رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثالث والعشرون 23 
بقلم ليله عادل



{ بعض الحقائق حين نعرفها، لا تكون معرفة بل صدمة.
صدمة تجرح القلب وتترك فيه أثرا لا يندمل، ليست كل الحقائق خلقت لتعرف أو تكشف؛ أحيانا يكون الجهل بها رحمة، لأن الحقيقة حين تنكشف كاملة، قد تدمر كل شيء، وما يأتي بعدها يكون أخطر...}
            
            الفصل الثالث والعشرين🤫❤️ 

           [بعنوان: صدمات لا تُشفى]

أخذت نفسا عميقا، ثم قالت بأنفاس مرتجفة: هفهمك كل حاجة.

نهضت من مكانها وبدأت تتحرك داخل الغرفة بخطوات غير ثابتة، كأنها تتشبث بما تبقى لها من شجاعة بالكاد تكفيها للاعتراف بأشياء قادرة على قلب حياتهما رأسًا على عقب.

أما سليم، فكان يتابعها بعينين مذهولتين، صامتا تماما لا ينطق، يراقب فقط، لكن القلق كان ينهش داخله؛ إحساس ثقيل يخبره أن شيئًا كبيرًا، وربما مخيفًا، على وشك أن يكشف.

التفتت إليه فجأة، وعضت شفتيها، وقالت بصوت مهتز: في الفترة إللي كنا زعلانين فيها من بعض، لما كان عندي اكتئاب..

ابتلعت ريقها تابعت: كنت بسمع كلام غريب عنك، إنك رجعت لشخصيتك القديمة، وإنك بتقتل ناس، وبتخبي حاجات...

توقفت لحظة، ثم أضافت بتعجب: كنت ساعات بحس إنهم بيتعمدوا يسمعوني الكلام ده قصد.

رفع عينيه ببطء تسأل متعجباً: هما مين دول؟

ردت بنبرة محشرجه، وكأنها تخشى التراجع: فايزة هانم، وصافيناز، وأحيانا ياسين وفريدة، وعزت باشا، ورشدي...

ثم هزت رأسها وتابعت بحيرة: في الأول مكنتش بركز، بس... بس الكلام كتر اوي فى الفترة الأخيرة...

نظرت إليه بعينين موجعتين: وأنت وقتها كنت متغير معايا، وكنت عصبي، بس والله عمري ما صدقت إن كلامهم حقيقي...

توقفت، ثم قالت بصوت خافت: لحد اليوم إللي سمعتهم بيقولوا لبعض فيه إن سليم النهارده هيقتل واحد، ولازم يبعتوا وراك رشدي؛ علشان يلحقك قبل ما تقتل الراجل اللي خسرك المزاد...

عقد بين حاجبيه وقال بدهشه: اخذ مني المزاد؟ مزاد ايه؟! ومين دول اللي قالوا الكلام ده؟!

أومأت برأسها بتفسير: صافيناز وفايزه هانم.

نظرت إليه نظرة موجعة موضحه: أنت في اليوم ده حكتلي إنك خسرت مزاد فعلاً بتاع السويس، بسبب المشكله إللي كانت بينا قبلها.

سليم بنبرة مندهشه، وهو مازال غير مدرك: كملي.

اخذت نفسا عميق تابعت: اليوم ده قررت أحط نهاية لكلامهم..

رفعت رأسها بثبات مرتجف: كنت عايزة أفهم ليه بيعملوا كده، وليه عايزين يسمعوني الكلام ده...

صمتت لحظة، ثم قالت: وقتها أخدت القرار، وقولت لازم أشوف بعيني اللي بيقولوه ده حقيقه ولا مجرد كلام وخلاص..

مال بجسده للإمام، وخرجت كلماته بصعوبه وصدمه: أنتِ عايزة تفهميني إنك خرجتي من القصر؟

رفعت عينيها إليه، وقالت بهدوء ثقيل متلعثم: أيوه خرجت.

قاطعها بصدمه فهو لم يصدق انها ستطاعت الخروج: أزاى!؟ أنا راجعت الكاميرات اليوم دى ومشوفتش خالص إنك خرجتي!؟

اشارت له بيدها، وقالت برجاء: هفهمك كل حاجة، بس سيبني أكمل.

أومأ برأسه ببطء، وهو يمسح فمه بكفه، يحاول استيعاب ما يسمعه، يشعر أن هناك أشياء لم تخطر على باله قط، أشياء أثقل مما يحتمل على وشك معرفتها.

تنفست ماسة بعمق، قالت بتوضيح: اللي حصل يومها، إني كنت قاعدة عادي في الصالون..

رفعت كتفيها بتوتر: سمعتهم بيقولوا الحق يا رشدي، سليم هيقتل الراجل بتاع المزاد ومش راضي يعقل، وكلام من النوع ده، وقتها قولت لا بقى كده كتير أنا لازم افهم هما بيعملوا كده ليه؟!

ابتلعت ريقها:خرجت للجنينة، وفضلت ألف شوية، أعمل نفسي بعمل حاجة، أول ما رشدي نادى على الحارس اللي واقف جنب عربيته جريت، فتحت شنطة العربية اللي ورا واستخبيت جواها.

صمتت لحظة، ثم أكملت: فضلت مستخبية لحد ما العربية وقفت في مكان شبه مقطوع، فضلت واقفه مستنيه..

زفرت بأسف وهو تزم شفتيها: ساعتها ندمت، المكان كان فاضي، وخوفت.

رفعت رأسها فجأة، وعيناها اتسعتا بتوتر: لحد ما فجأة لقيت عربيتك جاية بسرعة، بتجري ورا عربيه تانيه كأنك بتطاردها، استخبيت على جنب، لحد ماعديت، وبعدين أنت قطعت عليه الطريق...

تجمد صوتها قليلا بهتزاز: ونزلت من العربية، ونزلته وانت رافع عليه مسدسك.

ارتجفت صوتها وبدأت ان تهبطت دموعها  وهي تواصل: سمعته بيقولك يا سليم بيه حرام عليك ارحمني، سيبني عندي عيال، أنا هقولك كل حاجة...

نظرت إليه مباشرة بلوم مرير: بس انت مرحمتهوش وموته، وأنا شوفتك.

اتسعت عينا سليم بصدمة، وأشار إلى نفسه دون وعي، وقال بنبرةٍ محشرجةٍ بالكاد تُسمَع.: أنا موته؟!

أومأت بنبرة مكتومه بتأكيد: أيوه، شوفتك بتموته.

مسحت دموعها بأنملها وهي تتابع: بس قبل ما أصرخ رشدي جه من ورايا، وكتم نفسي، وقالي متنطقيش، لو سليم حس بحاجة هيقتلنا، وبكره هفهمك كل حاجة.

خفضت رأسها بمرارة: روحت يومها، وفضلت أعيّط، وأنا مش فاهمة حاجة...

رفعت نظرها إليه: وأنت لما رجعت، كنت تعبان وأنا سألتك استعملت مسدسك؟ كان نفسي تتكلم وتحكيلي بصراحه.. 

ابتسمت بألم وخذلان: بس أنت كدبت عليا وقولت إنك مستعملتوش.. 

كان يستمع لها سليم بصدمه، بعقل يرفض التصديق، ظل صامتاً للحظات يحاول استعاب ثم قال أخيرا، بصوت ثابت: أنا فاكر اليوم ده كويس، بس انا فعلا يا ماسة مقتلتهوش، أنا مكدبتش عليكي، والله ما قتلته.

نظر إليها بجدية وصدق أضاف: أنا أه نزلته من العربية، وهددته بالمسدس، بس قبل ما يتكلم...

شد فكه تابع بضجر: فجأة، رصاصة جات من ناحية تانية، وخلصت عليه، مش أنا اللى قتلته!!

نهض من مكانه اقترب حتى توقف امامها، وسألها: أنتِ كنتِ واقفة فين؟

أشاحت بنظرها قليلا، كأنها تتذكر ثم نظرت له وقالت: مش بعيد أوي كنت واقفة وراك، شايفة ضهرك، والصوت كان مسموع شوية؛ علشان المكان كان هادي.

ضحك ضحكة مريرة قصيرة، بلا أي مرح فيبدو انه فهم اللعبه قليلا: وقفوكي في المكان المثالي...

نظر إليها بعمق وكأنه يفسر لها: عشان تشوفي اللي هما عايزينك تشوفيه يا ماسة..

نظرت له بين دموعها بعدم فهم: يعني ايه؟!

هز رأسه بلا، صوته خرج متقطعا لكنه صادق موضحا: يعني أنا مقتلتش حد، أنا فجأة لقيت عربية بتطاردني، ساعتها طاردته، ونزلته من العربية، هددته علشان أعرف مين اللي وراه..

صمت لحظة، وثقلت أنفاسه، كأنه يعود للمشهد ثانية وأصل مفسرا: وكان خلاص هيتكلم، وقالي هقولك كل حاجة، وقبل ماينطق، جت رصاصة من اتجاه تاني، خلصت عليه في ثانية، وأنا وقتها جريت ورا اتجاه الصوت، بس للأسف موصلتش لحاجة..

رفع عينا صوبها، كانتا مليئه بخوف قديم حاول أن يدفنه، تابع بنيرة موجوعه: ساعتها خوفت أقولك، محبتش أزعلك وأقولك إن حياتي على كف عفريت، ولا إن العصابة تقريباً لسه بتطاردني، وكل ما احس إني خلاص قربت أمسك طرف خيط، الاقيه فجأه يتحول لسراب.

ابتسم ابتسامةً مكسورة، تحمل مرارة اعترافٍ متأخر، وكأن كل ما حاول إنكاره طويلاً قرر أخيرًا أن يطفو على السطح تابع: كنت فاكر إني لو سكت أبقى بحميك، طلع سكوتي هو اللي كسرك، وخلاهم يوصلولك.

هزت ماسة رأسها بإيجاب، وارتسمت على شفتيها إبتسامة جانبية مُرة، ساخرة من وجعها: اه ما أنا عرفت ده بعدين…

صمتت لحظة، ثم أضافت بصوت خافت موجوع: عرفت بعد كده إنهم هما اللي عاملين كل ده قصد.

قطب حاجبيه باضطراب وعدم فهم: أنا مش فاهم حاجة؟

أخذت نفسا عميقا، وجلست على الأريكة، وكأن جسدها لم يعد يحتمل الوقوف اكثر، قالت بتعب: هقولك كل حاجة تعال اقعد..

تحركا وجلس بجانبها على حافة المقعد، جسده مشدود، وعيناه لا تفارقانها، كان متأكداً أن ما سيأتي بعد ذلك، سيقلب عقله وقلبه رأساً على عقب، بينما قلبه كان يشتعل بنيران لكن حاول الثبات 

أكملت ماسة بنفس الوتيرة، وهي تمسح دموعها: فضلت اليوم ده خايفة ومضطربة، مستنية بكرة ييجي بسرعة، علشان رشدي يفهمني زى ما قالي، وبعد ما أنت مشيت، بعتلي رسالة وقال إنه عايز يقابلني في أوضة ياسين.

رفع حاجبه معلقا بتعجب: أوضة ياسين؟

أومأت بوجع مفسرة: أيوه ما هي دي الأوضة اللي كانوا دايما بيكلموني فيها.

تنهدت وقالت: المهم، روحت، وكان مستنيني...

صمتت لحظة، كأن الذكرى أثقل من أن تقال، حاولت أن تتمالك نفسها، وتثبت صوتها تابعت: ساعتها قالي إنهم هما اللي كانوا بيسمعوني الكلام ده قصد...

نظرت إليه بألم: وإن حتى اللي حصل امبارح هما اللي دبروه، هما اللي سهلولي أركب العربية وأخرج بره القصر، رشدي نادي الحارس مخصوص عشان اعرف اركب العربيه، وهما اللي قفلوا الكاميرات، كانوا عاملين حساب كل حاجه...

صمتت ثانية، ثم قالت: قالي إنهم بقالهم فترة بيعملوا كده عشان يعرفوني حقيقتك.

رد بنبرة مكتومة، كأنها خرجت من صدره لا من فمه: حقيقتي ؟!

نظرت إليه مباشرة، والدموع تحرق عينيها، ونبرتها خرجت مرتعشه: قالي إنك قاتل، ومافيا، وبتشتغل في كل حاجة حرام وضد القانون..

شهق واتسعت عيناه بصدمه، شعر وكأن صاعقه ضربت عقله وجعلته عاجز عن العمل أو استيعاب ما تسمعه أذناه: إنتي بتقولي ايه؟!

ردت ماسة، وصوتها يرتعش بدموع: قالي كمان إنك بتتاجر في السلا"ح، والمخدر" ات، والأعضاء، وإنك قوا"د، وإن الحادثه اللي حصلت لنا وخطفي زمان، وموت بنتنا، كان بسببك، بسبب شغلك.

هز سليم رأسه بعنف، وهو يشير بيده غير مصدق كلمات خرجت بصعوبه: قواد! مين ده اللي قواد وتاجر أعضاء؟!

همست بتلعثم وهي تتحاشي النظر في عينه: أنت.

توقف وهو يصرخ بذهول: أنا؟! هو قالك إن أنا قو" اد وتاجر أعضاء؟! 

سارعت بالكلام باكية تحاول التفسير امسكت يده حتى تخفف عنه قليلا: والله ماصدقت، أقسم بالله ماصدقت، قولتله أنت كذاب، سليم مستحيل يعمل كده.

ابتلعت دموعها وخرجت كلمتها مرتعشة وهي تتحاشى النظر في عينه وكانها تخاف من ردت فعله تابعت: بس هو، وراني فيديوهات، وحاجات متسجلة، كنت بتتفق فيها مع حد وبتقوله كلام كده غريب

اتسعت عينا سليم، بصدمه كادت ان تخرج من محجرها بينما، تابعت على ذات الوتيرة: شوفتك وأنت ماسك بنت عندها 13 أو 14 سنة بتسلمها لواحد، وشوفتك واقف في أوضة عمليات قدام جثة، بتحشوها مخد"رات بعد ما سرقتوا أعضائها...

قال وهو يجلس متسافطًا بذهول: اللي إنتِ بتقولي ده… فيديوهات إيه؟!

فقد كانت صدمة سليم أكبر من قدرته على الاستيعاب كان يستمع إليها بعينين متّسعتين من الذهول، غير مصدق كم الأكاذيب التي حيكت ضده.

لكن لماذا؟ ولِمَ فعلوا ذلك؟ ولماذا قالوا في حقه تلك الأكاذيب؟

كاد عقله ينفجر من شدة الصدمة وتزاحم الأفكار،
كانت الصدمة أثقل من أن يحتملها، وأعمق من أن يفهمها سريعا…

أما ماسة فهزت رأسها، وتابعت تمسح دموعها، وكأنها تروي وجعًا طال كتمه: بس انا برضو مصدقتش، قالي مش مهم تصدقي، المهم تنفذي اللى عايزه منك، عايزك تخلي سليم يكرهك وتسيبيه، علشان يبقي مشتت، وقالي أنك لازم تهربي وتسيبيه، وهو هيسهلي كل حاجة.

فجأة أجهشت بالبكاء، وضعت يدها على فمها، وقالت بقهر لم تعد قادرة على كتمانه: وعلشان يضمن سكوتي، قالي لو اتكلمت أو حكيتلك هيأذي أهلي..

تابعت بصوت منكسر ومنهار تماما: ضرب بابا، ضرب بابا بالعربية، ووراني في الفيديو وهو بيضرب بابا بالعربيه.

ارتفعت عينا سليم نحوها بصدمة، فكانت كالصاعقة تكسر صموده من الداخل، وكأن العالم كله ينهار فوق قلبه قبل أن ينهار أمامه. ما يسمعه الآن أكبر بكثير مما يتخيل.

همس بصوتٍ مكسور من الصدمة: يعني الحادثة…

هزت رأسها ببطء بإيجاب، وكأن الحقيقة تخنقها، قالت بصوت مبحوح: مكانتش حادثة…

توقفت لحظة، رفعت عينيها إليه، والرعب ما زال ساكنهما، ثم انفجرت الكلمات من صدرها، بلا ترتيب: ومش بس كده، قالي إنه هيخلي رجالته يغتصبوا سلوى، وكان حاطط قناص على كل واحد من إخواتي، في المكان اللي هما فيه، حتى ماما كان هيقتلها، وفضلت اتحايل عليه يوقف..

أخذت تبكي بحرقة، كتفاها يهتزان بلا سيطرة، وكأن كل ما كتمته لسنوات انفجر دفعة واحدة.

ثم سحبت نفسا عميقا مرتجفا، ورفعت يدها تمسح دموعها بعجلة، تحاول أن تتماسك، ابتلعت غصتها بصعوبة، كان صوتها محبوسا في صدرها، لكنها أجبرت نفسها على إخراجه، وأكملت بصوت مبحوح مكسور لكنه صادق: ومن هنا بدأت رحلة العذاب، كل يوم تهديد جديد، وهما اللي ساعدوني في المرتين اللي مشيت فيهم..

تنفست بصعوبة: أول مرة اللي السواق حاول يغتصبني، والمرة التانيه اللي روحت فيها مرسى مطروح، بس المرة دي مسمعتش كلام رشدي، ركبت القطر لأني كنت خايفه يحصل فيا زي يوم السواق...

نظرت إلى الأرض:حتى وأنا عند ماما، مسابونيش ارتاح، هددوني بيوسف، وسلوى لما جتلي القصر رشدي حطلها سم.

ارتجف جسدها: حتى سلوى مسلمتش منهم، رشدي وصافيناز هددوها..

رفعت يدها إلى صدرها، كأن النار تشتعل داخله: أنا كنت عايشة في عذاب يا سليم، نار بتحرقني، أنا مكنتش بهرب منك يا سليم، أنا كنت بهرب من الخوف، من فكرة إني أتكلم فيحصلك حاجة، أو أفتح بقي فيأذوا أهلي بسببي.

مدت وجهها بارتجاف: وغصب عني صدقت حاجات،
لما قعد مع نفسي وفكرت..

نظر لها استغراب وكأنه يقول لها ازاي وليه؟! ردت على تلك النظره، بصوت مهزوم وعينين منهكتين: ما أنا فعلا اتخطفت زمان، وشوفت ناس بتتقتل قدام عيني، أنا نفسي اتعرضت لحادثة بشعه وبنتي اتقتلت، طبيعي اصدق انك كنت بتشتغل شغل مشبوه..

انكسرت تماما: خاصة اني شوفتك بعيني، أنا شوفت الآثار...

رفعت نظرها إليه بألم بخذلان ممزوج باتهام: وأنت ضحكت عليا وقولتلي دة تماثيل انتيكا..

كان سليم يجلس جامدا في مكانه، كأن الأرض اختفت من تحت قدميه. اتسعت عيناه بشكل غير طبيعي، وهو يحدق أمامه، كأن كل ما سمعه أصابه بالشلل.

فمه مفتوح قليلًا، لكنه لم يستطع نطق كلمة واحدة. قلبه يخفق بعنف، ينبض كأنه يريد الخروج من صدره.
الصدمة كانت ثقيلة عليه، تخنق كل حركة وكل نفس.

العالم حوله كان ينهار، لكنه لم يشعر به، فالكلمات التي خرجت من فم ماسة كانت كالرصاصة على قلبه؛ صمت، ممتدًا أكثر من أي صراخ، يحاول فهم ما حدث لكنه عاجز عن الاستيعاب.

لم يتوقع يوما أن تصل عائلته إلى هذا الحد من الجرم والفجور، أن يؤذوا زوجته بهذه الطريقة الوحشية، وهو الذي كان يظن أنه ممسك بزمام الأمور. بات الآن يعرف أنه مغفل، ضائع، وخُذل.
كل خيط من ثقته بالعالم انهار في ثانية، وكل جزء من قلبه ينبض بالخيانة والغضب معا.

شعر بالبرد يتسرب إلى عظامه، ووجهه يشتعل نارًا من مزيج الصدمة والغضب، بينما عقله يحاول ربط كل الحقيقة المفجعة التي خرجت لتوها من فم ماسة، لكنه فشل.
حين طال صمتها، نظر لها بعينين اغرورقتا بالدموع، وقال لها بنبرة ثقيلة تخرج بصعوبة: كملي… سكتي ليه؟

مسحت دموعها براحتي يدها، وأخذت نفسا عميقا: مفيش حاجة تانية ممكن أقولها، إلا إنه بعد ما خرجت، لقيت فايزة هانم وصافيناز واقفين بره.

وهنا كانت الصاعقة تحولت نظراته إليها فجأة، قاطعها بصدمة، فلم يتوقع أن تكون والدته تعرف ومشتركة معهم.

اتسعت عيناه بالذهول، وامتلأت بالدموع، وكلماته خرجت بصعوبة، متكسرة: فايزة هانم… ماما كانت عارفة؟!

هزّت رأسها إيجابا ببطء، كأنها تخشى صعوبة ماستقوله عليه، تدري أن كلماتها تهبطت على قلبه كطعنات قالت بنبرة مهتزة: أيوه وهددتني، وفضلت تقولي إني منساش نفسي، وإني قريب هرجع للمطبخ اللي جيت منه، وإني لو نطقت بكلمة أنا عارفة كويس هيعملوا فيا إيه؟! من اليوم ده بدأت رحلة العذاب زي ما قولتك.

رفع عينيه نحوها، صدمته لا توصف، عيناه مغرقتان بالدموع، وكلماته خرجت بخذلان كامل: يعني عايزة تقولي إن أمي كانت عارفة ومشتركة في اللي حصللك، وفي إللي رشدي قالهولك؟!

هزت رأسها ببطء: أيوه.

ضحك ضحكة جانبية، حزينة ومريرة، كأنها سخريه من الشيء الذي بات يظنه مستحيل وقد تم، هبطت دمعة حرة على وجنتيه اخيرا.

  نهض فجأة، وتحرك في الغرفة، بإبتسامة ساخرة ارتسمت على وجهه، قبل أن تتحول إلى ضحك عالي، ضحكة رجل مطعون في قلبه، ويقتحم روحه خنجر مسموم.

ضرب كفا على كف بعنف، وهو يضحك ضحكة مرة
من قلب مكسور، ضحكه تعكس كل الألم والخذلان الذي يعتصره، بينما جسده يرتجف من الداخل، ويبكي بصمت، كل دمعة محبوسة في قلبه، تتطاير مع كل ضحكتة المشوهة.

فمن الصعب عليه أن يستوعب أن والدته، حتى لو لم تكن علاقته بها على ما يرام، كانت على علم بما يهدد زوجته، وأن شقيقه قال عنه أكاذيب بعلمها موافقتها، شعوره بالخيانة كان كخنجر يغرز مباشرة في أعماقه، يخنقه، ويذبح ثقته بكل شيء.

نهضت ماسة، واقتربت منه ببطء، تشعر بوجعه، وكأنه بداخلها هي، حاولت وضع يديها عليه، لكنه أزاح يده بعيدا: إيه اللي حصل تاني؟

مسحت دموعها ببطء، وقالت: مفيش يا سليم، هو ده كل اللي حصل.

نظر لها بلوم، وكلماته خرجت بنبرة حاده غاضبه مكبوته: أزاي مقولتيش كل ده؟

ارتجفت وقالت بضعف بنبرة مكتومه من بين دموعها: خوفت.

تنهد بحزن وغضب مختلط وهو يهز رأسه: يعني إيه خوفتي؟ يعني ايه يا ماسة؟! وياتري مصدقة بقى كل الأكاذيب، إني قو"اد، وبتاجر في الأعضاء وكل القرف ده؟!

هزت رأسها، تنظر له بصدق: لا والله لا.

الدموع انسكبت على وجنتيه دون وعي، مصحوبة برعشة طفيفة في جسده كله، وكأنه لا يزال يحاول الهروب من الحقيقة التي تقف أمامه، الحقيقة التي قلبت حياته رأسا على عقب في ثانيه.

مرر يديه على شعره من أعلى رأسه، يشده بعنف وهو يضحك ضحكة مكسورة خارجة من صدر محروق يشعر أنه مغفل فأخيرا بات يعلم أنه أخطئ حين وثق في نفس لهذا الحد.

قال بثقل وضجر: وأنا اللي كنت فاكر إن محدش يقدر عليا، فاكرهم أغبياء! طلعت أنا اللي غبي وعبيط ومغفل! وادوني على قفايا، قدام نفسي قبل أي حد...

ابتسم نصف إبتسامة وجع بمراره وهو يتابع: كانوا بيقولوا عليا الملك! ده أنا محصلتش عسكري طيشه!

تقدمت نحوه بخطوات مترددة، وصوتها خرج منخفضا ومكسورا بتأثر على حبيبها الذي ينهار أمام عينيها، محاولة تهوين الأمر عليه قالت بنبرة حنونه داعمه: متقولش على نفسك كده يا سليم، أنت كنت هتعرف منين؟ متلمش نفسك.

التفت لها بعينين حمرا من القهر، وصوته خرج حاد ومبحوح في نفس الوقت قال من بين اسنانه: لا، كان لازم أعرف! كان لازم أفهم! بس أنا كنت غبي وأعمى!

هز رأسه بمرارة وغضب: عمري ما تخيلت إنهم يقدروا يعملوا فيكي كده!!

أشار نحو نفسه بعدم تصدق: كنت فاكرهم بيخافوا مني، وبيعملوا لي ألف حساب…

ابتسم نصف إبتسامة ساخره بمرارة: طلعت مغفل وواخد على قفايا! ويا عالم عملوا إيه تاني من ورايا، مش بعيد يكونوا هما اللي ورا الحادثة، وكل اللي حصل لنا، بإيديهم!

مسح دموعه بعنف، وكأنه غاضب حتى من ضعفه، صدره يعلو ويهبط وهو يشعر أن كل شيء من حوله يتحول إلى كابوس ثقيل، خانق، مفزع.

اقترب منها فجأة، وأمسك يديها بقوة، كأنها الشيء الوحيد الحقيقي في هذا الانهيار، فهو حتى الأن يتمنى أن ما قالته ماهو الا مزحه ثقيله، صوته انكسر وهو يقول برجاء: قولي إنك بتهزري، قولي إنك بتكدب عليا…

صمت لحظة، وكأنه أدرك الحقيقة قبل أن يسمعها، فهز رأسه ببطء: بس أنتِ مش بتهزري، إنتِ مش بتهزري، أنا مش قادر استوعب، كل دى كان كدبه ومسرحيه علشان يبعدوكي عني!! 

اضافت بضجر موجوع: طب ليه؟! أنا عملتلهم ايه علشان يعملوا فيا وفيكي كده؟! حاسس إني في كابوس مش عارف اقوم منه..

ابتلع ريقه بصعوبة، وصوته خرج موجوع تابع: أنا كنت حاسس إن في حاجة غلط، كنت حاسس بس مش فاهم ايه هي؟! كل حاجة كانت باينة، كل حاجة كانت بتسوقنا لهنا، بس أنا اللي كنت غبي وغروري عماني وخلاني استضعفهم، بس هما طلعوا قواي فعلا زي ماقولتي.

رفع عينيه نحوها، ووجعه كله اتجمع في جملة واحدة خرجت مكسورة من قلبه بوعد قاطع: بس ورحمة بنتي، لأدفعهم الثمن غالي..

نظر لبعضهما بضعف ودموع ثم امسكته من يديه وقامت بضمه وهي تبكي بحرقه، بينما بقي هو جامدا وعيناه متسعتان ترقرق بالدموع والصدمه.

ابعادها ببطء قال بعتاب: كان لازم تقولي لي يا ماسة، كان لازم تقولي لي، انا كنت هقدر احميكي واحمي اهلك، ليه سبتيهم يعملوا فيكي كده!!  

قالت بوجع وانهيار: خوفت، والله العظيم خوفت، مقدرتش.

رفعت عينيها إليه، وفيهما وجع سنين: كنت كل يوم بصحى وأنا مستنية مصيبة جديدة، وتهديد جديد، وأنا واقفة لوحدي، بحاول أبان قوية، بس من جوايا كنت مرعوبه.

ضغطت على أصابعها بقوة، وكأنها تمسك بما تبقى من نفسها: أنا مصدقتش كلامهم بس خوفت، والخوف ساعات بيغلب الإيمان، وبيخلي الواحد يعمل حاجات مكانش يتخيلها.

صمتت لحظة، أنفاسها متلاحقة، ثم همست وكأنها تعترف لأول مرة: أنا تعبت اوووي..

وضع يديه على خديها، وعيناه غارقتان في وجع لا اسم له، وصوته خرج مبحوحا كأنه اعتراف متأخر بانسكار وضعف وأسف: أزاي شيلتي كل ده في قلبك من غير ما تقوليلي؟!

صمت لحظة، ثم تابع بصوت أضعف وهو يبتعد ويشعر انه ضعيف:
بس انتي عندك حق، طبيعي متقوليش، هتقوليلي ليه؟ وأنا معرفتش أحميكي جوه بيتي، وسيبتهم يهددوكي ويعملوا فيكى كل دى وانا نايم على وداني.

هزت رأسها سريعا، ودموعها تنهمر بلا توقف: لا لا، يا سليم متقولش كده..

لكنه أكمل بوجع وصدمه وكأنه لم يستمع لكلماتها، فخرجت الكلمات منه كأنها نزيف: ليكي حق تبقي مش عايزة تكملي معايا، خوفتي على نفسك من الراجل اللي كنتي فاكرة حمايتك، وطلع مش قادر يحميكي لا منه ولا من أهله.

نظرت له بين دموعها مدت يدها تحاول إفاقته، وإيقافه عما يقول: لا يا سليم متقولش كده…

هز راسه بعجز وهو يبتعد خطوة للخلف، ومسح دمعة خانته رغما عنه بقلب ينزف: لا هقول، علشان دي الحقيقة، هددوكي وكسروكي في بيتي، فاهمة يعني إيه؟ يعني هما مش شايفيني أصلا، أنا بالنسبة لهم ولا حاجة ومستهيفني، كانت بقف قصادهم واقولهم محدش يقدر يأذي مراتي وهما نزلين 
طعن فيكي وكسروا نفسك في بيتي، وضحكوا عليا، أنا طلعت غبي وحمار ومش عارف احافظ على مراتي، لتانى مره تبقي بتموتي قدامي بالبطىء وأنا عاجز إني احميكي!! 

تنفس بعمق، وصوته انكسر: أنا مستحيل أسامح نفسي على اللي حصلك، ولا على اللي حصل لأهلك بسببي، ليكي حق تفكري ألف مرة قبل ما تدي واحد زيي فرصة، واحد مش عارف يديكي أمان، لا من نفسه ولا من أهله.

ضحك ضحكة موجوعة، ومرر يده على وجهه بعصبية: أنا حاسس إني مربوط بحبل، وكل شدة بتسحبني لتحت، في حفرة مليانة وجع وتعابين وضلمة.

ساد صمت ثقيل، ثم نظر إليها بعينين مكسورتين:
هو أنا ممكن؟

تردد قبل أن يكمل، وكأن الطلب يجرحه برجاء قال بضعف بعينين تلمع بدموع: ممكن اطلب منك طلب؟

هزت رأسها بالإيجاب، والدموع تنساب على وجنتيها في صمت موجع، لا تملك حتى القدرة على مسحها.

نظر إليها طويلا، نظرة رجل تُرك وحيدا في قلب العاصفة، كأن كل من حوله انسحب، وكأنها آخر خيط يربطه بالحياة، كانت الخيانة التي تكدست في صدره كفيلة بأن تقطع أنفاسه، بأن تسحق ما تبقى من صلابته.

تقدم خطوة، وصوته خرج واهنا، مكسورا، نبرة رجل خذلته الدنيا حتى آخرها، وقال بضعف وهو ينظر داخل عينيها كمن يتوسل النجاة: ممكن متسيبينيش؟ 

فور أن نطق سليم تلك الكلمة، اتسعت عيناها من الصدمة، فهي لم تتوقع أن تصدر منه تلك الكلمات وان ترى بذلك الضعف فغصه قلبها وجعا.

بينما هو واصل، وابتلع غصته بصعوبة، وأكمل بصوت يرتعش: كلهم طعنوني يا ماسة، أنتِ الوحيدة اللي بثق فيها..

خفض رأسه قليلا، وكأن الاعتراف ثقيل على كرامته: خليكي معايا علشان خاطري، اقفي معايا لحد ما أخد لك حقك منهم، وأفهم عملوا إيه تانى من ورايا؟ أنا مش هعرف أثق في حد تاني يا ماسة غيرك، أرجوكي خليكي معايا أنا مش هقدر لوحدى، ومن غيرك هضيع..

كانت تنظر إلى ضعفه وخذلانه، بوجع قطع نياط قلبها، رأت في ملامحه انكسارا لم تره من قبل، خذلانا بثقل السنين، بطعم الطعنات التي تركت آثارها على وجهه وروحه معًا.

فجأة سحبت يده، وشدته نحوها، واحتضنته بقوة، كأنها تحاول أن تنتشله من نفسه، ومن العتمة التي تبتلعه، ضمته بكل ما فيها من خوف وحب وحنان، وكأن جسدها صار ملجأه الأخير.

أخذت تمسح على ظهره بحنان موجوع، ودموعها تنهمر على كتفه، وقالت بصوت مرتعش، دافئ رغم الألم تحاول ان تطمئنه قلت بوعد: متخافش، أنا معاك مش همشي، مستحيل أبعد عنك أو أسيبك، أزاي بتطلب مني كده؟ أنا بحكيلك عشان أرتاح وأخلص من العذاب اللي جوايا.

شدت عليه أكثر، وكأنها تخشى أن ينهار بين يديها اضافت: مهما حصل ومهما الدنيا قست، أنا جنبك ومش هسيبك، أنت مش لوحدك يا سليم، وعمرك ما هتكون لوحدك.

دفنت وجهها بين عنقه، وهمست بأنفاس متلاحقه من بين شهقاتها: أحنا مع بعض، أنا لا يمكن أسيبك أبدا، أنت روحي يا سليم، والإنسان من غير روحه يموت.

وفي حضنها، للمرة الأولى منذ زمن، شعر أن الأرض تحت قدميه لم تعد تميد، وأن الخيانة، مهما كانت قاسية، لم تنجح في انتزاع آخر ما تبقى له "وجودها"

أبتعدت خطوه، وضمت وجه المرتعش بين كفيها  وهي تنظر داخل عينه برجاء قالت: سليم، تعالى نمشي ونسيب كل ده، ونروح سويسرا، تعالي ناخد أهلي ونبعد عنهم، سيبلهم المجموعة، وسيبهم يتحرقوا بيها وتعالي نبعد عنهم.

هز رأسه برفض بسرعه، وصوته كان قاطعا، حادا وهو يمسح دموعه بغضب مكتوم: استحالة يا ماسة، بعد اللي عرفته ده؟ استحالة، أنا لازم أنتقم منهم.

نظرت إليه بعينين مثقلتين بالدموع، وأمسكت يده كأنها تخشى أن يضيع منها، لم تكن تريد انتقامًا، كل ما تريده أن يكونا معًا، بعيدين عن أي مشاكل أو نزعات أو رغبات في الانتقام، فالعقاب لا يجلب إلا الوجع والندم.

خرج صوتها مكسورًا، لكنه صادق من أعماق قلبها: ليه ننتقم يا سليم؟ ليه ندخل نفسنا في صراعات ملهاش آخر؟ خلينا نرتاح ونمشي بعيد عنهم.

شدت على يده أكثر، وكأنها تستمد منها شجاعة اللحظة، ونظرت داخل بحور عينه برجاء كأنها تذكره بما تمنوا تحقيقه يوما واصلت بإبتسامة صغيرة: تعالى نحقق حلمنا، ونعيش بعيد عنهم ونحب بعض في هدوء، تعالى نوريهم إن حبنا أكبر من أي حاجة، وأكبر منهم ومن أذاهم.

توقفت لحظة تلتقط أنفاسها، ثم أكملت بحرقة: وإن الفلوس اللي هما هيتجننوا عليها؟ ملهاش أي لازمة بالنسبة لنا، تعالي نثبتلهم إن إحنا مش محتاجينها علشان نكون سعدا، إحنا محتاجين بعض وبس...

اقتربت أكثر، وجبهتها تكاد تلامس صدره بخوف وإرهاق، محاولة أن توضح مدى ما أرهقها من الأوجاع والمشاكل. لم تكن تريد إلا الراحة، وحياة صغيرة هادئة معه فقط.

واصلت بتفسير موجع: أنا تعبت يا سليم، تعبت من الخوف والتهديد والدم، عايزة أعيش مرتاحه، مش عايزة أفضل أجري طول عمري..

رفعت عينيها إليه برجاء وتوسل، كأنها تضع قلبها بين يديه: وحياتي يا سليم خلينا نمشي، قبل ما نفقد نفسنا أكتر، خلينا نختار بعض، مش الانتقام.

كان سليم يستمع إليها بوجه جامد، يفهم ما تريد، لكن وقت الغفران والانصياع قد انتهى.

فجاه ضحك ضحكة بسخرية جافة، ضحكة خالية من الفرح، مليئة بالمرارة والرفض أبعد رأسه قليلا، ونظر إليها بعينين محترقتين، وقال بنبرة حادة، تخفي وجعا أعمق: أنتِ فاكرة كل اللي عملوه ده عشان يبعدوكي عني وبس؟!

هز رأسه ببطء، وكأن الفكرة نفسها تهينه، وأكمل بسخرية أثقل بتفسير ودهاء: لا يا ماسة الموضوع أكبر من كده بكتير...

تنفس بعمق، وصوته أصبح أخفض، لكنه أشد خطرا، كأنه يحاول أن يفسر لها لماذا فعلوا بها ذلك، إلى الحد الذي تمكن من فهمه، ثم قال: دي مش لعبة غيرة، ولا حرب عيلة علشان جوازة مش على هواهم، دي حسابات ونفوذ وحاجات اتعملت في الضلمة من زمان..

نظر بعيدا لوهله، ثم عاد إليها بعينين يلمع فيهما غضب ممزوج بالمرارة: أنتِ كنتي مجرد المدخل، نقطة الضعف اللي فكروا إنهم هيدمروني منها..

توقف لحظة، ثم قال بصدق موجع: بس اللي حصل أكبر من إننا نمشي وكأن مفيش حاجه حصلت، في حق لازم يرجع، وسنين اتسرقت مننا لازم يدفعوا ثمنها..

صمت لحظه ثم نظر لها، وتساءل وهو يحاول جمع الخيوط: انتِ قولتي رشدي كان بيقولك بيعمل كده علشان ايه؟!

تنهدت وقالت مفسرة وهي تمسح دموعها: علشان تبقى متلخبط ومش مركز في شغلك وتخسر صفقات وتبان فاشل قدام الباشا.

قطب حاجبيه، وصوته ازداد ثقلا بعدم اقتناع: تؤ، أنا متأكد إن الموضوع أكبر من كدة، وله أبعاد كتير، انتِ بتقولي حتى الباشا معاهم وياسين وفريدة.

هزت رأسها مسرعه بتصحيح: أنا مقولتش إن الباشا معاهم ولا فريده وياسين، أنا بس كنت بسمع فايزة هانم بتكلم الباشا وبتقوله إنك بقيت عصبي ولازم يشوفوله حل معاك، حتى مره كلمته قصادي وقالت له هتكلمني اكلمك، وفعلا كلمتني يومها..

تنفست بعمق، وأكملت موضحه: فريدة وياسين نفس الكلام، بيطلبوا منهم يتكلموا معاك ويهدوك، إنما اللى كان ديما بيهددني هو رشدي، هو اللي كان بيكلمني دايما، وهو اللي خلى العربية تضرب بابا، وهو اللي حط القناصين... الاخواتي وماما والسم لسلوى

رفعت عينا إليها بثبات موجوع. هز رأسه، وقال بعيون تشتعل بالغضب، غير مقتنع بما يسمع: كان يشعر أن هناك شيئًا أكبر من كل ذلك، شيئًا ما زال خافيًا، ولا بد أن يعرفه، ثم قال: لا انا متاكد في حاجه تاني، عموماً، الباقي كله هيبان، المهم دلوقتي انك معايا.

ابتسمت ابتسامة باهتة مكسورة، وكأنها استسلمت لعناده، ومسحت دموعها بطرف يدها: أنت مصمم…

رفع عينيه إليها بثبات مُرهق، ثبات رجل استنزف حتى آخره، وقال بصوتٍ خافت لكنه صلب : أيوه محتاج أفهم أكتر... لازم اعرف عملوا ايه تاني احنا مانعرفهمش..

ثم أشار بأصابعه في الهواء بلا وعي، وغامت عيناه بسواد خطر، وقال بحسم لا يحتمل نقاشًا. هذه المرة، كان صوته أثقل من الغضب، صوت رجل يحمل داخله انتقامًا ورد اعتبار لا رجعة فيه.

قال بوعيد: وقبل ما أفهم أكتر، لازم يدفعوا التمن واحد واحد.

اقترب خطوة، وحدق فيها كأنها مرآته الوحيدة، عيناه تشتعلان بالغضب، وصوته صار أعمق وأشد: لازم يدفعوا تمن كل ثانية عشتيها فيها وجع وخوف… كل لحظة حاولوا فيها يكسرونا فيها، لازم يدفعوا ثمنها غالي! الموضوع ده مستحيل يعدي كده، مش بالبساطة دي يا ماسة… مش بالبساطة دي!
مش هنمشي كأنهم ما عملوش أي حاجة فيكي ولا حتى خطوة،  غير لما أدفع لهم الثمن! على كل حاجه عملوها فيك واحد واحد..

تابع بقرار بعينين مستوحشه بحسم: انا مش هكون الطرف المسامح بعد اللحظه دي.

ثم أخذ نفسًا عميقًا، عيناه لم تفارقهما النار، وكأن كل غضب العالم يتجمع داخله، وكل وعد بالانتقام محفور على قلبه: لم يكن مجرد كلام، كان صرخة من رجل لن يتسامح أبدًا.

تنهد  ثم تابع، وصوته انخفض قليلا بانكسار: أنا بس محتاجك معايا دلوقتي، لحد ما نوصل للحقيقة،  بس لو بعد كل ده حبيتي تمشي، و..

وقبل أن يكمل، وضعت يدها على شفتيه، كأنها تخشى أن تجرحها كلماته أكثر مما جُرحت بالفعل.

كانت تفهم ما يريد قوله، لكنها لم تتوقع أن ينطق به، خاصة بعد ما حدث معهما ليلة أمس.

عيناها تلمعان بالدموع، لكن صوتها خرج ثابتًا، دافئًا، مشحونًا بالوجع : بس يا سليم، أوعى تقول كده تاني.. اوعى.

هزت رأسها برفق، وكفها ما زال على فمه: أنا لما قولت نمشي، ما كانش عشان أسيبك، أنا بس كنت عايزة نعيش مرتاحين، علشان بقالنا سنين من ساعه الحادثه بنتوجع وبس..

رفعت يدها ببطء من على فمه، تنفست بعمق ونظرت داخل عينيه بصدق ووعد: إنما أنا معاك في أي طريق،  حتى لو الطريق ده كله شوك وكله سواد، انا معاك، طول ما إحنا مع بعض، بس أوعدني انك تاخد بالك من نفسك علشان خاطري،

تنهدت ونظرت داخل عينه تسألت: أنت ناوى تعمل إيه؟

هز رأسه ببطء، وعيناه شاردتان كأنهما تبحثان عن خيط وسط الظلام قالا بحيرة: مش عارف، 

ثم اضاف بصيغه السؤال: بس محتاج أفهم حاجة...

اقترب خطوة، وصوته انخفض: الفيديوهات...

اتسعت عيناها قليلا، وعاد القلق يزحف إلى ملامحها، وقبضت على يدها بقوة، كأن الاسم وحده يعيدها إلى الكابوس...

بينما صوته خرج متحفظا لكنه مشدود: إنتِ قولتي إنك شوفتي فيديوهات ليا، متأكدة إنها ليا أنا؟

أخذت نفسا عميقا، ومسحت وجهها، ثم جلست على مقعد، وكأنها تستعد لنبش جرح قديم: أيوه فيديوهات ليك..

جلس أمامها على طرف المقعد، مال بجسده نحوها، ونبرته خرجت هادئة رغم التوتر: طيب معلش يا ماسة، اشرحيلي كده واحدة واحدة كان فيهم ايه، يعني مثلا .. خلينا في فيديو البنت اللي قالوا فيه إني قواد، شوفتيني بعمل ايه؟

هزت رأسها، وقالت ببحه: كنت واقف في جنينة فيلا، ومعاك بنت شكلها حوالي 13 او 14 سنة، نزلتها من العربية وسلمتها لواحد وخدها.

تجمد لحظة، وقال بصدمه: كنت أنا يا ماسة؟ متأكدة؟

نظرت له بثبات موجوع: أه والله يا سليم أنت.
بس ملامح البنت مكانتش باينة..

أدار وجهه بعيدا،وهو يعض خده من الداخل، وأغمض عينيه، كأنه يعصر ذاكرته بيديه، عقله يدور، يبحث، ينبش ثم قال بضجر: أنا مش فاكر إني عملت حاجة زي دي خالص..

فتح عينيه فجأة ونظر لها قائلا وقال برجاء: حاولي تفتكري أي حاجة مميزة كان في صوت؟

هزت رأسها بنفي موضحه: كل الفيديوهات اللي شوفتها مكانش ليها صوت.

زفر باختناق، وكأن الخيط الذي كان يربطه بأي أمل ليصل لحل اللغز ضاع. ابتلع ريقه بضجر، ثم قال بسرعة، بصوت يفيض بالغضب المكبوت: طيب سيبك من ده،  خلينا في موضوع تجارة الأعضاء، شوفتي إيه بالظبط؟ كنت واقف في عمليات و ايه تاني.

مسحت وجهها بكفها قالت بنبرة متوترة بتفسير: شوفتك واقف قدام جثة، معرفش دي كانت إيه بالظبط، بس شكلها أوضة عمليات..

رفعت يدها  عايزك تلوح بها وهي تقول: وأنت كنت بتشاور بإيدك كده، كأنك بتقولهم يخلصوا بسرعة.

حدق في الفراغ، وضيق عينيه قليلا، كأنه يحاول يذكر، بعد لحظات هز رأسه ببطء كأنه تذكر شيئا، وفجأة ضحك ضحكة قصيرة موجوعة: خلاص .. خلاص عرفت..

رفعت عينيها إليه بترقب: عرفت إيه؟

نظر لها وهو يزفر مفسرا: المرة الوحيدة اللي حصل فيها حاجة شبه اللي أنتِ بتحكيه ده، كانت مع رشدي..

تشنجت ملامحها بتعجب قالت بصدمه: مع رشدي أزاى؟

أومأ، وقال مفسرا بنبرة مجروحه: قبل جوازنا بكام شهر رشدي فكر يدخل المجموعة في تجارة الأعضاء، قال بتكسب كويس..

ضغط على فكه، وملامحه اشتدت: أنا لما عرفت، روحت وقفته، دخلت عليهم في الأوضة دي...

رفع يده وقلد الحركة التي وصفتها، بسخرية مرة: والإشارة اللي شوفتيها؟كنت بقولهم وقفوا القرف ده..

((فلاش باك))

غرفة عمليات 

كانت الغرفة باردة، الإضاءة قاسية، وعلى الطاولة جثة رجل ممددة، أطباء يتحركون بسرعة مشبوهة، أيديهم تعمل بآلية، يفرغون الجسد من أعضائه، ويضعون مكانها أكياسا من المخدرات.

كان رشدي واقفا عند طرف الغرفة، وجهه جامد، صوته حادا وهو يستعجلهم: يلا بسرعة، خلصوا!

في تلك اللحظة، انفتح الباب بعنف، دخل سليم وخلفه مكي وعدد من رجاله، صوته دوى في المكان، جهوريا غاضبا: إيه اللي أنتم بتعملوه ده؟!

التفت رشدي فجأة، عينيه اتسعت للحظة قبل أن يحاول التماسك: سليم، اا

لكنه لم يكمل  كلمته، حيث جز سليم على أسنانه، قلب وجهه بغضب مكتوم، وفي ثانية واحدة كانت قبضته تهوي على وجه رشدي بقوة، حتى القته أرضا وسط صدمة الجميع.

انحنى عليه سليم قليلاً، وصوته خرج منخفضا لكنه أخطر: أنا مش عارف أقولك إيه يا أخي، أنت مستفز بشكل! ايه القرف اللي انت كنت ناوي تعمله ده؟!

ثم اقترب منه أكثر، وعيناه تحترقان بتهديد: أقسم بالله يا رشدي، لو موقفتش اللي انت بتعمله ده، وبطلت تحط المجموعه واسم العيله في اي حاجة من القرف اللي بتعمله، لأنا اللي هتاجر في أعضائك!
اول واخر مره يا رشدي اعرف انك دخلت في التجاره القذرة دي سماع .. عيل مقرف.

انتصب بجسدة، ثم لوح بيده بعصبية "نفس الحركة التي التقطت في الفيديو" وهو يصرخ: فضوا القرف ده! رجعوا كل حاجة زي ما كانت! يلا.

ثم نظر إليه باحتقار صريح: أعضاء يا رشدي؟ وصل بيك الفجر للأعضاء؟!
ثم بصق  عليه هو يقول: اتفو عليك يا أخي!

استدار سليم، وأشار لمكي ورجاله لكي يتبعوه، ثم غاد الغرفة تارك خلفه  فوضى، ورشدي ممددا على الأرض وينظر إلي آثاره بغضب وغل..

باااك

عاد سليم من ذاكرته، وكأن المشهد مازال محفورا خلف جفنيه، نظر إلى ماسة، وصوته خرج حاسما: وعلشان تصدقي أنا هثبتلك…

مد يده نحو هاتفه، بينما هي هزت رأسها بسرعة، وقالت بعينان دامعتان: أنا مصدقاك يا سليم.

لكنه هز رأسه بإصرار، واجري اتصال، وبعد لحظات جاءه صوت عزت من الطرف الآخر فتح الميكرفون: أيوه يا سليم؟

قلب عينيه، وتغير صوته فجأة، صار مظلما، مهددا: بقولك إيه؟!  لم رشدي، علشان أقسم بالله المرة دي لأقتله بجد..

تفاجأ عزت: ماله رشدي يا سليم؟ عمل إيه تاني؟!

ضحك سليم ضحكة قصيرة قاسية: عمل إيه؟ سمعت إنه داخل في حوار تجارة أعضاء جديد، هيعملها تاني مكفهوش المره الاولى.

ردت عزت بصدمه: بتقول ايه يا سليم اكيد مش هيعدها تاني؟!

ازداد صوت سليم حدة: المرة دي صدقني هحطه مكان الجثة، واتاجرلك أنا في أعضاه...

واصل بسخريه حاده: ده لو حد استنضف أصلا يشتري الأعضاء النتنة دي..

صمت عزت لحظة: أنت متأكد من اللى بتقوله يا سليم؟

سليم ببرود قاتل: معرفش، انا وصل لي خبر، إذا كان صح!  حضر لابنك قبره،  وإذا كان غلط؟!  حاجة ما تخصنيش، المعلومه اللي جاتني اديني بقولها لك،  دور أنت بقى واتأكد بمعرفتك، بس صدقني يا باشا مفيش دخان من غير نار، لم ابنك..

أغلق الهاتف بحدة ولم ينظر الرد، رفع عينيه إلى ماسة، التي كانت قد سمعت المكالمة كاملة.

قالت بسرعة، وكأنها تدافع عن نفسها قبل أن يُساء فهمها: أنا مكنتش مستنية أسمع المكالمة علشان اصدقك يا سليم

تنفست بعمق، ثم أكملت بصدق موجوع: والله العظيم عمري ما صدقت إنك كده.

ترددت لحظة، ثم سألت السؤال الذي كان ينهش صدرها: بس عايزة أسألك على حاجة…

رفعت عينيها إليه، خوفا وحبا مختلطين: باقي الحاجات اللى قالها حقيقية، صح؟

وسقط السؤال بينهما كحجر في ماء ساكن، ينتظر موجته التالية.

ارتعشت شفتيه، وهز رأسه ايجابا وهو ينظر بعيدا، كأن الكلمات أثقل من أن تقال مباشرة، غصة علقت بحلقه، وصوته خرج مبحوحا وهو يقول بثقل موضحاً بنبرة مريرة: أنا اتولدت لقيت أهلي كلهم شغالين في تجارة الآثار والألماظ، الألماظ مش بييجي بالساهل، ولا بكميات كبيرة دي، فلازم تكلمي تجار المناجم هناك، و اللي مسكين الأنهار والأماكن اللي بيطلع منها الماظ والذهب واللؤلؤ، عموماً، في كيميائيات كنا بنجيبها تهريب والباقي بندخله عادي لأننا أصلا واخدين نسب في المناجم دي..

تنفس بعمق، كأنه يراجع عمرا كاملا في لحظة يعود ظهره على ظهر المقعد: بقى الموضوع بالنسبالي عادي، خلوني أصدق إنه عادي، دي أرض بلدي، وأنا لقيت حاجة فيها وببيعها للي يقدر تمنها، مش أول واحد ولا آخر واحد يعمل كده، ده في ناس من جوه البلد نفسها شغالين وبيبيعوا، أمال كل اللي بره ده كان إيه؟ اتاخد سرقة كده وخلاص؟ لا كله بالحب..

مط جانب وجهه بمرارة وابتسم ابتسامة باهتة أضاف: واللي خلاني أصدق أكتر!  إن الرجالة اللي كانوا شغالين معانا من جوه البلد، كانوا ناس شغالين في مناصب مهمه، في البلد، او يعني هم عرفوا يقنعوني من كده؟!

أضاف بهدوء موضحاً: بابا كان بيشتغل في السلاح زمان كان بيهربها، عن طريق شركة الشحن بتاعتنا، ينقلوا من مكان لمكان..

صمت لحظة، ثم قال بنبرة أوضح، وأصدق: وبعدين بطل بطل سلاح، وكمل في الآثار وألماظ.

تنهد ومال بجسدة نحوها: ونظر داخل عينيها بصدق يخرج من عينيه: بس صدقيني يا ماسة؟ بعد ماتجوزنا وبعد ما اتخطفتي وحسيت إنك ممكن تتأذي بسبب الشغل ده، أنا بطلت، والله العظيم بطلت وتوبت، وبعدت عن كل حاجة بعد العمرة بالظبط..

نظرت داخل عينيه، واقتربت منه أكثر، وأمسكت يديه بكلتا يديها، كأنها تثبته في مكانه قالت بحب يخرج من عينه: أنا واثقة فيك، ومصدقاك يا سليم، أنا سمعتك وأنت بتتكلم مع مكي، ومن قبل مسمع كنت حاسه إن كل ده كان من زمان..

ترددت قليلا، ثم رفعت عينيها إليه بقلق حقيقي:
بس يا سليم عايزة أسألك سؤال تاني، انت حاسس إن اللي حصلنا..

قاطعها قبل أن تكمل فقد فاهمه ما ستقول، قال بنبرة حاسمة بيقين، لكن فيها خوف دفين: لا مستحيل تكوني الحادثه ليها علاقه باي حاجة تخص الشغل القديم، لأني وقتها أنا كنت بعيد عن كل ده بقالي سنين، فاللي عايز ينتقم مني، ليه هيستنى السنين دي كلها، علشان ينتقم!! صدقيني يا ماسة مستحيل أكون سبب اللي حصلنا وحصل لحور...

ثم اضاف بشك، ونبرة حاده بعينين تلمع بضجر: وأنا شاكك إن هما اللي ورا اللي حصل.

اتسعت عيناها بذهول، وشدت على يده أكثر قالت بطيبه: هما ازاي؟! هيقتلوك يا سليم! للدرجة دي؟ تؤتؤ مستحيل، وبعدين أنا قولتلك، مامتك كانت عارفة، أكيد مامتك مش هتبقي موافقه على قتلك!؟

أخذ نفسا طويلا، كأنه يحاول أن يمنع صدره من الانفجار، مرر يده على وجهه ببطء، ثم قال بصوت أخفض، لكنه أكثر تركيزا: ما هو ده اللي مجنني يا ماسة، الحادثة اتعملت مرتين،  مرة العربية ومرة العصابة، وأنا متأكد إن الاتنين مش تبع بعض، يعني في طرفين، وكل واحد بيلعب لوحده.

رفع عينيه إليها، ونظر إليها باضطراب واضح: وعلشان أفهم لازم يقعوا في بعض، بس قبل أي حاجة، محتاج أهدى، محتاج أستوعب إزاي أمي ممكن تكون مشتركة في كل ده، دي أكتر حاجة مش داخلة دماغي؟!

صمت لحظة، ثم أشار بيده كأنه يعود خطوة للوراء: بس خلينا نرجع لموضوع الفيديوهات تاني، أزاى جابلك فيديو يثبت بيه إني قو، اد ؟!

شدت على يده، وقالت بإصرار مشوب بألم: يا سليم، أنا قولتلك إني مش مصدقة خلاص كبر.

نظر لها نظرة طويلة، ثم قال بهدوء غريب لكنه مرعب: وأنا قولتلك لازم أخليكي تصدقي أكتر من كده، وافهم أزاي لعب في الفيديو..

اقترب أكثر وتساءل بتركيز، وكأنه ينقب عن تفصيلة صغيرة: أنتِ قولتي البنت كانت صغيرة، طب كانت لابسة إيه؟

أغمضت عينيها تحاول استحضار المشهد فتحت عينيها قالت بتفسير: كانت لابسة جلابية ملونة وفيها ورد، شبه الحاجات اللي أنا كنت بلبسها وأنا صغيرة، بس جلابية مش فستان ولابسة طرحة بس ملامحها مش باينه خالص..

تنهد بقوة، وانحنى للأمام، وأسند كفه على جبينه، ورأسه مال للأرض، ظل هكذا ثواني، غارقا في تفكير ثقيل وعقله يعمل هنا وهناك بلا هوادة يحاول تذكر أي شيء مشابه… 

وفجأة، رفع رأسه ببطء، وعينيه اتسعت كأنه أمسك بخيط كان ضائعا، فقال بهمس متفاجئ: استني، أنا افتكرت.

نظرت إليه بقلق: افتكرت إيه؟

اعتدل في جلسته، والكلمات خرجت متلاحقة:
مامتك كلمتني من فترة في نفس الفترة إللي  كانا فيها زعلانين، كانت عايزه تشغل حد وعيزاني اتوسطلها، بس مش فاكر اسمها ايه، استنى ...

أخرج هاتفه فورا، وكأن الوقت صار عدوا له، ضغط على الاتصال، وبعد قليل جاءه صوت سعدية من الطرف الآخر متوتر: ألو، أيوه يا سليم؟

سليم بهدوء مصطنع: أزيك يا ماما سعدية، بقولك ايه فاكرة البنت إللي أنتِ طلبتي مني أشغلها؟

صمتت لحظة تحاول التذكر، ثم قالت: آه بنت أم هدير، فاكرة، مالها؟

شد على الهاتف، ونبرته بقت أدق فتح الميكرفون: مفيش كنت عايز أعرف أخبارها إيه، وأصلا مين طلب منك إنك تشغليها؟

سعدية بتوضبح: أمها اللي جاتلي، وقالتلي إنها عايزة تشغل البنت زي ما قولتلك يومها يا سليم، وعلشان يعني البت عارفه ماسة اتكسفت تشتغل عندها.

سحب نفسا حادا: طب اديني رقمها.

سعدية بقلق،: في حاجة يا ابني؟

سليم بثبات: معلش ابعتيلي الرقم بس، وخدوا بالكم من نفسكم.

سعدية: حاضر، هخلي سلوى تبعتهولك دلوقتي في رسالة.

أغلق الهاتف ببطء، ورفع عينيه إلى ماسة.

كان في نظرته شيء جديد حذر، وشرارة شك، فتساءلت ماسة بصوت منخفض: عايز رقمها ليه؟! هتعمل إيه؟

شد على الهاتف في يده، وقال بجدية قاتمة: هنبدأ نفهم بس المرادي، خطوة خطوة، ومن غير ما حد يحس.

أطرق برأسه قليلا، وكأن الصورة بدأت تكتمل أمامه ببطء مؤلم، كان الفهم يزحف إلى عقله، لا كراحة بل كوجع أثقل.

وصلته الرسالة، فلم يتردد ثانية ضغط على زر الاتصال فورا فتح الميكرفون 

سليم: ألو السلام عليكم.

أم هدير: وعليكم السلام، مين معايا؟

سليم بهدوء: أنا سليم الراوي، أزيك يا أم هدير؟

أم هدير بترحاب زائد: أهلا وسهلا يا بيه، أهلا أهلا،
أنا الحمد لله والله، أنت أخبارك إيه؟ وصحتك؟
وماسة عاملة إيه.

سليم بهدوء: كلنا كويسين الحمد لله، بقول لحضرتك… أخبار هدير إيه؟ 

أم هدير مستغربة: لا اسم الله عليك يا ابني، اللى اشتغلت دي شيماء بنتي الصغيرة مش هدير، والراجل اللي أنت شغلتها عنده، ما شاء الله عليه، ربنا يبارك له هو ومراته، كويسين أوي معاها.

تنفس ببطء، ونبرته بقت محسوبة: كويس، أنا بس كنت بسأل أطمن، علشان حصل شوية مشاكل في الشغل، فخوفت ليكون  ضايق البنت وخلط الشغل بالحاجات الشخصية.

أم هدير بلهجة واثقة: لا لا لا، راجل كويس جدا، الله أكبر عليه.

سليم: طيب الحمد لله، طب معلش سؤال تاني هو مين أصلا اللي خلاكي تكلميني؟ يعني ليه مكلمتيش طنط سعدية وخليتيها تشتغل عندها أحسن.

صمتت أم هدير لحظة، ثم قالت بخجل: والله يا ابني أنا كنت عايزة أشغل البنت، وقولت أشغلها عندكم، روحت للهانم امك، قالتلي إنها مش عايز حد يشتغل عندها، وفات ياما كده يجي ٦ شهور، وفي مرة كنت  بجيب لها الفطير، قالت لي انت شغلت بنتك، قولت لها لسه والله، راحت قالت لي، شغليها عند سعدية،
قولتلها البنت هتحط في نفسها، علشان هي صاحبة ماسة وكده، قالتلي خلاص قولي لسليم يمكن يعرفلك حد يشغلها.

أغمض عينيه لحظة، الكلمات كانت تضرب في صدره كالمطارق، الآن فهم اللعبه اخيرا، فقال محاولا التماسك: تمام يا أم هدير، عموما ده رقمي، ولو أي حاجة حصلت مع البنت، كلميني علطول.

أم هدير: ماشي يا ابني، ربنا يخليك يارب ويعلى مراتبك كمان وكمان، ابقى سلملي على ماسة.

أغلق الهاتف ببطء، كأن الحركة وحدها تستنزف ما تبقى فيه من قوة..

رفع عينيه إلى ماسة التي كانت تنظر إليه بوجع مرتجف، دموعها تنساب في صمت، فقد فهمت اللعبة القذرة التي نُصبت لهما، وفهمت الخيانة التي جاءت من حيث لا يتوقع، جاءت من والدته!!

، كانت تشعر بالوجع الذي في داخله، لا تعرف ماذا تقول فما من كلمات تقال الان 

بينما سليم كان يشعر بان هناك غصه، غصه مريره داخل قلبه، ثم قال بوجع مر، وصوت مخنوق بالسخرية والانكسار:
شوفتي أهلي عملوا فيا إيه؟ شوفتي الوجع؟

فجأة ضحك ضحكه ساخره وتابع بمراره: الا صحيح مقالولكيش إن أنا اللي حرقت القاهرة سنة خمسين، وإن أنا اللي خرمت الأوزون؟! وإن انا السبب في النكسه

صمت لحظة، كأن الكلمات لم تعد تفي بالغرض، رفع عينيه إليها ببطء، عينان غرقتا بالدموع، مكسورتان بخذلان السنين، فهو لم يخطر في باله قط ان يفعلون ذلك به خاصه والدته.

وصوته خرج مبحوحا كأنه يُنتزع من صدره، قال بقهر: شوفتي؟ شوفتي اللعبة اتلعبت أزاي؟ شوفتي أمي عملت فيا إيه؟ مكفهاش إن طول السنين اللي فاتت عمري ما حسيت معاها بمعني الأمومة ولا حنان الأم،  فكمان تطعني؟ تطعني في قلبي؟! عملت ايه لكل ده قوليلي؟!

ابتلع غصته بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط بعنف بدموع رجل مكسور اول مره ينطق بتلك الكلمه امي من قسوه ما علمه: كنت ممكن أصدق أي حاجة، إلا إن أمي تغدر بيا بالشكل ده، يا ريتني مت قبل ما أعرف كل ده...

ضحك ضحكة مكسورة خرجت من بين دموعه، ضحكة موجوعة لا تمت للفرح بصلة، أقرب لبكاء يصرخ دون صوت.

لم تستطع ماسة أن ترد، كانت تنظر إليه بوجع يقطع نياط القلب، تشعر بانكساره كأنه كسرها هي.

وفجأة انفجرت دموعها، لم تحتمل أكثر، اقتربت منه بسرعة، واحتضنته بقوة، كأنها تحاول أن تضم قلبه قبل جسده، أن تهدئ ألمه بيدين مرتعشتين.

شدها سليم إلى صدره بعنف مفاجئ، كأن جسده وحده هو من تحرك، كأن عقله سقط أرضا ولم يبقى إلا الخوف، التفت ذراعه لمرتعشة حولها بقسوة موجوعه ممزوجه بحنان ، ليحتمي بها كطفل تائه وجد أخيرا من لا يتركه وحده في الظالم.

انهار، وانحنى رأسه على كتفها، وانفلت بكاؤه مكتوما، ثقيلا، يهز صدره هزّا، بكاء رجل عاش عمره متماسكا، صلبا، يظن أن القوة لا تهزم، حتى اكتشف أن أقسى الضربات تأتي ممن يفترض أنهم الأمان.

كان يبكي خذلان أم، وطعنة دم، وانكسار صورة عاش يؤمن بها.

كانت تشعر برجفة جسده، بين أحضانها، بأنفاسه المتقطعة التي تخونه، فمررت يدها على ظهره ببطء موجوع، تحاول تهدئته بينما قلبها ينزف معه، ضمته أكثر، كأنها تقول دون صوت "أنا هنا، حتى لو سقط كل شيء

بكت معه، وبكت عليه، بكت على رجل كسروه، ولم يتعلم يوما كيف يكون ضعيفا، فدفع ثمن صموده الآن دفعة واحدة.
♥️_________بقلمي_ليلةعادل________♥️

على إتجاه آخر، في جناح رشدي ومي.

وقف رشدي أمام مرآة الحمام، ساكنا، يحدق في انعكاسه كأنه لا يراه، انحنى قليلا، مد يده وأخرج تذكرة، مخدر كان قد أخفاها داخل شرابه، انتصب ووضع البدرة على ظهر يده، وقربها من أنفه، شمها بعمق، ثم أغلق عينيه لحظة قصيرة.

ألقى بالكيس في المرحاض، ضغط السيفون، ثم فتح الصنبور، غسل وجهه، ورفع رأسه ينظر إلى نفسه مجددا في المرآة وزفر وكأنه يطرد شيئا ثقيلا من صدره.

خرج من الحمام، وألقى نظرة سريعة نحو السرير؛ كانت مي، ما زالت نائمة، جسدها مائل، أنفاسها منتظمة، مسح وجهه بكفيه، ثم اتجه إلى الشرفه.

جلس ينظر للهرم في الأفق بنظرة طويلة خالية من التعبير.

في الداخل، تقلبت مي في السرير، فتحت عينيها بتثاقل، مدت يدها فلم تجده بجانبها، اعتدلت، ونظرت حولها، فلمحته جالسا في الشرفه.

تنهدت، ونهضت ببطء دخلت الحمام، ثم خرجت.

في تلك اللحظة لمحها رشدي، فنهض من مكانه، ووقف أمامها بابتسامة خفيفة، وقال: صباح الخير يا مشمشتي.

ردت وهي تفرك عينيها: صباح النور، الساعة كام دلوقتي؟

قال بهدوء: 11 وداخله على 12.

اتسعت عيناها وقال بانفعال: داخله على 12، عادى كده!! يخربيت برودك يا رشدي أنت ناسي إن طيارتنا الساعه 2 كده هنتأخر، مصحتنيش بدري لييه.

لف ذراعيه حول رقبتها وأغلق فهما بكف يده: بس خلاص اسكتي، إيه يا مي يا حببتى راديو وانفتح!! جايبه الطاقه دى كلها منين علي الصبح، بطلى ندب هنلحق.

ازاحت يده بانفعال: نلحق ازاى وفاضل علي الطياره ساعتين!!

أجابها ببساطه: وافرضي ملحقناش يا ستي، إيه المشكله! ناخد اللى بعدها.

دبدبت بقدميها في الأرض بانزعاج طفولى: والله أنت بارد يا رشدي.

ضحك وقرص خدها مشاكسا: لا أنت اللى هرمونات النكد طافحه عليكي علي الصبح يا قلب رشدي، روحي يلا حضري نفسك خلينا نلحق الطياره.

نظرت له بغضب طفولى، ولكنها لم تعلق واتجهت للغرفه لتقوم بتغير ثيابها وهي تزفر بضيق.

فصاح ضاحكا وهو يتابع ابتعدها بتلذذ: بالراحه على نفسك يا محمود لحسن تحرقنا في نفخه من دول.

التفت إليه قبل أن تدخل الغرفه، وكرمشت وجهها بسخريه: دمك تقيل على فكره.

ثم أغلقت الباب خلفها، واتجه هو الآخر لتغير ثيابه، وبعد الانتهاء بدأ الاثنان يرتبان الأمتعة، ويتأكدان من أغراضهما، استعدادا للذهاب إلى المطار.

في جناح ياسين ولوجين. 

كانت لوجين مستلقية على الفراش في هدوء عميق، بمفردها، وبعد قليل، دخل ياسين مبتسما ابتسامة واسعة، مرتديا روب أبيض، ويسمك بين يديه وردة حمراء ..

تحرك نحوها ببطء، واقترب ومرر الوردة برفق على وجهها قائلا: جوجا، يلا اصحي.

وضع قبلة خفيفة على خدها، فبدأت تحرك عينيها بدلال، ثم استلقت على ظهرها وفتحت عينيها قائلة: صباح الخير.

ابتسم ياسين، ومرر أطراف أصابعه على وجنتيها، وسحب شعرها برفق إلى الخلف: هو إيه الجمال ده؟

ضحكت لوجين بخفة، وقالت: بطل!

ضحك الاثنان معا، ثم قال ياسين: طب يلا قومي علشان نفطر ونجهز، ورانا طيارة هتاخدنا لأحلى شهر عسل.

ابتسمت لوجين بدلال وجلست بسرعة، لكنها مدت يديها ولفتها حول عنقه بابتسامة واسعة، تداعب أنفه بأنفها، وهم يمضون اللحظة البسيطة بسعادة: بس انت بقى هتفطرني كده؟!

ابتسم ياسين واحتضنها، ثم نظر إليها بعيون مرحة أمال أنتِ عايزة نفطر إزاي؟

نظرت لوجين حولها، فرأت الصينية بالقرب منها، فابتعدت قليلا، نهضت وأحضرتها، ثم جلست أمامه.
أمسكت قطعة من الخبز ووضعتها في فمه: كده المفروض تفطرني بإيدك، امال فين الدلع بتاع أول يوم.

ضحك ووضع قبلة سريعه على شفتيها، ثم وضع  قطعة الخبز في  فمها: كده كويس

اومأت بابتسامه: أيوه.

واخذ يطعمون بعضهما، وهما يتبادلون الضحكات 

بعد الانتهاء، بدل الاثنان ملابسهما وحضرا نفسيهما للسفر، وأثناء تحركهما في الممر، تساءلت لوجين بابتسامة: متعرفش طيارة رشدي ومي الساعة كام؟

أجاب وهو يبتسم: مش عارف.

أومأت براسها، ثم واصلا الطريق نحو المطار، وعند وصولهما، استقلا الطائرة، متجهين إلى اسكتلندا، حيث يبدأ شهرا مليئا بالحب والفرح واللحظات الصغيرة التي تترك أثرا كبيرا.
💞______________بقلمي_ليلة عادل

الإسكندرية، 11:30 ظهرا.

منزل آلاء.

استيقظت أنهار من نومها، تلهج شفتاها بذكر الله، مدت يدها إلى الفراش، فوجدته باردا، فتنهدت بعمق وهمست: أستغفر الله العظيم، برضو منامتش.

نهضت من مكانها واتجهت إلى الخارج، حتى وقعت عيناها عليها.

كانت آلاء تجلس في الشرفة المطلة على البحر، ساكنة الجسد، شاردة الروح، تحدق في الأفق بلا تركيز، عقلها ما زال عالقا فيما حدث؛ زواج سريع، وحياة انقلبت رأسا على عقب في غمضة عين.

اقتربت منها والدتها، وقالت بصوت يملؤه القلق: برضو يا بنتي منمتيش؟

نظرت إليها بطرف عينيها، ثم أعادت بصرها إلى البحر، وقالت بصوت مبحوح، كأن الكلمات تخرج مجروحة: أعمل إيه يا أمي؟ عقلي كأن في شوك بيغرز فيه مش قادر يستوعب اللي حصل، جوايا نار بتاكل في قلبي.

ترقرت الدموع في عينيها بوجع، وانخفض صوتها بانكسار: أنا مطلبتش حاجة كبيرة، كل اللى طلبته الستر وإن ربنا يكرمني وأنجح في جامعتي، وأتعين معيدة، وأقبض مرتب كويس، وأعوضك عن سنين التعب والشقي، واتجوز راجل محترم يتقي ربنا فيا، لا حلمت ببرج ولا بالحاجات اللي بنشوفها في التلفزيون..

اهتزت الكلمات بين شفتيها، وتابعت بمرارة: كنت بصبر نفسي كل ما الدنيا تضيق بيا، وأقول معلش يا بت اتأقلمي واستحملي، بكره تحققي حلمك والدنيا هتبقي أحسن..

صمتت ثواني، وهبطت دموعها دفعه واحده، وهي تنظر للفراغ بشرود: وفجأة كل دى راح في لحظه، حتى الحلم اللى كنت بصبر نفسي بيه اتبخر قبل حتى ما أطوله، وخلاص لا هيبقي فيها معيده ولا حياة كويسه، وفوق كل دى هواجه المجتمع بحمل تانى اتقل وأنا مطلقه، وأنت عارفه بقي كلام الناس مبيرحمش.

مسحت دمعتها، وقالت بانهيار: أنا ليه بيحصلي كل ده يا ماما؟! 

ربتت أنهار على يدها بحنان، وضغطت عليها كأنها تريد أن تثبت قلبها، وقالت محاولة تهدئتها: أكيد ربنا له حكمة كده يا بنتي.

التفتت إليها بعينين دامعتين، وصوت مكسور: إيه الحكمة إن سمعتي تتبهدل، واتجوز بالطريقة دي؟ ليه يحصلي كل ده؟ ومن مين؟! من أخويا اللى أنا المفروض عرضه وشرفه، يبقي أول واحد ينهش فيا ويخلى سمعتي على كل لسان! لييييه أنا عملتله إيه لكل دى، سنين وأنا مستحمله قرفه وصابره، ليه يحصل فيا كده ليه؟!

لم تستطع أنهار التماسك أكثر، فجذبتها إلي احضانها بقوة، وأخذت تربت على ظهرها وهي تقول ببكاء قطع نياط قلبها على حال فلذة كبدها: ارحمي نفسك يا آلاء، بقالك يومين كده يا حببتى ارحمي نفسك، حقك عليا أنا يا حببتى، حقك عليا.

ثم أخذت نفس عميق، وقالت بمواساة محاولة التماسك: أكيد ربنا عمل كده علشان يشوف قوة إيمانك وبيختبرك، وأنا بنتى قويه وهتعدى الاختبار إن شاء الله، استغفري ربنا يا بنتي، ومتقوليش كده، ده الأنبياء نفسهم كان بيحصلهم أكتر من كده، قولي الحمد لله إنها جت على قد كده، وإن ربنا وقعك في حد زى دكتور مصطفى، راجل محترم ووقف جنبك، اللي زي ده خلصوا، لو حد تانى مكانه، والله ما كان عبرك، وكان قال وأنا مالي؟

ابعدتها قليلا عن أحضانها، وكورت وجهها بين كفيها وهي تمسح دموعها بحنان: استغفري يا حببتى، وقومي صلي ركعتين لله واشكيله همك، ربك كبير وقادر يفرجها من عنده.

ربتت على خدها بتشجيع: يلا يا حببتى قومي صلي وارمي حمولك على الله، بإذن الله كله حاجه هتبقي كويسه، قومي يا حببتى ربنا يريح قلبك.

كادت آلاء أن ترد، لكن في تلك اللحظة دوى صوت طرق على  الباب، فتنهدت أنهار ومسحت دموعها، توجهت الى الباب وفتحته، فوجدت مصطفى أنامها يحمل بين يديه أكياس طعام، ونظراته تتنقل بينهما في صمت ثقيل، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة لطيفة، ويقول بهدوء: صباح الخير.

ردت أنهار بسرعة، وهي تغتصب ابتسامه: صباح النور يا ابني، تعالي اتفضل.

تحرك خطوة إلى الداخل، فتقدمت آلاء ووقفت في المنتصف، وقالت بصوت خافت: صباح الخير يا دكتور.

ابتسم ابتسامة خفيفة: صباح النور يا آلاء.

ثم قال محاولا كسر الجمود: هاعاملين إيه؟ طمنوني، إيه الأخبار؟ 

قالت أنهار: الحمد لله، كله كويس، والمنظر هنا يرد الروح.

هز رأسه: طب الحمد لله.

رفع الأكياس وقال: أنا جبتلكم فطار، فلافل وفول، وحاجات تحطوها في التلاجة، قولت اعدى عليكم قبل ما أروح الشغل، مش محتاجين أي حاجه؟!

ردت أنهار بهدوء: لا يا ابني عايزين سلامتك، ربنا يسهلك طريقك ويوقفلك ولاد الحلال يارب.

اومأ برأسه وقال وهو يتجه نحو الباب: طيب، بعد إذنكم.

انتصبت آلاء في مكانها فجأة، وكأنها حسمت شيئا بداخلها، وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتا: دكتور مصطفى، لو سمحت ممكن لحظة؟

التفت إليها، وقال بهدوء: نعم يا آلاء، عايزه ايه؟

نظرت إليه مباشرة، دون مواربة: ليه قولت إن أهلك موافقين؟ هما رافضين؟!

رمش بعينيه لثانية عابرة، ثم اومأ برأسه وقال مؤكدا بخفوت: صح.

انقبض وجهها، وسألته بحدة مكبوتة: طب ليه كدبت وقولت إن هما موافقين؟

زفر ببطء، وكأن الأمر لا يستحق كل هذا، ثم قال مفسرا: مش كدب، نقدر نسميه تصحيح موقف.

اقترب خطوة، وتابع بنبرة عقلانية محاولا تهوين الأمر عليها: مكانش ينفع يا آلاء في عز إحساسك بالخوف والحرج أقولك كمان إن أهلي رافضين، كان لازم أعديها، وأي أم مكانها طبيعي ترفض، دى شئ كان متوقع.

قالت بسرعة، كأنها تخشى أن تتراجع: طب أنا مش هقدر أفضل هنا، وهما مش متقبليني.

تجهم وجهه قليلا، وتساءل باستغراب: يعني إيه؟

ابتلعت ريقها وقالت: يعني خلينا نرجع القاهرة، ما أنا اتجوزتك، وخلاص محمود مش هيقدر يعمل حاجة.

شد على فكه وقال بحدة منخفضة: آلاء اسكتي شوية، ومتفتحيلش الموضوع ده تاني.

رفعت رأسها وقالت بصوت مرتعش: دكتور، بعد إذنك..

قاطعها وهو يقترب منها خطوة حاسمة، وقال بنبرة قاطعة: قولت اسكتي، وعلى فكرة انتِ دلوقتي مراتي..

توقف لحظة، ثم أكمل بمزاح داعب: يعني لو ضربتك عادي.

اتسعت عيناها، لم تتوقع منه مثل هذه الكلمات لكنها لم تبتسم.

أدار ظهره، وقال منهيا الحوار: أنا ماشي علشان اتأخرت، وأنتِ يلا روحي افطري علشان الأكل لما بيبرد مش بيبقى له طعم.

وغادر، تاركا خلفه صمتا ثقيلا، بينما ظلت آلاء واقفة في مكانها، فاقتربت منها والدتها وربتت على ظهرها، وهي تقول بحنان: تعالى يا حبيبتى نفطر علشان ناخد العلاج، وسيبيها على الله.

هزت راسها بإيجاب وتحركت معها بصمت.

🌹__________بقلمي_ليلة عادل_________🌹
 
كفر الشيخ 

سرايا منصور، 1:00 ظهرا.

جلست عائلة ماسة في الصالون الواسع، تحيط بهم حركة لا تهدأ، الخدم ينتشرون في المكان، يلمعون الأثاث ويعيدون ترتيب كل شيء وكأن القصر يستعد لمرحلة جديدة.

في الخارج، كانت الحديقة تحت أعين عدد من الحراس، بينما تولى عشري متابعة كل التفاصيل بعد رحيل مكي.

داخل سرايا

اخذت سعدية تدير رأسها في المكان، بعينين لا تصدقان: عيشنا وشوفنا، السرايا اللي قضينا عمرنا نخدم فيها، دلوقتي قاعدين فيها هوانم.

ضربت كف على كف وهي تقول بمرارة: والنبي أنا مش مصدقة نفسي، فاكرة يوم ما دخلت هنا؟ كان عندك حوالي 12 سنة، وأمي الله يرحمها جابتني أشتغل في سرايا الباشا ومن يومها مخرجتش من القصر غير يوم جوازنا يا مجاهد.

قالت كلماتها بضحكة مرتعشة، تختلط فيها الفرحة بالخوف من المجهول.

عمار بقلق واضح: بس اشمعنا جابونا هنا دلوقتي؟ يعني ليه؟ وبعدين سليم كان عايز رقم ام هدير ليه هو يعرفها منين أصلا؟!

نظرت سعدية نظرت له باستهجان: أنا إيش دارني ما أنا قدامك اهو.

رفع حاجبيه مستنكرا بشدة: لا والله عليا، انتم عارفين كل حاجة، في ايه؟! سليم عمل ايه؟! وجبنا هنا ليه؟!

حاول مجاهد أن يبدو ثابتا: الله أعلم يا بني، إحنا شوية ونكلم أختك، ونفهم منها كل حاجة.

نهض عمار من مكانه بانفعال: بس أنا عايز أفهم دلوقت، إحنا هنا بنعمل إيه؟ وإيه اللي بيحصل؟ محدش فيكم عايز ينطق ليه؟!

مجاهد بحدة: في إيه يا عمار؟ اتكلم باحترام ووطي صوتك.

خفض عمار صوته لكنه ما زال غاضبا: ما أنا بتكلم باحترام، بس محتاج أفهم.

قاطعت سعدية حديثه قائلا بانفعال: تفهم إيه؟ أختك قالت تيجوا تقعدوا هنا، يبقي خلاص نقعد هنا.

تدخل يوسف: لا، الموضوع فيه حاجة، وأنتِ عارفة، هو إحنا دايما آخر ناس تعرف؟!

نظر مجاهد إلى سعدية نظرة طويلة، وقال: قولي للعيال علشان يفهموا الموضوع من أوله لآخره.

تنهدت سعدية بعمق، وكأنها تحمل ثقل سنين على صدرها، وقالت بتهكم: هقول بس وحياة ربنا، الموضوع ده لو اتفتح، أو اتكلمنا فيه، أو حصلت أي حاجة بسببه، تبقى مصيبة.

اتسعت عينا سلوى، ومالت للأمام بخوف: يعني هتتكلموا هنا؟ عادي كده؟ والحراس والخدم داخلين طالعين؟

ثم أضافت بصوت أقرب للهمس: اهدوا شوية، إحنا في مصيبة، لما الخدامين يمشوا، تبقوا تعرفوا.

عمار بتوتر: أنتِ مقلقاني ليه كده؟

سلوى بتهكم حاد: اقلق  يا حبيبي؟ واقلق اوي كمان، واسكت بقى شوية.

مجاهد بعد صمت قصير: طب ما تكلمي ماسة نطمن.

سعدية بتردد: مش هينفع دلوقت، على العصر كده، نبقى نكلمها نطمن عليها.

هز الجميع رؤوسهم بالإيجاب، وعاد الصمت يفرض نفسه من جديد، صمت أثقل من الكلام، كأن الحقيقة جالسة بينهم، تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتخرج، وتقلب كل شيء.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة