفة: أيوه عيب، أنا هقوم ألبس فستاني.

حاولت النهوض، ولكن امسكها من خصرها برفض: مفيش كلام ده، هنام في حضن بعض كده.

هزت رأسها برفض عنيد: لا.

تساءل وهو ينظر لها بنعومه: هي أول مرة.

هبطت بعينيها لاسفل بخجل: عيب بقي يا سليم.

ضحك متسائلا بمداعبه: طب الكسوف الزيادة ده ليه؟

رفعت كتفها بدلال، وهي تتحاشى النظر في عينه: معرفش أوعى بقى.

لف ذراعه عليها: لا..

حاولت رفع يده من عليها وقالت بعند: لا هتوعي !

وبالفعل استطاعت فك يده، وكادت ان تنهض، فصاح سليم بألم مصطنع: آآه

التفت له سريعا تتساءل بقلق: في ايه مالك؟

سليم بتمثيل: مش عارف، رجلي وجعتني فجأة.

نظرت له بشك: أنت بتكدب علشان مقومش؟

قلب وجهه بتمثيل: لا بجد، ااه.

ضيقت عينيها: تو، مش مصدقة.

قلب وجهه بضجر تمثيلي بارع متصنع لالم: ياماسة رجلي شدت عليا بقولك، تعالى اعملى لى علاج طبيعي او اي حاجه.

اقتربت منه بقلق وهي تمسح على خده بحنان: مالك يا سليم ايه حصل.

فجأة مد ذراعيه، وجذبها إليه بقوة، حتى التصق نصفها العلوي بنصفه العلوي،  وهو يضحك بخفة، بينما كانت ماسه تضحك وتضربه بغيظ دلع: إنت رخم أوي على فكره، اوعي، بقي بتضحك عليا!

ضحك عاليا، وضمها اليه أكثر، وهو يقول بمشاكسه: أنتِ اللي سهل يتضحك عليكي.

حاولت الإفلات من بين ذراعيه: بقي كده، طب أوعى بقى!

قال بعناد طفولي وهو يزيد إحكام ذراعيه حولها: لا.

توقفت لحظة، ثم قالت بنبرة نصف غاضبة ونصف ضاحكة: أنت بتستغل حبي وخوفي عليك.

ابتسم ابتسامه منتصره، وهو لايزال ممسكا بها: أه

ثم فك إحدي ذراعيه، ومرر كفه على خدها دافعا خصلات شعرها إلى الخلف، وقال بنبرة عاشقة حالمة: بحب أشوفك وأنتِ بتبصيلي كده، وانتي خايفه عليا، النظره دي بتحسسني قد إيه بتحبيني.

صمتت للحظة، وعيناها معلقتان بعينيه، وتساءلت: هي دي بس اللي بتحسسك بحبي؟

هز رأسه بابتسامه عاشقه: أكيد لا، بس النظرة دي بحبها اوي.

مررت يدها على لحيته، واقتربت منه أكثر وهي تساءل بخفوت: سليم هو أنت ممكن تبطل تحبني؟

صمت للحظة، ومد شفتيه كأنه يحاول أن يمررها بمزاح، ثم قال بنبرة بدت جادة على غير العادة: يعني الواحد مش عارف بكرة مخبي إيه، يمكن لما أكبر حبك يقل وأحب غيرك.

اتسعت عيناها بصدمة، وتجمد وجهها في حزن مفاجئ، وانطفأت ابتسامتها كأن الكلمة سُحبت من روحها.

لاحظ سليم التغير فورا؛ ابتسم في البداية ظنا أنها ستمزح، لكنه أدرك سريعا أنه تجاوز حد اللعب، فضحك بخفة ليكسر ثقل اللحظه، ثم قال وهو يهز رأسه: مجنونة،  ده سؤال؟!  أنا قلبي معرفش الحب غير بيكي ومعاكي، أنا بحبك أنتِ وبس، ومستحيل أحب غيرك، ولا عيني تشوف غيرك.

مد يده سريعا، أمسك كفها، ووضعها فوق قلبه، ضاغطا عليها برفق، لتشعر بنبضه تحت يدها، ونظر داخل عينيها بعينين لا ترمش: قلبي ده ملك لماسة وبس، طول ما ماسة موجودة سليم موجود، ماسة مش موجودة، سليم مات، أنتِ روحي والنفس اللى بتنفسه يا ماسه، إزاي تسأليني سؤال زي ده؟

نظرت إليه بسعادة تفيض في عينيها، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مطمئنة: علشان أسمع الكلام الحلو ده، قولي كلام حلو زيه تاني.

ابتسم، ومال نحوها، يمرر أنامله على خدها برفق، وعيناه معلقتان بعينيها لا ترمشان، وقال بصوت هادئ ممتلئ باليقين: سليم ميقدرش يعيش من غير ماسة ثانية واحدة… أنتِ نفسه، وروحه، وعمره، ودقات قلبه، وضحكته، وراحته، ووجعه، وضعفه، ماسة هي اللي قادرة تحدد حياة سليم تمشي إزاي؛ تكون وردة أرنقل ولا صبار، حلوة ولا مُرة، وجع ولا راحة، دموع ولا ضحكة، حزن ولا فرحة، كلمه منك قادره تحيني، وكلمه تانيه قادره تموتني.

امتلأت عيناها بدموع لم تحاول إخفاءها، بالطبع اي فتاه تستمع لتلك الكلمات يدق قلبها بسرعه ويتضخم خلف اضلاعها، فقالت بصوت مرتجف من الحب: أنا كمان والله العظيم بحبك أوى، ومبرتاحش غير وأنا جوه حضنك، بطمن وبحس بالسعادة.

اقتربت منه أكثر، ودفنت وجهها في صدره، وضمته بقوة: أنا بحبك اوي يا سليم، أوعى تبطل تحبني مهما حصل.

شدها إلى صدره، وكفه يربت على ظهرها بحنان: قولتك سليم ميعرفش غير إنه يحبك.

ابتعدت قليلا، ورفعت عينيها إليه، تحدق في وجهه بشغف: ومتبطلش تبصلي البصة دي، علشان يوم ماتبطل تبصهالي، هعرف إن سليم بطل يحب ماسة.

ابتسم، ونظر إليها بنفس النظرة الدافئة: سليم ميعرفش يبص غير البصة دي لماسة.

ضحكت بسعادة طفولية، وعادت تضمه بقوة، كأنها تخشى أن يفلت من بين ذراعيها.

مررت يدها على صدره ببطء، وقالت بتأمل: سليم لو مكنتش جيت المزرعة زي ما كنت بتعمل، مكناش هنعرف بعض.

هز رأسه بإيجاب، فتابعت بنبرة فضول ممزوجة بالحب: طب متخيل حياتك كانت هتبقى إزاي؟

نظر إلى الفراغ قليلا، وكأن صورا قديمة تمر أمام عينيه، ثم قال: مش متخيلها، بس عارفها.

نظرت إليه بتعجب: إزاي طيب؟

تنهد قائلا خليا من حياه: مكنتش هتجوز، وكنت هبقي وحيد، مليش حد، تايه بدور عليكي، ماسك المجموعة ومكبرها أكتر من الأول، وأنا وأخواتي بنحارب في بعض، حياة بائسة.

شدت عليه أكثر، وكأنها تمحو تلك الصورة، وقالت بصوت يملؤه الامتنان: الحمد لله إنك جيت واتجوزنا، أنا مش عارفه لو مكناش اتجوزنا كنا هنعيش ازاي، مكناش هنبقي مبسوطين.

وضعت قبلة خفيفة على خده، ثم أراحت رأسها على صدره، فأحاطها بذراعيه، كأن حضنه ملاذها الوحيد، فأخذت تمرر يديها على صدره ببطء مطمئن، وأنفاسهما تهدأ شيئا فشيئا.

قالت بتمن، ونبرتها تهتز قليلا وهي ما تزال بين ذراعيه: تعالي نوعد بعض وعد، إننا منزعلش من بعض تاني مهما حصل، ومنخليش أي حاجة تبعدنا عن بعض تاني.

ابتعدت عنه مسافة بسيطة، بالكاد تسمح لها أن تراه، ونظرت إليه نظرة صريحة لا تعرف المراوغة، وقالت بهدوء واعي: بص هو كده كده ممكن تحصل بينا مشاكل، وده طبيعي، بس مش عايزين المشكلة تكبر لدرجة إننا ننام بعيد عن بعض تاني.

رفعت حاجبيها قليلا وهي تشرح بجدية ممزوجة بابتسامة خفيفة: يعني لو ماسة منامتش على السرير، سليم مينامش على السرير، ولو سليم منامش من على السرير، ماسة متنامش على السرير.

ثم ضحكت بخفة، محاولة كسر ثقل الفكرة، وأضافت وهي تشير بيدها وكأنها تضع قانونا: وميعديش الليل غير وإحنا متصالحين، وعد؟

كان ينصت إليها بصمت دون مقاطعه، بعينان ثابتتان عليها، ثم اقترب منها، وأسند جبينه إلى جبينها، وهز رأسه بإيجاب صادق: وعد.

ثم شدها إلى صدره أكثر، كأنه يوقع الوعد بذراعيه، لا بالكلمات.

همست بصوت مكسور يحمل اعتذارا صادقا: أنا آسفة إني زعلتك، وآسفة على اللي حصل مني، والله العظيم في حاجات كتير إنت مش فاهمها، بس أنا بجد آسفة، متزعلش مني، أنا بحبك اوي يا سليم وصدقني زعلي محبه والله محبه ليك.

رفع يده ووضعها برفق على شفتيها، وقال بهدوء دافئ: متعتذريش، إحنا الاتنين غلطانين، وبعدين إحنا خلاص وعدنا بعض، ومش هنزعل من بعض تاني أبدا مهما حصل.

ابتسمت بسعادة ودموع فرحه، فاقترب منها ينظر داخل عينيها بابتسامه ماكره: ودلوقتي خلينا نوثق الوعد دى.

نظرت إليه نظرة عاشقة، تحمل رغبة صادقة في الطمأنينة قبل أي شيء، فجذبها إليه، ورفع الغطاء عليهما بهدوء، لتختفي الكلمات، ويبقى الإحساس "عشق يحتضن وعدا، ووعد يحمي قلبين اختارا بعضهما من جديد".

وبعد وقت…

جلس سليم وماسة متجاورين، ماسة ملتفة بالغطاء حول جسدها، بينما كان سليم يرتدي سرواله الداخلي فقط، وعاري الصدر وعلى وجهيهما ارتسمت ملامح تلك الملحمة من العشق التي عاشاها منذ قليل. 

تناثر الطعام على الأرض أمامها، وجلست ماسة تأكل بنهم واضح، وسليم يراقبها بابتسامة لا تخلو من حب، حتى لم يحتمل فعلق بمزاح لطيف: إيه يا حببتي؟ للدرجة دي جعانة؟

رفعت رأسها نحوه وهي تمضغ: موت يا سليم بجد مش قادرة، أنت تعبتني خالص، أنت السبب إني آكل كده!

ضحك بخفة وهو يتناول ما في المعلقه: يا سلام! يعني دلوقتي بقيت أنا السبب؟

ردت بمشاكسه أنثويه: أيوه، أنت السبب.

مازحها باستفزاز: لا يا حبيبتى متمثليش أنتِ بقالك يومين بتاكلي الأخضر واليابس، وشويه شويه وهتاكليني.

ضربته على قدمه بخفة وهي تضحك: اتلم! تقصد ايه؟!

أحاطها بذراعه، وقربها منه بحركة محببة، ثم طبع قبلة قوية على خدها وهو يضحك: ولا حاجه، كلي براحتك يا عشقي.

ثم أمسك قطعة من الطعام، ووضعها في فمها، فضحكت بعفوية وتناولتها من يده.

نظر لها وتساءل بمكر وهو يتناول الطعام: قوليلي صح؟ كنتي بتحلمي بإيه؟

نظرت له باستغراب: امتي؟!

سليم موضحا بمزاح: اليوم اللي مسكتينى فيه فجأة، وبوستيني.

ابتسمعت وقالت بعيون لامعه: كنت بحلم حلم حلو اووي يا كراميل يارب يتحقق، كنت شايفانا في سويسرا، ومعانا ولادنا بيلعبوا قدامنا، في البيت اللي نفسي فيه، وكنا فرحانين أوى.

نظرت إليه بنظرة حزينه، وكأنها تعاتبه بحنان وحب: إحنا إمتى بقى هنحقق الحلم ده يا سليم؟ أول مارجعنا مصر قولتلي خمس سنين ونسافر، وبعدين الخمسة بقوا عشرة…

تنهد بأسف: يا ماسة، ما أنتِ شايفة اللي حصل، غصب عني اعمل ايه.

هزت رأسها بتفهم: عارفة إنه غصب عنك، وإن اللي حصلنا مكانش سهل.

زمت شفتيها بأسف وضيق وتابعت: إحنا أصلا معشناش مع بعض كويسين غير شوية صغيرين، عارف انا حاسبه جوازي منك كله على بعض ثلاث سنين ونص مش 11، سنة ونص بتاعت شهر عسل، وسنتين بعد مروان لحد الحادثة، واللي بعد كده مش محسوب.

اقترب منها، وضم وجهها بين كفيه، ونظر داخل عينيها بوعد صادق خرج من قلبه قبل عينه: اوعدك الجاي كله هيكون حلو، وهاخدك ونسافر، ونبعد عن كل حاجة، ونحقق الحلم الحلو ده، بتثقي في وعودي ولا لا ؟!

هزت رأسها إيجابا، وابتسامة رقيقة انسابت على شفتيها، فاقترب منها، وداعب أنفه بأنفها بدلال، ثم خطف قبلة سريعة من شفتيها، كأنها وعد على حديثه.

تنهدت ماسة بهدوء، واستكانت بجواره، ثم عادا ليكملا طعامهما، مدت يدها إليه، وأطعمته بيدها وهي تنظر له بعينين مليئتين بالحب، فضحك وهو يميل نحوها أكثر، كأن اللحظة لا تريد أن تنتهي.

نظرت له بتردد للحظه قبل أن تتساءل: بقولك يا سليم مش أنت عملت العملية وبقيت كويس؟

هز رأسه: أه، الحمد لله.

ماسة بتوجس: وموضوع الخلفه؟ الدنيا بقت أحسن ولا إيه؟

اومأ راسه: مش بالظبط، بس أحسن بكتير من الأول،
المفروض أكمل على العلاج، بس من بعد ما رجعتك انشغلت معاكي، وده خلاني أهمل شوية.

قاطعته بحزم ممزوج بحب: لا يا سليم، مفيش حاجة اسمها إهمال، من بكرة نروح للدكتور، ونعمل تحاليل، ونطمن عليك.

اقترب منها أكثر بابتسامة: موافق.

تنهدت وهي تبتسم بتمنى وشغف: أنا نفسي أخلف اوي يا سليم، طفل يكون حتة مني ومنك.

ابتسم، ووضع يده على بطنها: مش اكتر مني، ده حلمي الثاني، الاول أنا وانت نبقى مع بعض كويسين، والثاني اني اجيب اطفال منك مش طفل واحد بس. 

صمت للحظه ثم تساءل وهو يضيق عينه بنبره ماكره ذات معنى: أنتِ قولتي كانوا كام طفل في الحلم؟

ضحكت بخفه: أربعة، بنتين وولدين، وشكلي كنت  حامل في بيبي تاني؛ علشان حطيت ايدك على بطني وقولتلي نفسي البيبي الجاي يكون بنت شبهك، يعني خمسة.

اتسعت عيناه، وارتسمت على شفتيه ابتسامه واسعه معلقا: اوووه 

ثم مسح يده في المنديل سريعا، وحملها فجأة بين ذراعيه ونهض بها. 

اتسعتا عيناها ضاحكة: هتعمل إيه يا مجنون؟

سليم بنبرة ذات معنى وهو يغمز لها: هنحقق الحلم، ونجيب أول بيبي يا ماستي الحلوة.

ضحكت بمرح، وانسابت لحظاتهما معا من جديد في بحر العشق والهوى، حيث لا مكان للزمن، ولا حدود للقلوب...

وبعد وقت طويل..

بدت ماسة غارقة في سبات عميق، تستلقي على بطنها، ووجهها مستند إلى الوسادة باتجاهه، خصلات شعرها تنسدل بعفوية، وأنفاسها المنتظمة تشي براحة افتقدتها طويلا.

أما سليم، فكان مستلقيا على جانبه في مواجهتها، لم ينم بعد؛ يكتفي بالنظر إليها، وكأن عينيه لا تشبعان منها.

مد أنامله ببطء حذر، يمررها على خدها ثم بين خصلات شعرها، لمسة عاشق يخشى أن يوقظ حلمه، عيناه ثابتتان، لا ترمشان، وقلبه يفيض بما تعجز الكلمات عن حمله.

همس بصوت خافت، أقرب إلى اعتراف لنفسه: أنا مش مصدق يا ماسة، مش مصدق إننا رجعنا لبعض تاني.

تنفس بعمق، وابتسامة صغيرة شقت ملامحه وهو يواصل: يااه سنتين مشفتش النظرة دي، آخر مرة شوفتها لما كنا مع بعض، ووعدتيني منزعلش من بعض، وتاني يوم كل حاجة اتبدلت.

صمت لحظة، وكأن الذكرى تمر أمامه، ثم قال بنبرة امتلأت امتنانا بفرحه وثقه: بس أخيرا بقينا مع بعض، ورجعت اشوف النظره دي تاني، النظرة اللي دورت على نفسي فيها كتير و مكنتش لاقيها، بس المره أنا فيها خلاص يا ماسة، رجعتلي تاني، وروحي ردت ليا من تاني، ومستحيل أسمح لأي حاجة تفرقنا.

انحنى قليلا، وطبع قبلة خفيفة على ظهرها، ثم أسند رأسه إلى الوسادة قريبا منها، وضمها بذراعه في حذر محب، وظل يتأملها بعينين تشعان فرحا وطمأنينة، حتى غلبه النعاس أخيرا، وغرق هو الآخر في سبات عميق، وقلبه مطمئن.

في صباح اليوم التالي 

كان الصباح قد تسلل بهدوء من بين فتحات الستائر، بدأت ماسة تتململ في نومها، حتي فتحت عينيها ببطء، اعتدلت تجلس على الفراش في مكانها، ولكن شعرت بألم فجأة فضيقت حاجبيها ووضعت كفها على بطنها: أه .. إيه الوجع ده… 

شعرت بدوار مباغت، وغثيان ثقيل يضغط على صدرها. وضعت يدها الأخرى على فمها، تحاول التقاط أنفاسها، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة.

وبينما تحاول أن تهدأ، وقعت عيناها علي سليم نائما على ظهره، ذراعاه مفتوحتان باسترخاء، وابتسامة عريضة هادئة تستقر على ملامحه، كأن النوم زاره وهو مطمئن للمرة الأولى منذ زمن.

انسحب الألم قليلا، وحلت مكانه ابتسامة دافئة، مالت عليه بحذر، وبدأت تمرر أناملها بخفة على وجنتيه، ثم على عينيه المغلقتين، بلمسة مليئة بالحب.

همست بصوت خافت: أنا بحبك أوي، ومبسوطة إننا رجعنا سوا.

انحنت نحوه أكثر، وراحت توزع قبلات متفرقة على وجنتيه، وعلى عينيه، ثم على شفتيه، بعشق هادئ لا يريد إيقاظه.

أمسكت كفه، وضمته إلى صدرها، وضغطت عليه قليلا وهي تهمس: حاسس بقلبي، بيحبك اوي.

لكنه كان غارقا في نومه، لا يشعر بها، ملامحه ماتزال هادئة، وابتسامته لم تفارقه.

ابتعدت قليلا، وأسندت ذراعها على السرير، وأخذت تتأمله بصمت طويل، وكأنها تحفظ ملامحه من جديد.

وفجأة، تسلل إلى ذاكرتها طيف ثقيل، لتهديدات رشدي ما قاله وماحدث معها.

تغيرت ملامحها، وانطفأت ابتسامتها ببطء مؤلم، رفعت يدها إلى جبينها وضغطت عليه بقلق مكتوم، بينما عيناها ما تزالان معلقتين بسليم، بخوف صامت بدأ يتمدد في صدرها.

امتلأت عيناها بالدموع، وارتعش جسدها وهي تستعيد وعدهما ليلة أمس، تلك الكلمات التي تشبثت بها كطوق نجاة، ثم تداخلت الذكريات الثقيلة، وبرزت تهديدات عائلته، ذلك الإحساس القاسي الذي يهمس لها بأن العيش معا بسلام قد يكون مستحيلا، وأنهم حتما سيحاولون إبعادهما عن بعضهما مرة أخرى.

مررت كفيها على وجهها في ارتباك، لا تعرف ماذا تفعل ولا كيف تبدأ، كيف تقول له؟ ومن أين تبدأ؟

تذكرت كلمات الطبيب، صوته الحاسم وهو يخبرها أن الصمت لن يحميها، وأن عليها أن تروي له كل شيء، وأن الخوف لا يبرر الكتمان، وأن إخفاء الحقيقة عنه يشبه الخيانة، تماما كخيانة الآخرين له.

لكنها لم تكن تخونه، فقط تخاف عليه من الصدمة،
ومن انكساره حين يكتشف الحقيقة التي قد تهدم كل ما تحاول بصعوبة أن تحميه، وتخاف أيضا على عائلتها، التي سبق لها أن ذاقت الويلات من أجلهم.

زفرت باختناق، تخشي من عودة الألم إليها مرة أخرى، تشعر وكأنها تقف على حافة هاوية؛ خلفها نار تحرقها إن صمتت، واسفلها أشواك تمزقها إن تكلمت، وهي في المنتصف، عاجزة، لا تقوى على اتخاذ قرار.

تعلم في أعماقها، أن أي اختيار ستقدم عليه سيكلفها الكثير، الصمت سيكلفها الكثير، والبوح سيكلفها أكثر، فالحقيقة حين تقال لا تخرج بلا ثمن.

انفجرت باكية بحرقة، بكاء خوف لا يشبه غيره،
نهضت من مكانها على عجل، تخاف أن يستمع إليها، وعيناها تجولان في الغرفة باضطراب، حتى وقعتا على قميصه الملقى قرب الفراش، التقطته وارتدته سريعا، ثم اتجهت إلى المرحاض.

المرحاض 

وقفت أمام المرآة حدقت في انعكاسها طويلا، بوجه شاحب، وعينان محملتان بقلق أثقل من الاحتمال. 

ثم تحركت ببطء، خلعت القميص ووقفت أسفل الدش، انساب الماء على شعرها وجسدها، كأنها تحاول أن تغسل الألم والارتباك المتغلغلين في كيانها، أغمضت عينيها، وتركت الدموع تختلط بالماء، علها تخفف قليلا من وطأة ما تشعر به.

خرجت بعد وقت، ترتدي برنس المرحاض، خطواتها بطيئة مثقلة، وجلست على طرف الفراش، تتأمل سليم النائم بسلام  بإبتسامة صغيرة موجوعه، لا تعرف كيف تحميه من أعاصير قادمه لا محال، كانت الدموع ماتزال تملأ عينيها، وجع صامت يفيض بالخوف.

التقطت هاتفها، وضغطت على الاسم المحفوظ: ألو أيوه يا راوية، روحي الفيلا هاتي هدوم ليا أنا وسليم،
متتأخريش، سلام.

أغلقت الهاتف، ورفعت قدميها عن الأرض، وجلست على الفراش تضم نفسها، أسندت خدها إلى كفها، وعيناها لا تفارقان سليم، وعقلها يعج بالأسئلة: كيف تخبره؟ وكيف تحميه وتحمي نفسها وعائلتها من عائلته؟

انهارت من جديد، تبكي بكاء حارقا، جسدها يهتز، ودموعها تنهمر بلا توقف، بين حب تخشى أن تفقده، وخوف يهدد كل ما تحاول أن تبنيه.

مر الوقت سريعا، وماسة ما تزال تبكي بحرقة، وتضم
نفسها بقوة، ساقاها مطويتان إلى بطنها، وجسدها يهتز مع كل شهقة، تسند رأسها إلى ركبتيها، كأنها تحاول الاحتماء من ثقل لا يحتمل.

في تلك الأثناء، بدأ سليم يحرك جفونه ببطء، تقلب في نومه، ورفع ذراعه تلقائيا يبحث عنها ليضمها، لكن يده سقطت على الفراش الخالي !!

مرر كفه عليه فلم يجدها، فتمتم بصوت ناعس وعيونه مازالت مغلقه: عشقي أنتِ روحتي فين؟

وقبل أن يفيق تماما، وصل إليه صوت نحيب مكتوم !!

فتح عينيه فجأة، ونهض كمن لسع، التفت حوله سريعا، حتى وقعت عيناه عليها، وهي جالسة في زاوية الفراش، تحضن نفسها، وتبكي بحرقة.

اندفع نحوها مسرعا، وجلس أمامها، ووضع يديه على كتفيها بقلق واضح وهو يميل عليها: في إيه يا ماسة؟ مالك؟ بتعيطي كده ليه؟

رفعت رأسها ببطء، عيناها محمرتان من شدة البكاء، ودموعها تبلل وجنتيها، حدقت فيه بنظرة تائهة، وحاولت أن تتكلم، لكن صوتها خانها، هز رأسه وهو يقرب وجهه منها: مالك يا حبيبتى؟ في إيه؟ تعبانه؟

لم تسطع الرد، ولم تجد سوى البكاء ملاذا، وهي تنظر إليه بعجز مطبق، عيناها تجوبانه من أعلى إلى أسفل، وكأنها تشهد سعادتها وهي تذبح ببطء، بينما أشباح عائلته تختبئ خلف ظهره، تمسك بالخناجر، وتنتظر الإشارة الأخيرة.

شد على كتفيها قليلا، ونبرته ازدادت إلحاحا: في إيه يا بنتي؟ اتكلمي.

وكانت الإجابه صمت ثقيل ضغط على صدره حتى كاد يخنقه، فراح يحدق في ملامحها طويلا، يتتبع ارتجافة شفتيها، واهتزاز كتفيها، كأنه يفتش في وجهها عن اعتراف لم ينطق بعد ومع كل ثانية تمر، كان شيء ما ينكسر داخله، ومع امتداد الصمت، تسلل إليه شعور خانق.. شعور لا يريد أن يصدقه..

انتصب ظهره، شد فكه، وتغيرت نبرته؛ حتي خرج صوته متحشرجا، كأنه يخشى إجابتها قبل أن يسمعها: بتعيطي ليه يا ماسة؟!

لكنها لم تجب، ولم ترفع رأسها، أصابعها تشابكت بقوة حتى ابيضت مفاصلها، وكأنها تتشبث بنفسها كي لا تسقط، كانت تعرف أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابا لا تغلق، وأن الصمت رغم قسوته أهون من حقيقة قد تدمر كل شيء.

هي لا تريد العودة إلى ذلك الصندوق المظلم، ولا تحتمل أن تخسر هذا الهدوء الهش الذي وصلت إليه بعد سنوات من الوجع، تحبه وتخافه في اللحظة نفسها !!

أما هو، فكان يرى لدموعها تفسيرا واحدا لا غير "الندم".

تسلل إلى صدره شعور خانق، أنها ندمت على ما حدث بينهما ليلة امس كما ندمت على ما حدث بينهم في وقت فقدان الذاكره، ولكن لماذا ؟! هو أراد أن يتراجع وهي من طالبت بالاستمرار، فلما كل هذه الدموع الآن !؟

ابتلع ريقه بألم، وحاول إقناع عقله بأن يتراجع، وألا ينساق خلف تلك الفكرة القاتلة، إلا أن النار اشتعلت بالفعل، وبدأت تلتهم صبره قطعة قطعة، صوته هذه المرة خرج قاسيا: ساكتة ليه؟ اتكلمي، بتعيطي ليه كده؟!

ومره أخري كانت إجابة سؤاله الصمت والبكاء!!

تبدلت ملامحه إلى جمود قاسي، وقال بنبرة حادة: أنتِ عايزة تفهميني إن العياط ده ندم على اللي حصل امبارح؟

لكنها مازالت لا ترد فقط تبكي، ارتفع صوت أنفاسه، وجز على أسنانه، وقال من بين أسنانه: تاني يا ماسة؟ تاني؟!

كانت تنظر إليه في صمت ثقيل، لسانها معقود في حلقها، والكلمات تتكدس داخلها بلا مخرج.

زفر باختناق، ومسح وجهه بكفه بعجز: أنا مش عارف أعمل معاكي إيه تانى، حقيقي مش عارف !!

نهض فجأة، وتحرك أمامها بعصبية، وجسده المشدود يعكس توتره، بينما عيناه تشتعلان بنار لم تعد خافية،
قال بضجر ومرارة: أنا تعبت، أنتِ تعبتيني نفسيا، مش عارف أعمل إيه أكتر من كده!

اقترب خطوة، صوته ارتجف بالغضب: كل اللي كان مطلوب مني عملته، اعتذرت، واتغيرت، وضغطت على نفسي، وعملت كل حاجة علشانك.

مال برأسه متسائلا بلوم ومرارة: طب امبارح عشمتيني ليه؟ ليه وافقتي باللي حصل؟! وطول الأسبوع كنتي بتعشميني ليه؟

رفع يده، وصاح بعصبية: لو مش مسامحة مكنتيش تدينى أمل، أنا مش لعبة ولا وسيلة تاخدي بيها حقك.. والوعد وحلم وكل اللى الى حصل وافقتي عليه ليه؟!

صمت للحظه وصوته انخفض، لكنه صار أوجع، وساءل بتعجب: ولا ده عقاب؟ عقابك انك تلعبي بمشاعري، ترفعيني لفوق، وبعدين تسحبي كل حاجة بكل أنانية؟

صمت فجأة، ينظر إليها بعيون متعبة أكثر منها غاضبة: لو ده عقابك عشان تاخدي حقك، يبقى أنتِ قسيتي اوي يا ماسة، يبقى انتِ مش ماسة اللي أنا اعرفها وحبيتها.

صمت لوهله ينظر رد ثم صرخ بجنون من صمتها: ردي عليا، متجننيش.. 

هزت رأسها وصوتها خرج مكسورا بصعوبة، وبنبرة باكيه: الموضوع مش كدة يا سليم، والله مش كده..

صاح بانفعال: أومال إيه؟! بتعيطي ليه؟

مد ذراعيه في الهواء: ايه؟!  هنعيد نفس الدايرة تاني يا ماسة؟ نفس الغلط ونفس الوجع؟! اللمسة المقبولة واللمسة الغير مقبولة؟!

هز رأسه بقسوة، وحسم: لا يا ماسة لا، ارجعيلها لوحدك، أنا مش هرجعلها تاني، مش هرجع.

هزت رأسها نافيا والدموع تلمع في عينيها، ولكنها لا تقوي على الحديث، فما يعتري قلبها يثقله بشده، يثقله حد الاختناق 

بينما تنفسه صار ثقيلا وتابع بخذلان والم: أنا جبت آخري، ومفيش حاجة تاني أقدمها، مش همشي خطوة تانية مع حد حتى مش قادر يمشي نص خطوة علشاني، وواقف على غلطه واحده.

رفع رأسه إليها فوجدها تنظر له من بين شهقاتها، وتكلمت أخيرا، بصوت مكسور،  لكنه صادق حد القسوة: والله يا سليم مش بعيط علشان كده، ولا ندمانة...

ابتلعت دموعها، وأضافت: ولو هتدم هندم إن ده محصلش من زمان.

اتسعت عيناه، ونظر إليها بحيرة، وصاح بها ببحه رجوليه: أمال بتعيطي ليه فهميني انطقي!؟

انفجرت بالبكاء مرة أخري، ورفعت رأسها من على ركبتيها ببطء، كانت دموعها تنهمر بلا توقف، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، ثم قالت بصوت متكسر، بالكاد يُسمع: أنت طول ما أنت بتتعصب كده وبتزعق أنا مش بعرف أتكلم

صمت للحظة، كأن كلماتها اصطدمت به، تيبست ملامحه، بينما بقيت هي تنظر إليه بعينين غارقتين، لا تطلبان سوى مساحة صغيرة للأمان كي تنطق.

تنهد بعمق، ثم جلس من جديد أمامها، الدهشة واضحة في عينيه، مد يده وربت على كتفها بحنان صادق، ونبرته صارت أهدئ: طب أنا هديت اهو، قوليلي بقي مالك؟

نظرت اليه بدموع للحظات، وسرعان ما انفجرت تبقي بحرقه وشهقات مرتفعه، فنظر لها بعجز !! لا يفهم ما بها، ولكن على أي حال صوت بكائها بهذه الطريقه آلام قلبه، فاقترب منها أكثر ومسح على خدها وكتفها بحنان: يا ماسة طب ردي عليا طيب وفهميني مالك، متسبنيش أكلم نفسي كده وبعدين ترجعي تقولى بتتعصب ليه؟! 

قالت بصوت مكسور، بالكاد يخرج من بين أنفاسها، وجسدها يرتعش: أنا خايفة.

اقترب بوجهه منها أكثر، خفض نبرته محاولا أن يزرع الطمأنينة، وكفه ما يزال ثابتا على كتفها، سأل باستغراب حنون: خايفة من إيه يا حبيبتي؟

خفضت عينيها، وضغطت أصابعها في بعضها بتوتر، كأنها تحاول حبس خوفا: خايفة إننا منفضلش مبسوطين، إننا نبعد عن بعض.

توقفت لحظة، ثم أضافت بصوت أضعف: هما مش هيسيبونا مبسوطين.

عقد حاجبيه، وصوته بدأ يحمل حدة قلق واضح:
هما مين دول؟

رفعت رأسها ببطء، وعيناها تلمعان بالدموع، وقالت بصوتٍ مرتجف: هما …

ترددت لحظة، ثم أكملت: هما هيفضلوا يحاربوا لحد ما يخلونا نسيب بعض..

هز رأسه نافيا بقوة، واقترب منها أكثر، نبرته خرجت حاسمة كأنه يحاول إقناعها وإقناع نفسه: مفيش حد هيخلينا نسيب بعض ولا حاجة، فهميني بس مين دول؟!

سحبت نفسا متقطعا، وهزت رأسها بإصرار موجوع: لا هما مش هيسيبونا في حالنا.

اشتد صوته، ونفد صبره وهو يحاول انتزاع الكلمات منها: مين يا ماسة؟ قولي مين هما؟

أغمضت عينيها لحظة، كأنها تجمع شجاعتها، ثم أخذت نفسا عميقا، وقالت بصوت مرتعش: هقولك، هقولك كل حاجة.

رفعت يدها قليلا، وكأنها تستوقفه قبل أن ينفجر: بس هطلب منك طلبين توعدني انك هتنفذهم.

نظر إليها بترقب، أنفاسه ثقيلة: قولي.

اخذت نفس عميقا ومسحت دموعها وقالت بنبره مهتزه: أول طلب، أي حاجة هقولها، تمسك نفسك، ومتتعصبش ورحمة حور..

شد على فكه، ثم أومأ برأسه ببطء، محاولا السيطرة على نفسه، أكملت وهي تبتلع ريقها: تاني طلب، تتصل بمكي، وتخليه يودي بابا وماما وإخواتي مكان آمن.

مرر كفه على وجهه بعجز، وقال بصوت متحشرج: أنا مش فاهم حاجة.

رفعت رأسها نحوه، عيناها متورمتان من البكاء، وصوتها يخرج بصعوبة وكأنها تحاول استجماع شجعتها الهاشه: هتفهم كل حاجة، مش أنت عايز تعرف أنا هربت ليه وبعيط ليه؟ هقولك، بس نفذ كلامي الأول.

هز رأسه بتعجب، ونبرته بدأت تفقد هدوءها: وإيه دخل نقل أهلك بهروبك؟!

صمت فجأة، وحدق فيها بقلق صريح، كأن خيطا أخيرا اتصل في ذهنه، اقترب اكثر، وصوته انخفض وهو يسأل بحذر يخالطه خوف: ماسة، هو أنتِ متهددة بأهلك؟!

كان السؤال في حد ذاته اعترافا بأن ما تخشاه قد يكون أعمق بكثير مما تصور.

خفضت عينيها، وشبكت أصابعها بقوة، كأنها تحتمي بها: هقولك بس بعد ما تتصل بمكي وتنقل أهلي مكان آمن...

رفعت نظرها إليه بحذرٍ مرتجف: حتى الحراسة تكون ناس بتثق فيهم، زي مكي.

زفر باختناق، وصدره يعلو ويهبط بغضب مكبوت: أكيد مش هفضل قاعد كده، مستني ومش فاهم حاجة!

نظرت إليه بعينين ممتلئتين خوفا، وقالت بإصرار يرتجف، وهي تمسك يده برجاء:مش هقولك غير لما أطمن عليهم.

تشبثت بيديه أكثر، ونظرت داخل عينيه مباشرة، صوتها متكسر: سليم، وحياتي متغضتش عليا أكتر من كده، واعمل اللى بقولك عليه..

ابتلعت دموعها: أنا والله ما قادرة، واللى فيا مكفيني.

زفر بضيق، وأدار وجهه بعيدا وهو يتمتم: لا حول ولا قوة إلا بالله، يا صبر أيوب.

ثم أضاف بعد لحظة، باستسلام ثقيل: حاضر يا ماسة، حاضر.

تناول هاتفه من فوق الكومود، ونهض بعصبية، وقعت عيناه على بنطاله الملقى على الأرض، فارتداه على عجل، ثم ضغط الرقم بعد لحظات صمت مشحونة: مكي، أنت فين؟

جاءه صوت مكي ناعسا من الجهة الأخرى: في الاستراحة.

سليم بحسم لا يقبل نقاشا: طيب، فوق حالا وروح خد أهل ماسة، وانقلهم مكان آمن.

نهض مكي محاولا الاستيعاب بتوتر:  مكان آمن إزاي؟ في إيه يا سليم؟

شد على الهاتف، ونبرته قاطعة: اعمل اللي بقولك عليه بس، وخلي التأمين عليهم قوي، النملة متدخلش.

مكي بقلق: أنت قلقتني يا سليم، في إيه؟

قال بضجر واضح: يلا يا مكي بس، وبعدين هبقي اقولك.

مكي مستسلما: حاضر.

أغلق الهاتف والتفت إليها، صوته خرج مخنوقا بالغضب والقلق: يلا، اتكلمي بقى، متسيبينيش كده…

هزت رأسها، والدموع تلمع في عينيها بإصرار: قولتلك مش هتكلم غير لما أطمن إن أهلي في مكان آمن.

زفر بضيق، وأدار وجهه قليلا محاولا السيطرة على نفسه: طيب…

صمت لحظة، فقالت وهي تشير بيدها نحو الحمام: روح خدلك دش لحد ما مكي يتصل، وراوية كمام تكون جابت اللبس.

نظر إليها باستغراب: هو ده وقته؟!

نظرت له، بتاكيد رغم الحزن:  أيوه وقته، يلا.

زفر وهز رأسه بإيجاب، واتجه إلى المرحاض عل الماء يطفئ النار المشتعلة في صدره.

في تلك الأثناء، أمسكت ماسة هاتفها واتصلت بوالدتها: صباح الخير يا ماما، أنتِ صاحية؟

جاءها صوت سعدية من المطبخ: أيوه، وبحضر الفطار لأبوكي.

ماسة بارتباك: طيب بصي، مكي جاي دلوقتي روحي معاه أنتِ وبابا وإخواتي المكان اللي هيوديكم فيه، وخدوا بالكم من نفسكم.

سعدية بتوتر: مكان إيه يا ماسة؟ 

ماسة بترقب: مكان آمن…

سعدية بفطنه تسألت: انتِ حكيت لسليم.

ماسة بتأكيد: لسه هحيله.

ساد صمت قصير، ثم قالت سعدية: ربنا يسترها عليكم يا بنتي.

أغلقت ماسة الهاتف، وجلست على الفراش تحاول أن تبدو متماسكة، أغمضت عينيها، وأخذت شهيقا عميقا ثم زفيرا بطيئا: أهدى، اهدى، اللي بتعمليه صح، متخافيش اهدى يا ماسة

ثم أعادت على نفسها كلمات الطبيب بصوت مرتجف: لازم تقوليله، هو هيقدر يحميكي، ويحمي اهلك، وأنت هتقدري تحميه من غضبه ومن نفسه، مش هتفضلي طول عمرك عايشة معذبة تحت رحمة الخوف لازم تحطي حد، كفايه مش كل شويه حد فيهم يجي ويهددك انتِ واهلك اتكلمي ياماسة.

سقطت الكلمات ثقيلة على قلبها، وهي تضم نفسها وتنتظر خروجه من المرحاض وعيناها معلقه على الباب.

أما سليم، فكان واقفا تحت الدش، الماء ينساب على جسده، وعقله يعج بالأفكار، كان يشعر أن ما ستقوله ماسة أكبر من أي شيء مستعد لسماعه.

على إتجاه اخر عند  سعدية

بعد أن أغلقت مع ماسة، تحركت بخطوات سريعة إلى الطابق العلوي، كان مجاهد جالسا على سجادة الصلاة، غارقا في صلاته، فجلست تنتظر بصبر مشوب بالقلق.

وما إن انتهى حتى اقتربت منه وقالت بصوت منخفض لكنه حاسم: مجاهد قوم أنا هصحي العيال، وهحضر كام هدمه لينا، علشان هنمشي.

رفع رأسه ببطء، وعيناه تعكسان دهشة ممزوجة بترقب: نمشي فين؟ ولية؟!

سعدية بتوضبح متوتر: ماسة كلمتني، وقالت إنها هتحكي لسليم كل حاجة، وعايزانا نروح مكان آمن، ومكي هييجي ياخدنا.

سكت مجاهد لحظة، ثم قال وهو يهز رأسه بيقين: زين ما عملت والله.

تحركت سعدية فورا، وأيقظت أبناءها واحدا تلو الآخر، ثم جمعتهم في الغرفة مع مجاهد.

عمار وهو ينظر حوله بعدم فهم: أنا مش فاهم، نمشي ليه؟ ولا دي أوامر سليم بيه؟!

ردت سعدية بحزم لا يقبل نقاشا: لا دي أوامر أختك.

سلوى بهدوء حاولت أن تبثه في الجميع فهي بطبع فهمت لماذا تريد ماسة أن تجعلهم يتركوا المكان: يا عمار، أنا فاهمة خلينا نمشي دلوقتي.

تساءل يوسف بقلق: هو في إيه؟ أنتم مخبين علينا حاجه؟!

تدخل مجاهد بنبرة قاطعة: مش وقته يلا، خدوا لبسكم والحاجات المهمة بس.

عاد عمار يتساءل بانفعال مكبوت: بس فهموني!

سعدية وهي تجمع الملابس: يلا يا ابني، الله يخليك، مفيش وقت.

وبالفعل بدأوا بتجهيز الحقائب على عجل، بينما كان القلق واضحا في العيون، ثقيلا في الصدور.

بعد الانتهاء، جلس مجاهد وسعدية في الصالة بانتظار القادم…

لم يمر وقت طويل حتى سمع صوت طرق خفيف على الباب.

فتح مجاهد، فوجد مكي واقفا: صباح الخير.

مجاهد: صباح النور يا ابني.

نظر مكي إليهم نظرة فاحصة وقال: شكل سليم بلغكم.

سعدية بهدوء متماسك: ماسة كلمتنا.

مكي بثبات، رغم انه لا يفهم شيء وقلق: طيب، أنتم جاهزين؟

سعدية: أيوه.

ثم رفعت صوتها قليلا: يلا يا ولاد!

خرج الأبناء واحدا تلو الآخر. نظر إليهم مكي وقال: اتفضلوا.

سأله عمار وهو يتحرك نحو الباب: هنروح فين؟

ابتسم مكي ابتسامة خفيفة لا تخلو من الجدية: هتعرف في الطريق، يلا بس.

تحركوا جميعا، وصعدوا إلى السيارة، بينما ظل البيت خلفهم صامتا، كأنه يودعهم على عجل، دون أن يفهم هو الآخر ما الذي يحدث.

جناح رشدي ومي 

كان رشدي نائما على الأريكة ببدلته، جسده مطوي في وضع غير مريح، ساق متدلية وذراع محشورة أسفل رأسه فالأريكة أقصر من قامته بكثير.

في الجهة الأخرى داخل الغرفة، كانت مي تغط في نوم عميق، وما زالت ترتدي فستانها، شعرها مبعثر وملامحها مرهقة.

تحركت جفونها ببطء، وتأوه خافت خرج من صدرها وهي تشعر بألم في جسدها.

فتحت عيناها ببطء، نظرت من حولها باستغراب، حتى وقعت عيناها على انعكاس صورتها في المرآه بفستان زفافها، فاعتدلت في جلستها، وضعت يدها على فمها بصدمة: يا ربي أنا نسيت؟!

فقد نسيت انها تزوجت ورشدي بالخارج. 

شعرت بألم في معدتها، حاولت تجاهله، ولكنه اشتد عليها بمرور الوقت، فاتجهت إلي حقيبتها وابتلعت قرص من الدواء، ثم اتجهت نحو الدولاب، خلعت الفستان بسرعة وارتدت بيجامة، وجلست تفكر في حل، فهي تريد الذهاب إلي الحمام ولكن تفكر كيف تفعل ذلك دون أن يشعر رشدي بها.  

زفرت بقلق، وتحركت من مكانها بحذر، واتجهت نحو الباب، فتحته فتحة صغيرة،
جدا، ومدت رقبتها، فوجدت رشدي نائما بذلك الوضع، فاغلقت الباب مره أخري، وقلبها يخفق بقوة.

استندت على الباب وقالت بهمس: أعمل إيه دلوقتي، ما أنا لازم ادخل الحمام.

تنفست بقوة تستجمع شجاعتها، ثم تحركت إلي الدولاب أخرجت منه شيء، ثم عادت للباب مرة أخرى، فتحته ببطء شديد، وتسللت بخفة علي أطراف أصابعها حتى دخلت المرحاض وأغلقت الباب خلفها.

في تلك اللحظة، فتح رشدي احد عينا كثعلب الماكر فهو يشعر بها.

ارتسمت إبتسامة ماكرة على شفتيه وهو يتمتم لنفسه: هتروحي فين؟ ما أنا قولت هتيجي، هتيجي.

ضحك بخفوت: ماشي يا مي، استمتعي بالجولة؟!

اعتدل من نومه وهو يفرك رقبته متأففا بتعب: يا سلام على النوم اللي يكسر الضهر ده، كنبة ولا عذاب

بعد قليل، خرجت مي من المرحاض، تتحرك بحذر، تكاد لا تلمس الأرض، وقبل أن تمسك بمقبض الباب، اندفع رشدي نحوها، وأمسكها بقوة وضمها إليه، فصرخت بفزع: رشدي! لا! استنى.

احكم قبضته عليها بوعيد: لا إيه؟ ما أنا قولتلك، مسيرك تيجي يا ملوخيه تحت المخرطه، والله لاخد حقي منك تالت ومتلت، بقي انا تنيميني على الكنبه يا مي؟!

حاولت الافلات من قبضته، وهي تقول بارتباك: استنى بس هفهمك.

حملها فجأة بين ذراعيه، فتشبثت بكتفه تضربه بخفة على كتفه: بتعمل ايه نزلني! 

تحرك بها ثم وضعها على السرير، وهو يفك أزرار قميصه باستعجال، بينما كانت تبتعد بجسدها إلى الخلف: أنت هتعمل إيه؟!

اقترب منها بنظر خبيث كالفهد الذي سينقبض علي فرسته: هلعب معاكي عريس وعروسه.

شهقت، واستطاعت الفرار للجهه الأخري من الفراش، وقالت: ما هو شغل المتحرشين بتاعك دى هو اللى خلاني أعمل كده امبارح.

التف حول الفراش يحاول الإمساك بها وهو يتوعد: أنا بقى هوريكي شغل المتحرشين اللي بجد.

ركضت للجهه الأخري، تحاول الفرار منه، وقالت بعيون دامعه: استنى بس والله ما هينفع.

رشدي بسخريه وقحه: بتعيطي ليه دلوقتي، أنا لسه مجتش جمبك علشان تعيطي!

صرخت بحدة وخجل: يا قليل الأدب أنا بعيط علشان بطنى بتوجعني.

مد يده محاولا استرضائها: سلامتك يا مشمش، أنا عارف التوتر بيعمل أكتر من كده، تعالى بس وأنا هضيعلك التعب دى كله دلوقتي.

انكمشت على نفسها، وقالت بنبرة متألمه صادقه: استنى والله ما هينفع بجد، أنا بجد تعبانة.

اقترب منها يحاول الإمساك بها: والله صدقيني أنا تعبان أكتر منك.

صرخت وقالت بغيظ: أنا تعبانه بجد يا قليل الأدب.

حاولت الفرار، ولكن تعثرت قدامها فسقطت على الفراش، فانقض عليها بحركه مباغته، يحاول استغلال الفرصه وأحكام سيطرته عليها: مسكتك، والله ما هسيبك.

هزت رأسها بارتباك: والله بجد ما هينفع أنا تعبانه.

اقترب منها يحاول تقبيلها: أنا هخففك متخافيش.

دفعته من صدره: لا يا رشدي بجد، انا تعبانه، تعب بنات.

توقف فجأة، وحدق فيها باسنخفاف: وانا عندى تعب ولاد، إيه تعب بنات دى!

ردت بحدة خفيفة: بلاش غباء يا رشدي.

قرب وجهه قليلا وهو يضيق عينيه بشك: أنتِ بتحوري يا مي؟!

هزت راسها عددت مرات: والله لا، بجد تعبانه.

نظر لها بشك: مش مصدقك؟!

رفعت عينيها نحو بطفوله: هكدب عليك ليه؟

صمت لحظة، ثم ضرب كفا بكف وهو يتنهد بضيق: بالذمة دى وقته، مقولتيش ليه؟

صاحت به: انت اللي نحس كان لسه أربع أيام، وبعدين مش أنت اللى كنت عايز تتجوز في أسبوع، هو أنا يعنى اختارت.

تأفف بحسره: هو حظى فعلا أنا عارفه، يعنى حتى لما نويت اعملها في الحلال، يبقي دى جزاتى. 

استدار مبتعدا وهو يتمتم: نامي يا مي، أنا مش طايقك، ضيعتي عليا اللحظة.

نظرت إليه باستغراب وهي تقول بتزمر طفولي: بتزعقلي ليه؟ أنا مالي؟

قال وهو يخلع الجاكيت: مش بزعق، بعبر.

اخرجت شفتيها للخارج: عبر من غير زعيق.

ضحك رغما عنه، وتمدد على السرير على ظهره:
 طب نامي

اقتربت منه تتساءل بحذر: أنت هتنام هنا؟

أشار إلى الأريكة بإرهاق: أمال أنام فين؟ ضهري اتكسر من النوم على الكنبة.

ثم خفف نبرته: نامي يا مي الله يهديكي، أنا زي أخوكي خمس أيام.

اطمأنت قليلا، لكنها ما إن اقتربت حتى شدها من كتفها بخفة، لتجد نفسها داخل أحضانه، ارتبكت وحاولت الابتعاد، ولكن شدد عليها داخل أحضانه، وأغمض عينيه وقال بهدوء: نامي يا مشمش، أنا رشيده دلوقتي.

ضحكت رغما عنها، وكانت منكمشة على نفسها في البداية، مترددة في مواجهة مشاعرها، لكن شيئا فشيئا استسلمت، واقنعت نفسها أن هذا الرجل الذي معها ليس مجرد زوج، بل حبيبها الحقيقي، بدأ قلبها يهدأ تدريجيا، حتى غاص في ثبات عميق، كأنه يجد ملاذه الأخير.

هو الآخر، سكن للحظة ينظر إليها بتأمل، وابتسامة نصف جانبية ترتسم على شفتيه، ثم أغلق عينيه ونام، تاركا لحظة الصفاء تغمر المكان، حيث صمت الغرفة يحتضن قلبيهما معا.

جناح سليم وماسة

كانت ما زالت ماسه تجلس في مكانها تحاول ترتيب انفاسها واستجماع قوتها، لكي تخبر سليم بكل ما اخفته لسنوات، وبعد دقائق جاءت راوية ومعها الملابس، اخذتها منها واقتربت من باب الحمام، وفتحت الباب قليلا: سليم راوية جابت لبس، أجيبهولك هنا؟

نظر إليها وقال باقتضاب: لا، هلبس بره.

هزت رأسها بإيجاب، وخرجت لترتدي ملابسها، وبعدها خرج سليم هو الآخر، وقد ارتدى ملابسه، لكن التوتر كان يملأ المكان.

جلس على المقعد واتصل بمكي: أيوه يا مكي، وصلتوا لفين؟

مكي بسيارته: هوديهم مزرعة منصور، محدش هيخطر بباله إنهم هناك، وهسيب عشري ورجالة عرفان وصبحي معاهم.

هز سليم رأسه بإيجاب: تمام لما توصل كلمني.

بعد وقت قليل جاءه الاتصال: وصلتوا ؟!

مكي بهدوء: وصلوا وبخير.

هز رأسه بإيجاب، وصوته خرج متماسكا رغم القلق:
كويس يا مكي، خد بالك منهم.

أغلق الهاتف، ثم اقترب من ماسة، ووقف أمامها مباشرة، عيناه لا تحيدان عنها: عيلتك دلوقتي في أمان، يلا اتكلمي.

أخذت نفسا عميقا، كأنها تجمع شتات شجاعتها، وقالت بصوت بدا ثابتا، رغم العاصفة التي تعصف بداخلها: هقولك أنا ليه هربت.

توقفت لحظة، خرجت كلماتها بين دموعها بتلعثم مرتبك: أنا مهربتش علشان زعلانة منك، ولا علشان حياتنا مش عاجباني  أبدا...

رفعت رأسها أكثر: أنا هربت لأنهم هددوني بأهلي..

اتسعت بحقيقة توجعها، ولكنه تساءل: مين دول اللى هددوكي؟!

نظرت إليه، وعيناها تمتلئان بالألم والخذلان: أهلك.

ظهرت الصدمه جليه على وجه وهو يحاول استيعاب ما قالته!؟

اما هي فكادت الكلمة تختنق في حلقها، فابتلعت الغصة المرة، واستجمعت ماتبقى من شجاعتها، ثم قالت بصوت واهن لكنه مصمم: هددوني...

أخذت نفسا عميقا، وقالت بأنفاس مرتجفة: هفهمك كل حاجة.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة